أغسطس 1920: المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية

المناضل-ة
2020 / 8 / 14

قبل مائة عام، يوم 7 أغسطس 1920، انتهى المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية في موسكو، في لحظة كانت الموجة الثورية المولودة في 1917 في أوجها. انطلقت تلك الموجة من الخنادق، من لاسوم إلى أوكرانيا، من المصانع ، من برلين إلى بتروغراد، فحملت البروليتاريا الروسية إلى السلطة في أكتوبر من السنة ذاتها، وأطلقت الثورة في ألمانيا وفي النمسا في نوفمبر 1918، وحملت لفترة وجيزة العمال إلى السلطة في بافاريا وهنغاريا.
في العام 1920، لما قاومت الدولة العمالية في روسيا ثلاث سنوات من الحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية، كانت الطبقة العاملة الايطالية تندفع في موجة احتلال المصانع، وكان العمال في ألمانيا يفشلون انقلابا عسكريا. لقد كانت حرب 1914-1918 وما كلفت الشعوب من معاناة مصدر صعود ثوري عام.
في خاتمة تقريره حول "الوضع العالمي والمهام الرئيسة للأممية"، الذي كان الأول على جدول الأعمال، أكد لينين قائلا:" إذا تنظمنا في جيش موحد، فليس ثمة ما سيمنعنا من انجاز مهمتنا، أي خلق جمهورية سوفيتية عالمية". كان قصد المؤتمر أن يحدد الأسس السياسية لهكذا جيش، وأن يهيئ خلق حزب شيوعي، فرع للأممية، في كل بلد.
كانت ثورة أكتوبر، وإرساء سلطة عمالية في روسيا، قد جذبا الكثير من العمال الثوريين في العالم إلى قضية البلاشفة. وكان عدد من المنظمات قد صادق على بيان الأممية الشيوعية في مارس 1919. وعبرت أحزاب خارجة من الأممية الاشتراكية، ونقابات، وأقليات في تلك المنظمات، ومجموعات جديدة منبثقة من الصراع الطبقي، عن مساندتها للثورة الروسية وللأممية المتحدرة منها. وكانوا جميعا مطالبين بإرسال مندوبين إلى المؤتمر للمصادقة على برنامج شيوعي فعلا والالتزام ببناء حزب عالمي قادر على قيادة العمال إلى النصر. هكذا سافر 217 مندوب إلى موسكو، في ظروف صعبة بالنظر إلى الحصار المفروض على روسيا السوفيتية من قبل البلدان الامبريالية.
كان قسم من هؤلاء المناضلين قادما من أحزاب اشتراكية تبحث عن طريقها نحو الثورة. كانت أجيال من المناضلين العماليين قد بنت، قبل 1914، أحزابا قوية متحدة في الأممية الاشتراكية. وما خلا استثناءات نادرة، مثل البلاشفة في روسيا و السبارتاكيين في ألمانيا، كن قادتها قد انتقلوا بخزي إلى جانب النظام البرجوازي في أغسطس العام 1914، حيث دعمت كل قيادة اشتراكية برجوازيتها الخاصة، بالتصويت على ميزانية الحرب وبتحمل مسؤوليات في الحكومات. ثم بدأ الاحتجاج على الحرب وعلى الاستغلال بالظهور بين العمال، وتطور بعض القادة نحو النزعة السلمية، وحتى ساندوا كلاميا الثورة الروسية.
لكن ما قيمة تلك الانضمامات المتأخرة؟ ما قيمة الإيمان الشيوعي المستجد لدى شخص من قبيل مارسيل كاشان، المبعوث إلى مؤتمر الأممية الشيوعية كمندوب ملاحظ يمثل الحزب الاشتراكي الفرنسي؟ كان كاشان في 1914 يؤيد الحرب، وعمل وكيلا متجولا لدى هيئة أركان الجيش في السنوات اللاحقة، وبُعثَ في زيارة للقادة الايطاليين لإقناعهم بالمشاركة في الحرب. وكان في جميع الأحزاب الاشتراكية، أو أقسام من أحزاب، التي تطلب الانضمام إلى الأممية الشيوعية، انتهازيون من هذا القبيل، محنكون في السياسة البرلمانية، قادرون على اتباع أراء ناخبيهم للحفاظ على مناصبهم. وكان قصد الأممية فصل الجيد عن الرديء، أي عزل العمال المتجهين صوب الثورة عن الوصوليين الذين قد يخونون في أي لحظة.
وكان مندوبون آخرون يمثلون التيارات النقابية الثورية، أي بالضبط أولئك المناضلين الذين دفعهتهم نزعة الأممية الاشتراكية البرلمانية والإصلاحية إلى رفض النضال من أجل السلطة السياسية وحتى فكرة الحزب. وكان ابرز تلك التيارات الاتحاد الوطني للعمل، النقابي اللاسلطوي في اسبانيا، ومنظمة عمال العالم الصناعيين IWW، تلك النقابة الثورية المناضلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وحركة مندوبي المعامل المنبثقة في انجلترا خلال الحرب، والتيار النقابي الثوري في الاتحاد العام للعمل CGT بفرنسا . يبقى إقناعها بضرورة الاتحاد في أحزاب ثورية ممركزة، قادرة على الظفر بالسلطة استنادا على مجمل البروليتاريا المنظمة في سوفييتات [مجال عمال]، وممارسة تلك السلطة بلا وهن.
لم يدخر لينين وتروتسكي جهودهما لكسب التيارات النقابية الثورية إلى الشيوعية.
وكان قادة الأحزاب الاشتراكية و النقابات المدجنة تنضم، حين تندلع الانتفاضات العمالية والمعارك المسلحة، إلى النظام البرجوازي. وكانوا في ألمانيا مسؤولين مباشرة عن سحق انتفاضات العام 1919 واغتيال القادة الشيوعيين. كانت الذهنية الثورية لقسم من العمال من جانب، والمواقف المضادة للثورة بصراحة لدى شيوخ الاشتراكيين، تدفعان قسما من المناضلين إلى القفز على المراحل. كانوا يرفضون العمل في النقابات القائمة، والمشاركة في الانتخابات، و "القيام بمساومات"، على حد تعبيرهم، فيبلغ بهم الأمر عدم اعتبار الحالة الذهنية لمعظم البروليتاريا. كان هذا الاتجاه، القائم في كل البلدان بدرجات متباينة، يمثل في 1920 زهاء نصف العمال الشيوعيين الألمان، وكان له صوت في الأممية. وكان لينين خصص كراسته مرض الشيوعية الطفولي لمحاربة هكذا أفكار "يساروية"، بروح أخوية لكن صارمة. كان كل مندوب بالمؤتمر حصل على نسخة من الكراسة، مع مشاريع البرنامج وكتاب تروتسكي الإرهاب والشيوعية، الذي كان في الآن ذاته ردا على اشتراكيي الحكومة وعرضا لسلطة مجالس العمال.
وصادق المؤتمر على البرنامج السياسي والتصورات التنظيمية للشيوعيين، مؤلفة في نصوص صاغ قسم كبير منها لينين أو تروتسكي. وصوت المؤتمر أيضا على الشروط الواحدة والعشرين للانضمام إلى الأممية التي تلخصلها بكيفية جوهرية، بغاية إبعاد الوصوليين وكذا اليسارويين. وفي السنوات اللاحقة واصلت الأممية النضال لتصبح الأداة الضرورية للبروليتاريا. لكن ذلك غدا صعبا أكثر فأكثر في سياق تراجع الموجة الثورية. وسريعا سينبثق في الاتحاد السوفيتي بيروقراطيو ستالين، ووصولييون من طراز جديد في الأحزاب الشيوعية للبلدان الأخرى.
وبعد قرن، تبشر أزمة اقتصاد رأسمالي منهك بحقبة مواجهات اجتماعية. وباتت مسالة حزب عالمي للثورة البروليتاريا مطروحة بحدة أكبر من أي وقت مضى.
بول غالوا
المصدر: Lutte Ouvrière n° 271512 Août 2020
ترجمة المناضل-ة