نقض مفهوم العالم لدى أبن رشد

هيبت بافي حلبجة
2020 / 8 / 5

نقض مفهوم العالم لدى ابن رشد
نتحدث ، هنا ، عن ابن رشد الحفيد ، الفقيه والفيلسوف القرطبي ، الفيلسوف الذي عبر عما يجيش ويعتمل في نفسه وعقله من أفكار وآراء من خلال شرحه لمؤلفات أرسطو ، نص تلخيص منطق أرسطو ، تلخيص كتاب ارسطو طاليس في العبارة ، كتاب القياس لأرسطو ، ومن خلال مؤلفاته ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، البيان والتحصيل ، فصل المقال وتقرير مابين الشريعة والحكمة من الإتصال ، ومؤلفه تهافت التهافت الذي رد فيه على مؤلف الإمام الغزالي تهافت الفلاسفة . ولقد إعتقد البعض ، خطأ ، لجملة أسباب وإطروحات خاصة بابن رشد ( إن الإمامة للعقل ) ، إن هذا الأخير يعتمد على العقل قبل النقل ، لكن هذا ليس دقيقاٌ ، قثمة مواضيع يعتمد فيها على اللاعقل ، وثمة مواضيع يعتمد الإمام الغزالي ، وهو ينتقد الفلاسفة ، على العقل أكثر من ابن رشد الحفيد ، وهذه الصورة تعكس محنة فلاسفة الإسلام ، فجميعهم يعانون من الإدراك الخاطىء لحقيقة هذه المحنة ، بما فيهم المفكرين الجدد كنصر حامد أبو زيد ، ناهيكم عن محمد أراكون ومحمد شحرور تلامذة الفكر الأعوج ، والتي أختزلها على الشكل التالي :
حينما نتحدث عن العقل ، فنحن لا نتحدث عن ماهيته ولا بنيته ولاتكوينه ، فتلك مسألة أخرى تتعلق ، في رأينا ، بمفهوم نسميه المادة المدركة الواعية ، وهنا تحديداٌ لانتفق مع الباحث الموسوعي محمد عابد الجابري ولا مع المفكر الفرنسي لالاند ، إنما نتحدث عن علاقة مايسمى بالعقل ، المادة المدركة الواعية ، بالقضايا ، بالمفاهيم ، بالظواهر ، وبالأشياء ، وبإدراك طبيعتها .
ومن ناحية ثانية ، نحن مضطرون أن نعتمد إطروحاتنا ومعتقداتنا وأفكارنا على عقولنا ، على عقلنا ، على المادة المدركة الواعية ، ولانستطيع أن نعتمد في ذلك على عقل آخر ، على عقل كوني ، أوعلى عقل يدعي أنه قد خلقنا ، أنه يمتلكنا ، إنه كان هناك منذ الأزل ، إنه قد خلق لنا الجنة والنار ، والثواب والعقاب !! كما لا نستطيع أن نعتمد في ذلك على عقل كائنات أخرى ، لإننا لاندرك كيف تتصرف وماهي المعايير ، وماهو منطقها في التفكير والتحليل ، وهل هي تصدق أم تكذب ، كما لايحق لها أن تعتمد في ذلك على عقولنا ، فنحن قد نكذب وقد نصدق ، سيما وإن معلوماتنا عن كل شيء تافهة وسخيفة وقريبة من اللاشيء ، وقد تكون خاطئة ، وهذا هو الأرجح حتى هذه اللحظة .
ومن ناحية ثالثة ، إن مكونات عقلنا هي مجموعة معقدة من حيث التأصيل ، فعقلنا لديه ، مانسميه ، بمنطقه الخاص ، بإصوله المميزة ، وبطريقة تفكير ، وبرؤية معينة ، تعتمد على مستوى درجة تطور العلم في ذاك المجتمع ، على الثقافة العامة له ، على العلاقة البنيوي مابين أفراده ومابين مكوناته ، على تاريخانية المفاهيم والمعتقدات ودرجة تطورها ، ناهيكم عن النظام العام والآداب ، فالفلاح المصري يتمايز جذرياٌ عن الفلاح الفرنسي ، ومعلم الرياضيات في الولايات المتحدة يتمايز راديكالياٌ عن معلم الرياضيات في إيطاليا وموزمبيق ، و حتى ضمن المجتمع الواحد ، مدرس الفيزياء يتمايز عن مدرس فيزياء الكوانتوم .
ومن ناحية رابعة ، إن العقل التجريدي البحت ، هو عقل لامصداقية له ، لإنه يعتمد على محتوى النظري الصرف ، وهذه حالة كارثية ، نشهدها في كافة إطروحات الديانات ، فالعقل النظري المحض الذي يعتمد على الفلسفة النظرية البحتة والإفتراضات المرافقة لها ، هو عقل سخيف وتافه ، حنى لو صدق ، لإن لا معيار أصيل وأصلي على إطروحاته ، لذلك ينبغي ، بالضرورة ، أن يعتمد العقل على الواقع والتجربة والعلم مع شرط الضرورة المطلقة وهو شرط العقل نفسه ، فلاعقل حقيقي بدون هذين الشرطين ، وإلا فإنه يتجول ، في الكون ، بدون قواعد ولاقوانين ولاضوابط ، وهذا مانشهده لدى معظم الفلاسفة ، بما فيهم إفلاطون وهيجل وسبينوزا وكانط وفلاسفة الإسلام ، لذلك فإن ماسميت بالبراهين على وجود إله للكون هي براهين سخيفة تافة عقيمة ، فهل يوجد أسخف من برهان النظام في الكون ، ولكل نظام منظم وناظم ، فلو صدق هذا البرهان لأمكننا القول ، إن إله الكون ، ككائن ، إما إن يكون خاضعاٌ للنظام ، أم أن يكون خاضعاٌ للفوضى ، ففي الحالة الأولى إما أن يكون إله الكون هو من نظم نفسه ، أو نظمه غيره ، وفي الفرضين يكون إله الكون خاضعاٌ للفوضى ، وفي الفرضين يكون ثمة تحول من حالة الفوضى إلى حالة النظام ، والتحول يلغي وجود مفهوم إله الكون ، سنعود إلى معالجة هذا البرهان بالتفصيل لاحقاٌ . وثم هل يوجد أسخف من برهان واجب الوجود وممكن الوجود ، وكأننا ندرك حقيقة واجب الوجود وممكن الوجود !! ، وياترى لماذا يضطر واجب الوجود أن يخلق ممكن الوجود !! وإذا لم يكن مضطراٌ فلماذا خلقنا !! وهل ثمت إله بدوننا !! أي بدون ممكن الوجود ، ومهما يكن الجواب فإنه ينفي وجود هذا الإله . ولن نتحدث ، هنا ، عن البرهان الإنطولوجي للقديس أنسلم ، لإننا عالجناه سابقاٌ .
ومن ناحية خامسة ، إن العقل لاينشىء الظاهرة أو القضية ، وهذه هي الإشكالية العظمى والمفارقة الكبرى مابين فهمنا وإدراكنا للأشياء ومابين فهمهم وإدراكهم لها ، إنما يستطيع العقل أن يراقبها ويحللها إعتماداٌ على الأدوات التي يستحوذها ، والمعلومات العلمية التي يملكها ، وإذا ماوجد خلل أو قصور في هذه المعلومات أو القواعد أو الأدوات ، فإن رؤيته تكون ناقصة ، بليدة ، سخيفة ، لنفرض ، جدلاٌ ، إن ظاهرة القلم المكسور في الماء أو مايشابهها ، موجودة في كوكب ، بالكاد ، نراه ، فلايستطيع عقلنا أن يفسر هذه الظاهرة ، إنكسار الضوء ، إلا بصعوبة تكاد تكون مستحيلة ، وهذا مايحدث حينما نتحدث عن نتائج فيزياء الكوانتوم . فالعقل ، في تحليله وبالتالي في صدقه وكذبه ، مرهون بما يملك ، لذلك نرى الإرتباك في مسألة الشمس والقمر ومفهوم الكون وموضوع السماء والعلاقة مابين السماء والأرض في الإسلام لإن إله الإسلام كان يعتمد على العين المجردة وعلى المعلومات السخيفة والبسيطة التي كانت متوافرة في ذلك الزمن .
ومن ناحية سادسة ، وحينما نتحدث عن العقل ، فإننا نقصد أولاٌ : إن طبيعة العقل لاتتجزأ ، فهو إما أن يكون موجوداٌ وإما أن يكون غائباٌ ، ونقصد ثانياٌ : إن مجاله لايتجزأ ، فهو ، إما أن يسيطر على الظاهرة أو القضية برمتها أو أن يتخلى عنها بتمامها ، ونقصد ثالثاٌ : إن الباحث أو الناقد الفلسفي أو المفكر ، فهو ، إما أن يعتمد على العقل من البداية إلى النهاية ، أو إنه ، في الحقيقة ، كاذب لايعتمد عليه إلا في المواضيع التي لاتضر وجهة نظره المثبتة سابقاٌ ، فهو يركب الحصان عندما لايكفي الحمار ، ويركب الحمار عندما يجد خطورة في الحصان ، ولايركب كليهما إذا تناقض الأمر وتغطى بمفهوم التفسير اللامنطقي والمنحرف والكاذب ، وكأنه ، هو إله ، يبرر لإله الإسلام قوله أو فعله ويصحح له .
وهكذا فإن العقل ينبغي أن يحكم كافة العناصر في القضية أو في الظواهر ، وهذا يشمل ، بطبيعة الأمر ، هل ثمت إله للكون ، هل هذا الإله ، في حال وجوده ، يرسل الأنبياء ، وهل كل من إدعى النبوة هو من عند هذا الإله ، وفي حال صدق الفرضين فهل هذا النص هو من عند هذا الإله ، وهل النص الحالي هو ذاك النص الموجود في اللوح المحفوظ !! ثم آلاف من الأسئلة ، وهكذا يحق لنا القول إن هذا الباحث أو المفكر قد أستخدم عقله بالمعنى الذي نقصده ، فهل تحقق ذلك عند أبن رشد ، نقدم أمثلة بسيطة ، يؤكد في مؤلفه ، بداية المفتصد ونهاية المجتهد ، إن الذمي الموجود في دار الإسلام يتوجب عليه دفع الجزية ، هذا يعادل ، تماماٌ ، إن المسلم الموجود في دار لا إسلامي يتوجب عليه دفع الجزية ، ويصح القولان لإنهما خارج نطاق العقل ، وهذا الأخير ، ضمن سياق فهمنا له ، يقبل بأحد الفرضين ويعارض الفرض الآخر ، فمن المستحيل أن يقبل بالفرضين ، عندها تغدو القضية أمر إجتماعياٌ وليس أمراٌ إلهياٌ أو أمراٌ منطقياٌ أو أمراٌ علمياٌ ، وهذا ليس له أي علاقة بمبدأ التناقض أو عدم التناقض .
أضف إلى ذلك إن أبن رشد يقدم وجود الله ، إله الإسلام ، ووجود نبي الإسلام ، والنص الإلهي ، كمسلمات بديهية أولية ، ثم يسعى جاهداٌ أن يوافق مابين هذه الجهات الثلاثة ومابين كافة القضايا الأخرى ، وهذا ماقام به بخصوص قدم العالم أو حدوثه وتفنن في ذلك ، لإن ، المهم ، هو إزالة التناقض حسبه هو . لكنه لم يعالج ، هذه الموضوعات التالية مثلاٌ ، ولايستطيع معالجتها دون الوقوع في الحالة النقيضة ، تلك الحالة التي يتهرب منها : هل من المعقول أن يقول إله الكون ، ولما قضى زيد منها وطراٌ زوجناكها ، وهل من المعقول أن يقول ، تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وماكسب ، سيصلى ناراٌ ذات لهب ، وإمرأته حمالة الحطب ، في جيدها حبل من المسد ، وهل من المعقول أن يقول ، يقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم ، أو أربعة خامسة كلبهم ، مع العلم إن القصة خيالية إفتراضية دونت قبل مجيء الإسلام بكثير ، وهم محددون بسبعة أسماء ولايوجد ثامنهم ، أي لايوجد كلب في القصة ، إنما الأمر يتعلق بالملاك الحارس لأجسادهم ، وفي النص الإلهي هو