أطفال روسيا... لماذا تجاهلهم -الضمير- الأمريكي؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 7 / 28

من المعروف عن الطبيعة الإنسانية السوية أن معاييرها واحدة، ولا تتغير ما دام الظرف لم يتغير، وأن الإنسان السوي نفسيًّا، عندما يؤمن بمبدأ فإنه يطبقه على نفسه قبل غيره. لكن الأمور تبدو مختلفة في الولايات المتحدة؛ فميزان حقوق الإنسان الأمريكي يختل بشدة، وتنتابه الحساسية إزاء أية انتهاكات يقوم بها جيش الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين على سبيل المثال، كما أننا نجد أن اللسان الأمريكي يثقل عند إدانة أية أعمال إرهابية تقع في الجمهورية الروسية مثلًا؛ فلا تصدر الإدانة إلا بعد أن يبدأ الروس في اتخاذ إجراءات أمنية ضد المجموعة المتورطة في العمل الإرهابي، عندها نجد الإدانة تصدر ضد الإجراءات الأمنية الروسية!!
هذه الانتقائية الأمريكية ليست وليدة اليوم؛ فلها سجل طويل وحافل، وبات من المعروف أن "الضمير" الأمريكي يتعاطى أحيانًا الحبوب المنومة، وكذلك يتعاطى المنبهات شديدة التأثير في أحيان أخرى!
في كتاب بعنوان "ستة أيام حمراء في روسيا"، سجلت المؤلفة "لويز براينت" — وهي كاتبة صحفية أمريكية عرفت بمواقفة المتعاطفة مع الثورة الروسية، وأجرت حوارات مع عدد من الرموز السوفييتية — بعض المشاهدات بشأن روسيا في فترة الثورة الروسية، وقد نشرت تلك المشاهدات في الصحف الأمريكية والكندية قبل أن تنشرها دار هيرست في كتاب عام 1918. في ذلك الكتاب يوجد فصل بعنوان "أطفال روسيا" يظهر بشكل كبير الانتقائية الأمريكية في التعامل مع الملفات الدولية.

إغاثة الأطفال ضحايا الحرب... هل كل الأطفال؟!
تقول المؤلفة في بداية الفصل السادس والعشرين من الكتاب، وعنوانه "الأطفال الروس" إن الولايات المتحدة أبدت الكثير من التعاطف إزاء الأطفال المتضررين من الحروب والنزاعات في بلجيكا وبولندا، وقدمت الكثير من الدعم لهم، كما أن الآلة الإعلامية ساهمت راحت تبث المبالغات بشأن حجم الأزمات التي يتعرض لها الأطفال في تلك الدول، إلا أن "الضمير الأمريكي" لم يلتفت ولو بقليل من الاهتمام إلى معاناة الأطفال الروس في ظل الحرب، على الرغم من أن الأطفال الروس الذين راحوا ضحية الصراعات الدولية والداخلية في بلادهم يفوق عدد الأطفال الذين راحوا ضحية الصراعات في كل تلك الدول مجتمعة.
وتنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى رسم صورة لحجم معاناة الأطفال الروس؛ فتقول إن الملاجئ تكتظ بما يفوق قدرتها على الاستيعاب، كما أن الأمراض بشدة تنتشر بين الأطفال الذين ترعاهم، إلى جانب عدم تلقيهم الرعاية الغذائية الكافية بسبب عدم وصول منتجات الألبان وغيرها من اللوازم الغذائية من المناطق الريفية بسبب الصراع، بما جعل نسبة الأطفال الذين ينجحون في البقاء على قيد الحياة في ظل تلك الظروف لا تصل إلا إلى 15%. ولا تختلف الصورة في المستشفيات عنها في دور الرعاية؛ حيث تواصل المؤلفة سرد المعاناة المماثلة التي يمر بها الأطفال الروس في المستشفيات التي لا تقدم الرعاية الكافية رغم الخدمات المقدمة من جانب الصليب الأحمر.
لكن الصحفية تضيف قائلة إن الأطفال الروس في بداية الحرب لم يتأثروا سلبًا بهذا الشكل في بداية الحرب، وعندما سألت أحد الأطباء من أصحاب الخبرة في رعاية الأطفال في مناطق النزاع، قال لها إن الأطفال الروس لديهم قدر أكبر من المقاومة عن غيرهم من الأطفال. كذلك تشير "براينت" إلى أن الأطفال في المستشفيات كان لديهم — رغم كل ما يمرون به من معاناة — المزاج الرائق لتبادل النكات مع الأطباء، وتدبير المقالب ضد الممرضات، وتقليد قادة الثورة والحرب.
وتذكر المؤلفة أن هناك مكتبًا لرعاية الأطفال الروس باسم "المكتب الأمريكي للاجئين"، لكنها تقول إنه لا يلقى التمويل إلا من الأمريكيين الأصدقاء للشعب الروسي، كما أنه لا يقدم خدمات لافتة للمحتاجين من الروس سواءً الكبار أو الأطفال.
وتلقي الضوء على قصة الطفل فانيا الذي تاه مرتين؛ كانت أولاهما عندما نزل من قطار اللاجئين، ولم يعد في الوقت المناسب؛ فتحرك القطار بدونه، والثانية عندما تاه من الفلاحين القوقازيين الذين أنقذوه أول مرة! لكنه في النهاية عاد إلى والديه في قصة توضح المعاناة التي يمر بها اللاجئون الفارون من مناطق الصراعات.

رسائل مسمومة
تقول المؤلفة في نهاية الفصل إن الإعلام الغربي يبث رسائل غير صحيحة عما يحدث في روسيا، وإن تلك الرسائلة مسمومة بفعل فاعل لكي يتأثر العقل الغربي بتلك الروايات؛ ومن ثم لا يتنامى لديه أي تعاطف إزاء ما يعانيه الروس؛ وهي المعاناة التي تصفها المؤلفة بأن أية كتابات أو مقولات لن تكون كافية لرسم صورة ذهنية عن حقيقة حجمها الهائل الذي يتطلب من الولايات المتحدة أن تمد يد العون للأطفال الروس، كما تمدها إلى أطفال الدول الأخرى.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار