المكاريد............كتاب للاستاذ محمد غازي الاخرس

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 7 / 24

ومرة اخرى أقف عند مجهود فكري عراقي جديد للكاتب والباحث الصديق الاستاذ محمد غازي الاخرس . ويتمثل هذا المجهود بكتابه الرائع الموسوم ( كتاب المكاريد )
. والمكاريد ، ومفردها (مكرود) ونحن في الموصل نصف الانسان المظلوم الذي يعيش في عمق القاع ، والدنيا حوله ليست معه وبأذياله يتعثر ، وحظه سيئ ، وليس له نصيب من الفرح نقول انه ( مكرود) .
وكان (المكرود ) موجودا في عراق ما قبل ثورة 14 تموز 1958 ..كان على التلميذ المكرود أن يجلب من المختار أقصد مختار المحلة شهادة فقر حال لكي يعطى الكتب الدراسية المقررة أو لكي يشمل بمعونة الشتاء .. يعطى بنطلونا او حذاءَ او بلوفرا (بلوز) .
والان ونحن في في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ، نجد ان المكاريد قد كثروا وازداد عددهم وصاروا بالملايين .. كثر المكاريد اقصد بعد 2003 كثر المكاريد وتفاقمت حالتهم فقرا وجهلا ومرضا .
وكتاب الاخ الاستاذ محمد غازي الاخرس يتناول قصص وحكايات المكاريد الذين يعيشون في اعماق سراديب ، وكهوف ، وانفاق المجتمع العراقي مع ان العراق غني بثرواته بنفطه ، بزراعته، بتجارته ، بارثه الحضاري ، بانسانه المبدع ، لكنه مبتلى بالحكام الذين نهبوه ، وأفقروه ، وتركوا أرضه يبابا ، ودمروا منظوماته التعليمية ، والصحية ، والاجتماعية ، والصناعية ، والفكرية ، والفنية .
اكتب هذا من عندياتي وقبل ان ادخل الى كتاب الاخ الاستاذ محمد غازي الاخرس هذا ( المفكر ) الذي ينبغي ان نحتفي به ونسمعه يحاضر بيننا وفي كل مكان من ارض العراق ولو كان الامر بيدي لاستضفته في جامعة الموصل ليحاضر بين الطلبة ولكن ما بيدي سلطة وانا رجل متقاعد احمل مرتبة علمية فوق البروفيسورية اسمها (استاذ متمرس ) .
ما علينا نعود الى (كتاب المكاريد ) ويبتدئ بقصة ليلى والذيب المشهورة ، والمكاريد قصتهم لاتختلف عن قصة ليلى والذيب حتى تاريخهم يزور .. هم في القاع دوما هم الوقود لكل جائحة .هم في الهامش وما كانوا يوما في المركز .. هم في الصرائف ، وهم في بيوت الطين ، وهم من يشرب المياه الملوثة ، وهم من يصابون بالسرطان وهم من الجنود المستعدين للاستشهاد ، وهم من المتظاهرين الذين تصيبهم رصاصة القناصين ، وهم من ينتظر الحصة التموينية ، وهم من يبيع الاعضاء من اجل ان يعيشوا ... هم هم في العهد العثماني ، وفي العهد البريطاني ، وفي العهد الملكي ، وفي العهد الجمهوري ، وفي العهد الامريكي ، وفي العهد مابعد الامريكي .
هم (اهل السدة) كما تحدث عنهم الروائي الاستاذ عبد الله صخي ...هم الذين جاؤوا ليساندوا الثورة ضد الاقطاعيين فوجدوا انفسهم في هوامش بغداد وخلف السدة مكاريد هم اليوم وامس وغدا هم المكاريد انفسهم .
هل للمكاريد قصة نعم انا سمعتها منذ سنة 1964 وانا طالب في كلية التربية بجامعة بغداد اتظاهر مع زملائي القوميين والناصريين والشيوعيين ضد المتسلطين وقد قمعونا واصابوا بالرصاص رصاص آمر الانضباط العسكري انذاك من اصابوا .
انا اقول مع الاخ الاستاذ محمد غازي الاخرس في كتابه (المكاريد ) القضية ليست في من هو مكرود ومن هو غير مكرود انها قضية شعب يحتاج كثيرا الى الثورة على نفسه الثورة على (العيب والحرام والممنوع ) على التابوهات في حياته لكي يتحررمن عقليته ، ومن افكاره لكي يعي من هو، ولماذا وكيف. لينظر الى وضعه ويسأل لماذا انا مكرود ؟ وعندها سيكتشف انه يعيش في الحياة الخطأ ...هو يقتلون حاكمهم فقط كما تقول اخي الاستاذ الاخرس لكي يتخلصوا من محظوراته ولكنهم يكتشفون ان من قتلوه تناسل مئات مثله في التحكم والطغيان ولسانهم لسان الاتراك عندما تخلصوا من استبداد السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 والذي حكمهم (33) سنة :
كان عبد الحميد في الامس فردا ***فغدى اليوم ألف عبد الحميد
متى يدرك المكرود انه مكرود ؟ ومتى يسأل المكرود نفسه لماذا هو مكرود ؟ ومتى يعرف المكرود ان لابد ان ينفي عن نفسه صفة ( المكرود ) ...؟
اقول (الوعي ) هو الحل و(التنوير) هو الحل و(الثقافة) هي الحل و(مواجهة محظورات الحاكم والحكام تكون بالثورة ، وكانت ثورة تشرين النواة ولكن القدر هو من وضع في طريقها العقبة للتوقف المؤقت .. واقول المكرود لابد ان ينتفض يوما وان طال الزمن ذلك هو حكم التاريخ ، وهذه سنة من سننه المعروفة .