طلب لجوء

فاضل متين
2020 / 7 / 25

هل أخبرتك البارحة عن الذي حصل معي ؟ حسناً يبدو إنني غفلت عن رفع التقرير اليومي إليكِ، لقد قمت بزيارة مركز الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، دخلت بخطى متثاقلة وئيدة المبنى المزدحم بالناس، ما أن دلّفت بوابة المركز حتى رأيتُني أتفرسُ بنهمٍ حركات الناس ووجوهم. كثرٌ هم الذين تجاوزونني والذين مروا جنبي، لم يكد يدخل أحدهم أو يخرج إلا وكان يحمل مظروفاً يفيض بالأوراق في يديه، وأنا أيضاً مثلهم تأبطت أوراقي بفارق إن وجوههم بدت أكثر ألقاً وتصميماً، تساءلت في سرّي، أيعقل أن جمعيهم وعِدوا بالمنحة؟ ثم كمن دخل حفلة تنكرية داخل المنام، بحثت بين الوجوه عن وجهٍ تعيسٍ كوجهي، يألفني وألفه، وينبهني بموقعي ووجودي، وأسترسلت التفرس في الوجوه، أسترسلت حدّ الشعور بمدى فظاظتي. تعرفين ماذا يحصل لي حينما أنتبه لفظاظتي، أتوتر وتصعد الدماء إلى وجهي، ولأبدّد توتري بدأت أقلّب الظرف بين يدي خشية أن يحدجني أحدهم ويحرجني، رغم ذلك كنت أشك في أن أحدهم شعر بوجودي، أو لفتُّ نظره، وكيف لا أشك، فمتى أثار الرغيف العفن ذائقة الناس ؟
استفسرت لا أدري لما من عامل البوفيه عن ما إذا لم تخطئني الظنون إن كان هذا المبنى هو نفسه الخاص لشؤون اللاجئين. انتظرت منه أن يهز رأسه إيجاباً أو يأتي بحركة ودّية، لكنه رمّقني بنظرة بدا فيها الكثير من الإستخفاف والتندر، وأطلق ضحكة ساخرة من إنفه وهو يسير حاملاً صينية صغيرة عليها كؤوس الشاي، ثم هتف من خلف كتفه بتهكم : لا هذا مبنى وزارة الخبلان والاغبياء.
ليس غريباً أن تلقي الجشاعة والفظاظة من العاملين والموظفين في هكذا مراكز، لكن لحساسية موقعه عليك أن تتسمي بالصبر والحكمة. عدت إلى مكاني وجلست على المقعد متقلصاً على ذاتي، وكما أفعله دائماً حينما أنزوي لوحدي بدأت أراقب الناس وأطارد بعينيّ تحركاتهم، بقيت جالساً لا أعلم كم ساعةً مرت، ولما خفّ عدد المترددين للمركز توجهت لا على التعيين نحو غرفة فيها عددٌ من الموظفين يتبادلون المزاح خلف الواجهة البلورية لمكاتبهم. وبدخولي قطعت ضحكاتهم، بادرني واحدٌ منهم وسألني عن طلبي، أخبرته للتو إنني أريد أن أقدم طلباً للجوء إلى أوربا ثم قدمت له أوراقي الثبوتية وهويتي. وبعد أن تظاهر بقراءة أوراقي على عجلٍ، باشرني بعدد من الأسئلة، كان سؤاله الأول عن ما هي غايتي في السكن هناك. قلت من غير تفكير وتسييف : أريد أن أجد لحياتي معنى، وأمنحها فرصة الخلاص، وأصنع لنفسي كينونتي الخاصة.

بحلق فيّ لثوانٍ قبل أن يوقف استرسالي، لم يمنحني الفرصة لأقول ما في داخلي، وحذرني بلطف مصطنع ألّا أتفلسف في الأجوبة وأرد بإيجاز على أسئلته، ثم سألني ما إن كنت أعاني من عللٍ جسدية وأمراض مزمنة فقد تساهم في قبول طلبي وتكثر فرص الموافقة ؟.
قلت له إنني سليم مقياساً بالذين تتشابه حالتهم حالتي وظروفهم ظروفي، لكنني أشكو من تدهور في عصب عرق النسا، وتصلب في المفاصل، وأعراض الربو المؤقت، ثم رجوته ألّا يسجل كل هذا، لم أرد لها أن توثق في ملفي، يكفيها الاستيطان في جسدي.

تصوري كمية الاسئلة التي يطرحونها ونوعيتها، تشعرين وكأنك داخل غرفة التحقيق أو في عيادة لعلم النفس الإكلينكي، أيعقل إنني أبدو شخصاً محتشداً بالعقد والعلل؟ استجوبني عن صحتي النفسية وما إن كنت أحمل أيّة عقدة في نفسي لا أستطيع التخلص منها، عصاب، إجترار سودواي، وساوس قهرية، نوبات هلوسة، وجميع أطياف الأمراض التي لم أسمع بها من قبل.
قلت في سري ربما الغرب يستمثر المصابين بهذه الأمراض ليجعلوهم مادة لإختباراتهم وفحوصهم العلمية.! لكنني لن أجعل نفسي مادة لاختباراتهم واجعلهم يستهلكون ممتلكاتي، حتى لو كنت أحمل عقداً في نفسي فإنها تخصني أنا وهي جزءٌ من كينونتي، ولا يحق لاحدٍ أن يستغلها لصالحه، هذا ما عزمت عليه، وأخبرته على الفور إنني لست ممن يكابد هكذا أمراض وإن أبدو كذلك..
لكن كان عليّ أن أسجل شيئاً ما يعكس حالتي النفسية علّها تساهم في زيادة حظوظي، فأخبرته إنني أعاني قلقاً غامضاً، قلقاً وجودياً لا أعرف كنهه.
تمتم وتحرّك في كرسيه قليلاً ثم دوّن على الكمبيوتر ملاحظاته، ثم سألني إن كنت سأسافر وحدي وأصطحب معي أحداً لو قُبل طلبي.
لحظة سمعت سؤاله صعدت الدماء بغزارة إلى وجهي فرحاً وداهمني حلمٌ طارئ أننا نسافر معاً على متن طائرة لا يحلق فيها غيرنا.
-ثمة شخص واحد فقط ليس هنا معي الآن ، ولكنني جلبت معي أوراقه.
-وما صفة هذا الشخص، أهو زوجة، ابنة، ابن، والداك؟

-ليس من كل هؤلاء، وكل هؤلاء.

-أخبرتك في البداية ألّا تتفلسف، وتختصر الوقت، لقد انتهى دوامنا، وسجلنا طلبك الشخصي فأرجو أن تغادر.

حينما لمست الجدية في كلامه والغضب في عينيه انتابني شعورٌ بمدى غبائي واستمراري الدائم في إهدار الفرص بسبب سذاجتي الفجة المزمنة..
-أرجوك ألّا تأخذ عليّ هفوتي، خذ هذه هي أوراقها، اتمنى أن تسجل اسمها جنب اسمي، أريدها أن ترافقني، أي مكان لا توجد فيها معي لا أستطيع التعويل عليه.
لا بأس، هات الأوراق، وجاوب على الاسئلة بإختصار هذه المرة... ما درجة القرابة بك، الشهادات التي تحملها، هل تعاني من المشاكل الصحية والإعاقة، أعليها أية قضايا قانونية؟ قل بسرعة.
-فقط يربطنا قرابة روحية وتماهي عاطفي، لديها ثلاث سنوات دراسية في كلية الهندسة لم يقدّر لها أن تكمل، أما بالنسبة للصحة فهي أصفى من ماء الشلال، ثم انظر إلى صورتها، أيعقل لجسدٍ طريٍّ كهذا أن يتسبب بمشاكل قانونية؟ شاهد هذا الوجه الناعم كالسماء، والعينين الواسعتين كالغدير، انظر إلى ثيابها اللبقة على جسدها اللبق، ثم هاتيك الخصلات راقبها كيف تتموج في الصورة.

-فهمت فهمت، لا داعي لكل هذا البذخ في الكلام والتوهج في الحماس والعاطفة الرومنسية، هل هناك أية إضافة أخرى؟
-‏لا يا سيدي هذا كل ما يخص شأنها، لكن...... هناك شيءٌ آخر لا أظنه مهماً، ولا أعتقده جديراً بالإضافة.
-ما هو الأمر الآخر، هات قل بسرعة فالوقت تأخر؟

-إنها ميتة....

لا أعرف ما الغريب في الأمر وكأنني صعقته بمسدس كهربائي، ذهل في البداية، ثم امتقع وجهه قبل أن يطردني ويرمي الأوراق في وجهي، وتهكم بي أمام زملائه، ثم أطلق ضحكاتٍ ساخرة ملئ فمه وهو يهتف، هذا ما كان ينقصنا، مجانين يقدمون طلبات اللجوء..!!
لا أدري لما ينشده الناس عندما نخبرهم عن مرافقتنا الموتى، تنفعل نفوسهم ويشمئزون منا، وينظرون إلينا نظرة تهكم وسخرية مشحونة بالشفقة كما لو أنهم رأوا متسولاَ مجنوناً، يغالبني الظن إنها علامة نقص في نفوسهم، علامة تدل على ضعفهم واهتزاز شخصياتهم، لا يحتملون فكرة أن ينجح أحدهم في شيء يفشلون هم في تحقيقه.
على أحدهم أن يخبرهم أن يتقبلوا إختلاف الآخرين عنهم، ويمتازوا بالذكاء العاطفي قليلاً. مع ذلك لا يهمني ما يفعلونه وما يقولونه. عليهم أولاً أن يجربوا الحب مع امرأةً مثلك، أمراة تجعلهم يدركوا أن قوانين الكون تقاد بأمرها.

آه صحيح، هل أخبرتك ماذا حدث معي اليوم أيضاً؟

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول