محمد يونس السبعاوي هو صاحب فكرة الاتصال بالاتحاد السوفيتي 1941

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 8 / 18

استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
في مقالي السابق الذي نشرته قبل أيام وعنوانه ( قاسم حسن 1910-1970 - .المتنور العراقي اليساري الكبير وأضواء جديدة عن نشأة الحركة الشيوعية في العراق المعاصر) في صفحتي وفي موقعي الفرعي في موقع ( الحوار المتمدن ) قلت انني ومنذ سنوات بعيدة ، كنت أقرأ للاستاذ قاسم حسن . ولدي بعض مؤلفاته ومنها كتابه الرائع (بوابة ثورات القرن العشرين ) . وكنت اريد أن اكلف احد طلبة الدكتوراه ان يكتب عنه اطروحة، لكن الرياح جرت بما لاتشتهي السفن .وقاسم حسن من أوائل الشيوعيين العراقيين ، وله تاريخ قد يضاهي ان لم أقل يسبق تاريخ يوسف سلمان يوسف (فهد ) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي سنة 1934 . ذلك انه كان طالبا في (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق ) مع عبد الحميد الخطيب وهو مدرس كيمياء بغدادي وعاصم فليح وهو خياط ويوسف سلمان يوسف منذ 1929 و بعد ذلك بقليل .
يقول المؤرخ السوفيتي الروسي كريكوري كوساج * في كتابه الموسوم : ( شيوعيو الشرق الأوسط في الاتحاد السوفييتي ) ، وفيه فصل عن الشيوعيين العراقيين عنوانه ( الشيوعيون العراقيون في الإتحاد السوفييتي ) والدكتور عبد الله حبة هو من ترجم الكتاب ومن ارسل لي الفصل الاخ الاستاذ الدكتور خليل عبد العزيز عبر الايميل :" كان أول طالب عراقي في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق هو عبد الحميد الخطيب (بالإسم المستعار خالد) ، وقد وصل إلى موسكو في آب عام 1929.
أما الطالب الثاني فهو عاصم فليح الذي ورد اسمه في وثائق الجامعة. وصل عاصم فليح (بالإسم المستعار صائموف) إلى عاصمة الاتحاد السوفييتي - موسكو في سنة 1931 واستقر فيها، ودرس في (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق ) في الفترة بين سنتي 1934 – 1935. وقد اعتبر عاصم فليح ممثل الشيوعيين العراقيين في المؤتمرالسابع للأممية الشيوعية مع قاسم حسن أحمد الشيخ ( تحت اسماء مستعارة هي مريد، ناظم تمين، زقور نعيم) .هذا فضلا عن يوسف سلمان يوسف (الإسم المستعار هو فردريك، برنارد فريدريك).
لقد مكث ( قاسم حسن أحمد الشيخ ) ، وهذا هو اسمه الكامل في موسكو لمدة سنة واحدة، وغادرها في سنة 1936 بعد أن انهى الدراسة في (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق وعاد إلى العراق .
وقد يكون من المناسب القول ، ان المؤرخ السوفيتي الروسي كريكوري كوساج عاد الى مايعرف اليوم ب ( ارشيف الدولة الخاص بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الروسي، وتحديداً في القسم المتعلق بالعلاقة بين الكومنترن والشيوعيين العراقيين) في موسكو .
اليوم سأترك هذه الصفحة وانتقل الى صفحة أخرى وهي ان محمد يونس السبعاوي وهو أحد قادة حركة نيسان - مايس 1941 ضد الاستعمار البريطاني ومن والاه من الحكام وبعد ان اخمدوا الحركة بقوة السلاح واعاد البريطانيون احتلال العراق ثانية وبما يعرف في التاريخ بالاحتلال البريطاني الثاني للعراق 1941 فكر في الاتصال بالاتحاد السوفيتي .
وذكر المؤرخ الكبير الدكتور خلدون ساطع الحصري في مقالة له في مجلة (الجيل ) اللبنانية العدد الرابع الصادر في كانون الثاني -يناير 1981 بعنوان (يونس السبعاوي من ابطال ثورة العراق سنة 1941 ) ان الاستاذ قاسم حسن يقول :" ... وفي ذات يوم جاءني السبعاوي وقال لي أن رأي الجماعة [طبقا يقصد العقداء الاربعة صلاح الدين الصباغ ومحمد فهمي سعيد وكامل شبيب ومحمود سلمان ومعهم رشيد عالي الكيلاني وهو من قام بالحركة ] قد استقر على القيام بتنظيم مقاومة سرية في العراق على الانكليز وان هناك امكانات في شمالي العراق للقيام بمثل هذا العمل ولايعوزنا سوى السلاح وان بوسع الاتحاد السوفيتي أن يوفره لنا وتساءل عما اذا كنت استطيع التعاون معه في القيام باتصالات مع سفارة الاتحاد السوفيتي للقيام بذلك ؟".
ويستطرد الاستاذ قاسم حسن فيقول انه اعرب لمحمد يونس السبعاوي عن استعداده للتعاون معه وقال :" واخذنا نعقد الاجتماعات معه ومع محمود سلمان لدراسة الموقف وبدأنا نعد الترتيبات ونهيء الوسائل بعيدا عن رقابة عملاء النازية وعيون الانكليز الذين كانوا يمارسون في طهران ذلك الوقت نشاطا واسعا " .
يضيف الاستاذ قاسم حسن ويتحدث عن نتيجة لقاءاته مع محمد يونس السبعاوي والعقيد الركن محمود سلمان وهو احد العقداء الاربعة الذين كانوا وراء الحركة التحررية في نيسان -مايس 1941 وقال :" تمكنا من عقد اجتماع مع القائم باعمال السفارة السوفياتية وأمين مكتبه وفي خلال ذلك الاجتماع الذي بسطنا فيه الموقف في العراق انهالت علينا الاسئلة والاستفسارات حول اهداف الحركة ومدى دعمها من قبل الشعب وعلاقتها بالنازية وغير ذلك " .
وقال الاستاذ قاسم حسن انه كان على اتفاق مع السبعاوي " حيث تفاهمنا مبدئيا حول هذه الامور وبالفعل تحدث السبعاوي في حدود ماتم عليه الاتفاق فأكد على ان هدف هذه الحركة هو مكافحة الاستعمار البريطاني ونفى وجود أية صلة وارتباط لها بالنازية " .
يقول الدكتور ذاكر محي الدين العراقي في كتابه ( محمد يونس السبعاوي ودوره في الحياة السياسية في العراق ) ان محمد يونس السبعاوي قال للمسؤولين في السفارة السوفياتية في طهران ان الثورة في العراق " ثورة وطنية موجهة ضد الامبرياليين وليس لها صلة بالنازية " . وكان يطمح لاشعال ثورة شعبية الى جانب الاعتراف بحكومة الكيلاني في المنفى . وفي كتاب السيد عبد الرزاق الحسني (الاسرار الخفية في حوادث السنة 1941 التحررية ) ان السبعاوي وجد تجاوبا من المسؤولين في السفارة بعد جلستين من المباحثات . ويقول الاستاذ محمد حسن الطوبجي في كتابه ( خواطر وذكريات ) انه كان من المقرر ان يذهب السبعاوي مع المحامي قاسم حسن احد اعضاء الحزب الشيوعي لكن تقرران يذهب قاسم حسن لوحده كما سبق ان قدمنا وهيأ له السبعاوي كل متطلبات السفر وبالفعل وصل قاسم حسن الى موسكو ولكن بعد فترة وجيزة من وصوله هجمت القوات الالمانية على الاتحاد السوفياتي في 22 حزيران 1941 مما ادى الى تعذر انجاز المهمة واضطر قاسم حسن للبقاء في موسكو حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية .
ومما يؤكده الاستاذ قاسم حسن ان الاجتماعات في السفارة السوفيتية في طهران تعددت وبحضور السفير وافهمنا ان مثل هذا البحث يستلزم السفر الى موسكو واعربت السفارة السوفيتية عن استعدادها لاعداد الوسائل التي " تمكننا من السفر فوافقنا على ذلك " .
يقول الاستاذ قاسم حسن انه " في اليوم المعين للسفر جاء السبعاوي لابسا فروة ومعه (محمد عباس ) واقترح علي أن اسافر بمفردي لان الخلافات التي نشبت في صفوف العناصر القومية قد اشتدت بحيث اصبح وجوده ضروريا للقيام بحلها وتسويتها تمهيدا لتنظيم المقاومة الشعبية فوافقت على ذلك وتمكنت من الاختفاء بصندوق سيارة خرجت من مبنى سفارة الاتحاد السوفياتي في طهران الى مكان ما نقلت منه الى الاتحاد السوفياتي ..." ...انتهى كلام الاستاذ قاسم حسن .
اعود قليلا الى الوراء لأشير الى ان محمد يونس السبعاوي ومنذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي ، بدأ عن طريق علاقاته مع الضباط القوميين يلعب دورا متزايد الاهمية في السياسة العراقية حتى عين وزيرا للاقتصاد في وزارة رشيد عالي الكيلاني التي خاضت الحرب العراقية -البريطانية في نيسان -مايس 1941 واراد السبعاوي خلال هذه الحرب الغاء امتيازات النفط الممنوحة لبريطانيا .
وقد كان له دورفاعل في الحركة وشارك فيها على رأس قوة مكونة من متطوعين عراقيين وفلسطينيين وعندما فر القادة العسكريون بعد فشل الحركة واحتلال الانكليز لبغداد اعلن محمد يونس السبعاوي وزير الاقتصاد نفسه حاكما عسكريا على بغداد استعدادا لقتال القوات البريطانية ، الا ان سياسيين عراقيين كان لهم رأي آخر ، وهو وقف القتال لذلك اعتقل وسفر رغما عنه الى ايران وفي طهران اتصل السبعاوي بالسفارة السوفيتية من خلال التعاون مع قاسم حسن وهو ممن كان مؤمنا بالماركسية وطالب السوفييت بمساعدة المقاومة العراقية في داخل العراق واتفقت السفارة معه على ان يتوجه الى موسكو لكي يعرض الأمر على القادة السوفييت وطلب من قاسم حسن ان يسافر نيابة عنه وسافر قاسم حسن الا ان هجوم الالمان على الاتحاد السوفيتي ودخول القوات البريطانية والسوفياتية الى ايران حال دون تحقيق مشروع المقاومة ، وقامت القوات البريطانية باعتقال السبعاوي في طهران وتسليمه للحكومة العراقية التي حاكمته امام مجلس عرفي عسكري ودافع عن نفسه دفاعا قويا ومؤثرا وصدر الحكم باعدامه واعدم ويتفق كل من شهد ذلك انه تقدم الى المشنقة وهو رافع الرأس رابط الجأش ومات بشجاعة .
وممن كتبوا عنه الاستاذ خيري العمري في كتابه (يونس السبعاوي سيرة سياسي عصامي ) بغداد 1986 .كما قدم عنه الاستاذ الدكتور ذاكر محي الدين العراقي رسالة ماجستير في كلية الاداب -جامعة الموصل وكان لي شرف رئاسة لجنة المناقشة ، وتحولت الرسالة بعدئذ الى كتاب صدر عن مكتبة بشار أكرم في الموصل 2014 بعنوان ( محمد يونس السبعاوي ودوره في الحياة السياسية في العراق) وكان لي ايضا شرف كتابة التقديم لها .

____________________________________
*كريكوري كوساج ولد في سنة 1944 ، وهو مؤرخ سوفييتي وروسي في الشؤون العربية ومختص في الشؤون السياسية العربية المعاصرة، ويتقن اللغة العربية. ويشغل منصب بروفسور قسم التاريخ العربي المعاصر، وحصل على شهادة الدكتوراه في سنة 1990، وأخصائي في معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس تحرير مجلة "أوراسيا"، وهو مؤلف أكثر (163) من الكتب والمقالات في غالبيتها حول الشؤون السياسية في البلدان العربية.