حول الصوفية، للباحث بيان اليوسف

محمد عادل زكى
2020 / 8 / 7

لأنني أسعد كثيراً بقراءة اجتهادات هذا الباحث السوري المجتهد، بيان اليوسف، وأسعد كثيراً كذلك بمناقشاته الثرية، فإنني انشر اليوم أحد اجتهاداته حول الصوفية. قراءة ممتعة (م . ع . ز)
-------------------
هناك انقطاع حضاري بيننا وبين الحضارة الإسلامية، وهذا أمر ملاحظ لأي إنسان. فالإنسان المسلم اليوم لا يقرأ في مجال الفلسفة الإسلامية ويجد أفكار وأساليب الفلاسفة المسلمين مألوفة لديه؛ على العكس، فهو يجدها غريبة تمامًا عنه، وكذلك عندما يقرأ للمعتزلة وأهل الكلام، وحتى الشعر العربي أصبح غريبًا على القارئ بعد تغلغل الحداثة في الشعر العربي. وهذا الانقطاع مرجعه وفاة الحضارة الإسلامية أواخر العصور الوسطى أو انتقالها إلى أوربا ودخول العالم الإسلامي في مرحلة تخلف على كل المستويات.
والصوفية ليست بمنأى عن حالة الانقطاع، إلا أن بعض أحوالها نجت ووصلت إلينا، كما سنرى، فما هي الصوفية؟
الصوفية هي حركة اجتماعية ظهرت في القرن الهجري الثاني في المشرق الإسلامي، وأسلاف الحركة هم المثقفون (استخدم الكلمة بأريحية) المستقلون الذين لم يؤسسوا لمذهب أو فرقة معينة، ونأوا بأنفسهم عن الصراع السياسي المباشر؛ كأمثال الحسن البصري، والعنبري، وابن سيرين وبعض التابعيين، وهم سلف المتصوفة الظاهر، أما سلفهم الباطن فهم جماعة من المثقفين والمناضلين المشاعيين الذين ظهروا في الشرق في فترات متباعدة لكن بسلوك واحد (أضنان الله/الأبدال) أمثال المسيح، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وهم يمثلون الطبقة الأولى من السلف. ومحمد، والشيخان، وعلي يشكلون الطبقة الثانية. وبالتأكيد هناك شخصيات لم تذكر أو أنني لا أعرف عنها شيء بعد، وهناك تأثير مؤكد للغنوصية المسيحية والماوية على الحركة، ولا أدري إن كان هناك وسيط ثقافي مباشر بين الحركة وهؤلاء أم أن الوسيط كان القرآن والصحابة والتابعيين فقط. وبالتأكيد أن البيئة الاجتماعية التي نشأت بها جميع هذه الحركات هي متشابهة وهذا سر الظهور المستمر للفكر المشاعي.
عمومًا أول ظهور للحركة كان مع أول أقطابها المعترف بهم؛ إبراهيم بن أدهم، وسرعان ما انتشرت الحركة في عموم الشرق الإسلامي، وأصبح هناك الكثير من الأقطاب والمريدين. وأهم ما يميز الحركة وما ساعد على انتشارها أمران؛ نأيها بنفسها عن التدخل المباشر بالسياسة، باستثناء حالاتين؛ حالة الحلاج الذي يُرجح تحالفه مع القرامطة العراقيين وأدى به ذلك إلى القتل، وحالة الجيلاني الذي زاحم الخليفة العباسي في سلطانه في بغداد، إلا أنا الجيلاني نجى بسبب منعته.(شكل ميليشيات من فقراء بغدا) والصفة الثانية المميزة للحركة هي لا مركزيتها؛ فالصوفية لم تتكون من سلف وأتباع وتلامذة على عادة الفرق الأخرى (التقليد والنقل)، بل كانت تمارس تجربتها في زمن واحد متصل؛ عبر أقطاب متعددين لكل منهم طريقة، ولكل قطب مريدين وتلامذة. ولا يسعى القطب الصوفي للإشتغال في الجانب الفقهي(مع أن الجيلاني كان فقيها) أو الكلامي بل يسعى لبناء سلوك اجتماعي باحث عن الحق(الله). وبذلك تحرر المتصوفة من الفهم الحرفي للقرآن (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) واتباع السنة كتقليد إجباري؛ فالقطب الصوفي يأخذ علمه من تجربته الروحية الخاصة في بحثه عن الحق، فلا وسيط بينه وبين الله. ولهذا لم يهتموا بتطبيق حدود الشريعة بل بتفسير أخلاقي لها يترفع عن الحدود والأحكام الآنيين إلى التسامي الأخلاقي للشريعة (الدين). وبذلك حول المتصوفة الإسلام الديني الجامد إلى إسلام حي ممكن الزيادة عليه والإضافة على حسب أحوال المجتمع والفرد.
وأرى أن المتصوفة سعوا لبناء مجتمع متسامي عن طريق بناء الذات الفردية، وأصبح سمو الفرد متداخل مع سمو المجتمع ككل. وأكد المتصوفة على ارتباط الفرد بالمجتمع عن طريق نفي الزهد لأجل الزهد؛ بل الزهد للوصول إلى تجليات الحق المستمرة طوال حياة الفرد، بالتزامن مع حياته الاجتماعية. وهكذا توجه البسطامي إلى الحج ومعه ستون درهماً فلقيه فقير وسأله المال وأن يدور حوله بدلا من الكعبة، فقبل البسطامي ودار حوله سبع مرات وعاد إلى أصحابه فأخبرهم ما جرى، فقد توصل البسطامي إلى مشاهدة الحق عن طريق ممارسة اجتماعية سامية بدلا من تجربة فردية بينه وبين الله. وكأن مساعدة الخلق أصبحت وسيط بين الصوفي وبين الله وتذوب الوساطة من خلال الممارسة المستمرة وتهذيب النفس(السلوك). وأكدت الصوفية على أهدافها الاجتماعية من خلال محاربتها للأغيار(السلطة، المال، الدين) وسعت إلى المساواة الاجتماعية بين الخلق(الناس)، وأنكروا الأغنياء وترفعوا عليهم وأحبوا الفقراء وتذللوا لهم، وهذا سلوك مستمد/تابع لسلوك المسيح الذي حرم على الأغنياء ملكوت الله، وبحث المتصوفة عن الفقر(الزهد) لا لأجل الأجر الآخروي للفقر كما فعل الزهاد المتديينون، بل لمعرفة الحق من خلال السلوك المتعفف عن الماديات والتماهي مع الخلق في بساطتهم ومشاركتهم آلامهم وحياتهم، وقد كان الجيلاني يفلي رؤوس الأيتام من القمل بيديه ويدعوا أن يملك الدنيا لكي يوزعها على الفقراء.
والحركة الصوفية شأنها شأن أي حركة اجتماعية مستمرة، كان لابد لها أن تفرز تنظير فكري موازي لحراكها الاجتماعي؛ فأفرزت نوعين من المفكرين؛ مفكر مرتبط بالمجتمع كالجيلاني ومفكر برج عاجي كابن عربي (وهو أقرب للفيلسوف). ولكن لا مركزية الحركة منعتها من أن تتحول لفرقة كلامية وبقي أقطابها المفكرون يسيرون في طرق منفردة ويختلقون تجربتهم الخاصة. إلا أنهم استوعبوا فكر بعضهم البعض وجادلوا في أفكار ونظريات فكرية بحتة؛ كما فعل ابن عريي والغزالي في تتابع مدرسي(مدرسة واحدة) والسهرودري والشيرازي (مسألة الفيض الإلهي وفكر الإشراق). وكان هذا الجدل في ذروة توهج الفلسفة الإسلامية، ويبدوا أن المتصوفة لم يستطيعوا النأي بأنفسهم عن المعركة الفكرية آنذاك.
