دين وفن

ساطع هاشم
2020 / 8 / 16

أيام كنا شباباً علمتنا دروس التربية في المدارس وكذلك المتقاعدين وكبار السن بأن الدين فلسفة ونظرية، ولم يعلمونا بأنه عقيدة تافهة رجعية، وقال بعضهم انه ممارسة إنسانية أيضا، ولم يقولوا انه حقارة وخسة نفس، وقالوا ان رجل الدين منقطع الى التأمل والتبصر مثل الفنان والمبدع، لان حقائق الدين ذاتية وتنتسب الى الفن والادب وليس الى حقائق العلم الموضوعية،ولم يقولوا انه سافل دجال وزاني ولص محترف كما نعرف الان.
وقدموا لنا امثلة استثنائية فقط لهؤلاء المتدينين من تاريخنا ومن تاريخ الأمم الاخرى الذين لانعرف مقدار تدينهم وتمسكهم بالكتب الدينية، مثل المعري وتولستوي وغوته وآخرين، وقالوا ان الحياة الفنية هي بهذا الشكل او ذاك دينية أيضاً، فالالحاد والتدين عند المعري مثلاً يعكس حقائق ذاتية او رؤية داخلية غير مختلفة عن أفكار الفنانيين بالتعبير رسماً او موسيقى او نحت وغيرها، وان الاستهتار والولع بالغلمان والايمان الرباني عند المتصوفين شيء طبيعي.
وقالوا ان التدين لا يقتضي الايمان بدين محدد لانها جميعاً تدعو الى الحياة السوية وطيبة الاخلاق والقناعة الخالية من الحسد والمطامع الجنونية في جمع المال وطلب الجاه.
وقالوا ان كل هذه المشتركات الفنية مع الدينية تتفق مع الشعور العميق بالمأساة البشرية، والتوق الدائم للخير وخدمة ومساعدة الضعفاء والفقراء والمنكوبين.

لكن أحداً ما من هؤلاء العجائز والمتقاعدين ومدرسين التربية لم يقل لنا عن خسة نفوس مؤسسين حزب الدعوة وطائفيتهم المقيتة وحقارة اعضائهم، ولم يقولوا لنا شيئاً عن سفالة الديانة الوهابية ووضاعة الخمينية والاخوانجية والمذاهب الشيعية والسنية واشباهها
كل هذه الوضاعات بالدين والتدين كان علينا اكتشافها بمفردنا وقد دفع ثمنها جيل كامل غرق بالانحطاط والتخلف والبربرية، والناس اليوم لا تنقصهم المعارف بحقارة هؤلاء وانما ينقصهم تطبيق فكر بل وأفكار تحررهم من هذه الخرافات والدجل في حياتهم، ومن هؤلاء القتلة المجرمين وتساعدهم على الثورة والتمرد والانعتاق من سجون الدين وتجاره.
يقول بعض علماء النفس ان هناك من الهموم البشرية ما يبني ويوقظ الانسان، فهي ليست سيئة الا اذا تم الاستسلام لها عند اذن تصبح مثل تذكرة سفر بخط واحد نحو الموت والفناء، وفي الظروف الحالية بالنسبة للإنسان في الشرق الاوسط (سواء الذي يعيش في الشرق او المهاجر) ظروف الصخب والانتقال المستمر من الموت الى الموت ومن السلم والاستقرار الى الحرب والبربرية والعودة الى السلم الهش ثم ثانية الى الدمار والتدمير وما يصاحبه من جبال من الهموم للانسان، فان الحواس البشرية قد تدربت على عكس ما يراد لها، فصار القتل والموت حكايات لا تفزع ولا تردع.
فلقد دمرنا اهل الدين ورجاله الانجاس، فبدلا من ان نستمتع بالحياة صرنا نتألم ونشقى بها، وبدلا من ان نعيش أحلام المستقبل ومشاريعه صرنا نرجع الى الوراء والى ماضينا التعيس نجتره ونجمّله لانفسنا قبل غيرناً، فنحن في حالة جدب فكري وصحراء معرفية وبؤس روحي، فمن سيحرضنا على الثورة؟