عبد المجيد العاني

لؤي الشقاقي
2020 / 8 / 13

السيد الأجل المحترم عبد المجيد العاني ..
ولد في بغداد ربيع عام 1927 في "بني سعيد" إحدى محلات بغداد القديمة وكان أبوه الوجيه السيد فليح من رموز بغداد المعمارية ومن وجهائها ، يعمل بالمقاولات ويعد من أفضل معماري بغداد في زمنه ولقب بالاسطة .
اكمل عبد المجيد دراسته الابتدائية والثانوية ولولعه بالموسيقى والفن التحق بمعهد الفنون الجميلة قسم الموسيقى مختصاً بالة الناي وتخرج منه بتفوق وكان يملك صوت شجي لايسلى, ورث حب المقام والموسيقى من خاله المقرئ فليح ايوب العاني فقد كان من قراء المقام المتمكنين , فاخذ منه الصوت الجميل والحس الفني, تعلم قراءة المقام والتهليلة والتمجيد واصبح قارء مقام أصولي محترف لكنه لايقبل اخذ اي اجور لقاء قراءته ولا يقبل قراءة البسته .
أسس المقهى البغدادي في المتحف العراقي وأسس مع اصدقائه بيت المقام العراقي وتبرع لأنشائه بمبلغ قدرة 5000 خمسة ألاف دينار عراقي سنة 1985 وهو عضو مؤسس لنقابة الفنانين العراقية ممثلاً لقطاع الموسيقى , شارك في عدة برامج على شاشة التلفزيون والاذاعة كمقدم او معلق او قارئ مع زميل الصبا هاشم الرجب ويوسف عمر, واول برنامج كان اذاعياً مع يوسف عمر قارئ للمقام وهو معلقا عليه ، وله برامج اخرى كثيرة منها سهرة مع المقام وعلى ضفاف التراث مع يحيى ادريس وغيرها .
هو أول من عرب المقام وابدل الكلمات الاعجمية المستخدمة باخرى عربية وقرأ الكثير من المقامات باللغة العربية بدل عن الاشعار التركية والفارسية ، واول من قرء مقام الحجاز ديوان باللغة العربية مسجلاً في الاذاعة العراقية عام 1958 , كان يحضر مجالس الذكر والتهليلة في جامع الشيخ عبد القادر كل جمعة حتى اعتزل عام 1998.
كان معروف بكرمه الشديد وبدماثة خلقة ولطافته وحسن معشره ولين طرفه وحبه للمزاح والمقالب وقد كان رحمه الله خطيب مفوه قوي الشخصية مهاب وله مكانة بين الناس ومحبوب اينما حل , ايضا كانت له هوايه كتابة الشعر بالعامية والفصحى ويحفظ الشعر عند سماعه لأول مرة ويجيد ثلاث لغات الانكليزية والتركية والفارسية وقليل من الهندية بالاضافة الى اللغة الام العربية .
شارك مع فرق يوسف بك وهبي عندما زارت بغداد في الخمسينيات وشارك ولده الرضيع لؤي عندما احتاجت الفرقة الى طفل مع امينة رزق سميحة ايوب شادية شكري سرحان محمد توفيق , هو من قال له القبانجي قولته المشهور "التفت لشغلك المقام ميكول خبز" ويوسف عمر قال له عندما عاتبه العاني على سبب الجفاوة والخصومة بينهم بعد ان استمرت فترة "ابو لؤي انا احبك لكن عدو المرء من يعمل بعمله" .
كتب الاعلامي يحيى ادريس مقالاً بعد وفاته قال فيه "مدرستين مقاميتين وظاهرتين شامختين افادت المقام ولم تستفد منه ولم تسترزق القبانجي والعاني" ، وقال عنه استاذ المقام القارئ حامد السعدي "رحم الله ابى لؤي كان غيوراً على المقام محبه حريص عليه كأحد اولاده" , والاستاذ القارئ طه غريب "رحمه الله كان فنان اصيل وملتزم ومتمكن وهو من ادخلني حلقة الذكر والتهليلة في مقام الشيخ عبدالقادر الكيلاني قدس" .
كتب الكثير من الكتاب والادباء والصحفيين عدة مقالات عنه وحوارات نشرت في جرائد حكومية مثل الجمهورية والثورة وبابل والزمان والمشرق ووصفوه بالالتزام والخلق والاداء الرفيع الاصولي للمقام حيث كان يهوى المقامات الصعبة والتي تحتاج الى تمكن وخبرة وصوت قوي وارتقاء طبقات عالية .

جمعته علاقة وطيدة بالكثير من الفنانين والادباء والسياسيين المرموقين ابرزهم شيخ الفنانين حقي الشبلي والشاعر الاسلامي ليد الاعظمي شيخ جامع الامام الاعظم عبدالقادر الخطيب ومفتي الديار الشيخ نجم الدين الواعظ والشيخ العلامة جلال الحنفي والملا علي حسن والملا الطيار وعميد المقام محمد القبانجي الفنان طه سالم وعميد الميلودراما العربية الفنان يوسف العاني ودرة تاج المقام القارئ يوسف عمر الفنان محمد القيسي ، رئيسا جمهورية العراق عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف واخوتهم والوزير وعضو القيادة القومية صالح مهدي عماش وقائد القوة الجوية الطيار حميد شعبان الاديبة شرقية الراوي وغيرهم .
كان ظيف دائم في مجالس الادب والفن مثل مجلس شرقية الرواي والخ وفي حفلات بيت المقام والمتحف البغدادي وحلقات الذكر في ايام الجمعة من كل اسبوع في جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني وكان يقيم مجلساً اسبوعياً في داره وشبه يومي في معمل النجارة بالاعظمية الى ان توفاه الله , نشر الشاعر نعمان الكنعاني في ديوانه الصادر في الثمانينات وكان بعنوان ( مختارات الكنعاني ) قصيدة بحقه كان قد ارتجلها خلال حفل في نادي الضباط وهي قصيدة طويلة.
حبه للفن لم ينسه التفوق في العمل فقد برع في النجارة والعمارة وابدع حتى صار احد اساطين بغداد ، اشترى معمل للنجارة من صديقه اليهودي بعد احداث "فرهود اليهود" حتى لايذهب المعمل الى شخص غريب، وبرغم انه لم يعرف عن النحارة شيء لكنه تعلم على يد اسطوات بغداد حتى صار اسطى في النجارة والديكور ، ومن منجزاته التي لازالت شامخة منارة الامام الاعظم حيث بناها ثلاث اشخاص فقط هو وابوه الاسطى السيد فليح وولده الاكبر لؤي وقبة الشيخ عبدالقادر الجيلاني قدس سره .
كان يعشق السياسة والعمل العام فقد كان يملك حس وطني عالي واحساس بالمسؤولية تجاه قضايا بلده وشعبه وقضايا الامة العربية فلم يكن يتأخر عن اي واجب وطني ,كان ضد سياسة المُمالأةً للاستعمار حيث يرى ان المواجهة هي الحل وليس المهادنة وسياسة التبعية وقد اعتقل وقضى فترات طويلة في المعتقلات وتم توقيفة عدة مرات منذ 1940 الى 1958 وكذلك بعد تأسيس الجمهورية في عهد عبد الكريم قاسم فقد كان قومي الفكر عروبي التوجهة وفيه نزق الثوار ,اصبح في عهد عبد السلام عارف عضو في الاتحاد الاشتراكي "البرلمان" بترشيح مباشر من قبل رئيس الجمهورية مع اربعة اشخاص كممثلين للرئيس في الاتحاد وقد قدم استقالته بعد فترة لرفضه الاشتراك مع الشيوعيين في نفس المجلس كون هذا مخالف لتوجهاته وأرائه "تجمعه وعبدالسلام علاقة تعود للأربعينيات وكان واحد من ثلاثه قاموا بتغسيله وتكفينه بعد سقوط طائرته" .
بعد تسلم حزب البعث للسلطة اعتقل في عام 1968 وأودع قصر النهاية تحت اشراف مدير الامن العالم في وقتها وجزار الحزب ناظم كزار وقد حكم عليه بمصادرة امواله وبالاعدام شنقاً وبقي معتقلاً الى نهاية عام 1970 وقد افرج عنه وعفي من حكم الاعدام لأسباب صحية بعد خروجه ترك السياسة واتجه الى الفن والعمل كما اسلفنا .