وأخيرا انتهت الحركة الصوفية الحية إلى الدروشة الميتة؛ التي مسخت الصوفية إلى تقاليد وسلوكيات غيبية وجسدية بعد انحطاط العالم الإسلامي وزوال حضارته. وهيمنت الدروشة على العالم الإسلامي وكونت مع الشرع السني الدين الإسلامي الذي وصلنا اليوم. إلا أن بعض جوانب الصوفية بقيت حية إلى العصر للحديث، وخصوصا في المغرب العربي، حيث قادت الصوفية هناك النضال الشعبي ضد الاستعمار الأوربي بقيادة شيوخها، كعبد القادر الجزائري والخطابي وعمر المختار والسنوسي والشيخ بو عمامة. وكذلك في أفريقيا الإسلامية كتشاد والنيجر والسودان ومالي. وقام قادة المتصوفة هناك بتبني سلوك شخصي راقي جدا، وتشبهوا بأخلاق أسلافهم، فكانوا مثالا حيا للأخلاق التي نادى بها الأقطاب. وقادوا ثوراتهم بوجدان صوفي بعيدا عن لاأخلاقية السياسة؛ فالخطابي رفض الدخول إلى البلدات الإسبانية المجاورة بعد معركة أنوال مع علمه أنها ستسقط بدون مقاومة لكي لا يروع الأطفال والنساء هناك، وكذلك التزم الأمير الجزائري بخلق رفيع وكان له دورا بارزا في إنهاء مجازر الجبل في بلاد الشام التي قادها الدروز ضد المسيحين. أما الصوفية في مصر والشام والعراق فكانت دروشة صرفة ولذلك لم تنتج حراك ثوري، باستثناء عز الدين القسام من سوريا(وسيرته سيرة قطب هارب من القرن الرابع الهجري). لكنها كانت مؤثرة في المجتمعات الكردية وقاد شيوخ الصوفية حروب تحرير(وغزو) كثيرة وبقيت الصوفية هي المحرك الرئيسي للأكراد حتى ظهور اليسار حديثا ومايزال أكراد العراق متأثرين بالدروشة بعد انتهاء دور الصوفية الحي. وربما يكون للصوفية تأثير في أوراسيا المسلمة ووسط أسيا لكني لا أدري إلى أي مدى تأثيرها هناك ولا أدري ما الشكل الذي اتخدته، وللكاتب(ميثم الجنابي) كتابان عن هذه المنطقة لم أقرأهما بعد. ولهذا نحن نقرأ عن الصوفية باعتبارها أحد أهم المرجعيات الأخلاقية في حضارتنا الإسلامية التي تشكل تراثنا الحي، وممكن الاستفادة من تجربتها الاجتماعية والروحية في صياغة إسلام تحرري جديد واستبدال الدروشة والأصولية الدينية بأخلاق المتصوفة وأحوالهم.
والملاحظ بشكل عام عند المفكرين الحديثين أنهم مجمعون على إنكار الصوفية، وتفسيرهم للحركة على أنها ممارسات همجية وأفكار غيبية، وأقطابها أشباه مجاذيب، وهذا التفسير استشراقي موروث من ماسينيون، وتم تبني هذا التفسير بدون نقد أو مراجعة؛ فأنكرت الحركات السلفية الصوفية وذلك على مذهب أسلافهم(ويجب مراجعة أفكار ابن تيمية نفسه بعيدا عن تفسيرات الوهابية). وأنكر الشيوعيون الإسلام بشكل عام والصوفية بشكل خاص، ولم يهتموا سوى بحركة القرامطة وذلك لجهلهم بالتراث الإسلامي وتقليدهم الأعمى لاشتراكيات أوربا والاتحاد السوفيتي. أما الليبراليون فهم عاجزون عن تفسير التاريخ ولا يمكنهم فهم المتصوفة حتى لو أرادوا. وهناك محاولة لإحياء فكر التصوف والمعتزلة بشكل خاص اليوم، لكنها مجرد استنساخ لأفكار فلسفية لا تعنينا، وإسقاط المضمون الاجتماعي من فكر الحركة (محاربة الأغيار). وتأتي هذه المحاول ضمن مشروع إنشاء إسلام استسلامي ثقافي مقطوع عن تراثه وواقعه وذلك بعد تشويه أي حركية في الإسلام من خلال الحركات الإرهابية التي أنتجها ودعمها الغرب، فأصبح الخيار إما الإسلام الإرهابي وإما الإسلام الإستسلامي!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية