نحو حرب طائفية شاملة في الشرق الأوسط

رابح لونيسي
2020 / 8 / 14


تدخل الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إطار التمهيد لحرب شاملة في المنطقة تمهد الطريق لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان في الدرج منذ فترة طويلة، وكلما بدأ الشروع في تنفيذه يتم تقويضه وعرقلته من بعض القوى التي يرى اليوم أصحاب المشروع ضروة القضاء عليها نهائيا كي يخلو الجو تماما للمشروع يأخذ طريقه.
يستهدف المشروع في ظاهره كما تحدث عنه شمعون بيريز في كتابه الشهير "الشرق الأوسط الجديد" إقامة تعاون إقتصادي في المنطقة بين كل دول الشرق الأوسط، ومنها الكيان الصهيوني، وهو ما عبر عنه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني ب"تعاون العبقرية اليهودية مع المال العربي"، لكن يستهدف هذا المشروع في الحقيقة فرض سيطرة الكيان الصهيوني على المنطقة بطريقة ناعمة جدا، وبتعبير آخر إعادة تكرار التقسيم الدولي للعمل الذي فرضه الإستعمار في القرن19 على شعوبنا حيث فرضت عليها مهمة تصدير المواد الأولية للبلدان المصنعة ثم تعيدها إلى أسواقنا المفتوحة لها كمواد مصنعة بأسعار عالية جدا، وهو التقسيم الذي أبقانا في تخلف إلى اليوم وعدم قدرة دولنا من التحرر إقتصاديا ومن التبعية لهذه المواد الأولية، وعلى رأسها الطاقة التي تنتجها، لكن تتحكم في أسعارها الرأسمالية العالمية .
فإن كان هذا يتم على الصعيد الدولي، حيث نجد بأن كل دولة من دول منطقتنا تابعة لمركز رأسمالي محدد، فمثلا الدول المغاربية تابعة لفرنسا ودول أخرى لبريطانيا وأخرى للولايات المتحدة الأمريكية، لكن مشروع الشرق الأوسط الجديد سيجعل كل دول المنطقة تابعة للكيان الصهيوني الذي يمتلك التكنولوجيا بسبب الدعم الغربي له، وسيستفيد إقتصاده حسب المشروع من المال العربي، خاصة الخليجي منه، وأيضا من اليد العاملة الرخيصة في المنطقة التي ستتوجه للعمل في مصانع الكيان الصهيوني الممولة بالمال الخليجي مقابل فتح دول المنطقة أسواقها للمنتجات الصناعية لهذا الكيان، وبتعبير آخر هو سيطرة هذا الكيان على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيعوض بذلك السيطرة الرأسمالية السابقة الممثلة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وهو ما يعني في الأخير إعادة بناء النظام العالمي الرأسمالي في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن بسيطرة تامة للكيان الصهيوني.
لكن ما خفي على الكثير هو أن هذا المشروع يتطلب دول ضعيفة جدا وصغيرة في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يستدعي تفتيتها إلى دول طائفية في الشرق الأوسط وعلى أساس أوهام عرقية في شمال أفريقيا، فتتشكل دويلات صغيرة متصارعة فيما بينها وخاضعة كلها للكيان الصهيوني القوي، هذا ما يفسر لنا صعود الخطاب الديني الطائفي والعرقي القوي جدا في المنطقة، فالكثير من الحركات الدينية والقومية الشوفينية تخدم هذا المشروع دون ما تعي ذلك، فأي دولة دينية في بلد متعدد الطوائف، سيؤدي حتما إلى تفتيته بسبب رد فعل طائفي مقابل.
يدخل تطبيع الإمارات العربية المتحدة وسيتبعها دول أخرى مع الكيان الصهيوني في إطار تشكيل تحالف لمواجهة إيران التي تعد البلد الوحيد اليوم الذي يقف ضد مشروع الشرق الأوسط الجديد في المنطقة بعد إنهيار سوريا بسبب ما يسمى ب"الربيع العربي"، ولهذا سيأخذ إنفجار مرفأ بيروت الأخير منعطفات أخرى خطيرة في الإيام القادمة بإتهام حزب الله ووراءه إيران أنهما كانا وراءه بنفس الطريقة التي أتهمت فيه سوريا من قبل بأنها وراء إغتيال الحريري بكل ما أنجر عن ذلك من إضعاف لهذا البلد فيما بعد، فكل المناورات الإعلامية والغربية والعربية بعد إنفجار مرفأ بيروت توحي أن هناك مخططا كبيرا يحضر في الخفاء، لنفاجأ بما قامت به الإمارات العربية المتحدة، والذي ماهو في الحقيقة إلا بداية لتشكيل تحالفا بين دول مسلمة وعربية والكيان الصهيوني للضغط على إيران وإمكانية ضربها عسكريا، خاصة أن هذا الكيان يخطط لذلك منذ مدة بسبب ما يسمى بالسلاح النووي الإيراني، فبذلك سيتم التخلص نهائيا من دولة كانت تعرقل مشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن ضرب إيران من هذا التحالف الإسلامي السني- الصهيوني معناه أيضا دخول دول المنطقة كلها في حرب طائفية كبيرة جدا بين الشيعة والسنة، سيموت فيها المسلمون بشكل أكبر كما كانوا يموتون أثناء الفتنة الكبرى، وستحدث فوضى، وستتفتت دول إلى دويلات صغيرة بسبب هذه الحرب، ثم سيتم بعد ذلك إعادة الإستقرار بعد تفكيك المنطقة كلها إلى دويلات صغيرة تابعة للكيان الصهيوني الذي سيصبح هو الدولة الأقوى في المنطقة.
فللأسف الشديد الكثير من شعوب المنطقة ودولها، قد وقعت فيما لايحمد عقباه، وهو إستبدال العدو الرئيسي لشعوب منطقتنا، وهو الكيان الصهيوني بعدو آخر هو إيران، فإن تشكيل تحالف إسلامي- سني - صهيوني لمواجهة دولة إيران، سيكون سببا في تحطيم الكثير من دولنا، حيث ستشتعل حربا طائفية تشمل العالم الإسلامي كله بإصطفاف كل الأطراف والدول إلى جانب هذا أو ذاك، وهي حرب كبرى تعيد بشكل موسع وأشمل الحرب المصغرة التي عرفتها الفتنة الكبرى بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله، فقد أنتشرت كراهية منقطعة النظير ضد الشيعة، والعكس صحيح أيضا، وكل هذا بسبب صعود خطاب ديني مرتبط بالبترودولار الخليجي، ومدعوم اليوم بالكثير من القنوات الطائفية المحرضة على الكراهية سواء سنية أو شيعية، وقد تصادف بدايات صعود البترودولار الخليجي مع قيام جمهورية إيران الإسلامية بعد الثورة على الشاه الذي كان صديقا للخليجيين، وهو مايطرح شكوكا مشروعة حول التحولات الخليجية من إيران، لكن أقيمت جمهورية إيران الإسلامية أيضا على أساس طائفية شيعية للأسف الشديد، بعد ما اختطف المتطرفون الدينيون ثورتها، وهم المتعودون على خطف ثورات الشعوب، ومنهم حزب "جمهوري إسلامي " لبهشتي الذي أبعد كل ليبراليي هذه الثورة بداية ببني صدر أول رئيس للدولة، وكذلك ليسارييها كمجاهدي خلق وحزب تودة، وكذلك اللبيرالي المهدي بزرجان وغيرهم الكثير من القوى التي أبلت البلاء الحسن في الثورة الإيرانية في 1978، بل لم يرحم هؤلاء حتى الإصلاحيين مثل خاتمي وغيرهم.
يذكرنا هذا التحالف الجديد الذي سيتشكل في الإيام القادمة بما وقع في خمسينيات القرن الماضي، عندما ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إنشاء حلف بغداد، وجعل الإتحاد السوفياتي هو العدو الأول لدول المنطقة بدل الكيان الصهيوني الغريب عنها، والمتشكل من أناس جاءوا من كل أصقاع العالم لإقامة دولة على أرض الشعب الفلسطيني، ونعتقد أن القبول بذلك والسكوت عنه هو إعطاء شرعية لأي إستعمار إستيطاني في بلداننا، كما حاولت أن تفعل فرنسا الإستعمارية في الجزائر بجلبها مستوطنين أوروبيين نهبوا الأرض ويستغلون الجزائريين ويمارسون ضدهم تمييزا عنصريا. .
يجب على حركات التحرر الوطنية، ومنها الفلسطينية العودة إلى المفهوم الحقيقي للتحرر كما كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وقبل صعود البترودولار الخليجي بمفاهيمه وخطاباته الدينية المتخلفة والمدمرة للمنطقة كلها، فالدفاع عن الأرض ضد أي إستعمار أو غزو اجنبي هو حق مشروع لأي شعب كان، فهو عمل تحرري، وينطبق ذلك على مقاومي الكيان الصهيوني، الذي ما هو في الحقيقة إلا مقاومة وعمل تحرري ضد كيان إستعماري عنصري وإستيطاني أقامه أناس جاءوا من أصقاع العالم للإستيطان في أرض الفلسطنيين بكل مكوناتهم سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين وحتى يهود فلسطينيين وغيرهم، لأن اليهودي الفلسطيني، الذي لم يأت من أي مكان آخر هو اليهودي الوحيد الذي له الحق للعيش في هذه الأرض إلى جانب الفلسطنيين الآخرين مسلمين ومسيحيين، إضافة إلى كل من يقبل العيش في دولة فلسطينية مدنية وعلمانية، أي بمعنى دولة تقف موقف الحياد، وبنفس المسافة تجاه كل الأديان التي تشملها هذه الأرض، وتضمن المساواة بين كل مواطنيها، وتحترم كل حقوق المواطنة للجميع.
فلم يكتف هؤلاء الغزاة الذين جاءوا من أماكن عدة من العالم بذلك، بل شرعوا في التوسع إلى الآراضي المجاورة مثل جنوب لبنان والجولان وغيرها، ولا ندري أين سيتوقف توسعهم هذا، أفلا يحق لهؤلاء الذين تعرضوا للغزو الدفاع عن أرضهم؟.
لكن أيضا علينا الإشارة أن هذه التنظيمات مثل حزب الله وحماس وغيرها تتحمل مسؤولية، فبدل أن تبقى قضاياها في إطار حركات تحرر وطنية، تضم كل الوطنيين المدافعين عن أرضهم، فإنها حولتها إلى تنظيمات دينية وطائفية، وهو ما أثر سلبا على المطلب الشرعي للشعب الفلسطيني وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الأصيل المبني على إقامة دولة لائكية في فلسطين يكون لكل الطوائف الدينية مكانتها وحقوق المواطنة لكل ساكني هذه الأرض، لكن ضغط حماس أدى إلى تقسيم فلسطين ذاتها وتخويف مسلمين، وبالأخص يهود ومسيحيين فلسطنيين معروفين بأسبقيتهم في العمل التحرري الفلسطيني قبل أن تظهر هذه الحركات الدينية، فمن يشك في قادة مثل نايف حواتمة وجورج حبش والمطران كابوتشي وغيرهم الكثير، خاصة الحركات اليسارية منهم التي أبلت وتبلي في نضالها ضد هذا الكيان الصهيوني ومن أجل تحرير فلسطين، رغم كل محاولات الطمس الإعلامي لذلك بهدف إظهار الصراع انه صراع ديني في المنطقة، لأن ذلك يخدم الأيديولوجية الصهيونية وإستراتيجيتها.

يبدو أن هذه الحركات الدينية وغيرها التي تسعى لإقامة دول دينية وطائفية في المنطقة قد وقعت في فخ خطير نصب لها من طرفين، أولهم هو أن الصهيونية تشجع إقامة دول على أساس ديني وطائفي، مادام أنها اقيمت على أساس أنها دولة ليهود العالم، ولهذا فكل دولة تقام على أسس دينية وطائفية معناه إعطاء شرعية للدولة الصهيونية، ولهذا فهذه الحركات التي تعمل من أجل دول إسلامية أو شيعية وغيرها، فإنها تساعد إسرائيل بوعي أو دون وعي، ومنها السعي لإقامة دولة داعش في2014، وهي دولة كان من المفروض أن تكون مبنية على أساس فهم ديني خاص، وسكانها متعددي الجنسيات، وجاءوا من عدة دول مثل اليهود الذين جاءوا من عدة دول لإقامة دولة لهم في فلسطين.
ولدعم طرحنا علينا الإشارة ان قيام الكيان الصهيوني قد جاء مباشرة بعد قيام جمهورية باكستان الإسلامية في 1947، والتي فصلها الإستعمار البريطاني عن الهند، وأسست بصفتها دولة لمسلمي الهند، ونحن لا نغفل عن الدور البريطاني في إقامة الكيان الصهيوني وتكليفها من ميثاق عصبة الأمم في 1919 بتنفيذ وعد بلفور الذي أعطته هي بنفسها للحركة الصهيونية، والقاضي بإقامة دولة لليهود في فلسطين.فإلكيان الصهيوني يخطط دائما لوضع صراعها في المنطقة على مستوى ديني، لأنه يخدمها كثيرا، وهذا هو الفخ الثاني الذي وقعت فيه هذه الحركات الدينية، وهو فخ "صدام الحضارات" والذي نصبه بإحكام الإستراتيجي الأمريكي صمويل هنتنغتون، والتي وضعت الصراع في إطار صراع ديني وحضاري.
ولهذا السبب يجب على كل التنظيمات المواجهة للكيان الصهيوني أن تضع قضيتها في إطار قضية إنسانية تحررية، كما فعلت الثورة الجزائرية، لأن حصر قضيتها في مسألة دينية أو حضارية معناه وقوعها في فخ "صدام الحضارات"، مما سيفقدها الدعم العالمي، وتعطي لآخرين شرعية الإصطفاف ضدها على أساس ديني أو حضاري، بل هناك اليوم بسبب هذا الخطاب الديني نجد مسلمين يصطفون للأسف على أساس طائفي، وهذا ما وقع لحزب الله حيث نجد أغلبية، إن لم نقل كل التيارات السياسية الدينية التي تعتبر نفسها سنية دعمت قرار الجامعة العربية في 2015 الذي يعتبره تنظيما إرهابيا.
ولهذا يجب على تنظيمات مثل حزب الله وحماس وغيرها، أن تنزع عنها الصفة الدينية، وتتحول إلى تنظيمات وطنية تضم الوطنيين سواء متدينين أم لا، هدفها تحرير الأوطان، لأن أي خلط بين حركة تحرير وطنية وحركة دينية يؤثر سلبا على هذه الحركات، وهذا ما أدركته قيادة الثورة الجزائرية، عندما أبعدت أي طابع ديني على ثورتها، وأصرت على إعتبارها ثورة وطنية في مواجهة الدعاية الإستعمارية التي كانت تعمل على تصويرها حربا دينية، فلهذا قالت أرضية الصومام "أنها ثورة وطنية، وليست دينية"، والهدف من ذلك كسب شعوب العالم كلها المحبة للحق والحرية والسلام، وكي لا تعطي أي فرصة للإستعمار الفرنسي لإثارة آخرين ضدها بإسم الدين، هذا ما يجب أن تفهمه حركات التحرر في كل بلدان العالم، ومنها التنظيمات الفلسطينية واللبنانية التي يجب أن تضع قضيتها في إطار قضية إنسانية تحررية، ولا تحصرها في مسألة دينية أو حضارية، لأنها ستفقدها الدعم العالمي، ونلاحظ كيف أن تصنيف "حزب الله" في إطار شيعي أدى إلى فقدانه حتى تأييد الكثير من المسلمين السنة، وما بالك بغير المسلمين.
أن هذه المواقف الطائفية هي كارثة كبرى على شعوبنا، فهي تعود إلى تأثير خطاب ديني متخلف نحن بمنأى عنه، فمثلا عندما كان حزب الله يقاتل العدو الصهيوني الذي أغتصب آراضي الفلسطنيين، واعتدى على جنوب لبنان في 2006، كان الكثير ينتظرون بما سيفتي به "علماء السعودية"، فأستغربنا إعتبار هؤلاء "العلماء" مقاومة شعب يدافع ضد إعتداء على أرضه، بأنهم "روافض"، لايجوز الوقوف معهم، أفلا يعلمون أن القرآن الكريم، يطلب من المسلمين الوقوف إلى جانب كل المستضعفين في الأرض بغض النظر عن دينهم، فتبا لذهنية تدعي الإسلام، لكنها تبرر العدوان على شعب لأنه يختلف عنها دينيا أو إثنيا أو غيرها.