إلى أين يتجه المغرب؟

المناضل-ة
2020 / 8 / 6

توارت العبارات الخطابية حول النموذج المغربي في الانتصار على كوفيد- 19، وحلت محلها صيحات التحذير والإنذار مع التركيز على مسؤولية "المواطن- ة المستهتر- ة بالإجراءات الاحترازية والوقائية". وبعد أن أعلنت الدولة بلغة احتفالية يوم 25 ماي أن معدل تكاثر الفيروس [RO] وصل 0.7، بعد أن كان 2.3 منتصف شهر أبريل، أعلنت مرة أخرى أن معدل التكاثر (حصيلة 25 يوليوز) ارتفع إلى 1.59.
أشار بلاغ حكومي (4 غشت) إلى "الارتفاع الكبير في عدد الإصابات بفيروس "كوفيد 19" وعدد الوفيات المسجلة في الآونة الأخيرة". وتُظهر مقارنة أرقام فترة الحجر الصحي وفترة رفعه التدريجي، التزايد الكبير لحالات الإصابة، فقد ظل عدد الحالات المسجلة طيلة شهرين من الحجر الصحي في حدود 200 حالة، ومباشرة بعد "رفعه التدريجي" [نهاية ماي وبداية يونيو] تجاوزت 400 حالة (1 يونيو)، وانطلاقا من نهاية يوليوز وبداية غشت تراوحت الأرقام بين 800 وأكثر من 1000 حالة. وشهدت الحالات المؤكدة تطور رأسيا ابتداء من الأسبوع الثالث من شهر يونيو حيث انتقلت من أقل من 10 آلاف حالة إلى أكثر من 27 ألف حالة... وتدل هذه الأرقام على أن المغرب يشهد الموجة الثانية من الوباء قبل الموعد الذي حددته منظمة الصحة العالمية، أي الخريف المقبل. ولنا أن نتساءل كيف سيكون الوضع آنذاك؟
من المسؤول؟
بالنسبة للخطاب الرسمي، الجواب جاهز. فقد عزا بلاغ لوزارة الصحة (13 يوليوز) تزايدَ حالات الوفيات والحالات الحرجة المرتبطة بمرض "كوفيد-19" خلال المرحلة الثانية من الرفع التدريجي لإجراءات الحجر الصحي، لـ"عدم الالتزام بالتدابير الوقائية التي توصي بها السلطات من ارتداء إجباري للقناع، واحترام التباعد الجسدي، والحرص على نظافة اليدين، وكذا تحميل تطبيق وقايتنا".
لكن الواقع عكس ذلك تماما. فالارتفاع الكبير في ارتفاع حالات الإصابة يتحمل مسؤوليته أرباب العمل الذي يرفضون تطبيق (وليس لا يحترمون) إجراءات السلامة والوقاية في الوحدات الإنتاجية، والدولة التي فضلت الكلفة الصحية على الكلفة الاقتصادية، عملا بشعار ترامب "العلاج أكثر كلفة من المرض"، وهو نفس ما كرره عبد اللطيف معزوز، رئيس رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين: "الحذر المفرط قد يؤدي إلى سكتة قلبية اقتصادية، وسيكون الضرر حينها أكثر من هذا الفيروس".
لا يتعلق الأمر، إذن، بارتجالية وعشوائية في القرار كما تفضل أحزاب المعارضة البرجوازية ولواحقها البيروقراطية النقابية، بل بـ"تجريبية متعمدة" تضع مصالح أرباب العمل في قمة سلم أولويات الإجراءات الحكومية. إنها تضحية طبقية بأرواح الشغيلة (والمفقرين- ات) لإنقاذ الأرباح وتأمين دوران عجلة الاقتصاد.
يتساوى من يُحَمِّلُ المسؤولية لـ"استهتار المواطن- ة" [الدولة] ومن يحمله لـ"استهتار الدولة" [المعارضة البرجوازية والبيروقراطيات النقابية]، فكلاهما يبرئ المسؤول الحقيقي: النظام الرأسمالي القائم على عقلانية ربحية مفرطة ليست إلا وجها آخر للاعقلانية إجرامية ضد الشغيلة والبيئة.
نموذج لالة ميمونة: أرباب العمل ينفذون بجلودهم
تفجرت يوم 12 يونيو بؤرة وبائية بوحدات إنتاج الفروالة بلالة ميمونة سوق أربعاء الغرب (إقليم القنيطرة)، وبلغت الإصابات المئات، وبعد أن تأكدت صعوبة تحميل العاملات مسؤولية "الاستهتار"، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، أنه "أمر بإجراء بحث قضائي" حول الموضوع.
وأثناء التحقيق حمَّلَ مدير المعمل، الإسباني جيرونيمو دياز، المسؤولية لـ"سائق نقل العاملات يعمل بشكل مستقل (!!) وتم توجيه طلب له من أجل توقيف خدماته والخضوع لحجر صحي"، لكنه "لم يتوقف واستمر في التنقل ما بين الدواوير، وتجميع عشرات العاملات، ما ضاعف خطر انتشار العدوى".
وبعد شهر من التحقيق، جرى التضحية بصغار المسؤولين في الوحدات الإنتاجية، وحسب بلاغ وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بسوق أربعاء الغرب، أعلن أن الأبحاث القضائية أبانت عن "وجود شبهة الإخلال بالتدابير الوقائية والاحترازية المقررة من طرف السلطات العمومية للحد من انتشار الحالة الوبائية للمرض وضمان سلامة الأشخاص، وأعلن أنه تقرر متابعة بعض المسؤولين عن تسيير وحدات الإنتاج المذكورة وكذا بعض الأشخاص المكلفين بنقل العمال، من أجل خرق المادة الرابعة من قانون الطوارئ الصحية واستدعائهم للمثول أمام المحكمة ومحاكمتهم طبقا للقانون". [MEDI1TV، 22 يوليوز 2020].
هل هذا "تخبط" "عشوائية"؟ أبدا، إنه قرار طبقي واع اتُخِذ بعد "إجراء ث قضائي" وانتهى بتبرئة رب العمل، وبهذا المنظور تمهد دولة أرباب العمل أرضية كارثة اجتماعية وصحية، ستحمل وزرها وكلفتها لملايين الشغيلة والكادحين- ات في حين تجعلها فرصة ثمينة لمراكمة الأرباح أمام الرأسماليين.
الكارثة الاجتماعية والصحية القادمة
ترفض الدولة تحميلَ أرباب العمل كلفةَ مواجهة الوباء، وتفضل التضحية بالشغيلة وصغار المنتجين- ات تحت شعارات "المناعة الجماعية" و"التعايش مع الوباء" المستعارة من المراكز الإمبريالية.
وقد أشار الملك في خطابه الأخير إلى أن "عواقب هذه الأزمة الصحية ستكون قاسية"، ولكن على من؟ فالقانون التعديلي لمالية 2020 نزع السدادة عن المالية العمومية لتصب بكثافة في أرصدة المقاولات، على شكل إعفاءات ضريبية وتسهيلات ائتمانية. وتحدث الخطاب الملكي عن "خطة طموحة للإنعاش الاقتصادي تمكن القطاعات الإنتاجية من استعادة عافيتها... وفي هذا الإطار، سيتم ضخ حوالي 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني، أي ما يعادل 11 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وهي نسبة تجعل المغرب من بين الدول الأكثر إقداما في سياسة إنعاش الاقتصاد بعد هذه الأزمة".
إن "عواقب الأزمة الصحية ستكون قاسية" إذن على الشغيلة والجماهير التي تقف عزلاء في وجه وباء لا يتوقف عن الانتشار، وفي وجه إجراءات طبقية تضحي بها على مذبح إنقاذ الأرباح. وقد أظهر قرار وزارة الصحة الأخير القاضي بحرمان شغيلة الصحة من العطل الإدارية، أن سوء العواقب يمس الشغيلة، ويتفادى أرباب العمل وممثيلهم السياسيين.
أكد القانون التعديلي لمالية 2020 نفس الإجراءات التقشفية فيما يخص القطاعات الاجتماعية، وضمنها الصحة، وأمام النمو التراكمي لأعداد الإصابات أصبح النظام الصحي وقدرة الأطقم الصحية المنهكة مهددين بالانهيار.
وسيسهم إطلاق يد أرباب العمل، المستفيدين من ميزان قوى اجتماعي مائل لصالحهم، في تزايد أشكال العمل الهش وارتفاع نسب البطالة وانهيار القدرة الشرائية لملايين الشغيلة.
الأزمة الاقتصادية في الخلفية
فجرت الأزمة الصحية (كوفيد- 19) أزمة اقتصادية عالمية وصفها البنك الدولي بأنها "أكبر ركود اقتصادي منذ 150 سنة"، ويقع اقتصاد المغرب في فوهة مدفع الأزمة العالمية، كونه اقتصادا رأسماليا تابعا ودورته الاقتصادية مرتبطة بالسوق العالمية (التصدير والاستيراد) والتمويل من الأسواق المالية (الاقتراض).
تسعى البرجوازية المغربية ودولتها إلى التكيف مع هذه الأزمة، باستغلال هوامش استقطاب رساميل أجنبية تبحث عن مناطق لا تطبق إجراءات قاسية للإغلاق الاقتصادي والحجر الصحي، واعتماد شبه كلي على التمويل الخارجي عبر آلية الاقتراض لموازنة عجز الميزانية وحساب الميزان التجاري.
لكن أزمة المراكز الإمبريالية تهدد بتشديد الخناق على اقتصاد البلد: إغلاق السوق الأوروبية في وجه صادرات المغرب، تراجع عائدات السياحة والعمالة المهاجرة، إصرار المؤسسات المالية الدولية على الاستمرار في سداد الديون الخارجية.
كما أن السياسة الفلاحية القائمة على زراعة تسويقية تصديرية، تجعل الأمن الغذائي رهينا بالاستيراد والقدرة على الأداء المرتبط بدوره بالقروض الخارجية. وسيؤدي أي انقطاع في سلاسل التوريد العالمية إلى ندرة مواد الغذاء في السوق العالمية وموجة تضخم ستدمر القدرة الشرائية لملايين الكادحين، الذين فقد جزءُ مهم منهم شغله.
واستمرت الدولة في تبني نموذج نمو قائم على الديون: ديون المؤسسات العمومية والشركات والأسر، وتفاقم الأمر مع قانون تعديلي لمالية 2020، تضمن فيه الدولة قروض المقاولات (بين %80 و%90). وسيردي انكسار سلسة القدرة على الأداء في أي حلقة (خاصة ديون الشركات) إلى إطلاق موجة إفلاسات ستؤثر مباشرة على المالية العمومية.
يهدد هذا بتحول الأزمة الاقتصادية في أي لحظة إلى أزمة لمالية الدولة تضطر على إثرها إلى إجراءات صدمة تقشفية قاسية (على غرار برنامج التقويم الهيكلي سنة 1983)، قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي، يضع الاستقرار السياسي الذي يشكل الرأسمال الأساسي للنظام المغربي على كف عفريت. وترتبط التوقعات السياسية بمستقبل الأزمة الاقتصادية التي تشكل الأرضية الأساسية لأي تغير سياسي مستقبلي، سواء أكان محفزا من أعلى أو مفروضا من أسفل.
نحو تجديد الواجهة "الديمقراطية" للاستبداد
تستفيد الملكية من وجود واجه مؤسساتية (حكومة واجهة وبرلمان) ينصب عليها الاستياء الشعبي بدل مواجهة أصل البلاء الذي يمثله الاستبداد، الذي تساعده معارضة ناقصة النزعة الديمقراطية (فيدرالية اليسار الديمقراطي) وأخرى رجعية (جماعة العدل والإحسان) وبيروقراطيات نقابية غارقة في سياسة التعاون الطبقي، التي توجه سهام نقدها لتلك الواجهة الحكومية مركزة على "التخبط والارتجالية وعشوائية القرار"، مطالبة بتفعيل "المقاربة التشاركية".
تضبط الملكية الوضع السياسي والاجتماعي عبر تركيبة تشمل آليات احتواء وتدجين سياسيين، وآليات قمع انتقائي ومحسوب. ولدى الدولة جهاز قمع ساهمت الخدعة التاريخية المسماة "إنصافا ومصالحة" في تنقية ماضيه الرهيب، بإفلات الجلادين من العقاب والمساءلة، بتوافق تام مع القوى السياسية البرجوازية. وتعمل الدولة على سد منافذ الاحتجاج من خلال ترسانة كاملة من القوانين المكبلة للحريات (مشروع قانون الإضراب وتأسيس النقابات، مشروع قانون 22.20).
وقد استفادت الملكية كثيرا من السياسات المعتمدة طيلة فترة الحجر الصحي، إذ بدت بمظهر الجهة الوحيدة القادرة على التدخل الفعال لمواجهة الأزمة، ويجمع كل الطيف السياسي (وبيروقراطيات النقابات) القابع في أعلى الهرم السياسي خطاباته بـ"التوجيهات المولوية الرشيدة".
لكن عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية التي فجرها الوباء، إضافة إلى إصرار الدولة على المضي قدما في إنقاذ عالم رأس المال يكشف حقيقة أن الاستبداد يحكم لصالح الرأسماليين، ويهدد باستنفاذ الرأسمال الرمزي الموروث عن أسطورة "التحام الملك والشعب"، وتحت قناع "الإجماع الوطني" يختبئ الرأسمالي الذي يمتص دماء الأمة تحت حماية الاستبداد الذي يمسك بـ"قرون الشعب، لتحلبه البرجوازية" على حد تعبير المؤرخ الماركسي إيريك هوبسباوم.
ستتخذ الأزمة الاقتصادية والصحية والاجتماعية أبعادا سياسية لا محالة، ولدى الاستبداد رصيد سياسي سيستعمله لتفادي إصابته بخدوش هذه الأزمة. ويتمثل هذا الرصيد في آلية "التناوب السياسي". لهذا فإن الاستبداد حريص على إجراء "الاستحقاقات الانتخابية" في أجلها المحدد: 2021.
ويمد الطيف الحزبي المشارك والمدعي المعارضة يد المساعدة للدولة بتحميل مسؤولية ما آل إليه الوضع لحزب العدالة والتنمية، و"انتشرت دعوات مكثّفة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني أو حكومة ذات ائتلاف موسّع يضمّ كل الحساسيات الوطنية، لتعمل مع الملك محمّد السّادس على إخراج البلاد من الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية"، كما اقترح الكاتب الأوّل لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، "إنهاء حكومة العثماني والذّهاب إلى حكومة وحدة وطنية"، وهو ما يتخوف منه العدالة التنمية الذي صرح أمينه العام سعد الدين العثماني: "لا معنى لحكومة إنقاذ وطني، لأنه يتم اللجوء إليها عندما تكون هناك أزمة سياسية في البلاد، ونحن لسنا في أزمة سياسية ولم يقل بهذا أحد". [هسبريس 3 غشت 2020].
لكن رفض سعد الدين العثماني "رفضٌ مشروط" وهو ما يفتح الباب مشروعا أمام هذا النوع من "الحكومة" في حالة وقوع أزمة سياسية.
