ضريح التنوير المصري يدفنه إبراهيم عيسى بفيلم صاحب المقام

مختار سعد شحاته
2020 / 8 / 2

هذه رسالة إلى إبراهيم عيسى صاحب فيلم صاحب المقام:
عزيزي إبراهيم عيسى، الذي ملأ البرامج تنويرًا، وحربًا على الجهل والجُهال، كيف تسمح لنا بأن نبلع هذا الطعم الرخيص؟! وما الذي قدمه لك أحمد السبكي؟ وكيف أقنعت محمد العدل المستنير كما ظننت لسنوات بهذا السيناريو؟!
أعرف أن هناك إشاعات تربطك بعلاقات مع جهات سيادية وهنا لا أحدد صحة الشائعة من كذبها، وأعرف أنك قرأت مئات الكتب، كما أعرف أنك (صحفي شاطر جدا)، لكن ما تريد من هذا السيناريو صاحب المقام؟!
الصحفي الذي صدع العالم بكلامه عن الجهل وتجهيل الناس، اليوم بكل براعة يخلع قناعه التنويري، مؤكدًا لنا أن المال والاستثمار هو المالك الأوحد، أن الجميع لا مانع أن يدلو بدلوه في تغييب عقل هذا المجتمع، الذي صار أخطر من فيه هم رموزه، فكلهم أبناء المصلحة.
جريمة متعمدة ضد المجتمع المصري:
الصحفي المناضل في ساحة التنوير يقدم لنا حلاً سحريًا لعلاج أزمات الحياة، يقول لنا بأن لا قيمة لأي شيء ما دمنا سنربح آلاف الجنيهات من سيناريو يدس سمًا في العسل، وينام صاحبه وكل من شاركه الجريمة قريري العين والخاطر. ربما سيعللون بأن الزمن لم يعد زمن العنتريات بل زمن المصالح يامتياز، تقاس أهم أسباب السعادة فيه بأرقام المبلغ الذي تتقاضاه نتيجة كتاباتك المختلفة.
نسى الصحفي المعجون بالكتب والثقافة أننا حتى لو كنا صوفيو الهوى، فلا يليق ولا يجوز لنا أن نقبل ما قدم من استخفاف بعقول الناس التي انفعل وشاط لحلقات وعبر برامج كي ينبهها ويوقظها وينورها، اليوم يخرج علينا عبر فيلمه بجريمة كاملة الأطراف، شارك فيها بضمير مستريح وبعض الممثلين والمخرج والمنتج بذبح ديك التنوير الصيّاح، لكنه اليوم تنوير الدجل والخرافة.
لست ضد أحد في اعتقاده:
أنا لا أمنع الناس من حب أولياء الله الصالحين، ولا أنكر حبي وتعلق قلبي بسيرتهم، وأكن تبجيلا للإمام الشافعي، ولست ضد أحد في اعتقاده، لكن ينكر عقلي كل ما قدمته من وصفة لصلاح الإنسان، وإقامة العدل والعدالة الاجتماعية، فكل ما قدمه السيناريو لعب رخيص على قضايا مصر، كوحدتها الوطنية المتصدعة حقيقة لا كما يزيفها المريدون، وكذلك اللعب على قضايا كالهجرة غير الشرعية والإدمان والفقر، والفوقية وحتى انحراف أصحاب رأس المال، فهذه وصفة سينمائية بائتة و"خامة الطبيخ"، لكن يبدو أن الدولة كلها تتوجه نحو ذلك الهوى، الهوى الصوفي السطحي، وإلا لما كان المدعو إبراهيم صاحب فيديوهات الساحة الأحمدية وصاحب مقولة (دي نورانيات بقى) ما كان ضيفا على معرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع 2020، نعم، يبدو أن ثمة رسالة واضحة ومباشرة يقوم الصحفي المعارض صاحب الباع التنوير في تمريرها، رسالة تقول أن المجتمعات تمشي بالبركة والنذور والكرامات، لا بالعلم والدراسة والعقول التي تحترم عقول خلق الله لا التي تشارك هامدة متعمدة في تجهيلها.
أين الرقابة التي تحمي العقول؟:
أقيمت الدنيا ضد فتيات مراهقات بحجة إفساد قيم المجتمع، بينما سيحتفلون بقتل التفكير والعقل والتنوير بضمير مستريح، وكأن إفساد العقول ونشر ما يدعم تغيب العقل ليس إفسادًا وفسادًا عند الله أكبر!!
كيف سمح بذلك جهاز الرقابة على السينما إن لم يكن ذلك توجهًا عامًا في الدولة، يقدم بديلاً التدين الشعبي بعد احتراق ورقتي السلف والإخوان، فيُلمع هذا التيار الصوفي سطحي المضمون، البعيد كل البعد عن صوفية الاعتقاد والدين؟! من سمح لإبراهيم عيسى أن يستخف بعقولنا إلى تلك الدرجة؟! ومن سمح لنفسه أن يشارك في جريمة فنية ترسخ لأوهام ولمجتمع في أخطر منعطفات تاريخه المعاصر وفي مواجهة تحدياته الأمنية من الإرهاب شرقا وغربا، وشبح العطش جنوبا، ورغم ذلك سمح أن يظهر هذا الفيلم ليقدم لنا وصفته السحرية المأخوذة من رسائل العامة إلى أضرحة الأولياء والأئمة وآل البيت؟! بل ويجعلها نموذجا للنجاح في مقابل العلم الذي يصرعه صرعا تحت عتبات الأضرحة والتصوف السطحي؟!
يا حضرة الصحفي المستنير، أعرف وغيري عن الكرامات، بل أقول لك أنني يمكنني تفهمها في سياق المسلم الذي لا ينكر القدرة ولا ينكر أولياء الله، لكن أقول لك قولك في إحدى حلقاتك التنويرية، من هم أولياء الله؟ ولماذا لم يسمهم الله تفصيلا ما داموا سيحملون راية هذا الدين؟! أنت يا حضرة المحترم، تستخف بعقولنا نحن الذين تغربنا وتعلمنا داخل أو خارج هذا البلد، ممن وضعوا أملهم في جيل يتفتح على عصر الرقمنة، يسارع الزمن ويعرف عن تحدياته ويعيش عصر التريندات لا عصر العنتريات الصحفية الجوفاء، أنت تستخف حتى بهوانا الصوفي، وتسطحه، بل وتهينه بما قدمته عبر هذا السيناريو.
جريمة مضافة إلى جريمة الفيلم:
أعرف أن العديدين سيغضبون، ويحولون قضيتي هنا إلى خلاف حول التصوف أو التدين أو حتى ربما يشدون الخلاف شدا نحو الفن والسينما، وتلك جريمة تضاف إلى الجريمة التي ارتكبها فيلم صاحب المقام، فحتما سأجد من يحمر ويغضب وينفخ أوداجه ويحاول تعليل تلك الجريمة، وأنا أعرفهم تماما، وهنا لا أتحدث عن العوام، ولا المجاذيب، لكني أتحدث عن فئة من المثقفين والفنانين الذين يظنون أن موهبتهم الفنية تخول لهم أن يوجهونا كقطيع، دون أن يدركوا كثيرا من السموم المدسوسة في زلعات عسل التنوير والتجريب، هؤلاء ممن يتغنون بالنوستالجيا دائما، ويتباكون مصر الفرعونية كأنهم ورثة بيلوجيين لرمسيس وتحتمس، وهؤلاء ربما كانوا موهوبين، لكن بعض تفكيرهم توقف، فعاشوا في برج منعزل لا عاجي، وانفصلوا تماما عن العالم، ويعيشون دائما عبر خرائط نظريات المؤامرة لا خرائط جوجل العصرية، هؤلاء هم من سيصدعونا تبجيلا لروعة هذا العمل المسموم، لأنه باختصار يغازل فيهم تلك المنطقة التي توقفت عن التفكير، وبالمناسبة هي لا تعيق بتوقفها موهبتهم أبدا، إنما تشير إلى أزمتنا الأكبر، أننا مجتمع مأزوم العقل والتفكير لا مأزوم المواهب، وإلا ما كانت موهبة إبراهيم عيسى التنويرية التي ستمرر هذه الخلطة الفاسدة لتسكين مشاعر الكثيرين من شبابه المحبط، صاحب الهوى الصوفي السطحي، الذي سيبكي حين يشاهد الكادر الذي يخرج فيه المدمن البودرجي ويقول معقولة ربنا سمع رسالتي أنا؟! وهذا للأسف ليس رسالة دينية حقيقية بل رسالة تجهيل واضح ونشر متعمد لهوى من وافق وسمح وتآزر مع هذه الخلطة التي يقدمها الفيلم.
يا حضرة الصحفي المحترم، استهن بالناس كما شئت، واملأ الفضائيات ببرامجك التنويرية، لكنك في النهاية ستخلع قناعك التنويري هذا لتعلن عن أزمة المثقف في هذا المجتمع، أزمة الازدواجية والمصالح وتبني الخطابات الموجهة وذات الهوى الذي لا يخلو من شبهة أمنية وسياسية للتغييب عن القضايا الحقيقية والأزمات التي تستوقف كل صاحب عقل حقيقي.
أرجوك احترم عقولنا، وأنتم يا معجبي الفيلم ومن سيتغنون بكراماته ارحمونا، وابنوا ضريحا لكل أفكاركم تلك، واكتبوا على شاهده، هنا يرقد التنوير المصري رضي الله عنه والحكومة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان