قصة حبٍ هاربة من أرض أور*

ملهم الملائكة
2020 / 7 / 26

كبر علاء في بيت مزدحم بالأبناء والبنات والعمات والجدات، وحتى حين كان يحاول أن يغير دشداشته ليرتدي ملابس الرياضة الإجبارية في المدرسة، كان عليه أن يدخل الحمام ويغلق الباب لتتاح له خلوة تغيير ملابسه. جرى ذلك حين كان في العاشرة، واليوم وهو في الثامنة عشرة، ما زال الوضع في بيت أهله كما كان.
تعلم حدادة وسمكرة السيارات في ورشة الأسطة صبحي المصري بداية الحي الصناعي في نهاية ثمانينيات القرن العشرين. كان المصريون قد باتوا جزءاً من النسيج الاجتماعي في بعض مناطق العراق، ولحسن حظ علاء أن حرب العراق وإيران انتهت حين بات عمره 17 عاماً، فقد كانت كوابيس الجندية لا تفاقه، وهو يرى جنائز ومجلس عزاء الشهداء كل يوم في كل مكان. حتى الحي الصناعي الوسخ الفوضوي المترب، كانت تقام فيه مجالس عزاء الشهداء.
تعلّم علاء حدادة السيارات بين يدي الأسطة صبحي، وحدادة السيارات تعني تعمير صدر السيارة وأنظمة التعليق فيه، وتعني أيضا الشاصي وما يرتبط به، وتعني أيضا سبرنكات وفنرات السيارات الصغيرة والشاحنات، وكيفية تعديلها أو تغييرها، وهو عمل شاق، يتطلب قوة بدنية كبيرة، علاوة على اتقان الفن الذي يشكّل الصنعة. ورغم أن حدادة السيارات لا علاقة لها بسمكرة السيارات، فقد تعلّم علاء رويداً رويداً في ساعات الاستراحة، أن يعمل في ورشة السمكرة الصغيرة الواقعة في مدخل كراج الأسطة صبحي، والتي كان يديرها نسيبه العراقي أنور.
اتقن علاء الصنعتين، وفي نفس الوقت، نمى في قلبه عشق نهلة ابنة الأسطة صبحي غير المتزوجة، وكانت في الخامسة عشرة من عمرها. وصارا يلتقيان مرة في الأسبوع على الأقل ويكفيهما زاد تلك المرة من العناق والقبل والعواطف الملتهبة أن يستمرا بالعيش أسبوعاً كاملاً. كانت لقاءاتهما تجري في بيت فائزة شقيقة نهلة المتزوجة من مصري يعمل بمدينة كركوك، ولا يزورها سوى اسبوع في الشهر كما هو حال العسكر في تلك السنوات الصعبة، وكان علاء يذهب محملاً بأكياس الفاكهة والخضر واللحوم والعصائر والكرزات في كل مرة يزور فيها بيت فائزة، حيث يقضيان هو وحبيبته عندها ساعات عشقهما اللاهبة.
تداعى كل ذلك حين غزا العراق الكويت، وضمّها صدام للعراق بعد أن جعلها المحافظة التاسعة عشر، وبات شعار "عاد الفرع إلى الأصل" إعلانا تجارياً يشرّعن عمليات النهب الواسعة التي أتت على كل ما في الإمارة النفطية الغنية وحولته إلى غنائم حرب في بيت الأصل! بالنسبة لعلاء، كان كل ذلك مخيفاً، لكنّ الأخطر منه أنه قد دُعي للخدمة العسكرية، والتحق إلى معسكر تدريب الدروع في تكريت، وكان صعباً عليه أن يحصل على أجرة السيارة التي تأخذه إلى المعسكر بسبب انهيار العملة، وما إن بدأ التحالف الدولي بقصف القوات العراقية في الكويت، وبقصف أهداف كبرى في المدن، حتى تاه البلد وتراخت قبضة السلطة، وفرّ علاء من الخدمة، وعاد يعمل في الحي الصناعي بصعوبة بالغة، فالقصف والقحط سد باب الرزق، ولم يعد أحد يأتي إلى المنطقة الصناعية إلا في حال الضرورة القصوى. ومع اشتداد القصف والأزمة الاقتصادية، غادر الأسطة صبحي وعائلته العراق عائدين إلى بلدهم تاركين الورشة في عهدة علاء، وهي على كل حال باتت ورشة بلا عمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي والماء المسال نهائياً علاوة على اختفاء الوقود والغاز، كما اختفت من السوق قناني الأسيتيلين والأوكسجين المستخدمة في اللحام وقطع الحديد وهي متطلبات تشغل الورشة.
فجر ذات يوم، تغيّر المشهد، فقد عاد العقيد الركن "أبو محمد" هارباً من الكويت إلى بيته في الناصرية، وبعد ليلة قضاها في البيت، قاد رجال المدينة فهاجموا مقرات الشرطة والأمن ومقرات حزب البعث في المدينة وسيطروا عليها وأخذوا السلاح من مشاجبها، هذا غير عشرات قطع السلاح التي جاء بها الجند الهاربون من جحيم المطلاع في الكويت. وانضمّ علاء وأخوه صفاء وأبوه وثلاثة من أعمامهم، وخمسة من بني عمه ومعهم أصهار العائلة إلى القوة التي يقودها العقيد الركن أبو محمد. وبنى الثوار تحصينات حول مداخل المدينة ومخارجها ومنافذها، وأسروا جنوداً هاربين من الكويت، ولم يعرفوا ما عساهم بهم فاعلون، فأهل الناصرية الثائرون أنفسهم كانوا بلا طعام، ولا وقود ولا عتاد، فكيف الحال وقد تجمع عندهم مئات الأسرى؟
أخيرا تقرر إطلاق سراح جميع الأسرى، وتخييرهم بين الانضمام إلى الثوار، وبين العودة إلى بيوتهم، واختاروا جميعاً تقريباً العودة إلى مدنهم لاسيما أن الأخبار المتسربة كانت تتحدث عن ثورة في جميع المدن، فأعلن أغلبهم أنهم ذاهبون الى مدنهم ليشاركوا في الثورة على دولة البعث وصدام.
لم تدم فرحة استقلال الناصرية طويلاً، فقد رفع التحالف الدولي يده عن دعم الثائرين لاسيما أن عراهم بات "ماكو ولي إلا علي وانريد قائد جعفري"، وآخر ما كان يريده التحالف الدولي هو تأسيس دويلة شيعية في جنوب العراق على طريقة دويلة حزب نصر الله في جنوب لبنان، فأعلن بوش الأب أن هدفه ليس اسقاط النظام في العراق، بل تحرير الكويت، وأعلن أنّه سمح للنظام باستخدام طائرات الهليكوبتر بارتفاعات منخفضة، عندها هاجمت أرتال من الحرس الجمهوري المدينة، وفتحت على أهلها نيران المدفعية وطائرات الهليكوبتر، فهُزم الثوار وبدأت مفارز السلطة في اعتقال المشاركين لإرسالهم إلى معسكر الرضوانية أو إلى مفارز الإعدام الفوري في أطراف المدينة.
هرب علاء وكل أفراد عائلته متجهين شرقاً بعد أن قطعت فلول القوات المنسحبة من الكويت الطريق إلى الجنوب نحو الحدود السعودية. الحدود مع إيران كانت غابات من الموانع والاسلاك الشائكة وحقول الألغام، وكان على الراغبين بعبور الحدود إلى إيران الاستعانة بمن يعرف تلك الطرق، وهكذا تحتم عليهم التعامل مع عناصر المعارضة الناشطين في هور الصحين، وعبور الحدود معهم من جهة الهور بالزوارق والشخاتير والمشاحيف وصولاً إلى إيران بعد دفع مبالغ باهظة لهم. كان هؤلاء يضعون عصابات خضراء على رؤوسهم، وقد خُطت عليها عبارات "يا مهدي أدركني" أو "لبيك يا حسين" أو "الله أكبر" أو "علياً ولي الله". في وجوههم سيماء القتل والقسوة، وكانوا لا يخفون ميولهم إلى العنف، بل يحذرون الوافدين الجدد من أن طريقهم هو طريق ذات الشوكة وليس معبراً مطرزاً بالورود والرياحين، ولم يكن أهل الناصرية بحاجة إلى من يرشدهم، لكن الطريق كان تحت رحمة ذوي العيون الزجاجية.
الحالمون بعراق أفضل تلقفتهم مخيمات اللجوء المذلّة الوسخة في إيران، فلم يجدوا سوى العشائر يلتحفون بنظامها، وهكذا باتت شوارع المخيمات مقسّمة بموجب الانتماء العشائري. وبين بيوت الحسينات التي شغلتها عائلة علاء، سكنت أسرة قادمة من البصرة، أسرة فيها أب وأم وبنتان وهذا نادر جداً في عشائر العراق، فالأسر تضجّ بالبنين والبنات وبأعداد قد تصل إلى عشرات أحياناً.
وفُتحت في المخيم ورشة لتصلح المكائن والسيارات، ومن عجب من أين تأتي السيارات في مخيم لللاجئين؟! لكنّ الورشة كانت معدّة أصلاً لإدارة المخيم، وهي تابعة لإدارة شؤون الأجانب في المدينة الكبيرة المجاورة " اداره اى أمور كل اتباع خارجى"، وهكذا كانت سيارات شرطة ومركبات دوائر رسمية إيرانية تأتي للتعمير في هذه الورشة، ونشط فيها علاء وميثم الحداد وأبو أمير الميكانيكي، ثم التحق بهم شخص قصير من أهل البصرة أيضا واسمه مجيد، وكان كهربائي سيارات.
كبر علاء وكبرت خبرته في العمل، ونمى في قلبه سراً حب متيم بإحدى بنتي الأسرة الغريبة الساكنة في محلة الحسينات. صارت مديحة حلم ليله ونهاره، حين يراها يكون العالم أكثر رفقاً، وتتحول أصوات مطارق الورشة الحديدية إلى ألحان أغاني حب. في نفس الوقت، تزوجت اثنتان من شقيقات علاء برجلين ميسورين يسكنان إحدى المدن المقدسة في إيران، فانتقلتا لبيتيهما، ثم اشتغل صفاء شقيق علاء في مكتب مهم لأحد أغنى مرجعيات الشيعة، وانتقل إلى نفس المدينة، فيما اشترى شقيقه الثاني حافلة صغيرة بدأ يشغلها على خط بين المخيم وبين المدينة القريبة، وبتحسن الأوضاع قررت أسرة علاء برمتها أن تنتقل الى المدينة لتشتري فيها بيتاً وتغادر المخيم المقيت، وهنا حلت لحظة حاسمة في حياتهم وفي حياة علاء الذي بلغ من العمر 19 عاماً، فهو يريد البقاء في المخيم، لأنّ شغله هناك، وقلبه معلّق بمديحة السمراء بنت البصرة الزاهية. وكان قبل هذا الجدل، قد انفصل عن أهله في بيت خاص به أعطاه له مدير المخيم، وهو من البيوت الأكبر قليلا ويحتوي على تسهيلات أفضل.
لحظة القرار أشعلت حرباً في البيت المهاجر، فأهل علاء يريدونه معهم، فهو ابنهم الأكبر وصنعته تؤهله لحياة أفضل في المدينة بعيداً عن مخيم اللاجئين وقبائله المتحاربة المتعصبة، كما أنهم معترضون بشدة على اقترانه بالبنت البصرية السمراء، فيما يرى علاء أن مهنته في الورشة تدر عليه دخلاً جيداً وتؤمّن له أكثر من بيت مجاني بخدماتها، وهذا يمكّنه أن يبدأ حياته مع الفتاة التي يحب في المخيم دون مشكلات. وانتهى الخلاف بقطيعة، فقد رحل أهله برمتهم إلى المدينة المقدسة، وبقي هو ليتزوج بمديحة في عرس أقامه له أصدقاؤه في المخيم، جرى ذلك بعد أن أهدى له مدير المخيم البيت المجاور لبيته، وسمح له أن يفتحه على بيته، فصارا يسكنان في بيتين صغيرين، وهذا كافٍ لأسرة صغيرة.
كرّت مسبحة الزمن، وتغيرت الأحوال وعاد العراقيون إلى بلدهم بعد أن اسقط الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نظام صدام حسين وأرسله إلى حبل المشنقة، فتغيّر العالم، وعاد علاء مع زوجته إلى وطنهما ليختارا العيش بعيداً عن عائلته، فسكنا قضاء بعيداً عن الناصرية، وصار لديهما 6 أبناء .

*هذه قصة أخرى من قصص رجال انتفاضة 1991 في العراق، وقد كتبتُها كما رواها لي بطل القصة علاء وزوجته مديحة (أسماء رمزية).