الاحتفاء بالحياة والموت

حنان بديع
2020 / 8 / 18

لا شيء يستحق الانحناء ولا خسارة تستحق الندم ..
هذه فلسفة الشعوب الأبية ذات الإرادة الصلبة فكما للأرض حقها في أن تغضب وللبحور مشيئتها في أن تثور وللرياح رغبتها في أن تعصف بنا ..
لنا أيضا الحق والإصرار على الاحتفاء بهذه الحياة في كل أحوالها.
نعم نحن الأصغر والأضعف على هذا الكوكب إلا أن أحلامنا الأكبر وإرادتنا هي الأقوى على الإطلاق..
و كما أن الطبيعة تتغذى على الحياة فان الإنسان مثلها يتغذى على حب هذه الحياة والاحتفاء بها أو بوداعها..
أكثر من بلد وأكثر من ثقافة برهنت مؤخرا في أكثر من بقعة على هذه الأرض بكل إصرار وعناد على تمسكها بالحياة والاحتفاء بأحزانها وأفراحها على حد سواء..
فها هي القنبلة الشبه نووية التي فجرت مرفأ بيروت قتلت ودمرت وشردت لكنها لم تزد الشعب اللبناني سوى عطاء وتلاحما وإصرارا على تحدي كافة النتائج في فترة قياسية تترجم حماس هذا الشعب وتفانيه في العمل بطريقة حضارية تتسم بالتواضع ، رغم كل ما لا يدعو للفخر في هذا البلد الجميل الذي طالما احتفى بالحياة على طريقته الخاصة.
وإذا كانت الحياة رغم الألم تستحق الاحتفاء فان مغادرتها أيضا رغم الحزن يبدو حدثا هو الآخر يستحق الاحتفاء به ..
نعم يحدث هذا على الطريقة الهندية مثلا وهو ما قام به أحد الفنادق الذي يقع على مقربة من نهر الجانج حينما تخصص في استضافة من ينتظرون الموت دون سواهم ..
فهل يكون الموت أيضا حدثا يمكن استقباله بشجاعة ؟
يؤكد هذا مدير النزل معلقا .. "مثلما يحتفل بقية العالم بحياة جديدة نحتفل نحن بالموت ..ستكون هناك حياة أخرى بعد ذلك لذا ليس هناك ما يدعو للخوف، إن البكاء نوع من الحماقة !"
هذه الحقيقة ربما يدركها البعض ويتمسك بها عن إيمان وعقيدة، على اعتبار أن البكاء فعلا نوع من الحماقة لا يجب أن نقابلها إلا بمواقف نبيلة ننتصر بها حتى على أنفسنا..
ما أسهل التدمير وما أصعب البناء وما أرقى التضحية وما أذكى التعاطي مع ما يخفيه القدر بروح رياضية ، بل وما أخطر أن نعتقد بأننا أتينا الى هذه الدنيا لنكون سعداء .
فقد جئنا لنعاني ونقاوم كل على طريقته ، هذا ما يؤكده علم البيولوجيا فعندما نتعرض لأي أزمة أو ألم، فإننا تلقائيا ما نتأهل نفسيا وجسديا لمواجهة هذا التحدي ، فعلى سبيل المثال الجوع المتزن يصلح جسدنا وينشّط آلياته أما المشكلات التي ترهق دماغنا فتسبب تطور دماغنا وتنشيط خلاياه وعندما نصاب بأي مرض، فإن نظام المناعة يكتسب الخبرة ويصبح أكثر يقظة.
لقد جئنا إلى هذا العالم للتعاطي مع المتاعب والصعوبات ، جئنا لنتألم ونتحدث ونفلسف ألمنا ونمجده ، نحن لسنا من المخلوقات المصممة للراحة التي نتوق اليها أو السعادة التي نبحث عنها،

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي