الحداثة المُشوّهة وسؤال المُساواة

عزالدين بوغانمي
2020 / 8 / 17

قضية المساواة ليست عنوانا مجرّدًا. ولا قرارا سياسيًّا تُقرّره أغلبية برلمانية قوامها مئة نفر. بل هي ركيزة وعنصر أساسي في منظومة أوسع منها وأعمق بكثير تحققت في مسار التاريخ عبر ترحال البشرية الطويل في صراعها المرير ضدّ الظلمات وقيم التقليد والقهر. هذه المنظومة الجديد التي تأسّس عليها تحرّر الفرد من كلّ ألوان الإكراه، إسمها الحداثة.

وفي هذا السياق، هناك خلل كبير في فهم الحداثة عند بعض التقدميين العرب عموما. وفي تونس على وجه الخصوص. بحيث ثمة تعامل مع الحداثة لا باعتبارها معركة تاريخية لمواجهة العقبات التي تعيق التحول نحو الديمقراطية ونحو تحسين أوضاع الناس وتطوير حياتهم وضمان المساواة بينهم. بل باعتبارها إيديولوجية جديدة تغطي العجز عن إصلاح تلك الأوضاع أكثر من أن تتيح رؤية المستقبل وآليات العمل للخروج من التأخّر بشكل جذري.

الحداثة ليست موديل جاهز ومكتمل وقارّ وإيجابي في مطلق الأحوال. ولعل هذا الاعتقاد الخاطئ هو الذي جعل البعض يضعونها في مقابل التقاليد والتراث متخيّلين أن ذلك هو الحلّ. وما هكذا تُفهم الأمور، فالحداثة ليست الجنّة. بل كانت في أحيان كثيرة بشعة ووحشية. النازية مثلا، جزء من الحداثة، ولم تأت من خارجها. بل هي ثغرة من ثغراتها، وسقطة من سقطاتها الكارثية. والاستبداد العربي الذي ساد منذ قرن، هو استبداد حديث، وليس استبدادا سلطانيا قديمًا. بل هو مملوء بأدوات الحداثة: الدولة البيروقراطية، وأجهزة الامن والمخابرات وطرق القهر. يعني هو ممارسة من ممارسات الدولة الحديثة. والهيمنة الاستعمارية وعسكرة العالم وصناعة الموت وشنّ الحروب الظالمة ضد الشعوب المضطهدة، أيضا جزء من الحداثة. وبهكذا مراجعة شجاعة، نفهم أن الحداثة ليست بالضرورة كُدْس من الإيجابيات. بل ما نحن الّا مجتمع يعيش مأزق تكوّن حداثته وتشكُّلها الأعرج. بحيث نتقدم في الإتجاه السلبي بكل ثقة وثبات، بدل التحرّك في الاتجاه الايجابي. وأحد أسباب هذا التقدّم الحثيث إلى الخلف، هو الاكتفاء بما هو سيّء في الحداثة. وعلبه، لا يجوز أن نستسهل رمي المسؤولية على التّراث لنحمّله مجمل المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع، تبييضًا لحداثة مُعاقة منذ ولادتها. لأن هذه وجهة نظر سطحية جدا، وستمنعنا من التفكير على نحو يجعلنا قادرين على معالجة قضايا العنف وسياسات الفساد والاستبداد والخراب والتمزق، وعُسر التعايش، وإغراق البلد في الفقر والفوضى، بوصفها ثمرة حداثة عديمة الاتّساق، وليست أبدًا ثمرة تقاليد الماضي. ومن هنا، من هذه الفكرة بالضبط، يجب أن يبدأ النقاش.

ولكي أكون واضحا أكثر ومفهوما، ليست القوى الظلامية المعادية للحداثة اليوم امتداد للتراث، ولا هي صهيل الشريعة الآتي من الأزمنة البعيدة، بل هي الثمرة المرّة للحداثة المشوّهة وإفراز من إفرازاتها السّامّة. فحينما أخفقت الدولة الحديثة (تلك التي تُمجّدُ صباحًا مساءٍ)، حين أخفقت في الاستجابة لاحتياجات الناس المادية والمعنوية. وحين أخفقت في أن تكون إطارا مدنيا توحِّد السكان في رابطة وطنية أساسها سيادة القانون وصيانة الحقوق الجماعية والفردية. وحين أخفقت في أن تكون دولة مواطنيها الأحرار المتساوون. ولأنه ما من جماعة بوسعها العيش في الفراغ، فلقد فرّ الناس من جحيم هذه الدولة الاعتباطية الفاشلة إلى انتماءات ما قبل الدولة، ليستبدلوا الوطن بالملّة. والمواطنة بالأخوّة الدينية. والقانون بالشريعة. وفي مثل هذه الارتدادات، حين يعود الناس الى ما قبل الدولة، يعودون عودة جماعية ودفعة واحدة. ولهذا السبب يتساءل البعض: لماذا لم تكن الحركات الاسلامية جماهيرية في الخمسينات والستينات وحتى آواسط السبعينات؟ وكيف تحولت فجأة إلى حركات مليونية يسير وراءها جزء مهم من السكان؟
والجواب لا يتعلق أبدا بصحوة ربّانية، بل بفشل مشروع التحديث، وتحوّل دولة الاستقلال التي بشرت باستكمال السيادة وبناء الديمقراطية وانجاز التنمية وتحقيق الرّخاء إلى وحش كاسر معادي للأمة برمتها.

مع ذلك، ليس للبشرية من بديل على توطين قيمة المساواة بين الجنسين، وقيمة الحرية، وقيمة سيادة القانون، وتحويلها من شعارات إلى نمط حياة وثقافة تعايش وأسلوب في التفكير. هذه قضيّة محسومة تاريخيا وأخلاقيا. ولكن لن يكون ذلك ممكنا ما لم ندرك أنّ محاولات التحديث التي شهدها مجتمعنا كانت مُشوّهة ومبتورة. ويكفي أن نطرح سؤالا بسيطا، لكي ننزل إلى الأرض ونجد الخيط الأول للمشكلة: من أين جاءتنا الحداثة؟
هل قامت في بلادنا ثورة صناعية؟
هل حدثت في تاريخنا طفرة تكنولوجية نقلتنا من دولة البايات إلى الدولة الحديثة؟
طبعا لم يحدث ذلك.

اقتحمت الحداثة بلاد العرب اقتحاما من الخارج. وبشكل أساسي عن طريق الاستعمار. ثم عشناها لاحقا من خلال دولة الاستقلال البيروقراطية العنيفة. ولم يكن للشعب أيّ دور في عملية التحديث، بل أنها عملية فوقية قادتها نخبة منفصلة عنه، وذات ثقافة بعيدة عن ثقافة أغلبية السكان الغارقة في الجهل والتخلف. وهكذا فُرضت الحداثة على المجتمع بالعنف والإكراه والتسلط، ثم بالمحاكم وبالمدرسة خلال عقود لاحقة.
ملخص القول، لم تنمُ الحداثة في سياق المراكمة التاريخية انطلاقا من توسّع تدريجي لمنظومة الحريات وحقوق الأقليات وصولا الى المشاركة الشعبية ومسار تحرر الفرد وانعتاقه على النحو الذي تطورت فيه الحداثة في المهد الاروبي. وهذا الكلام، لا يعني إدانة ما حدث وما تحقق من مكاسب مدنية في تونس مثلا، ولا ينفي الإرهاصات الأولية التي تمثلت في حركة الإصلاح التزدونسية، بل هذا توصيف للسياق التاريخي لحداثتنا. يعني هذا هو تاريخنا بلا تبخيس ولا تمجيد.
بمعنى أن افتخارنا بمجلة الأحوال الشخصية وبمجانية التعليم وإجباريته، لا بجب أن يُنسينا بأنّنا لم نشارك أبدا في اختيار من يُمثلنا قبل 2011. وأن لا ننسى بأن السّجون كانت على امتداد سبعين عاما، تعجّ بالمعارضين لنظام الحكم. وأنّ دولتنا التي بنت المدارس في كل مكان، كانت أيضا دولة البوليس والاستخبارات، وقتل السياسة وتجريف المجتمع وضرب مساحات الحرية. ولكل ذلك، وللأسف الشديد، ارتبطت الحداثة بسياسات نخبة كانت تخاف من شعبها، وعملت بكل الأساليب على عزله وإخضاعه. وتخشى حرية المواطنين في ممارسة حقوقهم السياسية، لأنها تخاف على موقعها ومنافعها. ومن منطلق هذه الخلفية سعت إلى تكميم الأفواه بدل مساعدة الشعب على الايمان بالحرية والمواطنة والتقدم.

هذا يعني أن مشكلتنا ليست في التراث، وإنما في نمط الحداثة. وعندئذ، علينا أن نختار:
إمّا أن نستمر في وضع الحداثة في مقابل التراث، كما لو أن مجرد اختيار الحداثة وترك التراث سيحل هذه المشكلة، ونعطي للحداثة صورة وردية ترفعها عن أي نقد.
أو أن نتعاون ونتفاهم وننظر في الواقع كما هو دون مرايا مُحدّبة. ونسعى إلى إيجاد حلول عقلانية لبلادنا.

في رأيي، لسنا في حاجة إلى التّناطح الغبيّ بين فريق يشتم الماضي، وفريق يشتم الحداثة. بل نحن بحاجة ماسّة للتفكير الهادئ في كيفيّة تشييد وطن حقيقي، إيجابي، مثمر، يتسع لنا جميعا. ويعكس القيم الكبرى للحداثة، القائمة على المساواة والحرية والمسؤولية والعقل وأخلاق التسامح واحترام القانون واحترام الآخر المختلف. ...

أما هذه المواجهة الغامضة بين "الحداثة" من جهة، وبين التراث بِخَيْره وشرّه من جهة أخرى، فلا جدوى من ورائها. علاوة على أنها شكل من أشكال الحرب القبليّة المؤجّلة، وعنوان من عناوين الحداثة المُشوّهة. ونحن نلاحظ أنّ جزءً كبيرًا من الناطقين باسم الحداثة لا علاقة لهم بأخلاق الحداثة. وفي أحيان كثيرة يكشفون عن ممارسات موغلة في المحافظة وتقاليد الاستبداد، إن كان ذلك في ممارساتهم تجاه المرأة، أو تجاه من يخالفهم الرأي، أو تجاه الفقراء، أو تجاه المعارضة، أو حتى تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة. ومن بينهم أشخاص لهم شهادات عليا، ويعرّفون أنفسهم ك"حداثيين"، وفي نفس الوقت يحتقرون شعبهم ويعاملونه بازدراء ويصفونه بأحطّ النّعوت.
فبحيث الحداثة ليست ايديولوجيا ولا شعارات تُردّد، ولا ماركة أنيقة من اللّباس، ولا هي شيء جاهز يمكن اقتناءه وتوزيعه على المواطنين. ولا تنزل فجأة من السماء. فلقد قُتل من أجلها الملايبن. وروّادها الاوائل لم يُتلفوا وقتهم في النقاش في ما إذا كانت الحداثة أجمل من التراث. ولم يضعوا الحداثة في خصومة مع التراث، بل وضعوا الحرية في مواجهة الاستبداد، والعدالة في مواجهة الظلم، والمساواة في مواجهة التمييز الجنسي. يعني توقّفوا بعد قرون من الذّبح. وقالوا: هذا النظام يجب اصلاحه.
لذلك، هذه معركة حضارية، ينبغي الاشتغال عليها وتوطينها وجعلها وطنية وشعبية وتونسية بدمها وروحها وملامحها، حتى تصبح حداثة متجذّرة وكونية حقّا ومثمرة حقًّا.
ويجب أن نقرأ التاريخ جيّدا. ونفتح أمخاخنا جيّدا. وسنرى كيف أن الشعوب المتقدمة لم تبنِ الحداثة، بما هي أخلاق وتضامن وعدالة ومؤسسات ناجحة لأن بعض المثقفين قرّروا ذات يوم أن تصبح بلادهم حداثية بين ليلة وضُحاها. بل أن الشعوب خاضت حروبا ضارية على امتداد خمسة قرون، وعاشت ويلات المذابح، حتى اهتد الناس في الأخير إلى أن الحل الوحيد الممكن هو التخلّي عن كل الأفكار التي تؤسّس للاقتتال. وأسّسوا مع بعضهم البعض وبالمراكمة منظومة أفكار جديدة تؤسّس للتّآخي والتعايش والتعاون واحترام المعتقدات، سمُّوها "الحداثة". ومازالت إلى يوم الناس هذا غير مكتملة ولها أعطابها وسقطاتها.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية