سوريا، الدروس التاريخية للثورة – حصيلة نقدية

المناضل-ة
2020 / 8 / 7

جوزيف ضاهر
آن أوان تقييم دروس الانتفاضة الشعبية السورية التي بدأت مطالبةً بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، واعترضت على العنصرية والطائفية. لماذا لم تفلح الانتفاضة الشعبية في تحقيق أهداف بدايتها؟ يمكن الآن مناقشة بعض التفسيرات والدروس المؤقتة، مع أنه يجب اعتبارها تأملات أولية يتعين تطويرها في النقاش والحوار مع كل الذين واللواتي ينشغلون بتحرر الطبقات الشعبية والشعوب المضطهدة.

بعد أكثر من تسع سنوات على بدء الانتفاضة الشعبية السورية، يفوق الوضع الكارثة بالنسبة للطبقات الشعبية بالبلد. إذ تواجه سوريا أزمة إنسانية عميقة، حيث ثمة 11.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة إنسانية، فيما يعيش أكثر من 6.5 مليون سوري لاجئين عبر بلدان الشرق الأوسط. وتتجاوز نسبة الفقر الإجمالية 85% من السكان بينما تقدر كلفة إعادة الإعمار بزهاء 500 مليار دولار.
وزاد انطلاق أزمة كوفيد-19 في متم مارس/آذار 2020 احتدام الوضع الاقتصادي الاجتماعي لسواد السوريين الأعظم. وقد دمر نظام الأسد مستشفيات عديدة، مخلفا نظام صحة متهرئ وناقص التمويل، ومحروم من الأدوية واللوازم الطبية بفعل عقوبات دولية.
وبات النظام السوري متحكما بأكثر من 70% من التراب السوري. وقد سحق، بدعم من روسيا و إيران وحزب الله، الانتفاضة الشعبية الأصلية وأحرز النصر فيما تحول تدريجيا عبر السنين إلى حرب إقليمية ودولية.

السيرورة الثورية

يجب البدء بفهم جذور الانتفاضة الشعبية في سوريا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. توجد المنطقة في بداية سيرورة ثورية طويلة الأمد، ذات جذور في عجز الاقتصاد السياسي للمنطقة عن تلبية تطلعات طبقتها العاملة وشعوبها المضطهدة.
ما يجري في سوريا في 2020
الوضع الإنساني مفجع، فمنذ بداية النزاع جرى ترحيل 12 مليون شخص، منهم 5،6 مليون فارين من البلد. ويعيش 90% من السكان تحت خط الفقر.
وتكاد روسيا تمسك بكل السلطات في سوريا.
في فبراير تعرض الأكراد، الذين فقدوا 11.000 مقاتلا في صراعهم ضد تنظيم داعش، لهجوم من قبل تركيا التي حطت بمناطقهم بهدف تفكيك روجافا التي تمثل تجمعا لثلاث مقاطعات كردية.
ويسعى بشار الأسد، مستعينا بالجيش الروسي، إلى استعادة السيطرة على منطقة إدلب بالشمال الغربي، آخر معاقل المتمردين ضد الأسد. ويستهدف القصف بوجه خاص المدارس والمستشفيات. ويتواجه بوتين وإردوغان عسكريا في هذه المنطقة. وقد جرى ترحيل مليون شخص نحو الحدود مع تركيا.
ويوم 5 مارس تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع تركيا.
ويجري صراع داخل جماعة الأسد (بين بشار وابن عمته رامي مخلوف) للسيطرة فيما تبقى من ثروات البلد.
ويوم 17 يونيو قد تؤدي عقوبات الحصار الأمريكية الجديدة إلى خنق السكان الذي دمرتهم الحرب.
وفي يونيو اندلعت مظاهرات الدروز ضد النظام في جنوب البلد.
تحكم دولَ المنطقة بطرق مختلفة أوليغارشيات وديكتاتوريات عسكرية تشرف على اقتصاد ريعي أساسا قائم على المحروقات الأحفورية وموارد أخرى. وتتركز السلطة في الدول الميراثية الريعية بين أيدي أسرة وطغمتها مثل آل الأسد في سوريا . وتعتبر الأسرُ الحاكمة الدولةَ ملكيتها الخاصة، مستعملةً كل سلطتها القمعية لحماية حكمها.
هذا فيما دول أخرى، مثل مصر والجزائر والسودان، ميراثية جديدة. والمؤسسة العسكرية هي الماسكة بالسلطة فيها وليس أسرة حاكمة. هذا ما أتاح للعسكر أن يقوم، بوجه مظاهرات جماهيرية كما في مصر، بتبديل الديكتاتور بآخر والحفاظ على بنية النظام وسلطتهم الخاصة.
إن الفرق في طبيعة هذه الأنظمة وجه أساسي لتفسير مختلف السبل التي اتخذتها الانتفاضات الشعبية في المنطقة. كانت الأنظمة الميراثية أقل مرونة، فوجب عليها اللجوء إلى القمع الصرف كما في سوريا، فيما كان بوسع أنظمة الحكم الميراثية الجديدة أن تتخلص، مستعملةً القوة، من الحكام الممقوتين على رأس الدول مع الحفاظ على النظام القائم.
شوهت هذه الأنظمة ومكانتُها في الاقتصاد العالمي تطورَ المنطقة- مركزةً إياه بإفراط في استخراج البترول والغاز الطبيعي، وتخلف القطاعات المنتجة، وتطور فائق لقطاعات الخدمات، ومغذيةً مختلف أشكال استثمارات المضاربة، لاسيما في العقار. فأدى ذلك، بالنسبة للطبقات الشعبية، المقصية من هذه الغنائم، إلى هجرة اليد العاملة المؤهلة خارج المنطقة، وإلى نسب بطالة ونقص استخدام عالية، لاسيما بين الشباب.
على هذا النحو، خلق الاقتصادُ السياسي للمنطقة وضعا قبل ثوري. كان غياب الديمقراطية وإفقار الجماهير المتزايد، في مناخ فساد وضروب تفاوت اجتماعي متنامية، عواملَ مهدت طريق الانتفاضة الشعبية التي لم ينقصها غير شرارة.
جاءت تلك الشرارة من الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر. إذ ألهمت الطبقات الشعبية ببلدان أخرى لتنتفض. وفي سوريا نزلت أقسام عريضة من السكان إلى الشارع بنفس ما طالبت به انتفاضات أخرى، أي الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة. وكما يجري غالبا في انتفاضة شعبية، أبدع السوريون مؤسسات بديلة للدولة القائمة. خلق المتظاهرون لجان تنسيق ومجالس محلية، متيحين للسكان المحليين خدمات، ومنسقين حركة الاحتجاج الشعبية. وخلق الثوريون في المناطق المحررة وضعا قريبا من ازدواجية سلطة معترضين على سلطة النظام.
طبعا، يجب في الآن ذاته أَلاَّ نضفي رومانسية على هذا الطور، إذ أن له حدودا؛ حيث لم يتطور نظام الديمقراطية البديل أبدا على نحو كامل؛ وكانت ثمة مشاكل، لاسيما نقصُ تمثيل النساء والأقليات الدينية والعرقية. بيد أن اللجان والمجالس نجحت في تشكيل بديل سياسي يجذب أقساما عريضة من السكان.

القوى المضادة للثورة
جرى بالتدريج نسفُ تلك الأدوات الديمقراطية بفعل قوى عديدة مضادة للثورة. أولُ هذه القوى المضادة للثورة، وأهمها، هي طبعا نظام الأسد المستبد الرامي إلى سحق عسكري للانتفاضة الشعبية.
يبقى هذا النظام أجسمَ خطر على الطبقات الشعبية السورية. كان ثباتُ النظام يمد جذوره في تعبئة قاعدته الشعبية بواسطة علاقات طائفية، وقبلية، وإقليمية وزبونية؛ وكذا في الدعم الخارجي الكثيف من روسيا وإيران وكذا حزب الله وميليشيات أصولية شيعية أخرى من العراق.
ثاني القوى المضادة للثورة هي المنظمات العسكرية الأصولية الإسلامية والجهادية. لم يكن لهذه المنظمات نفس مقدرات التدمير التي لجهاز دولة الأسد، لكنها كانت تعارض جذريا مطالب الانتفاضة الشعبية وأهدافها الأولية، وتهاجم العناصر الديمقراطية لحركة الاحتجاج، وتسعى إلى فرض نظام استبداد سياسي وإقصاء جديد.
أخيرا، مثلت القوى الإقليمية والدول الامبريالية الدولية ثالثَ القوى المضادة للثورة. وكانت المساعدة التي حظي بها نظام دمشق من روسيا وإيران وحزب الله ، فضلا عن القوى الأصولية الإسلامية الشيعية الأجنبية تحت رعاية طهران، دعما حاسما، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، أتاح للنظام البقاء.
كانت هذه القوى الإقليمية تعتبر حركةَ الاحتجاج الشعبية في سوريا، وإمكانَ سقوط نظام الأسد، خطراً على مصالحها الجيوسياسية. وكانت طهران وموسكو بوجه خاص، بقدر ما تزيدان نفوذهما على مجتمع البلد ودولته، تضطلعان ببقاء النظام واستغلال تعمير البلد وكذا موارده الطبيعية. وشكل "أصدقاء سوريا" المزعومون (المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا) ضد هاذين الفاعلين قوة أخرى دولية مضادة للثورة. وساندوا معظم القوى الأصولية الإسلامية الرجعية، وأسهموا في تحويل الانتفاضة الشعبية إلى حرب طائفية أو إثنية، وفي كل مرحلة تصدوا للانتفاضة الديمقراطية خشية أن تشكل خطرا ممكنا على أنظمتهم الاتوقراطية.
كما لم تكن الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تريد تغييرا جذريا في سوريا، فرفضت كل خطة لمساعدة القوات المسلحة الديمقراطية المقاتلة لإطاحة الأسد. وتركزت السياسة الأمريكية على تثبيت النظام وما سمته "الحرب على الإرهاب"، ضد تنظيم داعش.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دعت الأسد، خلال حقبة، إلى الاستقالة؛ وكانت تبحث عن جنرال طيع بوسعها التحكم به. لكن، لمَّا بدا الأمر متعذرا تخلت عن ذلك الطلب وقبلت مع سائر القوى الإقليمية والدولية أن يستمر نظامه. وكان مختلف الفاعلين الإقليمين والدوليين، برغم الانقسامات بينهم، متحدين ضد الانتفاضة ويرومون جميعا منع انتشارها خارج حدود البلد.

أوج ضعف ذاتية لدى اليسار
أسهم مختلف الفاعلين المضادين للثورة في سحق الانتفاضة الشعبية السورية. وإذ يجب ألا نتردد في اعتبار هذه القوى مسؤولة عن الهزيمة، يجب أن نفحص أيضا أخطاء المعارضة السورية وأوجه قصورها وننتقدها.
كان أحد أهم مشاكل اليسار ذلك التحالف الخاطئ من قبل ديمقراطيين وبعض اليساريين مع حركة الإخوان المسلمين ومجموعات أصولية إسلامية أخرى وداعميها الدوليين، الذين كانوا يعارضون المطالب الديمقراطية الأساسية للانتفاضة، لا سيما الخاص منها بالنساء والأقليات الدينية والإثنية. وأسهم هذا التحالف الخاطئ في تحطيم مقدرة الحركة الشعبية الأصلية في سوريا على خرط كل المعنيين. كان هذا المشكل قائما قبل الانتفاضة الشعبية، لكنه ظهر بجلاء أكبر مع انطلاقها.
كانت مختلف المجموعات اليسارية بالغةَ الضعف بعد عقود من قمع النظام، ما حال دون تشكيل قطب ديمقراطي وتقدمي منظم ومستقل. ومن ثمة لم تفلح المعارضة لنظام الأسد في إتيان بديل سياسي قابل للحياة وقادر على إثارة حمية الطبقات الشعبية والمجموعات المضطهدة.
وتجلى غياب إجابة على بعض المسائل بوجه خاص في نقطتين: النساء والأكراد. في كلتا الحالتين أعادت أقسام عريضة من اليسار السوري سياسات التمييز والإقصاء ضد هذين القطاعين، مُبعدة بذلك قوى أساسية من شأنها أن تكون حاسمة بالنسبة للوحدة ضد النظام.
كان على المعارضة السورية، كي تهزم نظام الأسد، أن تجمع النضالات ضد الاتوقراطية وضد الاستغلال وضد الاضطهاد. لو طورت مطالب ديمقراطية، وكذا مطالب لكافة العمال والعاملات ومن أجل تقرير المصير الذاتي للأكراد وتحرير النساء، لكانت المعارضة أصلب بكثير لبناء تضامن أعمق وأوسع بين مختلف القوى الاجتماعية داخل الثورة السورية.
وتمثل وجهُ آخر من أوجه ضعف اليسار في التطور الضعيف للتنظيم الطبقي والتنظيم السياسي التقدمي الجماهيري. لقد أبرزت الانتفاضات الشعبية في تونس وفي السودان ما لتنظيم نقابي جماهيري، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل والجمعيات المهنية السودانية، من أهمية لإتاحة نضالات جماهيرية منسقة ناجحة.
كما قامت المنظمات النسائية الجماهيرية بدور هام بوجه خاص في تونس والسودان للدفع بحقوق النساء والحصول على حقوق ديمقراطية واقتصادية واجتماعية، رغم أنها تظل هشة وغير موطدة بالكامل. لم يكن لدى الثوريين/ات السوريين/ات تلك القوى الجماهيرية المنظمة القائمة أو ما هو في مستواها، ما أضعف الحركة؛ وسيكون بناؤها أساسيا للنضالات القادمة.
يجب أن يُسهم اليسار في بناء وتطوير هكذا بنيات سياسية بديلة كبيرة.
وجه الضعف الأساسي الأخير، الواجب تقييمه ، هو ضعف اليسار الإقليمي وشبكات تعاونه. يجب على اليسار في اللحظة الراهنة أن يتجمع للمساعدة على صوغ بديل لمختلف الفاعلين المضادين للثورة داخل بلدانهم وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي أيضا.
إننا في منتصف سيرورة ثورية بالمنطقة برمتها، ونحن بحاجة إلى يسار يستخلص الدروس ويستلهم النضالات في كل بلد. إن هزيمة بأحد بلدان المنطقة هزيمة للجميع، وكل نصر في بلد نصر للآخرين.
هذا ما تدركه الأنظمة المستبدة، ويجب أن ندركه نحن أيضا. تتقاسم تلك الأنظمة دروس تلك الانتفاضات للدفاع عن نظامها المستبد والنيوليبرالي. ونحن بحاجة إلى مزيد من التعاون من جانبنا، لا سيما بين القوى التقدمية بالمنطقة وبالعالم. لا يمكن إيجاد أي حل اشتراكي في بلد واحد أو منطقة واحدة، لاسيما بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تمثل ساحة حرب للقوى الإقليمية والامبريالية.
من أجل يسار أممي
يجب أن يمتد هذا التعاون إلى اليسار العالمي، حتى داخل القوى الامبريالية. فقد خان الكثير جدا من تلك القوى اليسارية الثورةَ السوريةَ، رافضة تطوير التضامن مع القوى الشعبية التقدمية.
إن لهذه الخيانة أسبابا متعددة، لكن أهمها ربما هو تخلي نوع من اليسار على المبدأ الاشتراكي للتحرر الذاتي، أي عن فكرة أن الجماهير الشعبية، دون سواها، قادرة على التحرر بنضالها الخاص من أجل إصلاحات ومن أجل الثورة. وبدلا من هذا الموقف، الذي كان من شأنه اقتياد اليسار للتضامن مع الانتفاضة الشعبية السورية، ارتصف معظم اليسار إلى جانب النظام الأسد ضد الامبريالية الأمريكية، باسم "مناهضة للامبريالية" مزعومة.
والأسوأ من هذا أن قسما من اليسار ارتصف، باسم "أهون الشرور" المزعوم، إلى جانب القوى الامبريالية والإقليمية، مثل روسيا وإيران، التي تدخلت لانقاد نظام الأسد. وأبان أن "مناهضته للامبريالية" ليست غير كلام مُنمَّق، وممارسته السياسية ليست أكثر من اصطفاف إلى جانب دولة رأسمالية أو مجموعة دول رأسمالية ضد أخريات، وتجاهل لنضالات الجماهير الشعبية من أجل تحررها، لا بل خيانة لها أو أسوأ من ذلك تشنيع لها.
كما كان لهذا الموقف أثر على الحركات المناوئة للحرب، بخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا. إذ رفض معظم تلك الحركات تطوير التضامن مع الثورة بمبرر أن "العدو الرئيس يوجد في بلدنا". هذا صحيح، بخاصة في حالة الولايات المتحدة، التي تظل أكبر معارض لتغيير اجتماعي تقدمي في العالم، لكنه لا يعني أن الحركات المناوئة للحرب والمعارضة لدولها الخاصة يجب أن تكون بلا رأي إزاء امبرياليات دولية وإقليمية أخرى أو ثورات شعبية.

بدلا عن ذلك، كان عليها، بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، أن تعارض امبرياليات أخرى أقل قوة، وأن تعمل لتطوير تضامن مع الانتفاضة الشعبية السورية. إنها الوسيلة الوحيدة لدى اليسار لبناء نزعة أممية حقيقية تعارض كل الامبرياليات، وتنسج روابط بين نضالات الشعوب من أجل الثورة والتحرر الوطني وبناء نضال عالمي من أسفل من أجل الاشتراكية.
إننا في بيئة مناسبة للدفع بهكذا نزعة أممية. إذ شهدنا خلال السنة الأخيرة موجة انتفاضات شعبية جديدة تطعن في النيوليبرالية والاستبداد في أقسام كبيرة من العالم، ورغم أن جائحة كوفيد-19 والانحسار الاقتصادي العالمي قد يوقفان مؤقتا هذه الانتفاضات، سيتعمق الطعن في النظام في السنوات المقبلة وسيؤجج ذلك انتفاضات شعبية أكثر جذرية. يجب أن نبني يسارا مكرسا عالميا لاقتيادها إلى النصر.
السيرورات الثورية
لن تكون سوريا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استثناء لهذه الديناميات. إن عاصفة جديدة تتهيأ حتى في بلدان مثل سوريا التي تعرضت لثورات مضادة كارثية.
لذا يجب اعتماد منظور يقوم على اعتبار سيرورات ثورية، مثل الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشكل عصرا. يمكن أن تجتاز أطوار ثورة وهزيمة متبوعة بانتفاضات ثورية جديدة. وفي سوريا تظل الظروف التي أدت إلى الانتفاضات الشعبية قائمة، ولم يكن النظام عاجزا عن حلها وحسب بل فاقمها في الواقع.
ترى دمشق وعواصم إقليمية أخرى أن بوسعها الحفاظ على سيطرتها الاستبدادية بلجوء دائم إلى عنف كثيف ضد سكانها. هذا محكوم بالفشل، ويمكن توقع انفجارات احتجاج شعبية جديدة كالتي شهدتها مؤخرا السودان والجزائر والعراق ولبنان.
رغم كل الدعم من حلفائه الأجانب، يواجه نظام الأسد رغم كل مقاومته مشاكل لا حل لها. وقد أدى عجزه عن حل مشاكل البلد الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، مع القمع المستمر، إلى انتقادات واحتجاجات جديدة.
في منتصر يناير العام 2020، جرت مظاهرات عديدة في محافظة السويداء اعتراضا على فشل النظام السوري في محاربة الفقر والبطالة. ومؤخرا تكاثرت الاحتجاجات على النظام في محافظات السويداء ودرعا وفي المناطق المحيطة بدمشق. وقد نددت هذه المظاهرات الأخيرة بالمشاكل الاقتصادية وبغلاء المعيشة وطالبت بإسقاط نظام الأسد ورحيل حلفاءه، روسيا وإيران.
الشعار الرئيس للمتظاهرين " نريد أن نعيش"، تعبيرا عن توق إلى العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
بين أن هذه الظروف لا تتخذ بنحو آلي شكل فرص سياسية، لاسيما بعد تسع سنوات من حرب مدمرة وقاتلة. إن غياب معارضة سورية مهيكلة ومستقلة وديمقراطية وتقدمية وقادرة على دمج كل المعنيين، بوسعها جذب أفقر الطبقات، جعل وحدة مختلف قطاعات السكان وتحديهم للنظام من جديد وعلى صعيد وطني أمرا صعبا.
هنا يكمن التحدي الرئيسي. يجب، رغم صعوبة ظروف القمع، والإفقار الحاد والتفكك الاجتماعي، تنظيم بديل سياسي تقدمي في التعبير المحلي عن تلك المقاومات. ويجب أن يستلهم بعض الدروس التي حاولت عرضها هنا وكذا من الانتفاضات الجديدة بالمنطقة.
عند استئناف الثورة السورية مجراها، يجب على اليسار العالمي الاعتراف بما اقترف العديد من قطاعاته من أخطاء ردا على الانتفاضة الأولى، وعدم الاصطفاف أبدا مع النظام أو مع قوى إقليمية ودولية مضادة للثورة. يجب على بوصلة الثوريين السياسية أن تسترشد دوما بمبدأ التضامن مع النضالات الشعبية والتقدمية.
كما قال غيفارا:" إن كنت تهتز استياء بوجه كل ظلم، فأنت من رفاقي". إن مصائرنا مترابطة.
لوزان
15 ابريل 2020-
========
جوزيف ضاهر مناضل سوري، مدرس بجامعة لوزان في سويسرا و في European University Institute بفرلورانس بايطاليا. مؤسس موقع Syria Freedom Forever المخصص لبناء سوريا علمانية واشتراكية.
صدر له مؤخرا
Le Hezbollah, un fondamentalisme religieux à l’épreuve du néolibéralisme (Éditions Syllepse, Paris 2019, 20,00 €)