الماركسية ورسالتها الطبقية والقومية والانسانية

خليل اندراوس
2020 / 7 / 25


الفلسفة الماركسية من ابرز منجزات الفكر البشري، الماركسية هي ايديولوجية الطبقة العاملة والتعبير العلمي التقدمي الانساني الثوري عن مصالح الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة المضطهدة والشعوب المضطهَدة، فالفكر والفلسفة الماركسية، كممارسة سياسية على ارض الواقع تسعى الى وضع حدا نهائيا لجميع اشكال الاضطهاد والاستغلال الطبقي والقومي والعرقي.

فحركة التحرر الوطني لأي شعب هي حليفة للطبقة العاملة وجزء لا يتجزأ من العملية الثورية العالمية التي تهدف الى اسقاط الامبريالية المتوحشة في عصرنا الحاضر، ولذلك ارى نفسي كماركسي حليف لمناهضي ومقاومي الهيمنة الامبريالية على منطقة الشرق الاوسط وأعني بذلك محور المقاومة ومناضل ضد الثالوث الدنس العالمي واعني الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وعلى رأس هذه الرجعية، السعودية.



الماركسية كفلسفة تعتني على الدوام بتعميمات التجربة التاريخية الجديدة، وتاريخيا اسهم فلاديمير ايليتش لينين، التلميذ العبقري لماركس وانجلز والمواصل لقضيتهما بقسط ضخم في كنز الماركسية. لذلك نقول بان الماركسية – اللينينية هي الفلسفة الجدلية الثورية العلمية والتي لا بد وان تكسب اكثر وأكثر عقول وقلوب الملايين من الناس، خاصة الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة المضطهَدة والشعوب المضطهدة. والشيوعي الحقيقي والثوري الحقيقي والوطني الحقيقي هو الذي يحمل ويتعمق بدراسة الماركسية اللينينية ويمارسها على ارض الواقع، فالماركسية كفلسفة تسعى الى "جعل علم المجتمع منسجما مع الاساس المادي، واعادة بنائه وفقا لهذا الاساس" (فريدريك انجلز، لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية - الفصل الرابع ص 22).

والفلسفة المادية الماركسية بوجه عام تفسر الوعي بالوجود، وليس العكس، فهي تتطلب عند تطبيقها على الحياة الاجتماعية للانسانية تفسير الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي.



هذه هي الفلسفة الماركسية اللينينية ولا وجود لأي "تفريعات" لهذه الفلسفة، وهذه الفلسفة التي تتعامل مع المجتمع الرأسمالي من منطلقات نضالية ثورية تسعى الى احداث تراكمات تقدمية كمية على مستوى طبقي – قومي، قومي – طبقي، بهدف إحداث القفزة النوعية، إحداث الثورة الاجتماعية والانتقال الى مجتمع حرية الانسان والانسانية الى مملكة الحرية على الارض.

ولذلك عندما نتحدث عن كون الانسان جزءا من "مجتمع مدني" او "مجتمع عمراني" وعن علامات "الدولة المدنية الحديثة" والاصح تسميتها التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية في عصرنا الحاضر، ونتحدث عن كيان "مدني" "مؤسساتي" يمنح حقوقا ويطالب بواجبات، ولا نصف هذا المجتمع بمجتمع طبقي رأسمالي يتميز بوجود الطبقات والصراع الطبقي. ويتميز بوجود طبقة تملك وسائل الانتاج وتستغل العمل المأجور، وهذه الطبقة الحاكمة طبقة السلطة تستغل وتسيطر على كل مؤسسات الدولة وتستغل كل الوسائل السياسية والاعلامية وحتى الدين من اجل تعميق هيمنتها وسيطرتها على الطبقة العاملة وباقي شرائح المجتمع، التي تعاني من الفقر والعنف والبطالة والتمييز والتفرقة العنصرية.



الانسان كل انسان في هذا الوجود الاقتصادي الاجتماعي الى جانب هويته القومية والوطنية والمدنية يحمل هويته الطبقية والانسانية، فالهوية من ناحية جدلية ليست ثلاث جدليات، ومن يحمل هذا الفكر هو ابعد ما يكون عن الفلسفة الجدلية، وحمل وادراك هذه الهوية الانسانية القومية الوطنية المدنية الطبقية تجعل كل انسان يحمل هذه المفاهيم بان يمارس دوره القومي الوطني الثوري الاممي بادراك ووعي بهدف تحقيق حقوقه القومية والطبقية والمدنية الانسانية.

نحن هنا كأقلية قومية فلسطينية نناضل من اجل حقوقنا السياسية والاجتماعية والثقافية والمدنية والقومية وفي هذا النضال نتفاعل ونتعاون مع الشعوب الاخرى بفكر وممارسة اممية، فالقومي الحقيقي هو الاممي الحقيقي والاممي الحقيقي هو القومي الحقيقي. ومن خلال هذه المفاهيم نعمل على وحدة النضال القومي المشترك للأقلية القومية الفلسطينية داخل اسرائيل ونكافح من اجل القضية الفلسطينية العادلة ومن اجل اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين، والى جانب هذا النضال نحمل الفكر الاممي الثوري الذي يجعلنا نكافح ضد طبقة رأس المال الكومبرادوري (الوسيط) الرجعية العربية وعلى رأسها حكام آل سعود، تلك العائلة التي قال اول ملك لها بانه لا مانع لديه من إعطاء فلسطين لليهود المساكين، والتي تستغل الدين لتبرير تآمرها مع الولايات المتحدة واسرائيل ضد شعوب المنطقة وضد ايران.

وهنا اذكر بانه عندما حكم شاه ايران عميل الولايات المتحدة واسرائيل كانت السعودية ودول الخليج العربي والاصح دول الخليج الامريكي يعتبرون شاه ايران الصديق الوفي، ولم تكن هناك صراعات على اسس فرق دينية بين سنّة وشيعة، ومن يدافع عن السعودية او من يدافع ويؤيد اردوغان شاء ذلك ام ابى، فهو يؤيد انظمة عميلة تتاجر بدم الشعوب ليس فقط العربية لا بل والاسلامية وكل الانسانية من اجل النفط وتراكم رأس المال الامبريالي العالمي والصهيوني العالمي، فالولايات المتحدة تجمع من أجل مصالحها الرأسمالية الانظمة الرجعية العربية والصهيونية العالمية في حظيرة واحدة.



وهنا اود ان اقول بان الدين، أي دين لا يسعه ان يكون سندا للثالوث الدنس طول الوقت، فالمحافظون الجدد – كهنة الحرب – والصهيونية المسيحية قاموا بتحويل الدين المسيحي الى ايديولوجية يمينية عنصرية شوفينية صهيونية، وكذلك الصهيونية استغلت وتستغل الدين اليهودي لتبرير وجودها وسياستها العنصرية الكولونيالية الاستيطانية، وآل سعود يستغلون الدين لتمزيق الأمة والقومية العربية والتي حاربوها أي حاربوا السياسة القومية لجمال عبد الناصر (حيث نصح الملك فيصل تمزيق عبد الناصر اربا اربا)، منذ خمسينيات القرن الماضي، من خلال نشر صراعات على اساس ديني بين السنّة والشيعة، ولكن نستطيع ان تقول بان هذه السياسات مصيرها الفشل فكما قال انجلز في كتابه الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية ص 29، "ولذا فان الدين ايضا لا يسعه ان يكون سندا للمجتمع الرأسمالي مدة طويلة، واذا كانت افكارنا الحقوقية والفلسفية والدينية هي نتائج قريبة او بعيدة الى هذا الحد او ذاك، للعلاقات الاقتصادية السائدة في مجتمع معين فلا يمكن لهذه الافكار ان تبقى طويلا بعد تغير العلاقات الاقتصادية تغيرا تاما. ولا بد لنا اما ان نؤمن بوحي ما فوق الطبيعة وإما ان نقر بانه ما من عقيدة دينية تستطيع ان تنقذ مجتمعا منهارا".

وفي النهاية كل تحليل للهوية اية هوية، ويدعي بانه يستند الى الجدل ويهمل التحليل الطبقي للمجتمع أي مجتمع، خاصة عند معالجة الاندماج الاجتماعي والوحدة واحترام التعددية هو اهمال وفشل في التحليل.

فقط الدمج الجدلي بين التحليل الطبقي والتحليل القومي لاي مجتمع، خاصة المجتمع العربي، الواقع العربي، هو الطريق الوحيد، وتحديدا حسب رأيي، الطريق الوحيد الاحمر الكفيل في حل مشكلاته المستعصية.

من هنا علينا ان ندرك بان نضالنا كحاملي فكر ثوري تقدمي جدلي انساني ماركسي لينيني يحمل هويته ورسالته الطبقية والقومية والانسانية يهدف بناء مجتمع المستقبل مملكة الحرية على الارض من اجل ان نربح "عالما بأسره".



وهذا الثالوث الدنس يمارس ابشع الجرائم ضد شعب اليمن والشعب السوري، حيث حاول تمرير مؤامرة تقسيم سوريا الى دويلات، حلم الحركة الصهيونية منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث تبنى المؤتمر الصهيوني العالمي في القدس فكرة تقسيم سوريا الى دويلات، خدمة لمصالح اسرائيل الاستراتيجية، ولكن هذه المؤامرة فشلت بفضل صمود ونضال الشعب السوري وبفضل محور المقاومة وبفضل روسيا ودعم الصين، واتمنى ان ينجح الشعب العراقي في كفاحه من اجل طرد الولايات المتحدة من العراق، لأن ذلك سيكون ضربة قوية لليمين الامريكي – كهنة الحرب المحافظون الجدد – وضربة قوية للصهيونية المسيحية في امريكا، وضربة قوية لليمين الصهيوني العالمي والاسرائيلي، فاحتلال العراق كان هدفه الاساسي خدمة مصالح اسرائيل الاستراتيجية في المنطقة وفرض هيمنة الثالوث الدنس على منطقة الشرق الاوسط لا بل على غرب آسيا، وصفقة القرن بل "سرقة القرن" خطة امبريالية صهيونية رجعية عربية هدفها الاساسي تحقيق هذه الهيمنة.

واسرائيل كقاعدة امامية للامبريالية العالمية في منطقة الشرق الاوسط تديرها طبقة رأس المال العالمي والصهيوني، "وليس فقط دوائر حاكمة"، وهذه الطبقة اخطبوط يمارس الارهاب الرسمي على مستوى عالمي وخاصة في لبنان وسوريا والعراق، وما يحدث الآن في ايران من انفجارات وحرائق واعمال تخريبية، واعتداءات الطيران الاسرائيلي على سوريا مئات المرات لأكبر دليل على ذلك.

ان المؤسسات السياسية بما في ذلك الدولة والمجتمع المدني المعاصر تقوم كبناء فوقي للمجتمع على اساس اقتصادي. وكما ان معرفة الانسان تعكس الطبيعة القائمة بصورة مستقلة عنه، أي المادة في طريق التطور كذلك تعكس معرفة الانسان الاجتماعية (أي مختلف الآراء والمذاهب الفلسفية والدينية والسياسية الخ..) نظام المجتمع الاقتصادي، لذلك نرى الآن كيف ان مختلف الاشكال السياسية والمدنية للدول الاوروبية المعاصرة هي ادوات لتعزيز سيطرة البرجوازية طبقة رأس المال على الطبقة العاملة داخل دولها وعلى شعوب العالم المضطهدة.

ونرى اشكال سيطرة وسلطة رأس المال الكومبرادوري في العالم العربي تمارس كل اشكال الاضطهاد والارهاب السياسي داخل هذه الدول، والارهاب الداعشي في سوريا والعراق واليمن، ويأتي وزير الدفاع المصري ونائب وزير الدفاع السعودي ويتحدثان عن الامن الاقليمي القومي العربي! أليست هذه مهزلة؟! عن أي امن اقليمي يتحدثون وهم شركاء في الجريمة التي ترتكب ضد الشعب اليمني، وعن أي امن اقليمي يتحدثون وهم يعملون على التطبيع مع اسرائيل، دولة الاحتلال والاستيطان الكولونيالي، والتي تمارس سياسة الابرتهايد ضد الشعب الفلسطيني والرافضة لكل مبادرات السلام العادل مع الشعب الفلسطيني وفي المنطقة، وهنا اطرح في هذا المقال السؤال التالي: هل عدم التطرق الى الموضوع الطبقي وعدم التطرق لدور الرجعية العربية خاصة السعودية في المنطقة وايضا هنا في الداخل هو عن عدم معرفة ام مراضاه لهذه الانظمة، ام مراضاه للاطر السياسية العاملة هنا في الداخل والتي تتلقى الدعم المادي لمئات محترفي العمل "السياسي" وبمعرفة اسرائيل، ومنهم من قام ببناء القصور وبنشر مفاهيم دينية رجعية منها عودة "الامبراطورية العثمانية"!.



كتب انجلز في رسالة الى يوسف بلوخ بتاريخ 1890 يقول: "نحن نصنع تاريخنا بأنفسنا، ولكننا، اولا، نصنعه في ظل مقدمات وظروف محددة جدا، الاقتصادية منها هي الحاسمة في آخر المطاف، ولكن الظروف السياسية وغيرها وحتى التقاليد التي تعشش في رؤوس الناس، تلعب هي ايضا دورا معينا، وان لم يكن الدور الحاسم".

فمن اجل الخروج من العبودية الفكرية، من التقاليد التي تعشش في رؤوسنا مثل مفاهيم العائلية والطائفية والمصلحة الشخصية التي تتخبط فيها الطبقة العاملة وجماهير شعبنا المظلومة، علينا التسلح بالماركسية بهدف احداث القفزة النوعية، احداث الثورة الاجتماعية والانتقال الى مجتمع حرية الانسان والانسانية الى مملكة الحرية على الارض.

وفي النهاية عند الحديث عن بعض علماء الاجتماع مثل أفلاطون وابن خلدون، دون التطرق الى الفكر والفلسفة الماركسية التاريخية الجدلية التي تقول: "اذا كانت المادية بوجه عام تفسر الوعي بالوجود وليس العكس، فهي تتطلب عند تطبيقها على الحياة الاجتماعية للانسانية تفسير الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي" (لينين كارل ماركس ومذهبه ص 22)، هو طرح غير صحيح وغير علمي لأن مادية ماركس الجدلية هي اكبر انتصار احرزه الفكر الانساني فالفلسفة الماركسية هي فلسفة مادية متكاملة جدلية، اعطت الانسانية والطبقة العاملة خاصة ادوات جبارة للمعرفة، فهل يمكن ان نقبل بان يجري الحديث عن الجدل دون التطرق الى الفلسفة الماركسية.

لذلك علينا ان ندرك بان نضالنا كحاملي فكر ثوري تقدمي علماني جدلي انساني ماركسي لينيني (بدون تعريفات اخرى وبالاصح تشويهات اخرى)، نحمل هويتنا ورسالتنا الطبقية والقومية الانسانية وبالتعامل والاتحاد مع الاحزاب الدمقراطية والقوى الدمقراطية هنا وفي جميع الاقطار بهدف بناء مجتمع المستقبل ومن اجل ان نربح "عالما بأسره".