يبقى الأكيد أن أحزاب البرجوازية (المشاركة منها في حكومة الواجهة أو المقصية عنها) تريد استغلال- كما دأبت دائما- الأزمة الاقتصادية والصحية للحصول على إصلاحات تنظيمية لقانون الانتخابات، محذرة النظام من زيادة "حدة الاحتقان الاجتماعي واحتمال تصاعد الحركات الاحتجاجية" بسبب "التداعيات الكبيرة لجائحة كورونا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية". وتطالب هذه الأحزاب بـ"تعاقد سياسي جديد" و"إحداث اللجنة الوطنية للانتخابات بقانون كهيأة مكلفة بالتنسيق والتتبع ومواكبة الانتخابات". [مذكرة أحزاب الاستقلال والأصالة والمعاصرة التقدم والاشتراكية].
وفي نفس السياق طالبت "مذكرة أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي بخصوص تصورها للإعداد لانتخابات 2021" بـ"إحداث لجنة وطنية ولجان فرعية مستقلة دائمة للإشراف على الانتخابات والالتزام بمبادئ الديمقراطية الحقة ونزاهة الانتخابات
" في مذكرة سلّمتها إلى وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، بأن تتشكل اللجنة الوطنية المستقلة للإشراف على الانتخابات القادمة من أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والاستقامة، وتضم في عضويتها الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات المهنية، وتنبثق عنها لجان فرعية على مستوى العمالات والأقاليم للإشراف على مختلف المراحل الانتخابية". ["يساريو المغرب يطالبون بلجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات"، عادل نجدي، 01 غشت 2020].
وتعيد الأحزاب البرجوازية طرح حلمها القديم القاضي بإبعاد "يد وزارة الداخلية عن الانتخابات"، ولكن هذه الأحزاب واعية تماما أن الأمر يحتاج إلى نضال عمالي وشعبي لفرض مثل هذا "التنازل"، ولكنها لن تلعب بنار حفز هذا النضال الذي لن يقف في حدود هذه "التنازلات"، لذلك نراها تكبح نضالية العمال بواسطة أذرعها النقابية البيروقراطية، وتنصح الاستبداد بتفادي تأجيج نار الاحتقان الاجتماعي مقدمة حلولا لإطفاء نار الاستياء الشعبي: "تصفية الجو السياسي وتوفير مناخ سياسي جديد" عبر "تحقيق انفرج سياسي في طريق المصالحة مع المجتمع والجهات المهمشة... إلخ" [مذكرة أحزاب فيدرالية اليسار بخصوص تصورها للإعداد لانتخابات 2021، مجلة الطريق، 30 يوليوز 2020]. أي صيغة منقحة وجديدة لخدعة "طي صفحة الماضي والإنصاف والمصالحة".
يتفق كل الطيف السياسي البرجوازي (المشارك في حكومة الواجهة أو المدعي للمعارضة) على المطالبة بصيغ عديد لـ"الإشراك"، وتندد فيدرالية اليسار بـ"انفراد وزارة الداخلية بتدبير مرحلة ما بعد الحجر الصحي"، وتشجب البيروقراطيات النقابية "إقصاءها من لجنة اليقظة الاقتصادية وتطالب بتأسيس لجنة يقظة اجتماعية ومأسسة الحوار الاجتماعي"، ويستنكر المكتب الوطني للقطاع النقابي التابع للعدل والإحسان في بيان 28 يونيو "تغييب كامل للنقابات وممثلي العمال سواء من خلال إقصائهم من لجنة اليقظة الاقتصادية، أو تجميد جلسات الحوار الاجتماعي".
وكيفما كان الأمر، فإن الاستبداد سيستفيد من تجديد واجهته الحكومية والبرلمانية، سواء عبر انتخابات في موعدها المحدد [2021] والتي ستشهد المزيد من تآكل "مصداقية" حزب العدالة والتنمية، أو عبر "حكومة إنقاذ وطني تحت قيادة تكنوقراطية"، ولا يتعلق الأمر باختيار عقلاني بين الأمرين، بل برد الاستبداد والبرجوازية على عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية القادمة، أي بنتيجة الصراع الطبقي في آخر المطاف... وآنذاك ليس من المستبعد أن يشارك في تلك الحكومة حتى المعارضة [فيدرالية اليسار] التي تشترط دخول الحكومة بإصلاح سياسي، كما وقع سنة 1983 حين شارك الاتحاد الاشتراكي (رغم كونه في المعارضة) في حكومة وحدة وطنية بمبرر "ّحاجة البلاد إلى روح جماعية وجبهة داخلية قوية" على خلفية نزاع الصحراء وقبول الحسن الثاني إجراء الاستفتاء (قمة نيروبي) وتطبيق برنامج التقويم الهيكلي، وفي نفس الوقت أملا في بعض التنازلات السياسية. ["المغرب الذي عشته، سيرة حياة"، عبد الواحد الراضي، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2017].
ويبقى ملف الصحراء وشحن المشاعر الشوفينية ضد الجزائر، إحدى أقوى نقاط قوة الاستبداد التي لن يتوانى عن استعمالها في وجه أي نهوض عمالي وشعبي أو إزاء أي معارضة سياسية جذرية، تماما كما فعل في سبعينيات القرن العشرين.
كما يشكل الدعم الإمبريالي نقاط استناد هامة للاستبداد، وهو يقدم خدماته السياسية (محاربة الإرهاب، الهجرة السرية، المشاركة في التدخل الخليجي في اليمن...) والاقتصادية (رهن اقتصاد البلد للرأسمال الأجنبي، التوجه نحو إفريقيا) مقابل هذا الدعم.
دون أن ننسى الاحتياطي الرجعي المتمثل في القوى السلفية المستعدة لحرف النضال تجاه مآلات رجعية كما برهنت عليه الثورة المصرية (الإخوان المسلمين الموالون لقطر) أو الوقوف ضده (السلفية الوهابية الموالية للسعودية).
حاليا، فضلت جماعة العدل والإحسان، بعد الزلزال الذي عرفته المنطقة منذ 2011 ومصير جماعة الاخوان المسلمين بمصر، استنكافا سياسيا واقتصرت على بعث رسائل التهدئة للنظام وإشارات تصالحية وتجنب التصعيد ضد القَرْصِ الدوري الذي تتعرض له من أجهزة القمع، وبات خطابها السياسي يستمد مفرداته من قاموس المعارضة الليبرالية المغربية وهجرت لغتها الموجهة للعموم المفاهيم المشتقة من المدرسة "الإخوانية".
تشكل خطورة الأوضاع الاقتصادية وما قد تؤدي إليه من نتائج اجتماعية وسياسية، عامل ضغط يدفع العدل والإحسان إلى الحذر الشديد من النضالات الشعبية. تنتقد الجماعة غياب "الحكمة" و"البصيرة" لدى الحاكمين مخاطبة "العقلاء داخل الدولة" من أجل "وحدة جامعة لكل الخيرين لما فيه مصلحة مغربنا لمواجهة جماعية للمخاطر التي تهدد بلدنا".
تكمن أزمة العدل والإحسان، كما المعارضة الليبرالية، في انعدام بديل شامل لأزمة الرأسمالية التابعة، وحلمهما "برأسمالية نقية"، مع خلاف حول غطائها السياسي: قمعي ديني للأولى وليبرالي ديمقراطي للثانية، وكلاهما لا يجيب حول استنفاد الرأسمالية قدرة الجواب على معضلات التبعية والتخلف والفقر الجماهيري واستنزاف الثروات وانعدام الاستقلال الوطني.
ليست المعارضة الليبرالية والدينية أدوات نضال تحرر الشعب بل عجلة احتياط تلجأ لها الأنظمة الحاكمة لاجتياز منعطفات حاسمة سواء كواجهة لحكمها او كمعارضة لترويض الجماهير المندفعة.
النضال العمال والشعبي يراوح المكان
استطاع الاستبداد تجاوز موجتي نضال سياسي واجتماعي بسلام: حراك 20 فبراير وحراك الريف. ويتمكن بفضل تعاون (صريح، أو سلبي بالاستنكاف) من طرف المعارضات البرجوازية الليبرالية (فيدرالية اليسار) والرجعية (العدل والإحسان) إلى جانب ضبط القاعدة العمالية وكبح اندفاعاتها من طرف بيروقراطيات موالية للدولة أو تابعة للأحزاب البرجوازية، من هزيمة النضالات العمالية والشعبية بأقل الخسائر [نضال شغيلة التعاقد المفروض نموذجا].
وتستمر الدولة في تنزيل نفس الهجمات التي كانت مقررة قبل الجائحة، وتُعد لبلورة "نموذج تنموي جديد" يحافظ على جوهر السياسات النيوليبرالية التي أدت إلى الكارثة الاجتماعية والصحية، إلى جانب تحميل الشغيلة وصغار المنتجين- ات كلفة الأزمة.
لم يتجاوز رد الفعل العملي والشعبي حدود مقاومة نتائج الهجمات أو المطالبة بفتات "الدعم الاجتماعي"، ويبقى الاستياء العمالي مكتوما تحت ستار غليظ تحرسه البيروقراطيات النقابية، أو يتبدد في مناوشات معزولة بدون أفق سياسي أو بعد وطني.
وفي حين تضغط البطالة الجماهيرية على معنويات الطبقة العاملة وتكبح استعدادتها النضالية الكامنة، يقف غياب تقاليد نضال كفاحية عقبة كأداء أمام تطور النضال العمالي والشعبي، فطلائع هذا الأخير التي تفرزها تجربتها الخاصة إما تتلوث بالتقاليد السائدة ("التعاون الطبقي"، "الحوار الاجتماعي") أو ترفض كلية التنظيم الحزبي ("الدكاكين السياسية") والنقابي ("النفايات").
أما القيادات الوسطى والمحلية للنقابات فلا تتميز في شيء عن القيادات البيروقراطية المركزية، وتغرق في تدبير يومي لملفات جزئية بنفس الخط البيروقراطي المفروض من الأعلى، باستثناء بعض الأنوية النقابية الكفاحية لكنها معزولة.
ويلعب ضمور اليسار العمالي الثوري دورا سلبيا وكابحا لأي اندفاعة نضالية، وقسمه الأكبر (النهج الديمقراطي) مصر على رهن أي تغيير سياسي واجتماعي بتحالفات مع قوى سياسية برجوازية (ليبرالية مثل فيدرالية اليسار، أو رجعية مثل العدل والإحسان)، ما يقيده ويجعله محض ذيل لهذه القوى يميل حيث تميل، في حين أن الشرط الأولي لأي تغيير هو انتزاع الجماهير من الهيمنة السياسية والأيديولوجية لهذه القوى البرجوازية. أما الأقسام الأخرى فهي مجهرية إلى حدود لا تؤثر في ميزان القوى الاجتماعي.
لكن حدة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية والصحية، تجعل المرجل يغلي، وحين يصل درجة الغليان لا بد أن ينفجر في وجه صناع الأزمة (أرباب العمل ودولتهم). وسيستفيد هذا النضال من التجربة المتراكمة منذ عقود (حركات النضال ضد البطالة، انتفاضات طاطا وإيفني، حراك 20 فبراير، حراكي الريف وجرادة، المقاطعة، احتجاجات تلاميذية، نضال شبيبة التعليم والطب والتمريض...). ولكن إذا لم تخصب هذه الخبراتُ المكتسبة المعاركَ النضالية القادمة، فمن المحتمل أن ينفجر الاستياء الاجتماعي على شكل تشنجات وخضات دون أفق سياسي (شبيهة بانتفاضة 23 مارس 1965) يغرقها الاستبداد في بحر من الدماء، ويستفيد من قوارب النجاة التي تمده بها المعارضات البرجوازية الطامعة تَفَهُّمَهُ لهذه المساعدة مقابل استجابة لمطالبها حول "الإصلاح السياسي والدمقرطة عبر جرعات".
لا زال الاستعداد النضالي كامنا، وينتظر فرصة تفجره، وتدل النضالات العمالية الحالية (نضال عمال النظافة، وشغيلة الصحة وموزعي الماء الصالح للشرب...) وما وقع بجرادة وتماسينت، والاستقبال الشعبي الاحتجاجي للمفرج عنهم من معتقلي حراك الريف، على ما يعتمل في قاع المجتمع من فوران مكبوت. ويشير تراجع الدولة عن مشروع قانون 22.20، وانتزاع تعويضات مالية للأطر الصحية العاملة في مصالح "كوفيد-19" تتراوح قيمتها بين 1000 و3000 درهم، إلى أن الرد الشعبي قادر على إحراز انتصارات جزئية، ولكن غياب قوة سياسية يسارية جذرية يحد من مفعول هذه الانتصارات ويمنع تراكمها.
تفتح الموجة الثانية من السيرورة الثورية الإقليمية (السودان، الجزائر، العراق، لبنان) ثغرة في اللوحة القاتمة، وينفتح أفق تاريخي واسع للنضالات العمالية والشعبية، سيكون على اليسار الثوري أن يلعب دورا فاعلا في حفزها وتوسيعها.
إن وحدة الصف العمالي والشعبي ضرورة حيوية لمستقبل الكادحين- وتفادي الكارثة المحدقة بهم- هن، لذلك يُعد العمل على بناء أواصر التعاون النضالي المشترك بين أدوات نضال الطبقة العاملة (نقابات وتنسيقية) ضرورة في وجه هجمات أرباب العمل.
وحدة الصف العمالي شرط لا غنى عنه لجر باقي شرائح الشعب الكادح (صغار المنتجين- ات بالمدن والقرى، ضحايا البطالة، الطلاب- ات...)، ودونه ستشكل هذه الشرائح جمهورا سلبيا ينتظر صدقات النظام أو احتياطيا جماهيريا لقوى رجعية تقف على نفس الأرضية الطبقية مع الاستبداد: الحفاظ النموذج الاقتصادي والاجتماعي القائم مع تلطيف أوجهه الأكثر بشاعة بلمسات إحسانية.
تَطرح مهمة تجميع اليسار الثوري نفسها بحدة، على أرضية المطالب الحيوية لجماهير الشغيلة وصغار المنتجين بمنظور معادٍ للرأسمالية. وعلى البداية أن تكون بتجميع قوى اليسار الثوري داخل أدوات نضال الشغيلة (نقابات وتنسيقيات) وبناء معارضة نقابية يسارية تقف على النقيض من الخط البيروقراطي القائم على "التعاون الطبقي" و"القوة الاقتراحية" و"الحوار الاجتماعي".
على اليسار الثوري أن يكون وفيا للمصالح التاريخية للطبقة العاملة، أي التحرر الشامل من الرأسمالية وكوارثها المتنوعة (اقتصاديا وبيئيا وصحيا وحروبها). مهمة اليسار الثوري هي مركزة النضال العمالي والشعبي لإسقاط الاستبداد السياسي، الذي لا يمثل إلا قسما من الطبقة البرجوازية يحكم بالوكالة عن مجمل هذه الطبقة، وعلينا أن نضع في منظورنا أن الثورة القادمة لن تقف في حدود كنس الاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والتبعية للإمبريالية، بل تضع على جدول أعمالها تدابير معادية للنظام الرأسمالي بمنظور مغاربي وأممي... وإلا ستكون "مسخ ثورة" على حد تعبير الثائر الأممي تشي جيفار.
أزنزار