ماذا بعد رفض مشروع القانون التعديلي لمالية 2020؟ هل من خطة نضال لمنع تطبيقه؟ بقلم، أزنزار

المناضل-ة
2020 / 7 / 24

" عوض التدخل المناسب بنضال مُجْدِ ضد البرجوازية فلا تُرفع إلا احتجاجات لفظية ولا يُلَوَّحُ إلا بتهديدات غامضة في المستقبل مع ملازمة السلبية التامة في الحاضر". ["الحركة النقابية العالمية قبل وأثناء وبعد الحرب"، لوزوفسكي، ترجمة إبراهيم العثماني، الجزء الأول، الطبعة الأولى، صامد للنشر والتوزيع].
انفرد فريقا الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل برفض مساندة مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020 في جلسة مناقشته بمجلس المستشارين يوم 16 يوليوز 2020:
"ولا يسعنا في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلا أن نعبر لكم عن تذمرنا واستيائنا من مشروع قانون المالية التعديلي". [فريق كدش بمجلس المستشارين].
"لن يساند فريق الاتحاد المغربي للشغل مشروع قانون المالية التعديلي". [آمال العمري، رئيسة فريق الاتحاد المغربي للشغل بمجلس المستشارين].
وقبل ذلك عبر المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل في بلاغ 15 يوليوز 2020 "عن رفضه لمضامين القانون التعديلي للمالية الذي يعكس توجها نحو التقشف على حساب الطبقات المتوسطة والشغيلة".
إنه موقف أكثر تقدما من موقف بيروقراطية الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب الذي سبق للنائب الأول لأمينه العام محمد زويتن أن قال: "إن قانون المالية التعديلي لم يخرج بعد إلى حيز الوجود ولا يمكن للاتحاد رفض شيء غير رسمي لم يطلع عليه"، وكأن إجراءات أرباب العمل ودولتهم وتصريحات وزير المالية محمد بنشعبون وتركيبة لجنة اليقظة الاقتصادية وقراراتها ليست كافية لتبيان اتجاه قانون المالية التعديلي لتحميل الشغيلة كلفة الأزمة الاقتصادية والصحية.
إلا أن مداخلتي الفريقين لم ترقَ إلى مستوى تطلعات الشغيلة وطلائعها، لا من حيث لغة التعبير عن الرفض ["التعبير عن التذمر والاستياء"، "عدم المساندة"] أو من حيث المبررات التي استقاها الفريقين:
أ. خيبة الآمال
أشار المستشار الكونفدرالي إلى أن قانون المالية التعديلي: "مخيب للآمال ومكذب للعديد من الشعارات المرفوعة خلال هذه الجائحة"، وهو نفس ما عبرت عنه المستشارة عن الاتحاد المغربي للشغل: "كنا ننتظر أن ينبني هذا المشروع على بعض المرتكزات... لم يأخذ مشروع قانون المالية التعديلي بعين الاعتبار حاجيات القطاعات الاجتماعية الحيوية".
يؤكد التركيز على "خيبة الأمل" على أن ممثلي- ات الشغيلة بمجلس المستشارين كانوا يعقدون الآمال على دولة أرباب العمل واهمين- ات أنها ستنحو منحى يناقض مصلحة الرأسماليين، ناقلين- ات أوهامهم إلى صفوف الشغيلة كابحين- ات الاستعداد النضالي الكامن في صفوفها ودفعها إلى السلبية وانتظار استجابة دولة الرأسماليين للمطالب العمالية [الحفاظ على مناصب الشغل، استمرار دعم وإعانات صندوق كورونا...].
بـ. دروس كورونا
نبه المستشار الكونفدرالي إلى أن الحكومة لم تستخلص "الدروس ولا العبر من هذه الجائحة"، وهو نفس ما قالته المستشارة عن الاتحاد المغربي للشغل: "لقد كان حريا بالحكومة أن تستخلص الدروس من أزمة كوفيد- 19". فهل صحيح أن الحكومة لم تستخلص الدروس من الجائحة؟
إذا كان الجواب من منظور من يعتبر الدولة معبرا عن مصالح الأمة بكاملها وأن دورها هو "استحضار التوازنات الاجتماعية كأولوية لتقليص الفوارق الاجتماعية وتلبية حاجات المواطنات والمواطنين بكل فئاتهم وشرائحهم من خلال سياسات عمومية تروم بناء أسس الدولة الاجتماعية في إطار نموذج تنموي محوره الإنسان" كما ورد في مذكرة اقتراحات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في مشروع قانون المالية التعديلي، فإن الدولة لم تستخلص هذه الدروس.
لكن الواقع يسير عكس هذه التمنيات التوفيقية. فالدولة جهاز أرباب العمل، يتدخل لإدامة استغلال الشغيلة وقمعها إن تجرأت على النضال، والتدخل لإنقاذ الرأسماليين في لحظات الأزمة.
إن دروس الجائحة ذات مضمون طبقي، ولا يمكن أن تكون عبرا تأملية لنساك في معازلهم الجبلية. لقد استخلصت الدولة الدرس، لكن من وجهة المصالح الطبقية لأرباب العمل، وأفرغتها على شكل بنود في قانون المالية التعديلي: استعمال مكثف للمالية العمومية لإنقاذ المقاولات، تحفيزات ضريبية، تسهيلات ائتمانية، استمرار في خدمة الدين العمومي، تقليص رهيب للنفقات الاجتماعية.
لا يمكن للجائحة أن تقوم مقام النضال العمالي والشعبي، ولا يمكنها أن تجبر أرباب العمل ودولتهم على التنازل عما يفرضه هذا النضال. بالعكس، إن التداعيات الاقتصادية للجائحة تجعل أرباب العمل أكثر شراسة في هجماتهم على الشغيلة لتحميلها كلفة تجاوز الأزمة.
النضال فقط هو ما سيجبر دولة أرباب العمل على الاستجابة للمطالب العمالية، وليس انتظار "فيروس خاص يضرب العقل الحكومي ليعيده إلى رشده وصوابه"، كما قال المستشار الكونفدرالي. وكأن المشكل في "فقدان العقل الحكومي لرشده وصوابه" وليس في سياسات واختيارات طبقية متخذة بعقل بارد وبمطامح رأسمالية في منتهى العقلانية تسعى لتجنيب أرباب العمل كُلْفَةَ الأزمة وإلقائها على كاهل الشغيلة.
مرة أخرى، يساهم هذا الخطاب في تغليط الشغيلة وتشويه وعيها. فبدل النضال الطبقي الحازم، يجري ربط عقال النضالي العمالي بانتظار "حكومة أخرى يتمتع عقلها بالرشد والصواب"، وهو جوهر المطالب السياسية للأحزاب التي تهيمن على قيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: فيدرالية اليسار الديمقراطي.
استجداء "الحوار الاجتماعي"
يعزو ممثلو الشغيلة داخل مجلس المستشارين ما آلت إليه الأوضاع إلى غياب "حوار اجتماعي جدي": "بخصوص الحوار الاجتماعي أثبتت الحكومة افتقارها للشجاعة الأدبية والقدرة على اتخاذ القرار وفرض تنفيذ التزامات وتطبيق قانون الشغل" [الفريق الكونفدرالي]، "عدم اعتماد الحكومة لمنهجية الحوار القبلي والتوافق حول التوجهات الكبرى مع الفرقاء الاجتماعيين" [فريق الاتحاد المغربي للشغل].
وهو صدى لمطلب القيادات النقابية إشراكها في "لجنة اليقظة الاقتصادية" وإحداث "لجنة يقظة اجتماعية" دون نسيان المطلب التاريخي لهذه القيادات بخصوص "مأسسة الحوار الاجتماعي".
لقد برهن التاريخ على فعالية "الحوار الاجتماعي" في تقييد نضالية الشغيلة وكبح كفاحيتها، كما برهن منذ أول اتفاق اجتماعي [فاتح غشت 1996] على أن أرباب العمل ودولتهم لا يلتجئان إلى الحوار إلا في لحظات الأزمات الاقتصادية والسياسية لسد طريق النضال العمالي: اتفاق أبريل 2011 لعزل الحركة النقابية عن حراك 20 فبراير، اتفاق أبريل 2019 لوقف الدينامية النضالية التي حفزتها معركة شغيلة التعاقد المفروض... وما أن ينعدم الضغط النضالي حتى يتملص أرباب العمل ودولتهم من التزاماتهما [رفض زيادة %5 من الحد الأدنى للأجور يوليوز 2020]، وتعود القيادات النقابية إلى شجب التملص والمطالبة بتنفيذ الوعود.
تعتقد القيادات النقابية أن "مأسسة الحوار الاجتماعي" ستجعل تعهدات أرباب العمل ودولتهم ملزمة، بدل خضوعها لمزاجية "هذا المسؤول الحكومي أو ذاك" على حد تعبير الكاتب الوطني للنقابة الوطنية- كدش عبد الغني الراقي.
يتحكم ميزان القوى الاجتماعي والظرفية الاقتصادية في ما يضطر أرباب العمل للتنازل عنه. ففي مواجهة موجة نضال جبارة يفضل الرأسماليون التنازل عن بعض الفتات لضمان سلم اجتماعي، ويُضَمِّنُونَ ذاك الفتات في اتفاقات، معولين على تبدل السياق لاسترجاع ما تنازلوا عنه. أما في لحظات الأزمات الاقتصادية فإن أرباب العمل، ولرفع معدلات أرباحهم، يلجأون إلى نقطة قوة تنافسيتهم الرئيسية: الضغط على أجور الشغيلة وتكثيف استغلالها واسترجاع كل المكاسب السابقة، ما يجعل المنتوجات زهيدة الثمن والمنافسة ممكنة في الأسواق العالمية.
لذلك ليس هناك من مرسوم أو أي "صيغة للمأسسة" ستفرض "التزاما جديا بتعهدات الحوار الاجتماعي". فقط النضال وتجذيره وتوسيع قاعدته الجماهيرية هو ما يمنح إمكانات تفاوض من موقع قوة ينزع مكاسب جزئية، يجري الحفاظ عليها بدورها بمزيد من النضال.
يقوم "الحوار الاجتماعي" بنفس الوظيفة السياسية للأوهام المنتقَدة أعلاه: إيهام الشغيلة بأن أرباب العمل ودولتهم يمكن أن يتنازلوا عن المطالب العمالية دون الحاجة إلى نضال فعلي، ما يلقي الشغيلة في غياهب جب السلبية والانتظارية، ما يحافظ على "السلم الاجتماعي" الذي يعتبر أُسَّ الخط النقابي البيروقراطي، إلى حد أثار غيرة المستشار الكونفدرالي من "الدول الليبرالية المتوحشة التي ضمنت السلم الاجتماعي بضخ مبالغ مالية هائلة للحفاظ على مناصب الشغل"... وهو نفس منحى مداخلة مستشارة الاتحاد المغربي للشغل: "الحفاظ على مناصب الشغب خدمة للاستقرار الاجتماعي".
ويقصد بالاستقرار الاجتماعي هنا "إطفاء الاحتقان الاجتماعي" أي تفادي تأجيج النضالات العمالية لأنها تهدد "مناخ الاستثمار" وتدفع الرساميل إلى الهروب نحو دول أخرى. في حين أن المطلوب هو تأجيج النضال العمالي والشعبي لضمان تحقيق المطالب العمالية بغض النظر عن أثرها على أرباح المقاولات وصبيب الاستثمارات التي تتجه أساسا نحو القطاعات ذات الربح السريع الذي يجري نقله مباشرة نحو البلدان الأصلية.
ماذا بعد الرفض؟ هل من خطة نضال؟
"أنهى المكتب التنفيذي لكدش بلاغه بالصيغة المعهودة: "يدعو كل الأجهزة الكونفدرالية المحلية والقطاعية إلى الرفع من وتيرة التعبئة لخوض المعارك النضالية لمواجهة الهيمنة الشرسة على حقوق الشغيلة ودفاعا على القدرة الشرائية وضمان شروط الكرامة لكل الفئات المهمشة". [5 يوليوز 2020].
ولكي لا تتحول هذه الفقرة إلى صيغة نضالية لتفادي النضال، علينا في الفروع النقابية المحلية والجهوية "الرفع من وتيرة التعبئة" وخوضا فعليا للمعارك النضالية. ويتطلب هذا قطعا مع أوهام انتظار "استيعاب درس الجائحة" و"مأسسة الحوار الاجتماعي" من طرف دولة أرباب العمل. فما الفائدة من الوعد بـ"خوض المعارك النضالية" في مستقبل غير منظور؟ من الأفضل أن نقوم بها الآن.
إن الحوار الضروري هو بين أدوات نضال الشغيلة [نقابات وتنسيقيات]، وما يجب مأسسته هو التعاون النضالي ووحدة الصف الطبقي العمالي. وبدل مطالبة الدولة بإحداث "لجنة يقظة اجتماعية" لإشراك النقابات في القرارات الاجتماعية، على النقابات نفسها أن تؤسس هذه اللجنة، ليس لتنبيه الدولة إلى مغبة قراراتها وتوجيه المقترحات لها، بل لحفز اليقظة الطبقية لدى الشغيلة وشحذ استعدادها لخوض "المعارك النضالية لمواجهة الهيمنة الشرسة على حقوق الشغيلة".
لا يعقل أن تسعى القيادات النقابية للحوار مع أرباب العمل ودولتهم، في حين تُغلق كل قنوات التعاون النضالي بين النقابات، رغم الدعوات المتكررة للوحدة التي تلوح بها قيادة في وجه أخرى، ليس لبنائها ولكن لإقامة الحجة على انعدام شروطها.
يُسهم ميزان القوى الاجتماعي الحالي، والذي يفاقم الخطُّ النقابي للبيروقراطيات ميلَه لصالح أرباب العمل، في مواصلة هؤلاء الأخيرين ودولتهم تحميلَ الشغيلةِ فاتورةَ الأزمة الاقتصادية والصحية. وستتعمق الكارثة مستقبلا، خصوصا مع استشراء البطالة التي تحطم معنويات الشغيلة، إذا لم تقم القيادات النقابية [مركزية وجهوية ومحلية] بما يمثل علة وجودها: توحيد صفوف الشغيلة وبناء أواصر التعاون النضالي بين كل أدوات نضالها لمواجهة الهجمة الرأسمالية الحالية والمستقبلية.
تمثل دعوة الجبهة الاجتماعية لوقفة أمام البرلمان خطوة جبارة في سياق طوارئ صحية والتزام بـ"سلم اجتماعي" مطلق طيلة الجائحة، لكن مواجهة خطة أرباب العمل ودولتهم يستدعي أكثر من خطوة نضال رمزية أمام مؤسسات الاستبداد.
يستدعي الأمر إعداد الشروط لانطلاق نضال عمالي وشعبي على غرار حراكي الريف وجرادة ونضال شغيلة التعليم المفروض واحتجاجات طلبة الطب والتمريض والهندسة، بروح طبقية تقطع مع أوهام "توافق طبقي يؤدي إلى خيارات تستفيد منها كل طبقات المجتمع".
علينا النضال من أجل فرض حق رفض [فيتو] عمالي على إجراءات أرباب العمل (التسريح، خفض الأجور، إطالة ساعات العمل...)، ولن يتأتى ذلك إلا بوحدة الشغيلة في الوحدات الإنتاجية كيفما كانت انتماءاتها النقابية، ويستدعي هذا منظورا نقابيا قائما على التعاون النضالي بين نقابات الشغيلة، ويبدأ ذلك بالتركيز على ما يوحد الطبقة العاملة حتى تستطيع فوق هذا الميدان خوض نضال لا هوادة فيه ضد أرباب العمل ودولتهم.