بيروت والوطن الذى فى حضرة الموت

محمد السعدنى
2020 / 8 / 9

وطني يا أيّها النسر الذي يغمد منقاره اللهب
في عيوني، أين تاريخ العرب؟
كل ما أملكه في حضرة الموت:
جبين و غضب
وأنا أوصيت أن يزرع قلبي شجرةْ
وجبيني منزلاً للقُبَّرهْ.
وطني، إنّا ولدنا و كبرنا بجراحك
و أكلنا شجر البلّوط..
كي نشهد ميلاد صباحك
أيّها النسر الذي يرسف في الأغلال من دون سبب
أيّها الموت الخرافي الذي ماكان يجب
لم يزل منقارك الأحمر في عينّي
سيفا من لهب.. و أنا لست جديرا بجناحك
كل ما أملكه في حضرة الموت:
جبين.. و غضب!
هكذا كتب محمود درويش فى ديوانه "أغنيات إلى الوطن"، وهكذا كنت أنا، لا أملك فى حضرة الموت والخراب الذى حاق ببيروت، إلا جبين وغضب. جبين يصر ألا يركع وغضب يشعل ناراً فى الصدور تتقد، فالأمر ليس خراب بيروت فحسب، إنها يد الشيطان تلعب بالوطن العربى كله، تحيله كما قطعة من الصلصال تحاول تشكيلها وتقسيمها، تقذفها فى الحائط مرة وتلقيها على الأرض مرة، تطمسها وتفقأ عينها مرات، ونحن فى ذهول لا نملك إلا الغضب.
يا الله، كل هذا الهوان، لكأننا استحلنا جميعاً من المحيط إلى الخليج، كما وطن فى حضرة الخراب والموت، فلسطين ضاعت، ولحقتها العراق، وسوريا داستها أقدام غليظة من كل حدب وصوب، واليمن يتم تدميره، وتونس يتلاعبون بها، والقلاقل تحيط بالجزائر، وليبيا تحت مطحنة الحرب والأطماع، ومصر يترصدوها فى شريان حياتها، النيل، و و. إنه وطن يخرج من التاريخ عارياً إلا من الأغلال والمؤامرات وغباء الأنظمة. إنها لعبة مدمرة تترصد بلادنا، وهى أكبر من الصهيونية العالمية وعدائها لنا، بل أكبر من سياسات ترامب وعنصريته. إنها ألاعيب الشيطان الذى تعبده قوى الماسونية العالمية التى كشرت عن أنيابها فى سفور وتجبر، وراحت تلعب على المكشوف، تحكم سيطرتها على العالم وتؤججه جحيماً بجائحة الكورونا المهندسة، وشروط وسياسات عصابات وكارتلات صندوق النقد والبنك الدولى والمجمع الصناعى التجارى العسكرى، ودخل على الخط آل روتشيلد وروكيفلر وآل مورجان وشركاتهم وبنوكهم وكل الكوربوقراط "رجال المال والأعمال والشركات متعدية الجنسيات" المتنفذين عالمياً، والكومبرادور من وكلائهم المحليين والإقليميين. ودخل "بيل جيتس" ومعه "أنتوني فاوتشيى" المستشار الطبى للبيت الأبيض على الخط بشريحته التى يريد زرعها فى أدمغتنا وأيادينا لإحكام السيطرة على الشعوب والناس والأموال والأفكار والمستقبل والمصائر. يا الله..! كل هذه الحروب الآثمة علينا ونحن لا نجيد قراءة خرائط السياسة حولنا ولا نتعلم من خطايانا وأخطائنا.
اليوم يستهدفون لبنان بحرق وتدمير بيروت بعد تجويعه وإفلاسه. وكأنهم أقسموا أن يزرعوا القبح والخراب فى بلادنا، وألا يتركوا شبراً فى وطننا العربى يتنفس دون خنقه وإزهاق روحه. تفاصيل ماجرى فى بيروت جميعكم تعرفونها، ولعلكم تابعتموها فى الميديا العالمية وشاشات الفضائيات، وأترجم لكم بعض كلمات نشرت بالأمس فى الواشنطون بوست، لعلها كاشفة عن حجم الفساد الضارب فى جذور أنظمتنا العربية لا اللبنانية فحسب، حيث كتب "رابح علم الدين" تحت عنوان "بينما ننعى بيروت" يقول: "إن هذه الكارثة لم تحدث لأن شخصًا واحدًا فقط كان مهملاً أو كان مجرمًا عن عمد. إنهم ليسوا أفرادًا أو مجموعة معينة. إنه ليس تفاحًا فاسداً، إنه البستان كله، كل البساتين. إنه فشل منهجي لحكوماتنا كلها. ولسنوات طويلة، كان كل فصيل في البلاد يلوم الآخر على وقوع أي كارثة. لقد خضنا حربًا أهلية لم تنته إلا عندما اعتقدت جميع الأطراف أن بإمكانهم سرقة أموال أكثر بكثير إذا تعاونوا. كان هناك دائمًا كبش فداء، وأنا متأكد من أنه سيتم تقديم بعضهم هذه المرة أيضًا. لكن كفى، كفى! يجب أن تذهب هذه الحكومة. فليذهبوا جميعاً إلى الجحيم، الرئيس، رئيس الوزراء، حزب الله، الحريري، القوات اللبنانية، كل أعوان عون، وجنبلاط، والجميل، وغيرهم، فليخرجوا جميعاً، فنحن بحاجة أن نزرع بساتيننا من جديد"، فالوطن صار فى حضرة الموت.