استحقاقات الديمقراطيه

رفعت عوض الله
2020 / 8 / 17

أستحقاقات الديمقراطية
بعد حرب دامت 30 عاما من 1618 م الي 1648 ،عقدت القوي الاوروبية المتحاربة صلح مدينة "وستفاليا" . كان هذا الصلح نقطة بداية ما سمي بالدولة القومية التي لها حدود جغرافية محددة وشعب معين وحاكم . وكان هذا يعني نهاية الدولة المسيحية القائمة علي وحدة الدين ، والتي فيها استمد الناس قيمتهم من كونهم رعايا مسيحيين للملك او الامبراطور المسيحي .
ومعني هذا قيام الدولة الحديثة "دولة ما بعد وستفاليا " علي اساس عقد اجتماعي بين جموع الناس والحاكم ، بموجبه يكفل الحاكم الامن والسلام الاجتماعي وتطبيق القانون مقابل خضوع وطاعة المحكومين له . الدولة الجديدة او الدولة القومية اصبح اساسها ليس إلهيا ولكنه عقد اجتماعي بشري ، وبالتالي يعني هذا بداية إنتفاء الصفة الدينية للحكم . هنا تحول الناس من رعايا الي مواطنين . وهذا بدوره يعني الإقرار بالتعدد والتنوع الديني . وهكذا بدأ الكاثوليك ينعمون بالحرية وممارسة الحقوق في الدول ذات الصبغة البروتستانتية مثل انجلترا وهولندا ، وايضا البروتستانت في الدول ذات الاغلبية الكاثوليكية كفرنسا واسبانيا .
النظر للناس علي انهم مواطنون يعني ان لهم حقوق وعليهم واجبات بغض النظر عن كونهم كاثوليك او بروتستانت ، وهذا بدوره يعني ان من حقهم المشاركة في إدارة الشان العام في الادارات المحلية والمجالس النيابية . وهذا هو مفهوم الديمقراطية ببساطة ، اي اتاحة الفرصة امام الجميع للمشاركة ، وحق مكونات المجتمع سواء الاكثرية ام الاقلية في المشاركة .
كيف يتحقق هذا ؟ يتحقق عبر صناديق الاقتراع ، فيتقدم مرشحون لتمثيل المجتمع في مجلس محلي او نيابي ، ويتوجه الناس " الناخبون " لتلك الصناديق ويعطوا اصواتهم لهذا او ذاك ومن يحصل علي الاكثرية يعد فائزا بالمقعد .
قلنا ان الديمقراطية وشيوعها في المجتمعات الاوروبية جاءت محصلة لقيام الدولة الجديدة في القرن السابع عشر الميلادى علي العقد الاجتماعي الذي بموجبه تحول الناس من رعايا للملك الي مواطنين لهم حقوق ومنها المشاركة في المجال العام بغض النظر عن الدين .
وهذا ايضا يستند علي العلمانية ، فماذا تعني العلمانية ؟
ذهب الجغرافي اليوناني القديم بطليموس الي ان الارض ثابتة وان الشمس تدور حولها مما يعني مركزية الارض ومن عليها من بشر .
في القرن السادس عشر الميلادى ذهب العالم الفلكي "كوبرنيكوس" الي ان القول بحركة الارض ودورانها حول الشمس الثابتة ايسر من قول العكس . ايد العالم الايطالي "جالليو" ما ذهب اليه "كوبرنيكوس".
المشكلة ان الكنيسة اعتمدت واقرت نظرية بطليموس القائلة بثبات الارض ، فحاكمت جالليو واضطرته ان ينكر .
معني ان الارض ليست ثابتة وتدور حول الشمس انها ليست مركز الكون وان الانسان ليس مركز الخليقة.
فاذا خرجنا من المجال الجغرافي للمجال العام وصلنا للنسبية ، فكل شيئ نسبي وليس هناك في عالم البشر مطلق . وهذا يعني انتفاء اليقين ووجوب القول بالاحتمال ، فليس لدينا يقين مطلق وليس لدينا حقيقة مطلقة يمكن لنا ان نعرفها .
يترتب علي هذا ان الميتافيزيقا ووجود الله تخرج عن حدود العقل البشري ، وعن إمكانية المعرفة الانسانيه. ولا يعني هذا انكار الميتافيزيقا ووجود الله ، ولكنه يعني استحالة البرهنة العقلية علي وجود الله كما يقول الفيلسوف الالماني "كانط" ، فنحن نسلم بوجود الله ولا نعرفه معرفة استدلالية .
اذأ مجال العقل هو العالم المادي المعيش وهو المجال الذي فيه يبدع العقل ويطور الحياة ويخترع ويبتكر ويفهم الطبيعة ويوظفها لصالح الانسان .
العلمانية تقول بالنسبية القائمة علي الاحتمالية وانتفاء اليقين المطلق ، وهذا يعني سياسيا تساوي الكل وليس لاحد او طائفة افضلية علي اخري .
ويعني عدم قدرتنا علي الاستحواذ علي المطلق انتفاء الاصولية الدينية القائمة علي توهم امتلاك الحقيقة المطلقة . وهكذا في المجتمعات الحديثة العلمانية تنتفي الاصولية او علي الاقل تضعف وتخبو . ولما كانت الديمقراطية تعني فتح المجال العام للمشاركة والتساوي ، فانها تقوم علي العلمانية .
االديمقراطية تقوم علي اسس ثلاث : العقد الاجتماعي ، المواطنة ، العلمانية . وكما يقول الفيلسوف الكبير مراد وهبه : " لا ديمقراطية بلا علمانية".
اذا لكي تنتشر الديمقراطية لابد لها من وجود العلمانية اولا ، فاذا انتفي وجود الاخيرة كما هو حادث عندنا فلا امل في وجود الديمقراطية .
في البلاد والدول الاسلامية تتفشي الاصولية الدينية المتوهمة لامتلاكها للحق المطلق ، وبالتالي تمارس تمييزا مخلا ضد الاخرين ، وتضرب مفهوم المواطنة بعرض الحائط فلا يتساوي المسلم مع غير المسلم . تدعي النظم الحاكمة انها ديمقراطية فتنشئ مجالس نيابية وتدعو الناس للاقتراع فيذهب الاصوليون القائلون بالمشروع الاسلامي ويرشحون مرشحين عنهم ، ويصطف الجمهور المسلم لاعطاء الاصوات لاولئك المرشحين الاسلاميين فيفوزون ويصبحون نوابا ، رغم انهم لا يؤمنون بالديمقراطية التي تساوي بينهم وبين غيرهم ، منتهزين وجود صندوق الانتخاب ليفوزوا ، فصندوق الانتخاب في ظل هيمنة الاصولية وندرة العلمانية مؤد لسيطرة الاصوليين علي المجال العام ، والدليل المجلس النيابي ايام المجلس العسكري في ما بعد مبارك فقد كانت اغلبيته اخوان وسلفيين ، وما حدث بين مرسي الاخواني وشفيق العلماني في الانتخابات الرئاسية في سنة 2012 .
الذي دفعني لكتابة هذا المقال الصور التي شهدتها علي الفيس طوابير من السيدات المنتقبات امام لجان انتخابات مجلس الشيوخ اتين ليعطين اصواتهن للمرشح السلفي .
لا ديمقراطية بلا علمانية ، ولا صلاح لنا بدون ديمقراطية حقيقية قائمة علي المواطنة والعلمانية .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير