الأخلاق بين الاغتراب و الدين و الرأسمالية

عمرو إمام عمر
2020 / 7 / 25

تنبع مشكلة علم الأخلاق أنه يُدرس على أكثر من جانب فبالرغم من أنه يبرز كظاهرة كاملة مستقلة إلا إنه فى نفس الوقت يظهر على أنه أحد جوانب العلوم الأخرى ، فمثلا علم النفس الاجتماعى يدرس الأخلاق على أنها احد جوانب الوعى الاجتماعى ، و فى المنطق يُدرس على أنه أحكام من نمط منطقى محدد ، كما يُفسر علم الأخلاق فى ضوء التصورات الفلسفية بإعطائها تأويلا يتأرجح بين العقائدية و العقلانية ، و يعتقد بعض المفكرين أن علم الأخلاق قد أنفصل عن الفلسفة و أكتسب وضعية خاصة ، على أساس حجتين أساسيتين ، الحجة الأولى هى إن علاقة علم الأخلاق بالفلسفة كانت علاقة نشوئية ، و لا يختلف علم الأخلاق فى هذه الناحية عن علم الرياضيات أو علم النفس … ألخ ، إلا أن تاريخ الفلسفة لا يؤكد تلك الأطروحة فلقد نشأت مذاهب فلسفية امتلكت طابع العقيدة الأخلاقية مثل فلسفة سقراط ، و الكثير من المدارس الفلسفية فى الصين القديمة و الهند ، بالإضافة إلى كثير من المذاهب الفلسفية ذات المضمون النظرى المعرفى لا يمكن فصلها عن الفلسفة بدون استخدام علم الأخلاق مثل أطروحات أفلاطون ، ابيقور ، و كانط و غيرهم …

أما الحجة الثانية هى إن كل من الفلسفة و علم الأخلاق موضوعين مختلفين ، فالأولى تهتم بشكل أعم بقوانين تطور الطبيعة و المجتمع و علاقة الوجود بالتفكير ، و إن كان علم الأخلاق يحلل أيضا تلك العلاقات و لكن من منظور محدد ، فالأخلاق تحلل تلك العلاقات من خلال طابع عقائدى حيث تبرز مشكلات مثل معنى و قيمة الحياة الإمكانية الابداعية للفرد ، و دوره و مسئوليته فى العلاقة التبادلية بين ما هو موجود و ما هو واجب الوجود ، فالأخلاق تبرز تلك المشكلات ليس كمشكلة نظرية بل كمشكلة سلوكية عملية يتطلب توضيحها تحديد فلسفى منهجى ، و هنا يجب التمييز بين المدارس الأمبريقية فى علم الأخلاق و المذاهب المثالية الذاتية التى ارتبطت ليس فقط بنظرية المعرفة المثالية ، بل كذلك بالعقيدة الدينية ، و لقد تجادل المنهجين كل منهما ضد الآخر فى مسألتين رئيسيتين

الأولى : حول "مصدر الأخلاق" حيث رأت الاتجاهات المثالية إن مصدر الأخلاق ينبع من الروح الذاتية و ربطت هذا المصدر بالفكر الألوهى ، و فى الحالات التى استنتجت فيها الأخلاق خارج هذا الإطار فإنها استنتجته من خلال الأفكار المثالية أو شبه المثالية المتوارثة التى كانت دائما ما تتصل بشكل ما أو تأخذ شكل الأوامر الألوهية ...

الثانية : حول ”إمكانية وصول الإنسان إلى القمم الأخلاقية السامية فى وجوده الدنيوى“ ، أتسم مناصرى النزعة المادية بالتفاؤلية ، فقد اقروا بإمكانية وصول الإنسان إلى القمم الأخلاقية السامية ضمن وجوده الدنيوى ، على العكس من المفكرين ذو النزعة المثالية اللذين طرحوا إن الأخلاق ليست فقط بنشئتها بل بوضعيتها الكاملة التى بدت فوق الإمكانات الواقعية للناس حيث جرى نقل تحقيق تلك المثل العليا الأخلاقية إلى عالم الغيب و صورت الأخلاق كأمل مغر و لكنه وهمى …

الأخلاق بين اللاهوت و العقل

إن مفاهيم الخير و العدالة و السعادة و الضمير من المفاهيم الأساسية التى يعرفها الجميع ، و بالرغم من صعوبة إدراج طبيعة تلك المفاهيم إلا إنها تتحكم فى طبائع البشر و حياتهم ، جاء ظهور علم الأخلاق مرتبط بالتغيرات التى حدثت فى العلاقات بين الناس أثناء مرحلة الانتقال من المجتمع البدائى المشاعى إلى الحضارة الطبقية ، فالأخلاق انفصلت كشكل خاص له استقلالية ذاتية للوعى الاجتماعى ، ففى الثقافة الأوروبية القديمة سنجد هذا واضحا فى أشعار هوميروس الذى وضع أبطال ملاحمه الشعرية فى المرتبة العليا من الأخلاق ليعبروا عن المبادئ المجتمعية ، فى نفس الوقت خلت أشعاره من معايير أخلاقية أو فرائض عامة ، فالوضعية الأخلاقية عند هوميروس انحصرت فى وجود أبطال أخلاقيين لكن لا توجد قواعد أخلاقية واجبة على الجميع …

لكننا نلمس تطوراً واضحاً بربط القواعد الأخلاقية بالتناقضات ، و بين المتطلبات الأخلاقية المجردة و السلوك الواقعى للناس التى طرحها هراقليط ، إلا أن السفسطائيين و سقراط سيطر عليهم مفهوم الشخصية الكاملة الأخلاقية المتميزة ، فدرجة أخلاقية الفرد تتحدد من خلال جمال السمات الروحية حيث تكشف الشخصية عن فضائلها من خلال علاقتها بالآخرين و هى لا تسعى لأفضلية لنفسها وحيدة الطرف لأنها تنحو نحو العدالة و أنكار الذات ، فالشخصية الأخلاقية تحصل على رضاها و لذتها العليا فى الكمال الذاتى و فى العمل الإبداعى للعقل - أى الحكمة - ، و برغم الاستنتاجات التى وصل إليها علم الأخلاق اليونانى القديم فى مجرى تطوره بين الرواقية و الأبيقورية و الشك إلا أنه اظهر محدودية فى فهم علم الأخلاق و حصره فى الفضائل و صور الأخلاق على أنها ظواهر ذاتية شخصية …

أخذ علم الأخلاق فى العصور الوسطى صورة دينية صوفية ، فالإله أصبح هو المصدر المطلق للأخلاق ، ليصبح الإنسان بمقايسه الاجتماعية آثم ميئوس منه يجذبه العقوق نحو الشر و من هنا وجدت القوانين الأخلاقية التى رسمها "ﷲ" لتحقيق الإنسان شبه الكامل ، لذا فعلم الأخلاق فى العصور الوسطى قد نقلها من الجانب العقلى الأمبريقى إلى عالم الميتافيزيقيا و حاول المطابقة بين موضوعية الأخلاق و الألوهية إلا أنه أعترف بوجود معايير تميز بين الخير و الشر كمنظومة مبادئ ذات دلالة موضوعية عامة ، بهذه المعادلة وصل علم الأخلاق القروسطى إلى استخلاص إن السيرورات الأخلاقية لا يمكن تفسيرها إلا فى إطار علم الأخلاق اللاهوتى ...

أما فى الإسلام سنجد إن كلا من إبن رشد و الفارابى و المعتزلة قد وعوا لمحدودية التأسيس الدينى للأخلاق ، خاصة إبن رشد فى كتابه ”مناهج الأدلة“ عندما وصف إن الذات الإلهية ليست سوى أوصاف الكمال الموجودة فى الإنسان عندما قال ” أما الأوصاف التى صرح بها الكتاب العزيز بوصف الصانع للعالم هى أوصاف الكمال الموجودة للإنسان ، و هى سبعة : العلم ، الحياة ، القدرة ، الإرادة ، السمع و البصر ، و الكلام“ ، فالعوام لا تتخيل صفات ارقى من الصفات الكمالية ليخلعها على البارى ، و فى كتابه ”تهافت التهافت“ يحدثنا عن صفتى الإرادة و الأختيار بمعناهما الإنسانى إلا إنه قد نفى اتصاف الله بهما ، و يقول فى هذا ”إن المختار و المريد هو الذى ينقصه المراد ، و الله سبحانه لا ينقصه شىء يريده ، و المختار هو الذى يختار أحد الأفضلين لنفسه ، و الله لا يعوزه حالة فاضلة ، و المريد هو الذى إذا حصل المراد كفت إرادته ؛ و بالجملة فالإرادة هى أنفعال و تغيير ، و الله سبحانه و تعالى منزه عن الإنفعال و التغيير ، و كذلك هو أكثر تنزيها عن الفعل الطبيعى ، لإن الفعل الطبيعى هو ضرورى فى جوهره“ ، من هنا نجد تقارب بين ما طرحه إبن رشد و المعتزلة التى أرتكزت اطروحتهم على المنهاج العقلى و قدمت تأويلا عقلانيا للدين فى مسالة الأخلاق مثال على ذلك ”فليس الخير خيراً لأن الله أمر به ، و ليس الشر شراً لإن الله نهى عنه ، و لكن لأن الخير خير فى ذاته و الشر كذلك ، لذا فهما قيمتان أخلاقيتان مطلقتان“ ، فلا يمكن أن يكون الصدق قبحاً كما لا يمكن أن يكون الكذب حُسناً ، فالحُسن و القبح موجودات من قبل أن يرد بها الشرع و عليه فإن العقل يعتبر كاشفا و مكونا لحسن الأفعال أو قبحها ، و يترتب على ذلك إن الشرع لا يكون مخبراً عن الحُسن أو القُبح ولا مثبت لهما ، فالعقل يدركهما من خلال الطبيعة و العلاقات الزمنية و المكانية لذا فهو المنشئ ؛ إن البحوث الأخلاقية عند المعتزلة بوجه الخصوص لها مكانتها فقد جسدوا مرحلة جديدة فى تطور الفكر الإسلامى حيث برز المنهاج العقلى بكل ما خاص به فى قضية حرية الأرادة ، فحرية الفرد عند المعتزلة يكمن فيها مبدأ العدل الإلهى و بمقتضى هذا العدل يثاب الإنسان أو يعاقب ، فمادام الإنسان ليس حراً فى أختياراته فلا معنى للثواب و العقاب ، فحرية الإنسان مكملة للثواب و العقاب و حرية الإرادة هى أساس اقامة الأخلاق ؛ فى مقابل ما طرحه أبن رشد أو المعتزلة عارض أبن تيمية تلك النزعة العقلية حيث ربط ما بين محبة الله و توحيده و بين صلاح النفس كما ربط ما بين الإيمان و الأخلاق فى تطور ميتافيزيقى ليتقارب مع ما طرحه سقراط و أفلاطون اللذين قيما فلسفتهما الأخلاقية على نفس الأسس الميتافيزيقيا ، كذلك الأشاعرة اللذين طرحوا استحالة تأسيس الأخلاق دون الاستناد للموقف الدينى و هذا يعنى أن تكون الأخلاق متأخرة رتبة على المعرفة الدينية ثبوتاً و إثباتاً ؛ و قد عبّروا عن هذا الموقف من خلال تبنيهم القول بالحسن و القبح الشرعيين ، أى إن الحُسن ما حسّنه الشرع و القُبح ما قبّحه ، و ليس للعقل حظ فى تحديد الحُسن و القبّح و الخير و الشرّ على مستوى الإدراك أو الحكم ، إن تغييب العقل سواء عند إبن تيمية أو المعتزلة يفرغ الأخلاق من مضمونها و يناقض الواقع فالمجتمعات البشرية التى لم تعرف الوحى أو الأديان الإبراهيمية تاريخها يبرهن على إن هناك حضور للكلمات و الأفعال الأخلاقية فى حياتهم و إدراكها و إن كل كلمة أخلاقية و كل فعل أخلاقى حقيقة ابدية ، فلو تكلمتَ بكلمة طيبة ، أو فعلتَ فعلاً حسناً ، سيكون لكل منهما بصمة فى ضمير العالم على شاكلته ، الكلمة ذاتها تقال عن صاحبها بأبهى صورها ، الفعل ذاته يعود على صاحبه بأجمل مما فعل ، إن خيراً فخير ، و إن شراً فشر ، لذا فالدين لا يكون معبرا عن الأخلاق بل إن أكثر الأشياء تهديدا لوجود الدين هو ضمور الحس الأخلاقى و تفشى التبريرات التى تختفى خلف النصوص الدينية و تتخذها ذريعة لتسويغ انتهاك الكرامة و حق الوجود للإنسان ...

علم الأخلاق البورجوازى

بعد العصر القروسطى تحرر علم الأخلاق من الجمود الدينى إلى التنوع النظرى و صب جهوده على ترابط القواعد الأخلاقية و الحاجات الفردية و الاستنتاج من التجربة الحياتية المجتمعية ، إلا إننا نجد ”كانط“ قد أنتقد هذا بشدة على أساس إن علم الأخلاق سيتحول بالتالى إلى الدفاع عن الفرد الأمبريقى و لا نستطيع هنا أن نتكل على عمومية القواعد الأخلاقية ، لإن مركز الدوافع الأمبريقية ستكون محبة الذات ، كذلك أنتقد كانط النظريات التى تستنتج الأخلاق من المفاهيم الأنطولوجية للكمال أو من تصورات الجوهر التام للكمال لإن المتطلبات الأخلاقية هنا لا يمكن أن تصبح ذات دوافع طوعية لسلوك الفرد ، ليقطع كانط بهذا صلته بعلم الأخلاق التقليدى الذى ينظر للأخلاق كمظهر للوجود و إلى أن الأخلاق هى مجموعة قوانين استنتجها العقل من خبراته ، كما عزل كانط علم الأخلاق عن علم النفس و السياسة و علم الاجتماع حيث تميزت الأخلاق من وجهة نظره بدلالات ذات صيغة عامة لكل الجواهر العاقلة ، و أنعكس هذا فى أطروحته حول وضعية ”الوعى الأخلاقى البورجوازى “، الذى وقف فيه ضد الفرز الاقطاعى للناس إلى أخيار و أشرار ، كما أنتقد كانط علم الأخلاق الطبيعى الذى يستنتج الأخلاق من طبيعة الإنسان لأنه يتحول فى تلك الحالة لا أراديا إلى الدفاع عن الفرد الأمبريقى فهذا يركز كل دوافعه حول محبة الذات كما اشرنا لها من قبل ، فالمتطلبات الأخلاقية التى تؤسس هذا المفهوم و هذا التصور لا يمكن أن تصبح دوافع طوعية لسلوك الفرد ، بهذا يُخضع كانط الأخلاق عند الإنسان إلى قوانين الفرد الخاصة حيث المتطلبات المجردة و الشعارات التى رفعتها البورجوازية خلال الثورات الأوروبية فى القرن التاسع عشر ، ليستثنى الأخلاق الواقعية الموجودة من علم الأخلاق أو كما سماها ”ميتافيزيقا الأخلاق“.

كان الإقطاعيون من خلال الدين يرفعون شعار ”العمل وسيلة لخلاص الروح“ ، بينما هم فى الحقيقة يحتقرون العمل ، فالعمل يقوم به ذو المرتبة الدُنيا من البشر ، فهو من نصيب الرعاع و الأقنان ، و فى الحقبة البورجوازية أصبح العمل سلعة فى أطار الشراء و البيع و على العامل أن يقوم ببيع قوة عمله لصالح البورجوازى من خلال صفقة يتبادلان من خلالها قوة العمل بالمال ؛ يحاول البورجوازيون من خلال تلك الصفقة أن يظهروا بمظهر العادل إلا إن العلاقة الواقعية بين العامل المأجور و الرأسمالى جوهرها الأستغلال ، فالبورجوازية تروج لنا أن الإنسان يخضع لإرادته الخاصة فى تلك الصفقة التجارية إلا أن الحقيقة عكس ذلك فالمتحكم الحقيقى هو صاحب رأس المال ، فالعامل مضطر لأن يبيع قوة عمله على العكس من الرأسمالى الذى يملك ريع الأرض و فائدة راس المال ، فالقوة دائما فى يد الرأسمالى فهو الذى يحدد أجر العامل على أساس الحد الأدنى و الذى يوفر للعامل القدرة على العيش ليستمر فى العمل و هذا ما أعترف به ”آدم سميث“ فى كتابه ”ثروة الأمم“ عندما قال عن أجر العامل ”هو أدنى أجر يوفر الحاجات الإنسانية المشتركة (أى الحياة السائمة)“ ...

على اساس تلك العلاقة الجديدة التى أختلفت عن نمط العلاقات البطريركية القديمة من خلال تغلل العلاقات التجارية النقدية ففى تلك الظروف يبرز التوق نحو الأغتناء و الكسب كحافز اساسى للنشاط و بذلك يصبح التوجه القيمى الاساسى لسلوك الإنسان و وعيه الأخلاقى هو التوجه نحو الثروة كهدف رئيسى ، فالثروة لم تعد قيمة أجتماعية فقط بل و أخلاقية ايضا ، و من هنا تنبع فكرة الملكية الخاصة و النجاح الشخصى كمقياس للأخلاق فى المجتمعات البورجوازية ، و تلك الخرافة تسيطر على كثير من العامة و حتى المنظرين الكبار مثل كانط أو هيجل حيث إنعكس هذا المفهوم فى أطروحاتهم الفلسفية لعلم الأخلاق ، كذلك مونتيسيكو و إن عارض قليلا الفهم البورجوازى للجدارة الأخلاقية و تبنى لأطروحة الفهم الفئوى حيث كتب بصورة واضحة و مباشرة معبراً عن ذلك ”أنه يجب تقدير الناس ليس على مهاراتهم و جدارتهم الخارجية بل على سماتهم الفعلية و من تلك السمات توجد إثنتين فقط الثروة و الجدارة الشخصية“ ، فالسمة الفئوية بالمجتمع الرأسمالى تمنح ملكية الثروة الشخصية أهمية أخلاقية ، و يسيطر وهم أخلاقى حيث تُخلع الفضائل للاشخاص اللذين يحوزون القيم المعترف بها فى المجتمع (المال ، الأرض ، السلطة ...الخ) ، لتماثل التقيمات الأخلاقية علاقات الشراء و البيع ، من الواضح إن هذا النموذج الجامد يحول العلاقات إلى نموذج محاسبى دقيق للنفقات و الفوائد التى يمكن أن يحصل عليها الإنسان عند الدخول فى علاقات مع أشخاص آخرين و يجبر الإنسان على التتبع اليقظ إذا ما كان رخيصاً فى سوق الشخصيات ...

الأخلاق و الأغتراب فى المجتمع الرأسمالى

يعتبر علم الأخلاق البورجوازى المعاصر هو ثمرة المجتمع الرأسمالى و إنعكاس لتطور الرأسمالية و وصولها إلى مرحلة الامبريالية حيث استنفذ خلالها المجتمع تقدميته التاريخية و تخلى عن العناصر الإنسانية التى كانت تتصف بها العلاقات الاجتماعية الراسمالية المبكرة ، فقد تبدل وضع الإنسان و أكتسب أغترابا عن مجتمعه و فى أحيان أخرى عن ذاته ، فالفلسفة البورجوازية استطاعت أن تخلق وهما إن الدولة ليست سوى نتاج لعقد مشترك بين افراد مستقلين ، إلا إن الفرد فى تلك المنظومة يفقد فيها استقلاليته و تصبح الأفكار و العواطف موضوعاً للموضات فلم يعد الإنسان مسيطراً على تصرفاته بل أصبح عبداً للمنتجات المغتربة عنه ، فالإنسان فى المجتمع الرأسمالى يكون مضطهدا و مغتربا و نشاطه اﻹجتماعى ينبثق من خلال مقاسات محددة سلفا حددتها له منظومة السوق التى تمثل شكلاً لإنحطاط المجتمع ...

تتحدد خصوصية السيرورة الأخلاقية فى المجتمع البورجوازى من خلال نوعين من الأخلاق ، الأولى رسمية و تلك التى يتم ترويجها من خلال المؤسسات الرسمية و الإعلامية لتشكل صورة وهمية يتم غرسها داخل المجتمع لتشكل وهما يطلق عليه الثقافة الشعبية Pop. Culture و هى وديعة ، عاطفية ، خيرية ، أما الثانية الواقعية فهى جافة لا رحمة فيها ، أنانية للغاية تحمل الكثير من العنصرية سواء على المستوى العرق أو الجندر أو الطبقة ، هذان الشكلان يتناقضان كل منهما مع الآخر بالطبع فهما يمثلان إنعكاسا للتناقض القاعدى للرأسمالية حيث التناقض بين القوى المنتجة و طبيعة الملكية الخاصة ، فالإنتاج يوثق العلاقات و الأرتباط بين الناس و يصهرهم حيث الكل فى واحد ، بينما الملكية الخاصة فهى تضع كل منهم فى مواجهة الآخر و تعمل على توليد و إعادة إنتاج و تعميق التناحرات الاجتماعية ”الملكية الخاصة تفرق ، و العمل يوحد .. “()

إن وصول الرأسمالية إلى أقصى مداها حيث اكتملت رسالتها الإيجابية فى التطورات الاجتماعية ، لتنقلب على ذاتها و تصبح قوة رجعية متخاذلة تحاول إعاقة مسيرة التاريخ ، فالأزمات المتتالية التى يعيشها العالم اليوم ليست إلا انعكاس لأزمة الفكر الرأسمالى نفسه ، و يقول بول لافارج(2) فى نقده للفكر البورجوازى ”إن فكرة التقدم و التطور كانت موضة فى بواكير القرن التاسع عشر ، حين كانت البورجوازية ثملة بانتصارها السياسى ، و بالنمو المدهش لثرواتها الاقتصادية ، فالفلاسفة و المؤرخون و علماء الأخلاق و السياسيون و الروائيون و الشعراء كانوا يطعمون كتباتهم بتوابل التطور التقدمى ، غير أنهم فى منتصف القرن التاسع عشر أضطروا أضطرارا إلى التخفيف من حماستهم غير المحدودة ؛ ذلك إن بروز طبقة العمال على المسرح السياسى فى بريطانيا و فرنسا تسبب فى إنبثاق الشكوك بين البورجوازيين حول أخلاقية هيمنتهم الاجتماعية ، و من ثم فقد التقدم ما كان يمتاز به من سحر“ ...

إن الفردية البورجوازية التى لعبت دورا تقدمياً فى فجر الرأسمالية تحولت لتصبح عائق لتطور الشخصية ، فالأنانية الفردية تثير عامل الأغتراب داخل الفرد و تنمى الأحساس بالعزلة و التشتت و سوء الفهم و الأهمال ، بل و أيضاً الأحساس المستمر بالفتور و العداء ، و يبرز الأغتراب الأخلاقى كسيرورة متعددة الاتجاهات ، فهى تؤكد أغتراب الإنسان عن قدراته و على تقديم أية قيم أخلاقية لتصبح جميع محاولات الإنتاج خارج الشخصية الذاتية و بصورة موازية لعالمها الروحى ؛ و من خلال الثورة العلمية تحاول الرأسمالية أن تتحكم فى الوعى الأخلاقى الجماهيرى و يتم هذا من خلال وسائل الإعلام و الاتصال مثل التلفزيون ، الراديو ، السينما ... الخ.

فى منتصف القرن العشرين شاهدنا بوادر لحالات الفصل المجتمعى التعسفى عندما بدأ فى الظهور ما عرف باسم المجمعات السكنية Compounds و التى تعتبر أعلى درجات الاغتراب و الفصل المجتمعى حيث يتحول المجتمع إلى مجموعة من الأسوار تفصل كل طبقة عن الأخرى بل كل شريحة داخل نفس الطبقة عن باقى الشرائح مما يعزز حالة الانفصال لتصبح الأسوار غاية و وسيلة للتعبير عن الوضع الاجتماعى للفرد ليبرز الاغتراب بين من هم داخل الأسوار و من خارجها حيث يأخذ أشكال لا إنسانية من العزلة و التشتت عن الآخرين و الأحساس المستمر بالفتور و العداء الذى يتحول إلى كراهية متبادلة و مترافقة بمظاهر القسوة ...

كما تقدم الحضارة البورجوازية لنا صيغة أخرى تشكل نمطا إنسانيا يعرف باسم ”الإنسان المتلذذ“ ، حيث يتم خلق وعى نمطى يعظم صيغة الشهوة الاستهلاكية للفرد ، ليتحول الاستهلاك إلى هدف بحد ذاته و يسيطر على دافعية السلوك أنه أغتراب ”الجوهر الأخلاقى الإنسانى“ ليتشكل ما عرف بالأنقسام إلى ما هو ”أصيل“ و ما هو ”غير أصيل“ ، فالقواعد و المثل و غيرها من القيم الاجتماعية الهامة تقدم بوصفها ”غير أصيلة“ ، أما النزوات الاستهلاكية التى تعبر عن الرغبات العابرة و الأهواء المتقلبة الجوفاء فتبدوا و كانها ”أصيلة“ ، فيتحول الإستهلاك بدلاً من تلبية للحاجات الطبيعية و الثقافية إلى هدف بحد ذاته و يكتسب دلالة خاصة متميزة ، فلأن جوهر الاغتراب الأخلاقى يجرى هنا على تربة ”الفردية البورجوازية“ تتشكل حالة من العدوانية و الحقد للآخر المثيل له أو الأعلى أو حتى الأدنى طبقيا ليكتسح العالم مكوناً حتمياً من أغتراب الإنسان عن الإنسان يهوى به إلى العزلة ، تلك المنظومة تعتبر الأرضية الخصبة لنمو الفساد و الجريمة لإرضاء تلك الشهوة الاستهلاكية ...

خلال السنوات الأخيرة خاصة منذ النصف الثانى من تسعينات القرن السابق بدأ انتشار مفهوم جديد أطلق عليه ”ما بعد الحداثة“ و هو أسلوب فكرى يتشكك فى المفاهيم التقليدية للحقيقة ، العقل ، الهوية ، و الموضوعية فهذا الفكر يرى العالم على عكس أنماط التنوير بلا أساس ثابت ، متنوع ، غير مستقر ، و غير حتمى ، فالعالم يتكون من مجتمعات و ثقافات غير موحدة مما يتولد درجات من التشكك فى موضوعية الحقيقة و التاريخ و المفاهيم و معطيات الطبيعة و ثبات الهوية ، رأى البعض أن هذا نتيجة للتحولات و التطورات التى يشهدها العالم خاصة عالم التكنولوجيا و ثورة الاتصالات ، التى شكلت مجتمعا افتراضيا بلا مفاهيم سياسية شمولية أو مركزية ، معبرة عن أقصى درجات الحضارة الاستهلاكية ، لتنحصر المفاهيم السياسية و الأيديولوجية الطبقية ، من هنا يظهر تأثير المفكر الألمانى فردريك نيتشه ، حيث الغرض الاساسى لما بعد الحداثة أساسة نقد الحضارة كما وصفه المفكر الفرنسى ميشيل فوكو بقوله ”هو أحد ثلاثة مفكرين كبار دشنوا النقـد الجذرى للحداثة ، و هم ماركس و نيتشه و فرويد ، و إن كان نيتشه هو الأكثر جذرية حيث طاول - تقريبا - كل الأسس التى قام عليها كل التراث الفلسفى للإنسانية“(3) ، إلا إن الصلة بين نيتشه و مفاهيم ”ما بعد الحداثة“ تجاوزت كل ذلك ، و يكمن ذلك فى مصطلح ”ما بعـد ...“ فهو فى واقع الأمر الأساس الذى كان يبحث عنه نيتشه ، فقد رفض أن يتخطى هذا التراث أو يتجاوزه ، حتى لا يبقيه سجينا لمنطق التطور الخاص لذا أنكب نيتشه لمراجعة التراث بشكل جذرى لأتخاذ موقف نقدى قاطع للبحث عن تأسيس "ما ..." جديد فى محاولة لقلب كل القيم و يظهر ذلك فى مؤلفه الأخير ”إرادة القوة“ حيث قال فى توطئة الكتاب ”ما أرويه لكم هنا هو تاريخ القرنين الآتيين ؛ أصف ما سيأتى ، ما لن يأتى مخالفا لما أقوله ، إنه تنامى العدمية ...“ ، من هنا نرى إن فلسفة نيتشه هى محاولة للبحث عن قيم جديدة و ذلك بالسعى إلى تجاوز الميتافيزيقية فى مواجهة ما سماه بالعدمية الأوروبية إنطلاقا من الجينالوجيا(4) ، حيث رأى إن النقد الجذرى للفكر الميتافزيقى لن يكون إلا بكشف حقيقته ، و قد أنتقد المفكرين و الفلاسفة اللذين أهتموا بعلم الأخلاق قائلاً ”أنهم لم يكشفوا عن أى وجه من مشكلات الأخلاق الحقيقية تلك التى لا تظهر إلا بالمقارنة بين أنماط أخلاق كثيرة “(5) ، فقد رأى إن الإنسان الأوروبى بات لا يمثل تطورا نحو الأفضل بل على العكس تماما فى وجهة نظره صار أدنى من إنسان عصر النهضة ، و أن التطور لا يعنى إطلاقا تسامياً أو تناميا و اقتدار ...

علم الأخلاق الماركسى

علم الأخلاق الماركسى يعتبر علما ماديا بصورة راسخة ، فهو يخلص الأخلاق من الشوائب المشعوذة و ينظر إلى المثل و القواعد و الفضائل الموظفة فى المجتمع على إنها إنعكاس للعلاقات الواقعية و تعبير عن المصالح الفعلية بين البشر من خلال إنتمائتهم الطبقية ، كما فسر الوصايا و المحرمات الأخلاقية الألوهية تفسيرا على أساس الأنقسام الأخلاقى داخل المجتمع و أعتبرها شكلا مصنوعا يسمح للطبقات المسيطرة أن تفرض على الشغيلة تصوراتها الأخلاقية و من هذا فقد وصف المفكرين الماركسيين علم الأخلاق بأنه ”خاصية لسلوك الإنسان يشترطها وجوده الاجتماعى التاريخى بأنها تلك المعانى القيمية التى تربط بين الأفراد الأحياء الملموسين فيما بينهم أو بالعكس تفرقهم“ ، و قد ارتكز علم الأخلاق الماركسى على الديالكتيك ، فإن أى تجسيد للأخلاق أو الفضيلة … الخ ، تكون فى حالة حركة مستمرة من النشأ إلى التطور إلى الموت و التبدل ، فالأخلاق بصفة عامة لا توجد خارج العملية التاريخية الملموسة ، من هنا رصد علم الأخلاق الانماط المتنوعة التى تتطور و تأخذ أشكال متنوعة فمن الأخلاق الأقطاعية ، إلى الأخلاق البورجوازية ، لأخلاق البورجوازية الصغيرة ، إلى أخلاق البروليتاريا ، للأخلاق الاشتراكية ، لنصل إلى الأخلاق الشيوعية ، فهو ينظر لها كحلقات لسلسلة واحدة تمثل درجات مختلفة للتطور التاريخى و على هذا فإن علم الأخلاق الماركسى يعنى بالأشكال التاريخية للعلاقات الاجتماعية بين الناس ، فهو لا يهتم فقط بما هو واجب الوجود ، و لكنه يهتم بدرجة أكبر بما هو موجود …

بناء على هذا فإن علم الأخلاق الماركسى يؤدى وظيفتين أساسيتين : -

1- تحديد الحدود النوعية للأخلاق و فرزها : حيث تتفاعل الأخلاق عضويا مع كل نشاط ذو أهمية من الناحية الاجتماعية من خلال ملاحظة الوقائع و الأفعال المتنوعة المصاحبة لسلوك البشر ، و بالرغم من ذلك فإنها تبدوا و كأنها شيئا لا يمكن رصده أو التقاطه بشكل كامل مما يتشكل إنطباع إن الأخلاق قد تأخذ شكلاً هلامياً مثال على ذلك ”الضمير“ ، فالكل يعرف أن هناك شئ أسمه الضمير و الكل يشعر بسلطانه عليه ، و لكن ما إن نحاول تحديده أو عزله عن الحالات الأخرى مثل الغضب أو الغيرة أو الرغبة … الخ ، حتى تواجهنا صعوبة ، فالضمير لا يمكن التعبير عنه بكلمات فهو حالة خاصة متغيرة ؛ و بالتالى فإن مهمة فرز الأخلاق من خلال وعى و أفعال الناس تبدوا فى غاية التعقيد فلا يمكن حلها من خلال التأمل المباشر بل يجب دراستها من خلال المؤثرات اللحظية المنطلقة منها …

2- القياس المعيارى : من خلال التحولات الاجتماعية و الطبقية فى المجتمعات لذا اصبح على علم الاجتماع ان يقدم لنا نقداً و تحليلاً قيمياً و بالتالى يمكن أن يقدم لنا تفضيلا لهذه أو تلك من قواعد السلوك ، فلا يجب أن تتصف النظرية الأخلاقية بالحيادية أو أنها تقف فوق الخير و الشر (و تلك صفة مميزة لعلم الأخلاق البورجوازى)، فهى واقعيا تعبر عن طبقة معينة و تتحدد من خلالها خصوصيتها ، لذا يجب أن يتخلص علم الأخلاق من وضع قواعد السلوك و القيم و إلا سيتحول إلى الوعظ و النصح و لن يصبح علماً ، فعلم الأخلاق الماركسى يمثل أنعطافة جذرية فى النظريات الأخلاقية فمن خلال ما قدمة كارل ماركس و فريدريك أنجلز من تقييم للسيرورة التاريخية موضوعيا ، قدموا نقداً مبدئياً لأسسها الفلسفية العامة من خلال التوجه الإجتماعى الطبقى لتصبح تعبيرا متسقا عن مصالح الطبقة العاملة من خلال التركيز على قيمة العمل المتحرر و الجماعية كنمط عام للسلوك …

العنف و الاغتراب المجتمعى

تستطيع الأخلاق أن تسرع من مجرى التطور الإجتماعى أو تعرقله ، فالأخلاق المتقدمة تستوعب فى ذاتها تبدل الأمزجة و المشاعر السلمية ، فالأخلاق هى النبض الداخلى للفاعلية التاريخية للشخصية و إبداعها و تأثيرها الاجتماعى ، فمصائر المجتمع مرتبط بمصائر الأفراد اللذين يخلقونه بنشاطهم اليومى ، و هكذا فإن الروابط الإجتماعية فى المجتمعات الرأسمالية تحمل الطابع الطبقى ، فكل طبقة تضع قواعدها الأخلاقية بصورة مستقلة نسبياً ، حيث تتبلور داخل أحشاء الطبقة القواعد و القيم الأخلاقية التى تميزها ، فالظروف تخلق الناس بنفس القدر الذى يخلق فيه الناس الظروف ، إلا إن الروابط الإجتماعية تتدخل فى تحديد مضمون الأخلاق ، من حيث التوجه القيمى و الميول و النفور ، ففى التشكيلات المجتمعية المتناحرة تسعى الطبقة المسيطرة لأن تطرح مصلحتها على أنها مصلحة للمجتمع ككل لتشكل فى النهاية المصالح الجذرية للطبقة المسيطرة ...

خلال الفترة الأخيرة فرضت ظاهرة التحرش نفسها على المجتمع المصرى بشكل خاص و العربى بشكل عام ، و انتشرت نقاشات عن اسباب هذا التحرش ، إلا إنها فى الغالب الأعم اقتصرت على الناحية الدينية الأخلاقية أو ضعف المنظومة القانونية أو التفكك الأسرى و المرض النفسى … الخ ، و الغريب أن فى أحيان كثيرة كان يتم إلقاء اللوم على المتحرش بها خصوصا من جانب التيارات المحافظة و الإسلامية ، لكن السؤال الأهم لماذا أنتشرت تلك الظاهرة فى وقت من المفترض إزدادت فيه بشكل ملحوظ ظاهرة التدين التى يصفها العديد من المفكرين الإسلاميين بـ ”الصحوة الدينية“ و هذا يظهر بشكل ملحوظ من خلال المعاملات اليومية فنشاهد مظاهر دينية واضحة فى المجتمع مثل قراءة المصاحف فى المواصلات العامة ، التمسك بتحية الناس بشكل دينى ، إنتشار المساجد بشكل كبير ، التمسك بملابس أو إشارات تدل على الهوية الدينية ، فى المقابل إذا نظرنا للمجتمع المصرى فى فترة الستينات و حتى أواخر السبعينات لم يكن لتلك المظاهر وجود تقريبا ، و فى نفس الوقت لم يكن التحرش ظاهرة مؤرقة للمجتمع بل كانت – إذا حدثت – لا تزيد عن حوادث فردية يمكن حصارها و معالجتها بيسر ، لكن الفارق بين المرحلتين الزمنيتين يمثل الفارق فى التوجهات الاقتصادية و الأجتماعية و التى شكلت حالة من الأغتراب الفردى ، الذى أدى إلى تعاظم التناحر الاجتماعى ليأخذ شكلا دينيا فى غياب الوعى الطبقى و فهم طبيعة الصراع داخل المنظومة الاجتماعية البورجوازية ، فما يحدث هو رد فعل لحالة أغتراب الفرد الذى يبحث عن ذاته داخل المجتمع ليفجر ظاهرة العنف الدينى على مستويات متعددة منها التحرش ، لكن هذا تزامن أيضا مع التطور الشامل الذى تعيشه إنسانية هذا العصر ، خاصة فى المجتمعات العربية الإسلامية التى ولدت قضايا و مشاكل طرحت أمام الإنسان العادى لأول مرة فأخذ يتطلع إلى مخرج من أزمته الحضارية التى وجد نفسه مقحما فيها ، فيحاول الهروب من مأزقه باللجوء إلى الدين و البحث عن تأويلات دينية تساعده ، إلا إن هذا الهروب لم يوفر له الحل بل على العكس زاد من معاناته و أغترابه ليس فقط المجتمعى بل أصبح أغتراباً حضارياً ، فمحاولة التوفيق بين القيم الروحية الدينية و القيم الحضارية لم تشبع الفقر الوجودى له أو تروى الظمأ الذى يعيشه كإنسان بشرى بل زادت من توتره لينعكس كحالة رفض عنيف لأى مظهر مخالف لما هو يعتقده أنه صحيح ، خاصة و أنه يعطى له قيم مقدسة ، و برغم إن القيم الروحية من المفترض أن تخفف مواجع الإلم لبناء الأمان النفسى إلا إن الواقع أعمق و أعرض من ذلك بكثير خاصة فى غياب المنظومة المجتمعية العادلة لتصبح القيم الروحية ليست إلا استنزاف للرصيد الأخلاقى و تزيد من حالة الاغتراب.






__________________________________

هوامش

1) فلاديمير لينين المؤلفات الكاملة
2) بول لافارك (15 يناير 1842 - 25 نوفمبر 1911) صحفى فرنسى ، ماركسى المذهب ، و عالم اجتماع ، و ناقد أدبى و اشتراكى ثورى ، هو زوج لورا ماركس ابنة مؤسس الاشتراكية العلمية كارل ماركس

3) ميشيل فوكو من كتاب "جينالوجيا المعرفة" صـ 35
4) مجموعة من المفاهيم جمعها فريدريك نيتشه فى ثلاثة مقالات نشرت فى كتاب بعنوان …"ما وراء الخير و الشر"
5) من كتاب فريدريك نيتشه "ما وراء الخير و الشر"


المصادر

* إيمانويل كانط "تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق" ، ترجمة دكتور عبد الغفار مكاوى ، الدار القومية للطباعة و النشر - الطبعة الأولى 1965
* فريدريك نيتشه "فى جينالوجيا الأخلاق" ، ترجمة فتحى المسكينى ، المركز الوطنى للترجمة "تونس" - الطبعة الأولى 2010
* محمد عابد الجابرى "تهافت التهافت إنتصاراً للروح العلمية و تأسيساً لأخلاقيات الحوار" ، مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى 1998
* فريدريك نيتشة "إرادة القوة (محاولة لقلب كل القيم)" ، ترجمة محمد الناجى ، أفريقيا للنشر - الطبعة الأولى 2011
* فريدريك نيتشة "عدو المسيح" ، ترجمة ميخائيل ديب ، دار الحوار - الطبعة الثانية
* مجموعة من الاساتذة السوفييت "علم الأخلاق الماركسى" ، ترجمة دكتور إبراهيم قندور ، دار الشيخ للدراسات و الترجمة و النشر - الطبعة الثانية
* أوجين كامنكا "الأسس الأخلاقية الماركسية" ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد ، المركز القومى للترجمة - الطبعة الأولى 2011
* أمبرتو إيكو "دروس فى الأخلاق" ، ترجمة سعيد بنكراد ، المركز الثقافى العربى - الطبعة الأولى 2010
* أبو النصر محمد الفارابى "آراء أهل المدينة الفاضلة" ، مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة - الطبعة الأولى 2013
* الإمام الغزالى "تهافت الفلاسفة" ، دار المعارف المصرية - الطبعة الرابعة 1966
* حسين مروة "النزعات المادية فى الفلسفة العربية الإسلامية"= الجزء الأول (القسم الثانى) ، دار الفارابى 1978
* حسين مروة "النزعات المادية فى الفلسفة العربية الإسلامية"= الجزء الثانى (القسم الثانى) ، دار الفارابى 1979
* فرح أنطون "فلسفة إبن رشد" ، مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة - الطبعة الأولى 2012

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول