هل يمكن تدريس مادة (الأخلاق)؟

طلعت رضوان
2020 / 7 / 29


في عموده اليومى بصحيفة "المصرى اليوم"، أشاد الأستاذ محمد أمين، في 29 ديسمبر الماضى، برئيس جامعة الوادى الجديد بإصدار(كود الأخلاق) بهدف (ضبط) سلوك الطلبة.
وقد ذكــّـرنى هذا الكود الأخلاقى بقرار د.جابر نصار رئيس جامعة القاهرة السابق الذى أعلن أنّ المنهج الدراسي للسنة الجامعية2017- 2018 سيشمل تدريس مادة (الأخلاق).
وقتها طالبتُ أنْ يضع تلك المادة مفكرون مصريون معروف عنهم دراسة فلسفات العالم (القديم والوسيط والحديث) مثل أقوال بوذا (الشخص الخير هو وحده الذى يمكن أنْ يكون حكيمًا..والحكيم هو وحده الذى يمكن أنْ يكون خيرًا) وتحقير الكذب..والنميمة..وهاجم بشدة تجارة الأسلحة والمخدرات والدعارة والخمور..إلخ "جون كولر - الفكر الشرقى القديم- ترجمة كامل يوسف- عالم المعرفة الكويتى- يوليو95- ص200، 201"، ومن أقوال بوذا (إذا زرعتَ شجرة فلا تقطف كل ثمارها، اترك بعضها للإنسان العابر، وللطير المُـهاجر).
أما كونفوشيوس (551ق.م) فدعا إلى إصلاحات اجتماعية من شأنها أنْ تسمح بأنْ تــُـدار الحكومة لمصلحة جميع مواطنى الدولة.. وشـدّد على أنّ ذلك يمكن تحقيقه (إذا كان أعضاء الحكومة ممن يتميزون بأقصى قدر من الاستقامة الشخصية ويتفهمون احتياجات الناس..ويهتمون بمصالحهم وسعادتهم قدر اهتمامهم بأنفسهم)، وأنّ الأخلاق والخير فوق القوانين..وفوق العقاب..كوسائل لتطوير السعادة الإنسانية..وقال: إنّ ما يجعل البشر إنسانيين هو (طيبة القلب الإنسانى) بطابعه الأخلاقى نحو الحب والخير.. وقال (كل إنسان يرغب في الثروة..ولكن إذا تحققتْ عن طريق مُـخالف لمبادئ الأخلاق فيجب تجنبها) ومن أقواله الذهبية (عامل الآخرين بما تحب أنْ يعاملوك به..ولاتفعل بالآخرين ما لاتريد أنْ يفعلوه بك) "المصدر السابق- من ص339- 352".
وقبل بوذا وكونفوشيوس- بآلاف السنين- تركتْ الحضارة المصرية مجموعة من القواعد الأخلاقية، التى تعتمد على (الضمير) أكثر من اعتمادها على أى قوانين وضعية، لأنّ العبرة بالوجدان الذى نشأ وتربى على حب الخير وكراهية الشر، ولذلك اختار برستد عنوانــًـا دالا على هذا (فجر الضمير) الذى كتبه عام1933، وتــُـرجم إلى أغلب لغات العالم..ولا يزال أحد المراجع الأساسية عن ديانة مصر القديمة.
يؤكد العلماء الذين درسوا نظام التعليم في مصر القديمة، أنّ التعليم كان متاحــًـا لجميع أبناء الشعب ومجانيًا.. من التعليم الأولى إلى النهائى..والأخير شبّهه العلماء بالتعليم الجامعى.. وتوجد بمتحف برلين أدوات كتابة خاصة بتلميذ من عصر الأسرة 22، ومن بينها لوحة كتابة عليها مقدمة بردية (آنى) وكتب التلميذ عليها فاتحة تعاليم النصائح التى ألفها الكاتب "آنى" بعدها يأتى نص البردية التى كتبها الحكيم آنى لابنه.. وتقرّر تعميمها لتكون مادة مقررة على جميع المدارس.. قال آنى لابنه (لاتكن سليطـًا ولا متطفلا.. وعندما تكون في بيت أحد.. وترى أو تسمع شيئــًـا فالزم الصمت ولا تبح به لأحد)..وقال (إذا ما ترعرعتَ واتخذت لك زوجة، فتذكر أمك فهى حملتك طويلا..وبعد ولادتك كان ثديها طوال ثلاث سنوات في فمك) ومن أهم نصائحه لابنه (لاتجلس حين يقف من هو أكبر منك سنــًا حتى لو كنتَ أرفع منه مقامًـا) و(إنْ كنتَ قد تعلمتَ شيئـًا فأين أنتَ من بحور المعرفة).
وتم العثور على لوحة محفوظة بمتحف (تورين) من الخشب..وكان التلاميذ يتعلمون منها (احذر أنْ تسلب فقيرًا. أو تكون شجاعًا أمام رجل مهيض الجناح. ولاتمد يدك لتمس إنسانـًا بسوء..كنْ متلطفــًـا مع الضعيف والمسن..كنْ رحيمًا مع المذنب الذى تنتابه المصائب. لاتسخر من الكبير في العمر.. ولا تشتبك في جدال مع الأحمق..وراقب من يكون ظالمًا للضعيف..ولا تعتدى على حرث آخر.. واحفظ لسانك من الألفاظ الشائنة.. ولا تفصل قلبك عن لسانك.. ولا تتلاعب بالميزان.. ولاتقبل هدية من رجل قوى فتظلم الضغيف من أجله.. ولاتسخر من أعمى.. ولاتمنع إنسانــًـا من عبور النهر عندما يكون في قاربك مكان)
فهل يمكن وضع مادة للأخلاق تــُـناسب تلاميذ المرحلة الأولى؟ خاصة وقد تـمّ وضع كتاب (منذ سنوات) وبعد طبعه تـمّ تشوينه في المخازن.. وهل يمتلك المسئولون عن التعليم شجاعة مراجعة الذات.. هذه المراجعة تــُحتم عليهم البدء فورًا بالنظر إلى جيل الأطفال (بدءًا من الابتدائى) بحيث يجلس التلميذ القبطى المسلم بجوار التلميذ القبطى المسيحى في حصة الأخلاق..ويتعلم التلاميذ الآيات القرآنية والإنجيلية التى تحض على حب الأسرة وقيم العطف.. واحترام الكبير للصغير إلخ؟