الخنوع و الانبطاحية باسم التنوير و العقلانية - مقال الشيخ الدكتور مصطفى راشد نموذجاً

أيهم نور الصباح حسن
2020 / 8 / 15

الخنوع و الانبطاحية باسم التنوير و العقلانية
مقال الشيخ الدكتور مصطفى راشد نموذجاً

بتاريخ 1 / 8 / 2020 أعلن الشيخ الدكتور مصطفى راشد تأسيسه منظمة التنوير العربية و حصوله على الترخيص اللازم بحيث تصبح المنظمة إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة , و قد كنت , كما غيري من المهتمين بالشأن العربي و قضايا الإنسان العربي و همومه من مثقفين و تنويريين و ناشطين , سعيداً جداً بهذا الإعلان الذي اعتبرته بداية موفقة لتشكيل جبهة تنويرية تحاول أن تصنع فارقاً في الذهنية و الوعي الجمعي العربي , أخذتني الحمية فقمت بالانتساب مع العديدين للمنظمة و اندفعنا بحماس شديد نطالب بالبدء في العمل و نتقدم بالاقتراحات و نبدي الآراء و نتعرف على بعضنا البعض إلى أن تفاجأت البارحة بمقال الشيخ الدكتور الذي يشيد فيه بالاتفاق الإماراتي الإسرائيلي مستبقاً رفض هذا الاتفاق من قبل " أصحاب الرفض و الشجب لمدة 70 عاماً " - كما يسميهم – و مطالباً إياهم بالقليل من العقل و الواقعية لاعناً الغباء و مؤيديه طالباً السلام لعقلاء الوطن .
صُعقت فعلاً و لم أصدق عيناي , أعدت قراءة المقال ثلاث مرات وتأكدت أن الشيخ المنسق العام لمنظمة التنوير العربية و رئيس منظمة الضمير العالمي لحقوق الإنسان الدكتور مصطفى راشد هو من كتبه , و بعد التفكير و التروي قمت بكتابة رسالة رفضت فيها هذا الموقف و أعلنت انسحابي من المنظمة .
كيف يمكن لإنسان يتكلم باسم الضمير العالمي أن يسحق قضية الضمير العالمي - فلسطين - بهذه البساطة ؟
يضع الشيخ مصطفى للموقف الإماراتي عدة مبررات أهمها أن حماس ضيعت القضية و أن " أصحاب الحناجر والشعارات " هم سبب خسارة العالم العربي كونهم يصدرون ضجيجاً بلا طحين و لهذا فإن الشيخ مصطفى هو مع أي عمل واقعي على الأرض حسب تعبيره .
يعطينا مقال الشيخ مصطفى راشد المنسق العام لمنظمة التنوير العربية التابعة للأمم المتحدة و رئيس منظمة الضمير العالمي لحقوق الإنسان مثالاً حياً عن التنوير الانهزامي إن صح التعبير و لا أدري حقيقةً كيف يتفق التنوير بمعناه النقدي و الثوري مع الانهزامية و الانبطاحية و الاستسلام لكني أجد أن مقال الدكتور مصطفى قد كُتب تماماً تحت هذا المصطلح .
فبدلاً من استغلال الموقف الإماراتي الحالي بالدعوة للعمل التنويري المرتكز على تحليل أسباب ما وصل إليه حال العرب و نقد و تفكيك جميع الأيديولوجيات التي ساهمت في تردي أوضاع الإنسان العربي إلى الحد الذي أصبح يطلب فيه التحالف مع الشيطان - كي يعيش فقط - و إيجاد منهجية مناسبة للنهوض بهذا الإنسان كي يستطيع استرداد كرامته و حقوقه الإنسانية كما تذكر ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي يدعي الشيخ مصطفى أنها أهداف منظمته , فقد هرول شيخنا لتبرير الاتفاق و الإشادة به و بـ " العقلاء " الراضخين له .
و بدلاً من العمل التنويري بالدعوة لإيقاف إمعان آلة القتل الصهيونية بالشعب الفلسطيني و تكريس القضية الفلسطينية كقضية ضمير عالمي انتُهك فيها كل ما للشعب الفلسطيني من كرامة و حقوق فقُتل و ذُبح و شُرِّد و هُجِّر , و نقلها من قضية صراع عربي إسرائيلي و إسلامي صهيوني إلى قضية حق و باطل و ظالم و مظلوم عالمية " حتى و إن ضيع أصحابها حقهم فيها " , نجده يحيّيّ سياسة الرضوخ للأمر الواقع و يبارك بالهزيمة النكراء فيصورها لنا و كأنها انتصار سياسي عظيم استطاع به أصحابه مالم تستطعه البنادق و الجيوش و كل ذلك بفضل حنكتهم و دهائهم و " عقلانيتهم " .

