فك الترابط بين الإلحاد والتنوير

منسى موريس
2020 / 8 / 15

الله خرافة كبرى والإيمان به يُشكل أكبر عائق وحاجز أمام حركة التنوير والعقلانية والإصلاح فكل الأديان تحوى في طياتها عوامل هدم التقدم والحضارة والحرية وحقوق الآخرين ، هكذا يُفكر الكثيرمن المُلحدين الذين يعتقدون أن الإلحاد هوالنموذج والرؤية الصحيحة لهذا الوجود التى تًرسخ وتؤصل للتنوير والعقلانية أما أى تصور " ميتافيزيقى " آخر يُخالف النموذج الإلحادى للوجود فهو محض خرافة ينبغي التخلص منها لأنها ستضر المجتمعات والحضارات ومن هنا إمتلك هؤلاء مُصطلحات التنوير والعقلانية وربطوها وجعلوها لاتنفك عن الإلحاد حتى صار هناك إقتران بين الإلحاد والتنوير ، وأى رؤية فكرية للعالم تتعارض مع الإلحاد فهى بالنسبة لهم تُكرس للظلامية والجهل والتخلف والخرافة.
ولكن ما هو التنوير ؟ ومتى يكون الإيمان بوجود الله منبعاً للتخلف ؟ وهل فعلاً التنويرهو فعل إلحادى صرف؟ كل هذه الأسئلة ينبغي أن نطرحها حتى نفهم الموضوع بأدق أبعاده .
أولاً : ماهو التنوير ؟ حسب تعريف الفيلسوف الألماني " كانط " هو قدرة الإنسان على إستخدام عقله وعدم الإتكال على الآخر في التفكير ، وإذا أردنا أن نوسع مفهوم التنوير يُمكننا أن نقول هو عملية نقد مستمر لأنفسنا والآخرين بغرض الوصول إلى أفضل حياة ممكنة والدفاع عن حقوق وحرية الآخر وإحترام العلم وثقافتة ، فالتنوير هو الأساس لقيام أي حضارة بشرية فلايُمكن أن تقوم أى حضارة بدون " النقد ، إستخدام العقل ، الدفاع عن حقوق الآخرين ، إحترام العلم ، المساواة ، فصل السُلطة الزمنية عن السُلطة الدينية المُطلقة"
كل هذه القيم هي ركائز ودعائم الدول الحضارية الحديثة ولو إنهارت هذه الركائز سوف تنهار الحضارة ذاتها .
ومن خلال هذا التعريف المُبسط للتنوير يُمكننا الحكم على المؤمنين بوجود الله حتى نعرف هل هم يُعطلون حركة التنوير أم لا؟
ثانياً : متى يكون الإيمان بوجود الله منبعاً للتخلف؟ في الحقيقة الإيمان بوجود علة أولى صدرت عنها كل الموجودات ضرورة عقلية وقد آمن بها الكثير جداً من الفلاسفة والعلماء الذين رسخوا للتنوير والعقلانية ولم يكن الإعتقاد بوجود الله كمبدأ أول للوجود يُشكل أى أزمة ومعضلة أمام التنوير لكن الذى قد يحُبط عملية التنوير بعض الصورة الخاطئة والمفاهيم المُضللة عن الله سواء في الذهن أو في بعض الأديان التي تتبنى قيم تتناقض مع مبادئ الحضارة الحديثة أو إذا كان هذا الإيمان يقوم على " عوامل هدم الحضارة والتنوير مثل معاداة " العلم ، العقل ، حقوق الآخرين وحرياتهم ، الخلط بين السُلطة الزمنية والدينية " ولكن سأتحدث هنا عن بالمسيحية لأنها معتقدى .
.لكن هل المسيحية تقوم على عوامل هدم الحضارة؟
1- ونبدأ " بالعلم " إذا كان الدين يُشكل مصدراً مباشراً للحقائق العلمية فهذا يؤثر بالسلب على مسار التقدم العلمى لأن الخلط بين العلم والدين يضر الأثنان معاً لأن كل منهما له موضوعه الخاص ومنهجه الخاص أيضاً ، لكن " المسيحية " ليس الغرض من نصوصها تقديم تصور علمى للعالم لكنها تُقدم تصور روحانى للوجود وهذا التصور يُعالج مشكلة الله والإنسان وهذا المبحث يقع خارج إطار العلم لأن العلم موضوعه الوحيد العالم المادى المحسوس والكشف عن قوانينه وكيفية عمله فالعلم ينشغل بأسئلة كيف بدأ الوجود وكيف يعمل ، لكن جوهر المسيحية يقوم على أساس لماذا الوجود موجود وشتان بين السؤالين فالغرض من العلم البحث في القوانين الطبيعية والإجابة عن الأسئلة المُتعلقة ببنية الوجود المادية وهذه هي حدود العلم ولايمكن أن يتجاوزها ، أما الغرض من المسيحية تقديم الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التى تتعلق بمصير الإنسان ولماذا هو موجود وماهى غاية وجوده والهدف منها ، لكن المُشلكة تقع حين نستمد من النصوص الدينية معلومات علمية ولكى أكون حيادياً فيما أطرحه هناك من ينظر إلى بعض النصوص المسيحية على أساس أنها نصوص حرفية " كقصة الخلق مثلاً " لكن هذه النظرة خاطئة ولم يدعيها الكتاب المقدس نفسه لأن غرض الوحى " روحانى وليس علمى " والكثير من الفلاسفة اليهود والمسيحيين أدركوا هذا جيداً من مئات السنين قبل ظهور العلم الحديث وفسروا هذه القصة تفسيراً رمزياً أمثال " فيلو السكندرى ، موسي بن ميمون ، القديس أوغسطين ، أورجيانوس وغيرهم ... " وهذا يؤكد على أن النصوص المسيحية لها غرض روحى يتعلق بالوجود الإنسانى ولا تحتوى على حقائق علمية ، وهذه النظرة أي فصل العلم عن الدين لا تُعيق التنوير لأنها لن تتعارض مع أي نموذج علمى لأن القصد من " النص روحانى وليس علمى " وبهذا تكون المسيحية متصالحة مع العلم ولا تُعطله لأن موضوعها يختلف تماماً عن موضوع العلم .
2- " العقل " المُلحدين يعتقدون أن الإيمان بوجود الله يتناقض مع العقلانية والكثير منهم يعتقد أن التنوير يقتضى إستبعاد وجود الله من مشهد الوجود ، لكن نظرة المسيحية للعقل لا تؤثر بالسلب على مسار التنوير لأن العقل حسب التصور المسيحي مستمد من الله " العلة الأولى العاقلة للوجود " ولو لم يكن هناك وجود عقلى سابق قبل تأسيس الوجود المادى ماكانت للقوانين أن تُقنن ولا للعقل البشرى أن يظهر فالوعى يُستمد من كائن عاقل وهو قيمة " ميتافيزيقة " ولايمكن للطبيعة المادية الصرفة أن تمدنا بشىء غير موجود فيها وهنا يتجلى تناقض الأخوة المٌلحدين وبكل قوة كيف يدعون العقلانية وحسب نظرتهم المادية للعالم لا وجود لوعى مُفارق ولاحتى وعى مطبوع في الطبيعة ذاتها لأنهم لو قاموا بنفى وجود عقل مفارق وآمنوا بوعى طبيعيى فإنهم بذلك وقعوا في " وحدة الوجود " وهذا المذهب لايفصل بين الطبيعة والله بل هما كيان واحد يجمع بين الوعى والمادة وهذا نوع من الإيمان ، فالمسيحية ليست ضد العقل ولاتعمل على إقصائه وإلغائه بل تُثبت وجوده كونه نابع من العقل الإلهى ، وحتى في عملية الإيمان أقر " المسيح " بضرورة إستخدام العقل لأن الإيمان الذى ينقصه التعقل والفهم هو إيمان ناقص ويقول المسيح في (إنجيل لوقا 10: 27) فأجاب وقال: «تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك، وقريبك مثل نفسك».) فالفكر له قيمة عليا في عملية الإيمان الروحى ولو كان المسيح إحتقر العقل ودعى لعدم إستخدامه هنا يُمكننا أن نقول أن المسيحية تُعادى التنوير لأنها ترفض العقلانية لكن العكس هو الصحيح تماماً فالمسيحية تُقر بوجود العقل من ناحية فلسفية كونه منتوج من العقل الأزلى وتُلزم المسيحي بإستخدامه من ناحية الإيمان والفكر، فكون العالم مبنى على أساس عقلى هذا يدعم العلم كون العالم يقوم على القانون والنظام والعقلانية .
3- "حقوق الإنسان " لايمكن أن نكون مؤمنين بالتنوير وفى نفس ذات الوقت لانسعى لتطبيق حقوق الإنسان فحركات التنويرقامت لترسيخ قيمة الإنسان والدفاع عن حريته وضميره ومساواته مع الآخرين ، لكن ما موقف المسيحية من حقوق الإنسان ؟ إن الوصية العظمى للمسيح التي لخص فيها مفهوم الدين هي " محبه الله والإنسان " وكما قال المسيح " تحب قريبك كنفسك " والقريب هنا هو الإنسان مهما كان لونه وجنسه ومعتقده فالمسيح يرى أن جوهر التنوير " أن تنظر إلى الآخر ليس كأنه آخر بل كأنه أنت " فمحبة النفس تتطلب محبة البشر والعالم أجمع فهذا المبدأ يدفع حركة التنوير إلى الأمام ويجعلنا أن ندافع عن حقوق الناس بغض النظر عن إعتقاداتهم لكن الذى يعوق حركة التنوير أن ننظر إلى أنفسنا أو إلى من ينتمون إلى جماعتنا وطائفتنا على أساس أننا أفضل من باقى البشر ولنا حقوق تميزنا عنهم ، لكن المسيحية تُعلمنا أن الإنسان مخلوق على صورة الله وأى تقليل من حقوقه وحرياته يُعتبر إهانة وتقليل من الله نفسه ، فحرية الإنسان حسب التصور المسيحي هبة إلهية وليس من حق أحد إغتصابها أو إغتيالها ، لكن في المقابل حسب التصور الإلحادى للوجود فنحن كيان مادى فقط مُبرمجين فالفكر والحرية مجرد ذرات يمكن ردها إلى عالم الفيزياء حسب النظرة الإختزالية وهذا ما حاول إثباته العالم التطورى " ريتشارد دوكنز في كتابة الجينة الأنانية " فنحن محكومين بالجينات ، لكن الإيمان بوجود الله هنا يؤكد على قيمة الحرية كون جوهرها ميتافيزيقى ، فالإيمان هنا لا يضر حقوق الآخرين بل يؤكد عليها ويقرها لأنها معطاه من قبل الله .
3- " الخلط بين السُلطة الزمنية والدينية " يُعتبر هذا المبدأ هام وعامل ضرورى لإنهيار الحضارة والتنوير فالخلط بين الدينى والسياسى المُطلق والنسبي لم تجنى منه البشرية سوى الضرر بالمجتمعات لأن طبيعة المجتمع تقترن بالزمان والتغير والتقدم أما النص الدينى فهو ثابت فمحاولة الربط بين المتغير والثابت إما أن تجعل المتغير جامد ويقف عند حقبة زمنية معينة أو أن هذا النص يتماشى مع التغير والتطور وهنا يفقد كونه ثابتاً غير ديناميكياً وفى كل الحالات سوف تتعطل أي حركة تنويرية ولاننسى أن الذى جعل الحضارة الغربية تنهض هي فصلها بين السُلطة الزمنية والسُلطة المُطلقة ، ولكن ماهو رأى المسيحية في هذا الأمر ؟ " المسيح " قالها صراحة ونادى بالفصل بين الأمرين وقال"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” فالمسيح هنا يؤكد على ضرورة أن الوحى يتعلق بالأمور الروحية فقط أما الشؤن السياسية فهى متروكة للبشر ينظموها حسب تطورهم وتقدمهم الثقافي والإجتماعى المهم أن لا تتعارض مع حقوق الإنسان .
ثالثاً – هل التنوير هو فعل إلحادى صرف؟ قطعاً لا فالتراث البشرى الذى ساعد البشرية في التقدم لم يكن المُلحدين ومنتقدى الأديان وحدهم هم السبب فيه ونختصر التنوير في " فولتير ، ديدرو ، مونتسكيو ، دوكنز.... وغيرهم " ونتجاهل الكثير من الفلاسفة والعلماء سواء القدامى أو المعاصرين مؤمنين أمثال " سقراط ، أرسطو ، أفلاطون ، توما الأكوينى ، أوغسطين ، باسكال ، جون لوك ، فرانسيس بيكون ، دوستويفسكى ، فرانسيس كولينز ، ... وغيرهم الكثير جداً " ممن ساهموا في تكوين العقل الحديث في مجالات فكرية وعلمية مختلفة وحتى الحضارة الغربية الحديثة قامت على الفلسفة اليونانية والقوانين الرومانية والروح المسيحية فلايُمكن أن نختزل التنوير والعقلانية والتقدم في الجانب الإلحادى فقط وكأن كل حركات التقدم والتطور والتنوير جاءت نتيجة بناء نظرة إلحادية للوجود ونستثنى دور المؤمنين في كل هذا لأن هذا يُعتبر إنكار للتاريخ والواقع وإحتكار للمصطلحات ، فالتنوير له مبادئ ومن يؤمن بهذه المبادئ نعتبره متنور.