كالذبال في السراج إذا فني زيته

عصام حافظ الزند
2020 / 7 / 29

في إطار دراسته للبداوة طبائعها وقيمها،سواء منها الموغلة في القفر او الشاوية منهم المتواجدين مابين الصحراء والحضارة،يستخدم ابن خلدون ذلك المثل في الفصول المتعلقة بهرم الدولة اي في مرحلة تسبق سقوطها حيث يستشري فيها الفساد والضعف وتغلب النفقات على الإيرادات عندها تكون العصبية القبلية في اضعف حالاتها ويكون الولاء لخارجها في اقصى حالاته على مبدأ يذكره الوردي "من تحضر فسد"
تكتسب دراسة مقدمة ابن خلدون رغم انه كتبها في القرن الرابع عشر أهمية خاصة لمعرفة وتفسير مايجري في العراق أساسا،وليس من الضروري ان نعود الى عشرات الدراسات العربية والغربية عن فلسفة ونظرية ابن خلدون ودراسته للبداوة بدأً من طه حسين وساطع الحصري وعبد الرحمن بدوي وأرلوند توينبي والويس موسيل وصولاً الى على الوردي ومحمد عابد الجابري لنعرف من هو البدوي وكيف يفكر و يتصرف،يكفينا ان نعود الى مجموعة دراسات باحثنا الوردي، والذي لاتزال الكثير من آرائه وتحليلاته بصدد المجتمع العراقي والبداوة صحيحة وتتحقق يوميا امام اعيننا،خاصة منها أن العراق اكثر البلدان في مواجة البداوة وخزانها(الجزيرة العربية وخصوصا منها نجد والحجاز) بل غدت تلك العناوين معالم يومنا هذا
سنخالف الكاتب والباحث المصري حسين مؤنس في كتابه باشوات وسوبر باشوات حيث يقول متهكما" لأننا نحب الحقيقية ابدا والتاريخ عندنا لابد ان يكون محلى بالسكر" وسنقدم التاريخ كما هو لا سكر ولا ملح
ولكن وقبل ان نعود الى باحثنا الوردي لابد من الإشارة الى ان ابن خلدون استعمل احيانا كلمة العرب بمعنى البدو او الاعراب وهذا ما ولد لبسا كبير ليس لدارسي ابن خلدون بل في الدراسات عموما والتشخيصات السياسية عموما ولقد درس ساطع الحصري في دراسته عن ابن خلدون والدكتور جواد علي في المفصل ماذا تعني كل كلمة وكيف استخدمت عبر التأريخ(يمكن العودة للمصدرين للتفصيل) وعموما يمكن ان نقول دون شروح طويلة يذكر الحصري"يقول علماء اللغة والمعاجم بوجوب التميز بين "العرب والعربي" وبين"الاعراب والاعرابي" لان الاخيرة لا يشمل إلا من كان بدويا وعليه فإننا سنقصد ذلك ونقول منذ البدء ان من حكم العراق منذ الغزو الاسلامي هم الاعراب(إذا استثنينا بعض الفترات)وليس العرب كما هو شائع وإذا اختصرنا الزمن من فيصل الاول وحتى المالكي ومن بعده،وتلك أولى الحقائق بدون سكر،أننا امام حكم أعراب لا عرب(هذه جزء من دراسات تستكمل حول موضوعات منها حضارات العرب وهمجية الاعراب)
ونعود الى الوردي ونؤكد اننا لسنا بصدد تعداد كل ماكتبه فهو كثير كثير جدا بل سنقرأ اقل من قليل من تلك العناوين (واولها ان العراق من اكثر البلدان تأثرا بالبداوة بعد خزانها أو منبع البداوة) نعم فقد توجهت اليه الهجرات والغزوات البدوية قبل فجر الاسلام ربما بعشرة قرون ولكنها بعد الاسلام وبوقت مبكّر ،منذ الخليفة الاول،اتخذت شكلاً آخر من حيث السعة والشدّة الصحابة أصحابها وقوادها أسموها بأسمها المتداول وعلى سجيتهم"غزوات"(حتى سيرة ابن اسحق وسيرة أبن هشام تكتب عن غزوات النبي) (من رسائل ابوبكر الى خالد ابن الوليد سر الى العراق حتى تدخلها وفي موقع آخر وكتب اليهما أن استفزا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الاسلام بعد رسول الله ولا يغزون معكم أحد أرتد حتى أرى رأيي،فلم يشهد الايام مرتد تأريخ الطبري المجلد الثاني ص 928 ) ونحن والتزاما بمقولة مؤنس أسميناها "فتوحات" وشتان بين الوصفين،بعد الاسلام ارتبطت الغزوات بثلاث(اما وأما وأما)خيارات أحلاها مرّ الاسلام أو الجزية او قطع الرأس (الوهابية واتباعها لا تحب الاطالةألغت أوسطها مادام الخمس مستحق في كل الاحوال) فغدت الاسلام او الموت اعراب الجزيرة وفي غزوهم للعراق وحتى الان يعتبرون انفسهم السكان الأصليون في يثرِب كان هناك أنصار ومهاجرين في العراق ذميون ومسلمون
ابن خلدون اعتبر بشكل ما البداوة مرحلة او كما يسميها طه حسين طور"في ان اجيال البدو والحضر طبيعية،في ان البدو اقدم من الحضر وسابق عليه وان البادية اصل العمران والامصار مدد لها"(المقدمةالباب الثاني الفصل الثالث)
عالم الاجتماع الوردي والذي تخصص ايضا بأبن خلدون يعارضه في ذلك،وهو محق،ويقول ان البداوة نظام لا ينشأ إلا في الصحراء( وذلك عنوان آخر ) ويفرق بين بداوتنا والبداوة المغولية وعموما هناك نظريات كثيرة تتقارب وتتقاطع ولكل منها استناداته ومبرراته ولكن الاركيولوجيون بالتأكيد يقودون الى تأييد ودعم نظريات بعينها مثل التي تبناها توينبي ارلوند حول التحولات في افراسيا
الوردي يتبنى وصف قدمه توينبي يقول ان"البداوة حضارة مجمدة"ان الواقع اثبت صحة هذا الاستنتاج الى حدود بعيدة خاصة من الناجية الثقافية وان شئنا الفكرية او على الاقل فأن التغيرات التي تحدث على الثقافة البدوية بطيئة جدا وضئيلة جدا وقد تستغرق قرون(تحت جلد كل واحد منا بدويا صغيرا أو كبيرا نعرفه أو لا نعرفه نعترف به أو ننكره) ومانشهده اليوم في العراق يؤيد ذلك فقد انتعشت قيم البداوة حتى في مؤسسات مثل البرلمان والدوائر الرسمية وبين "المثقفين" واليساريين والعلمانيين والمدنيين بدو بربطة عنق،نحن ابناء العشائر العراقية،مجلس رؤساء العشائر،بل هناك شعار بالعشيرة نبني الوطن( الحصري والوردي وكثير غيرهم يعددون الكثيرمن الصفات والاسماء والتصرفات والقيم والركائز البدوية) ناهيك عن النزاعات والتدخلات القبلية في الكثير من المناطق آخذين بنظر الاعتبار ان العصبية القبلية التي تحدث عنها ابن خلدون تطورت الى عصبيات مناطقيه دينية مذهبية وجهلية ولتونبي وجهات نظر وشروح قد تكون متطرفة تجاه البدو لانريد الخوض فيها هنا حرصا على عدم فهم موقفنا ولكن الحقيقة التي لايمكن اخفائها أن القبائل والعشائر العراقية كلها من اصل بدوي ( يمكن العودة الى اشهر كتب الانساب جمهرة النسب لابي المنذر هشام الكلبي وعباس العزاوي عشائر العراق بأجزائه الاربعة وكذلك مؤلف ماكس أوبنهايم المهم جدا بأجزائه)
قد نركز على السنوات الاخيرة ولكن العقود بل والقرون السابقة تحمل الاوزارنفسها وان بدرجات مختلفة حسب عوامل كثيرة منها درجة العصبية وحجم الملك(المال أو الاقتصاد) المتاح وحجم الصراع الحضاري البدوي وتوجهاته ولكن السنوات الاخيرة طغت عليها ما وصفه الكاتب والشاعر كريم عبد ( في كتابه الدولة غير المثقفة) تحت عنوان" الكائن الشره حيث يقول "الشراهة تعبير عن هبوط سلوكي عند هذا الكائن، أنه لا يشبه النار التي تعمل بل هو حفرة واسعة وعميقة في القيم وليست في الارض"..."وأذا كانت الشراهة قرينة بالاستبداد، فأن الكائن الشره مستبد من الدرجة الرابعة، انه يمارس هذا النزوع في كل مناسبة تهيء له إرضاء دباقته وأشباع نزوعاته العشوئية،إنه مستبد ولآئم معوية كانت أم غريزية." وهذه الصفة يقرنها بصفات اخرى تتكامل معها الكائن المستهلك والكائن المتذمر والكائن الملفق والكائن الضروري." ومايقارب العقدين الاخرين جمعت العصبية العراقيةبكل جدارة تلك الصفات ولكننا سنركز على هرمها
الجابري يلخص طور الهرم والاضمحلال لابن خلدون ومستندا عليه ( ونحن في هذا المقام وفي يومنا هذا نستبدل بعض العناصر الخلدونية والجابرية بما نشهده في يومنا هذا) ويقول"أن العصبية والمال هما الدعامتان الرئيسيتان اللتان عليهما يقوم كيان الدولة فبالعصبية والشوكة تستطيع العصبة الثائرة أحراز النصر وتأسيس الملك"(وفي حالنا المعاصر النصر بالعامل الخارجي اي الامريكي) والملك يعني هنا المال الوفير "والهرم يصيب احدى هاتين الدعامتين أو كلاهما،في هذه المرحلة يذهب صاحب الملك الى الاستبداد باقصى مداه ...ويدخل العامل الاقتصادي بزيادة النفقات على الايرادات"(السرقات وعدم الكفائة وزيادة الجند) في هذه المرحلة تدخل العصبة في ازمة لاخروج منها الا بسيطرة عصبية اخرى وهنا يدخل الجابري في عقد مقارنة "بين ماحدده ابن خلدون وبين ماحدده لنينين على ضوء الفكر الماركسي وعن الوضع الثوري وماهي شروطه كي ينجم عن ثورة"(العصبية الجديدة في قمة قوتها والعصبية القديمة في قمة ضعفها).ولكن العصبية القديمة وسلطتها ستقاوم تحت شعار ميرابو(كان من بين ثوار الثورة الفرنسية بل وخطيبها المفوه ولكنه كان قبيحا كقبح الشيطان كما يقول ابوه عنه كانت حياة والده صاخبة وغريبة وكذلك حياته ودخل السجون غير مره بسبب فساده وسوء اخلاقه وكان في نفس الوقت كان كاتبا وصحفيا ومحدثا بارعا) ولكن مرابو وبصفاته الجسورة رد على مندوب الملك الذي طالبهم بحل الجمعية العمومية"اذهب وقل لسيدك نحن هنا باسم الشعب ولن نبرح أماكننا الا على اسنة الحراب " ولكن مرابو نفسه غدى من اجل المال والجاه احد زبانية الملك لويس السادس عشر واخيرا مات مسموما حكامنا اخذو مقولة مرابو الثانية تلك أن صح التعبير اما مقولته الاولى والتي كتبها في رسالة قبل أن يكون نائبا في رسالته الى الوزير مونوران " انني اسأل هل حسبتم حساب قوة الجوع المزلزلة إذا تفاعلت مع روح اليأس.أنني اسأل من سيجررؤ على أن يكون مسئولا عن سلامة جميع من يلتفون حول العرش نحن هنا ايضا نسأل ايضا وقد شهدنا الجزء الاول من الهيجان الشعبي ؟
مات ميرابو يقال مسموما ودفن بمهابة فائقة رسمية وشعبية ولكن بعد فترة نبش قبره ونقل لثبوت ادانات علية وقال عنه مار "أما ميرانبو فلا ينقصه سوى قلب شريف،ليكون وطنيا شهيرا" واعدم لويس السادس عشر واعدمت زوجته ماري انطوانيت ورغم أن الملكية الغيت واصدرت الثورة اعلان حقوق الانسان والمواطن واعلنت الجمهورية واثرت في اوربا والعالم ألا ان الثورة اكلت رجالها وانتجت دكتاتورا هو نابليون وحروبه واحتاجة الثورة الى عشرات السنوات لكي تأتي ثمارها فكم سنحتاج نحن من اجل حل الازمة العراقية
أن العصبية في العراق وصلت الى طريق مسدود في كل مناحي الحياة العراقية الاجتماعيية والاقتصادية والاخلاقية وفي اعتقادنا واهم من يعتقد أن تغيير وزارة أو وزاء برلمانا عبر دوائر أو مثلثات أو مربعات متعدد أو رئيس يخرجها من هذا المأزق،مادامت القوى نفسها على الساحة قد تكون الحكومة الحالية طيبة النوايا والكفائة ولكنها وصلت الى ارض خاوية إلا من الذئاب أتت وكأنها خارج الزمن في الوقت الضائع قد تطمح للتوهج ولكن لا زيت لذلك
انها حقا كالذبالة في السراج إذا فني زيته

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت