اسحاق صموئيلوف

كاظم الموسوي
2020 / 8 / 12

إسحاق صموئيلوف، بروفيسور العلوم السياسية، أقدم أستاذ في القسم، عضو قيادة اتّحاد الشباب البلغاري في عهد القائد الشيوعي المعروف غورغي ديمتروف 1882)-1949)، والذي خاض النضال ضدّ الفاشية في فترتها في بلاده والعالم، والمعادي للصهيونية والدارس لأسرارها، والمحاضر فيها للمجموعات العربية، والفلسطينية، خصوصاً، في كلّ دورة دراسية، منذ التحاقه بالأكاديمية. أي يمكن القول إنها عشرات السنين، زوجته الأستاذة فيرا مينولوفا، أشرفت على أُطروحتي بالتعاون معه، كما أشرفت معه على دراسات وأطاريح عدد من الرفاق، العراقيين. وكنت مع الرفيق ماجد عبد الرضا، الطالبين المقدِرين لجهودهما، نزورهما باستمرار إضافة للقاءات العمل، في القسم أو في بيتهما، المتحف الشعبي الصغير. المملوء بالمنحوتات الخشبية والحجرية والمنسوجات الشعبية المعبرة عن تراث الشعب البلغاري، في مراحل نضاله وتاريخه. وعلى رفوف المكتبة تصطف أوسمة وميداليات ورسائل تقدير وشكر إلى المناضل صموئيلوف من بينها من حركات تحرر وطني عالمية من أفريقيا وأمريكا الجنوبية، لفتت انتباهنا وسألناه عنها. ضحك وقال، كلّ عام أرسل ما أجمعه شهريا من راتبي من زيادة المصروفات واهديه إلى منظمة تحرير وطني أو أعمال إنسانية معروفة، وقد وردني منها جميعا هذه التي ترونها امامكم، أوسمة أو دروع أو شهادات تقدير إلا للأسف لم استلم من منظمة التحرير الفلسطينية أي شيء، وليس لدي غير وصل استلام من السفارة هنا، حين قدمت لهم الهدية، وسجلوا اسمي وعنواني عليه فقط، وانتظرت أكثر من عامين دون أمل. تبادلنا النظرات خجلا أو مشاركة في الأسف، ولا حيلة بأيديّنا، فلم نعلق بشيء، وتركنا الأمر دون جواب.
كلّ مرة حين نذهب لزيارتهما نأخذ معنا باقة ورد، ومرة أضفنا لها قنينة ويسكي واحدة من صندوق وصلنا هدية من رفيق دبلوماسي عربي. ووضعناه كعادتنا على الطاولة ودخلنا نجلس في غرفة الضيوف، ومن عادة البلغار أنّهم يفتحون الهدية أمام الضيف ويشكرونه عليها، ولما رأى البروفيسور صموئيلوف القنينة، وضعها جانبا، وصاح إلى زوجته بأن تأتي بمزهرية الورد. وقال اشكركم على الويسكي ولكني لا اشربه ولا افضله في بيتي، وكما تعلمون لا أشرب إلا الركية، (مشروب كحولي بلغاري يشبه العرق) التي تجلبها فيرا من اهلها، المعتقة من سنين، وسأسقيكما منها اليوم وأهديكما قنينة منها، مع قنينتكم الويسكي، وأنصحكما إلا تكثرا منهما.
أوّل تعرفنا بالبرفيسور وزوجته، كان أوّل دخولنا القسم في الأكاديمية، كان عمره حوالي الثمانين وسنتين زيادة، ولا يملك سيارة، ولا يدخن ولا تجد السكر والملح في بيته. وكُلّ نهاية أسبوع يذهب إلى قمة الجبل ويعود في اليوم التالي، مشيا حاملا حاجاته الضرورية في حقيبة ظهر، وتراه دائما أصغر من عمره. وهذه صفات أو سمات شخصية متميزة ومميزة له عن غيره. ونضحك ونحاول إغاظة فيرا، ونقول لها، بأنَّه يذهب إلى صديقته المقيمة هناك، كلّ أسبوع دون أن يخبرك، وتضحك معنا وترد بقوة، دعوه يعمل ما يريد، يعوّض ما فاته من أمثالها. ويشاركنا الضحك ويقول لنا لن تنفعكما هذه المحاولات، حين تزوجنا اقسمنا أن نعيش الحياة بكاملها وبحرية تامة دون مشاكل أو قلق الزواج.
نجتمع في قسم التاريخ السياسي والحركة العمالية، ثلاثة أيام في الأسبوع، نسمع محاضرات فيها من أغلب أساتذة القسم، طيلة السنة الثانية من وجودنا، ونتفرغ في باقي الأيام والأوقات للبحث والكتابة والنقاشات حول تطوّر عملنا ومتابعة الحصول على مصادر جديدة أو السؤال عنها، وتجميع ما تمّ وتسجيل صفحات منه ومن هدف المشروع وعنوان البحث. كتب الرفيق ماجد أُطروحته عن القضية الكردية في العراق، ودافع عنها وطبعها باللغة العربية عند دار نشر تابعة لمنظمة سياسية عربية، دون أن تضع اسم ناشر ولا سنة النشر، ووزعت بحدود نشاطها وعلاقاتها، ولم تأخذ فرصتها الناجزة. وكانت دراسة مهمة وموثقة، فالدكتور ماجد عبد الرضا ليس مختصا بموضوعه فقط، وإنَّما طاقة فكرية ومجددة في البحث والكتابة، وسجل فيها آراءه ونظراته في تاريخ القضية وتطوّراتها والآفاق لها. وكان قد نشر مقالات له من محتوياتها ونالت استحسانا علميا، كما أصبحت، رغم سوء التوزيع الذي أشرت له، وعبر بعض نسخ منها وصلت إلى مكتبات الجامعات، مصدرا لكلّ من بحث في القضية الكردية. وكان يسعى لاستكمال درجة في الدراسات العليا في الأكاديمية وعن الموضوع نفسه في الظرف الراهن، وحصل على موافقة من القسم والأكاديمية، وهيأ نفسه للعمل على مشروعه واستكماله. إلا أن قرارا جاء من أصحاب القرار الحزبي (من هم؟) الذين يقررون ويرشحون من يستحق الدراسة ولديه الكفاءة والقدرة على الإنجاز ومجرب في هذه المهمات الحزبية والسياسية، برفضه ومنعه من البقاء في الأكاديمية ونقله، نعم نقله من بلغاريا إلى مهمات داخلية ومنحه إجازة حزبية بلا أي سبب حقيقي أو عذر واقعي أو مبرر مقنع. والمشكلة الأخرى في الموضوع كلّه إعطاء هذه المنحة الدراسية الوحيدة لكلّ حزب كلّ عام لطالب آخر لم يكمل دراسته في أكثر من جامعة أرسل إليها أو سافر على حسابه الخاص، وفشل في اجتياز المطلوب منه فيها ولكنه كان مدللا عندهم (من هم؟) وخسرنا في الحالتين من بين خسائرنا فرصا كثيرة، ليست لدي معرفة بجميعها، ولكن ما أعرفه يحتاج إلى كتاب أو سلسلة مقالات. فلم يترك الرفيق ماجد يكمل مهمته العلمية ويقدم دراسة مفيدة عن القضية الكردية في العراق، لمن تهمه القضية والحزب وكوادره كمادة تثقيفية وموقف فكري وسياسي موثق ومدروس، ولم يكمل الذي كوفيء بمكانه بما كلف به أو بما ينبغي أن يقوم به. حيث ترك المكان بعد أشهر، ومثل هذه القصة هناك الكثير، ومرت كلها دون سؤال، مجرد سؤال عنها، لماذا حصلت؟ ولماذا تكررت؟ ولماذا جرت بهذا الشكل والأسلوب وحرم من يستحق ومن يمكنه أن يقدم الأفضل للحزب ومكانته وتطوره؟ وبلا مراجعة وحساب ضمير فقط. صحيح أصبحت هذه القصص كلها من الماضي ولا يمكن العودة إليها عمليا، إلا أنَّ التاريخ يقول عنها وعن أمثالها، بأنها عبر ودروس، ومن لم يتعظ بها لا يستطيع التقدّم إلى الأمام، مهما ادّعى وكابر وغلف نفسه بسيلوفان ملون.
أستاذاي صموئيلوف وفيرا، القديران والمحترمان، ظلا حريصين على التواصل، وكتبا لي رسائل طويلة مكتوبة على الإله الكاتبة، وفيها ما فكرا به في تلك الظروف والأيام وطالباني بإبلاغ سلامهما إلى العديد من الرفاق الذين مروا عليهما. وكنت انقلها لكلّ من التقيه أو اراسله. ودائما يذكران بألم ما جرى لي في نهايات الأيام ويعتذران عن أنّهما قدما لي ما كان باستطاعتها فقط، وكُلّ مرة اشكرهما واكتب لهما، مرت الأمور بسلامتي وإنهاء المهمة بامتياز وهذا كاف الآن، في زمن رديء بكلّ المعاني. وهذه قصة أخرى لها سرديتها الخاصة وشهادتها التاريخية.
انقطعت أخبارهما عني بعد أنْ شتتنا المنافي وأشغلتنا الأيام بهموم جديدة. لا أعرف أو لم أحصل على جواب لأسئلتي الكثيرة عنهما من أصدقاء بقوا هناك... وبعد ما حصل عندهما من ثورات ملونة، شوّهت المصطلحات وغيّرت المفاهيم وأضاعت قيما إنسانية راقية، كانت أحلام الفقراء وتطلعات المستضعفين تصبوا إليها، ولم تكن هذه النهايات يوما بالحسبان. كم علينا أن ندفع الثمن بعد؟
سلاما ومحبة واعتزازا أيها الإنسانان الحقيقيان بمعنى الكلمة... مودة وذكري طيبة لكما... أينما حللتما وسكنتما وانتهت بكما الدنيا وتقلبات الحياة... لذكراكما العطرة أجمل الكلام وأبهى السلام.
* نقطة حبر: من شعر ابي الطيب المتنبي
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا........فاهوّن ما يمر به الوحول