المصيبة أن شيخنا العالم الأزهري يروج و يزغرد لاتفاق مختلف تماماً عن الاتفاق المعقود إذ يعتبر الشيخ مصطفى أن مجرد تعهد إسرائيل بعدم ضم أراضي فلسطينية جديدة مقابل السلام و التطبيع هو إنجاز عظيم يستحق التمجيد , بينما نراه نحن مذلاً حتى لو كان صحيحاً , فهل يعقل أن نفرح لأن الجلاد قرر تخفيف عدد جلداتنا اليومية مقابل تربيتنا لظهره عشر مرات في اليوم ؟ !!!
إلا أن رئيس حكومة إسرائيل لم يعط الإمارات و شيخنا الفرصة لحفظ ماء الوجه على الأقل , حيث صرح بأن الاتفاق بين إسرائيل والإمارات لا ينطوي على أي تغيير في مخطط الضم وأن الضمّ تم تأجيله فحسب !!! و أخشى أن يطل علينا الدكتور مصطفى في محاولة لتبرير تصريح نتنياهو بأنه كلام موجه للداخل الإسرائيلي لتهدئته .

المصيبة الأعظم أن يقوم من يزعم التنوير و يقوده بتبرير هذا التحالف مع الشيطان و يضفي عليه صفة العقلانية و الحكمة منطلقاً من سياسة الأمر الواقع ناسياً و متناسياً كل جرائم هذا الشيطان و كل جرائم العرب بحق أنفسهم التي أوصلتهم لأن يتسابقوا للعق حذاء الإسرائيلي " بفخر و اعتزاز " !!!
أرغب بالإشارة هنا إلى أني لست ضد حرية أي شخص يقوم بالتعبير عن رأيه المنسجم مع الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي و أحترم حريته في التعبير و أنتقده و أستمع لنقده لرأيي بكل محبة و احترام , لكن أن يخرج هذا الرأي عن إنسان يزعم أنه تنويري و يؤسس نواة للتنويريين العرب تدعى منظمة التنوير العربية فهذا ما لم أستطع التوافق معه لأنه بذلك يساهم في استعداء الشعب العربي للتنوير المُعادى أصلاً من قبل شريحة كبيرة تتهمه أساساً بأنه فكر علماني غربي كافر , كما أنه يجهض أي نية أو محاولة للتنويريين العرب بالتكاتف و التعاون مستقبلاً و يسمها بالتخاذل و الاستسلام من قبل أن تولد , و لهذا فإن الشيخ الدكتور مصطفى لايستطيع الفصل بين رأيه الشخصي و رأيه كمؤسس و منسق عام لمنظمة التنوير العربية حتى و إن ادعى بهذا الفصل لأن القضية التي يُفتي بشأنها هي قضية عميقة و مفصلية و حساسة جداً بالنسبة للتنوير و الشعب العربي معاً .

الكارثة كما أراها هي في هذا التناقض الصارخ بين التنوير و الاستسلام , بين الثورة و الاستكانة , بين حكمة النهوض و الصحوة و خباثة السياسة و الأمر الواقع , و قد كان الأحرى بنا كتنويريين في هذه اللحظة القاتمة أن ندعو كل التنويريين العرب للاجتماع على تحليل عام مناسب لأسباب فقدان العرب زمام أمرهم و أن نتوصل لمنهجية عامة قابلة للممارسة و التطبيق بفاعلية هدفها إعادة صياغة الشخصية العربية و دعمها أمام محاولات تفكيكها و محوها بما يخدم حصولها على كرامتها و حقوقها الإنسانية .

أما المأساة فتكمن في أن يوصم التنويريون بالتلطي خلف العجز و الفشل لعقلنة الخنوع و الانهزام و تمجيد الواقعية الانبطاحية التخاذلية التي تطبل و تزمر عند تحصيل أي جزيء من الحق الفلسطيني المهدور, بدلاً من أن يكونوا فرسان عصرهم و حماة حقوق شعوبهم و أوطانهم و حاملي مشاعل نهضتها و حضارتها و عزتها .

أيهم حسن
15/8/2020

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين