خبراء تربويون في خدمة الهجمة النيوليبرالية على التعليم والتوظيف العموميين

المناضل-ة
2020 / 8 / 15

شادية الشريف، كاتبة بجريدة المناضل- ة الموقوفة التنفيذ
تؤدي حدة هجوم البرجوازية ودولتها على حقوق الشغيلة إلى ظهور لفيف واسع ينتقد هذا الهجوم. ليس من منظور معارضته الجذرية، بل من منظور انتقاد منهجيته تفاصيله ووتائر تنزيله. يضم هذا اللفيف طيفا واسعا يتكون من أحزاب معارضة برجوازية وبيروقراطية مسيطرة على النقابات وخبراء وخبيرات باختلاف تخصصاتهم- هم [تربوية وقانونية واقتصادية...]
يخاطب هؤلاء الدولة، وينبهونها إلى ثغرات مخططاتها، ويحذرونها من مغبة الإفراط في تنفيذ هجماتها، ويُدْلُونَ بتوجيهات ونصائح لإنجاح تطبيق تلك المخططات بأقل كلفة اجتماعية وسياسية ممكنة، أي مساعدة الدولة كي تتقن وظيفتها.
وحين يخاطب أصحاب هذا المنظور حركات النضال فبهدف إبعادها عن ميدان النضال وجرها إلى المؤسسات عبر آليات الوساطة والحوار وأساليب المرافعات القانونية.
غالبا ما يتقدم لهذه المهمة خبراءُ قانون يقومون بـ"تعرية الثغرات القانونية" لمخططات الدولة، وتناقضها مع القوانين الجاري بها العمل، وعلى رأسها الدستور: الاقتطاع مخالف للقانون، مخطط التعاقد مخالف للدستور، مرسوم إحداث الأكاديميات الجهوية لا يمنحها صلاحية التوظيف... إلخ.
ينتهي هؤلاء إلى غزو عقول الشغيلة بفكرة مدمرة للنضال: يكفي تنبيه الدولة بمرافعات تفضي إلى إقناعها بخطورة تخبطاتها القانونية حتى تقوم بتصحيح "أخطائها". لكن هذا المنظور لا يقوم إلا بتقييد وعي الشغيلة وحصر مطالبها في "تجويد" مخططات الدولة، وهو ما يخدم غايات الدولة في آخر المطاف.
خبراء تربويون والدولة: اتفاق على نفس أرضية الهجوم
إلى جانب خبراء القانون، برز خبراء تربويين "ينتقدون" سياسة الدولة في التعليم والتوظيف العموميين، وانتشرت تدويناتهم ومقالاتهم على نطاق واسع، واستقبلتها شغيلة التعليم بما هي دليل "فشل" سياسة الدولة في القطاعين. لكن النفاذ إلى عمق انتقادات هؤلاء سيُظهر أنهم يقفون مع الدولة على نفس الأرضية، ويقتصر عملهم على مد الدولة بإرشادات قصد اتقان تنفيذ هجماتها دون إثارة نضالات قد توقف تلك المخططات و"تهدد استقرار الوطن".
ويبرر بعضٌ من هؤلاء هذا الاصطفاف- المُقَنَّعِ بالنقد- إلى جانب الدولة بالحرص على الوطن، وهو النعت الذي أطلقه ذ. حسن اللحية على مشروعه التربوي: "المجلة التربوية: مدرسة الوطن"، حيث ورد في موقع المجلة: "الوطن بيتنا جميعا، وحب الوطن يستحق منا بذل المجهود الجماعي والفردي. الوطن كوجهنا لا يمكن تغييره. ومن أجل بناء وطن للجميع على الجميع أن يقتنع بأن مصيرنا مشترك فوق هذا التراب الوطني الذي يحدد هويتنا الجماعية والفردية". وهو تعميم يليق بمثقف برجوازي يسعى إلى تعمية التناقضات الطبقية القائمة في المجتمع بين أقلية محتكرة وأغلبية في قاع الحرمان والبؤس.
يتفق خبراء التربية هؤلاء مع جوهر الهجوم ووثيقته المرجعية [الميثاق الوطني للتربية والتكوين] ويتبنون مفاهيمه، وينتقدون الدولة لأنها زاغت عن طريق تطبيقه الصحيح، وينبه أحدهم الدولة قائلا: "ما لم نقم بتقييم فعلي للتجارب السابقة كتجربة المنتديات التي أهدرت أمولا كثيرة، وتجربة البرنامج الاستعجالي الذي كان فوقيا، ولبيداغوجيا الإدماج... وبالتالي الرجوع للميثاق الوطني للتربية والتكوين بقراءة جديدة فإننا لن نتقدم إلى الأمام". ["الحسن اللحية: ماذا ربح المغرب من حكومة الإسلام السياسي التي أقرت التعاقد وفصل التكوين عن التوظيف؟"، 5 مارس 2019، موقع أنفاس بريس].
يَقبل الخبراء التربويون مبدئيا بالمحاور الكبرى لهجوم الدولة على حقي التوظيف والتعليم العموميين، ويكررون المفاهيم المؤطرة لهذا الهجوم، وغالبا ما تساهم "مكانتهم الأكاديمية" في جعل الشغيلة تنخدع بهذه المفاهيم وتستبطنها وتجعلها مطالبا لها:
أ. القبول بجعل المدرسة في خدمة المقاولة
"المدرسة في خدمة المقاولة"، تحت هذا الشعار جرت مراجعة البرامج والمناهج لتكون في خدمة المتطلبات السوق وعالم المقاولة المتقلبة، ولا يرفض خبراؤ"نا" التربويون هذا بل يدافعون عنه: "إن الحديث عن 15 سنة آتية يعني التفكير في مغرب بجميع قطاعاته وأبعاده الصناعية والثقافية والاقتصادية والسياحية والفلاحية... إلخ. وما النظام التربوي في هذه الحالة سوى تلبية للحاجيات المتطورة والمتغيرة لهذه القطاعات : فهل نتوفر على مثل هذه الدراسات القطاعية الدقيقة فعلا كي نتحدث عن ماهية المدرسة في 2030؟" [ذ. حسن اللحية].
بـ. القبول بالتوظيف بالتعاقد
يتفق د. محمد الدريج مع "التوظيف بموجب عقود، لكنه يعتبره "مستحيل التطبيق والنجاح" إلا إذا رافقه "إصلاح شامل للاقتصاد والإدارة والوظيفة العمومية وللنموذج التنموي وللمجتمع بشكل عام". [د. محمد الدريج، "أزمة توظيف المدرسين بالتعاقد : تجارب مغيبة و دروس منسية"، 22 مارس 2019].
ج. القبول بالتعليم عن بعد
يتحدث ذ. حسن اللحية عن "التعليم عن بعد" كأمر اقع لا يمكن رده: "نحن نعرف الآن أن التعليم عن بعد بدأ يطرح نفسه رويدا رويدا، وأن المرحلة التي نمر منها (كوفيد- 19) قد سرعت بهذا الأمر" ["رسالة إلى السيد الوزير: من أجل قناة وطنية تربوية في خدمة التعليم والتكوين عن بعد"، 11 يوليوز 2020].
وشارك د. محمد الدريج في ندوة الإيسيسكو التفاعلية عن بعد (10 ماي 2020): "توظيف تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي للارتقاء بجودة التعليم"، وتناول أمورا تقنية لتفعيل هذا النوع من التعليم في مداخلة تحت عنوان "أفق بناء النموذج التناوبي المندمج: أسس ومكونات الدمج بين الافتراضي والحضوري في الفصول الدراسية" [موقع تعليم بريس، 21 يوليوز 2020].
لا تتجاوز، إذن، انتقادات هؤلاء الخبراء التربويين شكل الهجوم، أي منهجية صياغته، طرق ووتائر تنفيذه:
1. منهجية الصياغة
بعد الاتفاق على أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين وثيقةٌ مرجعية وجب تطويرها، يوجه الخبير التربوي سهام انتقاده إلى انفراد الوزارة/ الدولة بصياغة مخططات الهجوم على التعليم والتوظيف العمومين، خاصة استبعاد رأي المختصين، أي رأي هذا الخبير ذاته.
علق الأستاذ حسن اللحية على "المشاورات الوطنية حول المدرسة" التي أطلقها وزير التربية الوطنية بلمختار بين أبريل ويوليوز 2014، قائلا: "هل هذه المشاورات هي استقصاء للرأي أم هي تجميع لآراء دون تمحيص؟ هل تنبني على تصورات مسبقة للتشاور أم هي مشاورات بدون تحديد مسبق؟ وماذا يعني تحديد محاور للتشاور في سياق استقصاء الرأي؟ مؤكدا على ان إن منهجية التشاور تطالها أخطاء منهجية وعلمية ومعرفية؟". ["حوار الأستاذ الحسن اللحية مع جريدة العلم حول الإصلاح"، 5 نوفمبر 2014].
وكأن لسان هذا الخبير يقول: "الكلام عني أنا الحادر عيني"، دعا إلى اعتماد "دراسة فعلية تعهد إلى أهل الاختصاص المعرفي في مجال التربية والتكوين"، ما سيفتح لـ"المشاورات طريقا آخر يجمع بين الباحث والفاعل السياسي والنقابي والجمعيات المهنية وجمعيات الآباء والأمهات. وبعد ذلك تطرح النتائج للنقاش البرلماني كي تصبح المشاورات مشاورات استراتيجية متفق حولها وطنيا" [حسن اللحية]، وهو ذات ما نبه إليه خبير تربوي آخر، في معرض انتقاده لطريقة تفعيل مخطط التعاقد بالمغرب: "تغييب المقاربة التشاركية في تدبير الشأن العام". [د. محمد الدريج، "أزمة توظيف المدرسين بالتعاقد: تجارب مغيبة ودروس منسية"، 22 مارس 2019].
يعني هذا مطالبة الدولة بالوفاء بالتزامها بـ"المقاربة التشاركية" في صياغة "السياسة التربوية"، أي في آخر المطاف إشراك "القوى الحية" للمجتمع في صياغة الهجمات بطريقة يضفي عليها طابع "الإجماع الوطني"، وهو وجه آخر لمطلب "مأسسة الحوار الاجتماعي" الذي تنادي به القيادات البيروقراطية للنقابات.
إن "المقاربة التشاركية" توجيهٌ سبق لمؤسسات الرأسمال العالمي أن نبهت إلى ضرورة اتباعه قصد تفادي رد فعل المعنيين- ات بالهجوم، وقد أشار ذ. حسن اللحية ذاته في مقال يشرح أفكار المناضل نيكو هيرت إلى هذا الأمر: "إن الحجج التي ساقها هؤلاء الكبار تأخذا طابعا كرونولوجيا يبدأ منذ سنة 1989، وهي نصوص تفصح عن الطريقة التي فكر فيها الأغنياء لإنجاز مشروعهم الخوصصي للتعليم بخاصة والقطاعات الاجتماعية بعامة، نصوص أنجزت من طرف الخبراء على شكل تقارير مقدمة لأصدقائهم السياسيين، وهم ينتظرون من الأصدقاء تطبيقها من حيث أنها تعليمات وجب تطبيقها حرفيا، لكن عن طريق "ديمقراطيين" حتى تبدو أنها إصلاحات قام بإنجازها رجال أو حكومات ديمقراطية أمام الناخبين. وقد يعمد هؤلاء الكبار والخبراء إلى تنظيم ندوات وأوراش ليفسروا للسياسيين ما يجب أن يقوموا به ولإقناع الرأي العام عبر وسائل الإعلام لخلق حوار ماكر بين الناس".
وقد قام ذ. اللحية بعكس ما نبه إلى خطورته نيكو هيرت، حيث ونظم عبر المجلة التربوية "مدرسة الوطن" سلسلة ندوات رقمية، لضمان هذا الإجماع، مع "زعماء نقابيين وسياسيين"، كانت خلاصات إحداها تصريح الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم- كدش بـ"أن التعليم عن بعد يقتضي توفير الوسائل".
2. طرق تنفيذ الهجوم: تبرئة السياسة النيوليبرالية
ينبه هؤلاء الخبراء الدولة إلى ما يعتري تفعيل هجماتها من "تخبط وارتجالية وعشوائية"، ما يهدد "استمرارية المنظومة". وغالبا ما تكون نتيجة هذا الانتقاد تبرئة سياسة واعية تنهجها الدولة لتدمير التعليم والتوظيف العموميين، وإلقاء المسؤولية على مسؤولين- ات تُركت لهم- هن جريرة التنفيذ، ويتأتى هذا من اتفاق هؤلاء الخبراء مع منطق الهجوم: "ليس المشكل في الميثاق، بل في تجارب تطبيقه".
ينتقد د. محمد الدريج "سياسات الارتجال والتخبط في "تدبير الشأن اليومي" لمشاكل التعليم والتي كانت السمة المميزة للتدابير "الإصلاحية" لوزارات التربية الوطنية المتعاقبة لحد الآن"، ويدفع ذ. حسن اللحية الانتقاد نحو سماء التجريد قائلا: "إن صاحب القرار يفتقد إلى رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه السياسة التعليمية".
لا يتعلق الأمر بـ"ارتجالية وتخبط" ولا بـ"افتقاد لرؤية واضحة"، فمنظور الدولة واضح: تطبيق سياسة نيوليبرالية مملاة من المراكز الإمبريالية (صندوق وبنك دوليين، منظمة تجارة عالمية، اتحاد أوربي) قوامها تقليص نفقات التعليم العمومي وخصخصة جزء كبير منه وإضفاء المرونة على علاقات الشغل داخله... وما "التخبط والعشوائية" من طرف صغار المسؤولين- ات إلا الوجه المكمل لترك المدرسة العمومية تدبر أزمتها بما توفر من فتات مالية عمومية يوجه لحمها وشحمها لحفز القطاع الخاص وخدمة الدين العمومي (الداخلي والخارجي).
إن السعي (الواعي أو غير الواعي) لوضع السياسات النيوليبرالية خارج المحاكمة يدفع هؤلاء الخبراء التربويين إلى للبحث عن أكباش فداء، يجدونهم في المنفذين المباشرين لمخططات "صاحب القرار": "عبد الإله بنكيران... هو الذي أسس للتعاقد، حينما فَصَلَ التكوين عن التوظيف". ["الحسن اللحية: ماذا ربح المغرب من حكومة الإسلام السياسي التي أقرت التعاقد وفصل التكوين عن التوظيف؟"، 5 مارس 2019، موقع أنفاس بريس].
ويَرُدُّ د. محمد الدريج سبب فرض مخطط التعاقد إلى "الخصاص الكبير في أطر التدريس بالمغرب واكتظاظ الأقسام والمدارس وقبل هذا وذاك، غياب لدى وزارة التربية الوطنية ولدى الحكومة بشكل عام، استراتيجية بعيدة المدى لتكوين المدرسين وتوظيفهم".
في حين جرى "التأسيس" للتعاقد منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي يدعو ذ. حسن اللحية للرجوع إليه وإغنائه، حيث ورد في الميثاق صيغة "تنويع الأوضاع القانونية لشغيلة التعليم" التي فتحت الباب أمام اعتماد أشكال مرنة وهشة للتوظيف، لا يشكل التعاقد إلا إحدى صورها.
لا يقتصر هؤلاء الخبراء على تنبيه الدولة إلى عثرات هجماتها وثغراتها، بل يأخذهم الحماس بعيدا وينتقدون "التردد والبقاء في العموميات وافتقاد الجرأة في الاقتراح والتصور". [ذ. حسن اللحية، حول "خلاصات المشاورات الوطنية حول المدرسة"، 2014].
توجيه النصائح للدولة قصد إتقان تنفيذ الهجوم
بعد تنبيه الدولة إلى ثغرات هجماتها، ينتقل الخبراء التربويون إلى بسط مكنونات خبرتهم لتوجيه الدولة إلى الطرق الصحيحة لتفعيل مخططاتها.
يعتبر ملفي "التشغيل بالعقدة" و"التعليم عن بعد" إحدى الملفات التي اجتهد فيها هؤلاء الخبراء التربويون، وحاولوا توجيه الدولة إلى أحسن السبل لتطبيق هذين الهجومين على حق الشغيلة في توظيف قار [الوظيفة العمومية الممركزة] وتعليم عمومي مجاني وذي جودة.
أ. مخطط التعاقد
حتى قبْل تنزيل مخطط التعاقد الذي ينتقده هؤلاء الخبراء شكلا لا مضمونا، كانوا يدافعون عن منظور شامل لمراجعة علاقات الشغل القائمة داخل الوظيفة العمومية. وكانوا متفقين على المحاور الكبرى لهذه المراجعة (المرونة، نقل علاقات الشغل القائمة بالقطاع الخاصة إلى القطاع العام، نزع المركزة على التوظيف وإضفاء الطابع الجهوي عليه...).
وفي هذا الإطار دعا ذ. حسن اللحية منذ سنة 2014 إلى ضرورة بناء "مهن التربية والتكوين في مجملها على تصورات جديدة كليا تقطع مع الماضي... والمقصود هنا هو إعادة النظر في الرؤى النقابوية والإدارية لمنصب الشغل". والمقصود هنا بـ"الماضي" هو علاقاتُ الشغل القارة التي يضمنها نظام أساسي موحَّد موحِّد يشمل كل هيئة الشغيلة، ويدعو إلى بديل لخصه في: "ولوج عصر المهنية والكفايات بما يقتضيه من مراجع كفاياتية متعاقد حولها تؤطر المهن والممارسات"، ودعا أيضا إلى إدارة تربوية متكيفة مع "عالم يتحول نحو الاشتغال بالحكامة المحلية".["حوار الأستاذ الحسن اللحية مع جريدة العلم حول الإصلاح"، 5 نوفمبر 2014].
هذا هو عَيْنُ ما طبقته الدولة منذ نوفمبر 2016، وإن "زاغت عن التصورات المثالية" للخبير التربوي، فهي ليست معنية بتفعيل "ما يحلم به هذا الخبير أو ذاك" ولسان حالها يقول نفس ما قاله ذ. حسن اللحية "فليحلم من أراد أن يحلم، فليحلم كما يشاء".
فهل هناك من معنى آخر لـ"الاشتغال بالحكامة المحلية"، سوى تفويض تدبير مسار الموظفين- ات المهني إلى مؤسسات دنيا (الأكاديميات الجهوية)؟ هل يعني ذلك شيئا آخر غير مخطط التعاقد كما طبقته الدولة على نطاق واسع منذ نوفمبر 2016؟ هل هناك من معنى آخر لـ"مراجع كفاياتية متعاقد حولها تؤطر المهن و الممارسات" غير التشغيل بالتعاقد وربط الترقية بالمردودية والأجر بالعمل؟
وفي عز الإضراب المديد الذي خاضته تنسيقية شغيلة التعاقد المفروض، نشر محمد الدريج بتاريخ 22 مارس 2020 مقالا تحت عنوان "أزمة توظيف المدرسين بالتعاقد: تجارب مغيبة و دروس منسية"، استحضر فيها تجارب التشغيل بالتعاقد في العالم، ولكن ليس بمنطق الإفادة من تجارب نضال المتعاقدين- ات في العالم ونقل خبرتها إلى مناضلي/ات التنسيقية، بل بمنطق تقديم "نماذج وتجارب عالمية آملين في آن تستفيد الجهات المسؤولة منها"، على حد قول الدريج.
جاء هذا المقال ليوفر تغطية "تربوية"، من خبير تربوي، لخطة الدولة آنذاك لإفشال معركة التنسيقية (تعديلات الأنظمة الأساسية في 13 مارس 2020). وتقوم هذه الخطة على ادعاء الوزارة "إلغاء التعاقد" واستبداله بـ"توظيف جهوي" يجعل من المفروض عليهم- هن التعاقد شغيلة مُرسَّمة لدى "الأكاديميات الجهوية". وهذا نفس ما أنهى به د. الدريج مقاله: "إلغاء نظام التعاقد ومثيلاته جملة وتفصيلا وإصلاح شامل للاقتصاد وللنموذج التنموي وللإدارة وتحديث الوظيفة العمومية بخاصة وجعلها أكثر مرونة ومواكبة وأكثر قربا من الجهات والجهوية الموسعة".
بل كان د. الدريج أكثر جرأة ودافع عن فكرة أن الأمر لا يتعلق بـ" تطوير النظام الاساسي للمدرسين فحسب" بل بـ"تحديث الوظيفة العمومية في شموليتها وجعلها تساير المستجدات وتلائم الجهوية الموسعة المنشودة، حماية للمدرسة المغربية العمومية من الهاوية وحماية بالتالي المجتمع برمته"، وهو عين ما قامت به الوزارة بعد أن صادقت على "القانون- الإطار 51.17" وانتقلت إلى الشوط الآخر من الهجوم الخاص بالإعداد للمصادقة على "مشروع النظام الأساسي لمهن التربوية والتكوين" المندرج في إطار خطة عامة لمراجعة شاملة لأنظمة الوظيفة العمومية.
بـ. التعليم عن بعد
بعد القبول (المشروط بتوفير الأجهزة والتأطير المناسبين) بآلية "التعليم عن بعد"، ينتقل الخبراء التربويون إلى تقديم زبدة خبرتهم التربوية لتطوير هذه الآلية عبر مقترحات تقنية.
بسط ذ. حسن اللحية مقترحاته في شريط بثه على يوتوب بتاريخ 11 يوليوز 2020 تحت عنوان: "رسالة إلى السيد الوزير: من أجل قناة وطنية تربوية في خدمة التعليم والتكوين عن بعد". وفي هذا الفيديو أخذ الأستاذ على عاتقه اقتراح حلول تخفف العبء المالي لهذا النوع من التعليم عن كاهل دولة متقشفة، قائلا: "يبدو أن الحل الأول [توزيع الألواح الاليكترونية] لن يكون حلا للتعليم عن بعد. لسبب بسيط، وهو: اللوح الاليكتروني تلزمه تغطية انترنت، ويمكن للوح الاليكتروني أن يصاب بعطل في أي وقت، وليس على الوزارة أن توزع هذه الألواح بشكل مستمر"... واقترح حلا بديلا أسماه "مجتمعيا شعبيا ديمقراطيا يتلاءم مع قدرات المغاربة" وهو: "قناة تربوية وطنية تابعة لوزارة التربية الوطنية، ولهذه القناة فروع على مستوى الأكاديميات، وأن تكون مجهزة كما ينبغي".
وهو نفس ما قام به د. محمد الدريج في ندوة الإسيسكو: "إذا حضر نصف تلاميذ/ طلاب إلى المدرسة أو مؤسسة التكوين للتحصيل، يبقى النصف الآخر في المنزل أو في المكتبة... أو في أي مكان آخر يمكنهم من التحصيل افتراضيا وعن بعد؛ ويتناوبون على ذلك. ومن هنا أهمية استغلال الفصول بشكل مضاعف فنقضي على الاكتظاظ في الحواضر والأقسام المشتركة في البوادي، ونغطي النقص في المخابر والزيارات الميدانية... والنقص في المدرسين والأساتذة المحضارين والمؤطرين".
يدافع الخبيران التربويان عن آلية تعليم مخربة للتعليم الجيد وقائمة على فوضى بيداغوجية تنتهي بجعل حياة التلاميذ- ات أقرب إلى شخصيات فيلم "المصفوفة/ الماتريكس" الذي يقضون عمرهم في حياة إليكترونية قائمة على محاكات صور الواقع دون عيشها بشكل مباشر. يقول د. الدريج في معرض مقترحاته: "الاستعانة كذلك بتقنية الواقع المعزز وهي تقنية تضفي على البيئة الحقيقة وما يحيط به، محتوى رقمي من اختياره أو اختيار المدرس ويتكون من صور ثلاثية الأبعاد ومقاطع فيديو خاصة ببعض المواضيع والأشياء من الواقع مثل جسم الإنسان أو بالظواهر الطبيعية أو باشتغال الآلات أو ببعض المباني والمآثر التاريخية... ويمكن للتلميذ مشاهدة هذا المحتوى بأبعاده الثلاثية والتفاعل معه من خلال بعض التطبيقات على لوحته أو هاتفه...".
وهكذا ستقوم المدرسة بتخريج أناس تلقوا تكوينات افتراضية وقاموا بتجارب كيميائية أو بيولوجية افتراضية، ودرسوا سطح الأرض افتراضيا، لكن دون القدرة على التعامل مع العالم الحقيقي. أليس هذا رجوعا بالتلاميذ- ات إلى "كهف أفلاطون"؟
من أجل مدرسة تقطع مع منطوق السوق
قد تكون عدد من مقترحات " الخبراء التربويين" مفيدة لبناء مدرسة ديموقراطية وتعليم شعبي، لكن اندراجها ضمن المنظور الليبرالي العام يفقدها كل ما قد تحتويه من ايجابيات. وسيكون من الجيد أن يقطع هؤلاء مع المنظور الليبرالي لإصلاح المدرسة ويوجهوا خبرتهم لفضح مرامي الدولة وغايات رأس المال من "الإصلاحات"، وفي نفس الوقت التعاون مع حركات النضال لتطوير مطالبها ومقترحاتها.
لكن المهمة الأساسية تقع على الكوادر العمالية، والمطلوب منها في سيرورة بناء أدوات النضال برنامجيا وتنظيميا ونضاليا، هو تطوير منظور متكامل لمدرسة ديموقراطية وتعليم شعبي، منظور ينطلق من جعل غايات المدرسة بناء الانسان المتحرر من كل انواع الاضطهادات والوصايات، سواء كانت ايديولوجية او اقتصادية او سياسية.
لا تستقيم مدرسة كهذه الا بتحريرها أساسا من سيطرة رأس المال، أي من قلبها قلبا تاما من مدرسة في خدمة الاقتصاد والمقاولة، ما دام هذا الاقتصاد وهذه المقاولة هدفها: تنمية الأرباح وجعل المدرسة ماكينة لتحويل البشر الى رأسمال (بشري)، إلى مدرسة في خدمة انعتاق البشر من ربقة رأس المال واستبداده.
يستلزم بناء هذه المدرسة:
- الرفع الجذري في الاعتمادات المخصصة للتربية والتعليم بالشكل الذي يخول لكل تلميذ- ة وطالب- ة إمكانية متابعة دراسته في شروط جيدة (بيداغوجيا وماديا وتنظيميا).
- تحرير المدرسة من منظومة التقويم الحالية المبنية على حتمية غير علمية قوامها التراتب بين التلاميذ- ات/ الطلاب- ات، والخادمة لمنظور البورجوازية لجعل من هم تحت في حالة تنافس دائم بينهم على مناصب الشغل والترقيات والعلاوات كامتداد للتنافس في المدارس على نيل أعلى الدرجات، ما يجعل المدرسة "فضاء لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي" على حد تعبير عالم الاجتماعي بيار بورديو.
- زيادة القدرة الاستيعابية لكل المدارس والمعاهد والكليات المصنفة "ذات استقطاب محدود" حتى يتمكن كل من يريد تعليما/ تكوينا معينا ان يلجه دون عوائق.
- التراجع الفوري والتام عن كل مشاريع الخوصصة والشراكة قطاع عام- خاص في كل مستويات التعليم بما فيه تأميم التعليم الخاص القائم حاليا مع تعويض صغار المستثمرين فيه دون غيرهم.
- السير نحو تدبير ديموقراطي للمؤسسات التعليمية عبر طاقمها التربوي والاداري وتحت رقابة شعبية: لجان الاولياء ولجان التلاميذ والطلاب ولجان الشغيلة، ومنع ممثلي القطاع الخاص من المشاركة في هذا التدبير.
- تمكين المِلاك التربوي والإداري العامل حاليا والذي سيلج الوظيفة التعليمية من تكوين أساسي ومستمر مبني على اسس جديدة قوامها الاساسي: ثقافة المرفق العام الشعبي، بما يضمن جعل الموظف التعليمي مناضلا شعبيا، يجعل من وظيفته التعليمية مناط نضال شعبي ضد سيادة المنظورات التي تجعل التعليم في خدمة المقاولة والاقتصاد والاستبداد، ومن أجل تسييد منظورات جديدة قوامها جعل الاقتصاد في خدمة الانسان عبر وسائط أهمها المدرسة.
- تحقيق مطالب كل الشغيلة العاملة بالمؤسسات التعليمية، في وظيفة عمومية قارة بأجور لائقة وشروط عمل جيدة، والقطع كل سياسة تروم "تنويع الاوضاع القانونية والمادية" لرجال ونساء التعليم الرامية لتكريس الفرقة بينهم- هن.
سيجري تفصيل هذه العناوين الكبرى في النقاش الدائم بين الشغيلة وكافة المعنيين بالحق في التعليم والتوظيف العموميين (تلاميذ- ات، طلاب- ات وأسرهم- هن، ضحايا البطالة)، ذلك النقاش الذي سيتوج بالتأكيد بانبثاق جيل من "الخبراء- ات" من نوع جديد، خبراء في حالة تعلم دائم من طبقتهم- هن، يعملون بمعيتهم- هن على بناء مجتمع جديد.
من أجل كوادر عمالية
تعاني أدوات نضال الشغيلة [نقابات وتنسيقيات] من غياب منظور عمالي لتناول قضايا النضال، وهذا ما يفسر سهولة انخداع الشغيلة وحتى قياداتها بالمكانة الأكاديمية لهؤلاء الخبراء واستبطان خطابهم.
يحتاج الأمر إلى جهد جبار تقوم به تنظيمات نضال الشغيلة لتفكيك الخطاب النيوليبرالي الذي يشكل أرضية مشتركة بين هؤلاء الخبراء والدولة وأرباب العمل والمؤسسات المالية الدولية. ولن يتأتى هذا دون فتح نقاش جماعي وديمقراطي بين الشغيلة بمجملها كيفما كانت انتماءاتها التنظيمية [نقابات أو تنسيقيات].
فقط النقاش الجماعي الديمقراطي هو الذي سيفتح الباب أمام تلاقح الأفكار وصراع التصورات بما يخدم المصلحة المباشرة والتاريخية للشغيلة بكل فئاتها وشرائحها: ندوات مشتركة وطنية وجهوية، حملات تحريض وتشهير ميدانية في أماكن العمل ومقرات النقابات... إلخ