كليهم ، بالياء ، أي حارسهم ، وليس بالباء ، وهل من المعقول أن يقول إله الكون ، مالك تحرم على نفسك ما حلله الله لك ، وهل من المعقول ان يسمح إله الكون بالسبي ومامالكت إيمانك وبتلك الغزوات الدموية الباطشة ، وهل من المعقول أن يقتل إله الكون غلاماٌ لمجرد خشيته إنه سوف يرهق والديه عند الكبر ، وهل إله الكون يخشى !! . وهل من المعقول أن يسمح إله الكون بهذه القصة وهي مدونة في كتب السيرة : إن نبي الإسلام طرق باب أسماء بنت مالك ، ولما فتحت ، قال لها ، هب نفسك لي ، فرفضت وقالت : وهل تهب الملكة !! نفسها للسوقة !!، وحدثت مشادة قوية ، وآب نبي الإسلام مرتداٌ ، فلقيه في الحال رجل من تجار اليمن فقال له : مالك تستشاط غضباٌ ، فرد عليه لقد طلبت منها أن تهب نفسها لي لكنها أبت ، فقال اليمني ، سأعطيك ماهو أجمل منها وأرفع مقاماٌ ، فقال من هي !!! فرد عليه اليمني إنها أختي ، فعقد القرآن ، ورجع اليمني إلى دياره وجلب أخته ، لكن في الطريق سمعا بوفاة نبي الإسلام ، فرجعا إلى ديارهما وأرتدا عن الإسلام !!! . وهنالك العشرات والعشرات والعشرات من هذه القضايا التي تصرخ وتهتف : إنني من نتاج أرضي وليس للسماء أية علاقة بي ، وإنتبهوا إلى أرضكم لإنها أنتم ، وأما السماء فأتركوها للزمن .
والآن ، وإعتماداٌ على هذه المقدمة ، لنر كيف عالج أبن رشد موضوع قدم العالم : في البداية هو يفرض وجود إله الإسلام ، وكذلك نبي الإسلام ، وكذلك النص الإلهي ، ويكيف كافة القضايا الآخرى على المفهوم التفسيري لهذه المسلمات الأولية لديه ، ويرى في الآية الكريمة ، وكان عرشه على الماء ، والآية الكريمة ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان ، إن العالم كان موجوداٌ قبل مفهوم الخلق ، أي إن العالم قديم ، لكن ينبغي أن ندرك مقصده تماماٌ : فأولاٌ أبن رشد هو، كما هو معلوم للجميع ، أرسطوطاليسي بإمتياز ، وتأثر ، إيما تأثر ، بفلسفة أرسطو ، وسيما بإطروحاته بقدم المادة والحركة والزمن ، ضمن مفارقة قاتلة ، إن أرسطو كان يشرح فلسفة الطبيعة ، بينما إبن رشد شرح الفلسفة الإلهية ورضخ فلسفة الطبيعة للفلسفة الإلهية جهلاٌ منه لحقيقة فلسفة الطبيعة لدى أرسطو ، ومن المضحك إن الكثيرين الكثيرين في منطقتنا يزعمون ، لجهل غباوي ، إن إبن رشد تجاوز أرسطو في شرحه لفلسفة الطبيعة . وثانياٌ كانت ثمت إطروحات فلسفية تؤكد إن العالم محدث ، وإن إله الكون قد خلقه من العدم ، فلم ترق له هذه الفكرة ، وكان يميل إلى الإعتقاد إن إله الكون لم يخلق العالم من العدم ، وتمسك بمحتوى تلك الآيتين الكريمتين . وثالثاٌ كانت ثمت إطروحات تؤكد إن العالم قديم ، ولو صدقت هذه الفرضية ، حسب أبن رشد ، فإنها تخلق جملة إشكاليات لإله الكون . ورابعاٌ لم يستطع أن يتحرر من فكرة إن إله الكون ، بحكم الضرورة ، بحكم تعريف الإله ، قد خلق العالم ، وإلا كيف يكون إلهاٌ !! . وخامساٌ لم ترق له العلاقة مابين مفهوم الزمن وموضوع الخلق من خلال ماهو سابق وماهو لاحق ، وأدرك إن هناك تناقض قد يضر بحقيقة الوجود الإلهي . وسادساٌ لقد منح ، في بعض الأحيان ، قيمة أصيلة وأصلية لما يسميه ، هو ، بالعالم الآخر ، سنرى أهمية ذلك عند نقضنا لمفهوم الخلود والبعث لديه . وسابعاٌ على غرار تقسيم أرسطو للأشياء مابين المادة والصورة ، فإن أبن رشد قد قسم العالم إلى المادة والصورة ، الأولى قديمة والثانية محدثة ، أي ، حسب تعبيره ، إن العالم قديم في مادته ومحدث في صورته . وثامناٌ إن مادة العالم موجودة في العالم الآخر ، بينما صورة العالم هي ضرورية من ضروريات عالمنا الإنساني البحت . وتاسعاٌ إن العالم قديم في مادته ، ومحدث في صورته ، وحدوثه هو جوهر الخلق المستمر ، الذي هو ضرورة كي لايكون إله الكون عاطلاٌ ، وكإن وظيفة إله الكون ، حسب أبن رشد ، هي الخلق ، ثم الخلق ، ثم الخلق بإستمرار ، صيرورة الخلق . والآن هل تصمد هذه الأفكار الترقيعية أمام النقد ، إطلاقاٌ :
أولاٌ : من اليسر إدراكه إن أبن رشد لايعالج قدم العالم أو حدوثه في مفهوم القدم وفي مفهوم الحدوث ولافي مفهوم الطبيعة ولا حتى في مفهوم المادة ، ولافي مفهوم الزمن ولافي مفهوم الحركة ، كما فعل أرسطو الذي درس الطبيعة في ذاتها ، ودرس المادة والحركة والزمن بصورة مستقلة ، غير مرهونة بطرح سابق ، أو بإعتقاد سابق ، بينما أبن رشد ينظر إلى كل تلك المقولات من خلال الإعتقاد بوجود إله للكون ، ومن خلال النص الإلهي ، و أضفى مفهومه ، هو ، عليها ضمن شرط واحد وهو عدم تعارض أو تناقض هذا المفهوم مع صحة ومصداقية وجود إله الكون فإذا وجد تعارض أو تناقض أو إلتباس إلتجأ إلى الترقيع والتبرير والتفسير الخاطىء، فهو لايؤمن بقدم العالم ليس لإنه لايصح أو لإنه يعارض العقل ، إنما لإنه يناقض وجود هذا الإله المزعوم ، ولايؤمن بحدوث العالم لذات السبب وإنطلاقاٌ من ذات التفكير ، ولايؤمن بالزمن كزمن طبيعي ، إنما لايستسيغ الزمن السابق والزمن اللاحق والإشكاليات التي يحدثها .
ثانياٌ : من اليسر إدراكه إن أبن رشد أعتمد على صحة النص الإلهي كلائحة قانونية أو مرسوم ملكي ، دون أن يتحقق من أين أقتبست هذه النصوص أو على الأقل محتواها ، دون أن يتحمل عناء مشقة البحث عن العلاقة مابين إله الكون ، والسماء ، والعرش ، والماء ، والدخان ، وهل يمكن أن تكون صادقة أم كاذبة ، ودون أن يتحقق من التناقض مابين هذه المفاهيم ، ودون أن يتحقق ، من زاوية أخرى ، من موضوع كيفية تجميع هذه النصوص تاريخياٌ ، وحرق المصاحف الآخرى ، والوحي المفترض الذي كان ينزل على عمر بن الخطاب في أكثر من ستة عشر موضعاٌ ، وقول نبي الإسلام لعمر : لقد وافقك ربك ياعمر !! . وهكذا يلحق الفساد إطروحات ابن رشد من الأوجه التالية ، الوجه الأول فساد منطق هذه النصوص ، إذ لماذا يكون عرشه على الماء !! ولماذا يستوي إلى السماء وهي دخان !! . الوجه الثاني فساد العلاقة مابين إله الكون ومابين هذه النصوص ، لإنها ، بكل بساطة ، مقتبسة من مصادر تاريخية أخرى . الوجه الثالث فساد إستنتاجات أبن رشد من هذه النصوص ، لإنها لاتفضي إلى ماذهب إليه أبن رشد ، إنما هي تلغي وتنفي وجود إله الكون نفسه كإله للكون .
ثالثاٌ : لو صدقت فرضية إن العالم قدبم في مادنه ، ومحدث في صورته ، لأمكننا ان نستنتج إستنتاجات تفند وتدحض وتطيح بكل إطروحات ابن رشد . الإستنتاج الأول إن مادة الكون مستقلة عن إرادة إله الكون في وجودها على الأقل . الإستنتاج الثاني إن إله الكون لم يعد إلهاٌ له ، إنما يغدو ، في أفضل وأمثل الحالات ، صانعاٌ لعالمنا الخاص دون عالم العالم الآخر . أي إن الإله يتحول إلى صانع وليس إلى خالق للعالم ، للكون . الإستنتاج الثالث طالما إن صورة عالمنا محدثة من المادة القديمة ، لدل ذلك على إمكانية إيجاد عوالم أخرى من تلك المادة ، وهذا يعني ، تماماٌ ، إلغاء وجه الضرورة والحتمية لعالمنا ، وإذا إنتفت الضرورة ، إنتفى وجود كل ما هو مرتبط بها ضروريا وبحكم الضرورة ، أي لاضرورة لتشريع إله الكون ، ولاضرورة لأنبياء هذا الإله ، ولاضرورة لدينه ، وبالتالي لاوجود للجنة والنار ، ولاوجود ليوم البعث والخلود ، وبالتالي لاوجود لأي شيء ، وبالتالي لاوجود لإله ، ولاوجود لإله لهذا العالم ، لهذا الكون .
رابعاٌ : لو صدقت فرضية إن العالم قديم في مادته ، فلدينا فرضيتين ، الفرضية الأولى أن تكون مادة وهمية عاطلة لاحياة فيها ، الفرضية الثانية أن تكون مادة حقيقية عابقة ومفعمة بالحياة ، في الفرضية الأولى لادعوة لنا بها لإنها كاذبة بالضرورة ، وفي الفرضية الثانية يحق لنا أن نسأل ابن رشد : كيف توصل إلى حقيقتها ، هنا أيضاٌ ، نحن إزاء فرضيتين ، الفرضية الأولى إنه قد إفترضها ، الفرضية الثانية إنه توصل إليها عن طريق الآيتين ، في الفرضية الأولى لادعوة لنا بها لإنها كاذبة بالضرورة ، وفي الفرضية الثانية هي الماء والدخان ، والماء والدخان وعلاقتهما بعالمنا هي فكرة قديمة موجودة في تأصيل الديانة الأيزيدية منذ البدايات ، وكذلك موجودة في الزرادشتية القديمة ، ففي الديانة الأيزيدية فكرة إن يزدان ، إله الكون ، قد خلق عالمنا هذا من الماء والدخان ثم من العناصر الأخرى ، وفي الديانة الزرادشتية القديمة فكرة إن أهورامزدا ، إله الكون ، قد خلق عالمنا هذا من الماء والدخان ثم من العناصر الأخرى ، وليس ثمت غرابة في موضوع أبن رشد هذا ، لإن إله الكون نفسه قد أقتبس معظم إفكاره وجل معتقداته من الديانتين ، الإيزيدية والزرادشتية .
خامساٌ : لو صدقت فرضية إن العالم قديم في مادته ، ومحدث في صورته ، لدل ذلك على تعطل إرادة إله الكون في قضية ، كن فيكون ، لإنه يكون ، عندها ، بحاجة إلى وسيط ، إلى مرتكز ، إلى مسند يستند إليه في عملية صنع العالم ناهيك عن خلقه ، ولقد قلنا ، سابقاٌ ، إن قضية ، كن فيكون ، في حال مصداقيتها ، ينبغي أن تفسر ضمن الخاصية التالية فقط : كن فيكون لايأتي من وجود سابق ولايأتي من العدم ، إنما هي التحقيق الأصلي للإرادة . وإلى اللقاء في الحلقة السادسة والتسعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول