مصر بعد يوليو 1952

رفعت عوض الله
2020 / 7 / 23

صارت مصر ولاية عثمانية بعد ان هزم السلطان الغازي سليم الاول السلطان المملوكي
قنصوه الغوري في موقعة مرج دابق بسوريا سنة 1517م ، وبعد ان دخل مصر فتصدي له اخر السلاطين المماليك طومانباي ، ولكنه انتصر عليه وقتله وعلق جثمانه علي باب زويلة .
حكم العثمانيون مصر وكل المنطقة بأسم الخلافة الاسلامية ، وفرضوا التخلف والتراجع الحضاري ، وكان كل ما يهمهم هو مقدار ما يصل من اموال لعاصمة الخلافة في استانبول "القسطنطينية سابقا".
انحطت وتدهورت وتردت الحياة المصرية في كافة مجالاتها ، واشتد بؤس الناس وشقاؤهم وفقرهم ، وبطش الوالي والحامية العسكرية العثمانية وايضا المماليك بهم .
ظلت الاحوال علي ذات المنوال الكئيب المظلم البائس إلي مجيئ الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت في سنة 1798 م والتي قهرت الحامية العسكرية العثمانية وايضا المماليك بزعامة مراد بك وابراهيم بك ، وفرضت وجودها في عموم البلاد المصرية .
هذه الحملة التي ينظر إليها المؤرخون المصريون والعرب من منظور قومي وديني ضيق لم تكن استعمارا ولكنها كانت جسرا بين اوروبا المتطورة المتقدمة ، ومصر المتخلفة المظلمة والتي كانت تعيش في الماضي في العصور الوسطي .
اتي نابليون ومعه المطبعة وعدد كبير من العلماء والفنانين والاثاريين الذين درسوا وسجلوا كل الوان الحياة المصرية في طول البلاد وعرضها ، فخرجوا بالكتاب الخالد "وصف مصر " .
اسسوا المجمع العلمي ، ونشروا الوعي الصحي وضرورة النظافة ، وتعريض الحارات التي كانت مسقوفة لنور وحرارة الشمس فتطهرها من الميكروبات والجراثيم .
رحل الفرنسيون بعد ثلاث سنوات فقط في سنة 1801 ، ولكنهم تركوا مصر اخري بها وعي وشيئ من الاستنارة ، وتبلور الوعي الجديد في اختيار "محمد علي" الذي كان ضابطا في الحامية العثمانية العسكرية . اجمع عليه شيوخ الازهر والنقباء وهم من كان ينوب عن الشعب المصري ويتحدث نيابة عنه . قبل الرجل التكليف ، ولاول مرة منذ علي بك الكبير ومحمد بك ابو الدهب يتحدي المصريون السلطان العثماني ويخلعوا الوالي التركي المعين من قبل السلطان .
اشترط العلماء ومعهم نقيب الاشراف السيد "عمر مكرم" علي "محمدعلي" ، ان يحكم بالعدل وبشروط العلماء والنقباء ، وإلا لعزلوه . وافق الداهية محمد علي ، وتم تنصيبه واليا علي المحروسة في سنة 1805.
رأي محمد علي بعيد النظر ان العقبة الكؤود امامه وهو السياسي الطموح الحالم ببناء دولة قوية يحكمها ونسله بعده ، رأي ان المماليك هم تلك العقبة ، فتخلص منهم في ما يسمي بمذبحة القلعة في سنة 1811 ، وتخلص من المعارض "عمر مكرم" بنفيه لدمياط وتحكم في علماء وشيوخ الازهر .
اراد محمد علي بناء جيش عصري حديث بمقاييس ذلك الزمن ، فجند المصريين ، واستعان بقاده فرنسيين "سليمان باشا الفرنساوي "لتأسيس ذلك الجيش . وتوسع في إنشاء المدارس ومنها مدرسة الطب والمصانع
واقام نهضة زراعية شاملة من نتائجها إنشاء القناطر الخيرية ، وشق العديد من الترع والمصارف .
علي ان العمل المهم هو إرسال البعثات التعليمية لاوروبا فيها المبتعثون المصريون درسوا وتعلموا واستوعبوا الشيئ الكثير من جوانب الحضارة الحديثة وعادوا ووظفوا تعليمهم في ترقية مجمل الاحوال المصرية .
بعد نجاح محمد علي من خلال ابنه القائد ابراهيم في إخماد الحركة الوهابية في شبه جزيرة العرب بطلب من السلطان العثماني ، وثق اكثر فأكثر في قدراته العسكرية ، فما كان منه إلا ان سير الجيوش المصرية بقيادة ابراهيم بن محمد علي لسوريا والتي حققت انتصارات باهرة وامامها تقهقرت الجيوش العثمانية حتي قارب علي دخول تركيا بعد نصره الحاسم علي العثمانين في موقعة نصيبين .
هنا التفتت اوروبا لخطورة "محمد علي" علي مشروعها الاستعماري ، فقد كانت تعد العدة فرنسا وبريطانيا وايطاليا والمانيا لترث املاك السلطان العثماني "رجل اوروبا المريض ".
ولكن هذا الطموح الاستعماري اصطدم بطموح وقوة محمد علي ، فعقدوا مؤتمر لندن في سنة 1840 لكبح جماح محمدعلي وتقليم اظافره بحجة المحافظة علي املاك السلطان العثماني الصديق .
أزاء وقوف اوروبا وعلي رأسها فرنسا وانجلترا في وجه محمد علي ومشروعه الامبراطوري ، تخلي محمد علي عن ما حازه بالقوة العسكرية في الشام وحتي حدود تركيا .
والتزم بالوجود داخل الحدود المصرية ، ومع بقاء مصر تابعة لدولة الخلافة العثمانية ، وبقاء مصر محكومة من قبله وقبل ذريته من بعده ، مع تخفيض عدد الجيش المصري ، وإرسال الجزية السنوية للباب العالي في الاستانة .
مات محمد علي في سنة 1848 وتوالي افراد من اسرته علي كرسي الحكم في القاهرة .
بعد وفاة محمد سعيد بن محمد علي تولي الحكم اسماعيل بن ابراهيم بن محمد علي وكان حاكما طموحا مولعا بالتحديث وهو الذي انشأ ما يسمي بالقاهرة الخديوية ، والبريد واعاد الاهتمام بالتعليم فانشأ العديد من المدارس وحفر ترعا ومصارف كثير ة . بالجملة حدثت في عهده نهضة شاملة ، وفي عهده تم حفر قناة السويس وافتتاحها في حفل اسطوري دعا اليه ملوك واباطرة اوروبا ، ومن اجلهم بني فندق مينا هاوس وعبد طريق الاهرام وانشا دار الاوبرا الخديوية بالقاهرة .
لهث الخديوي اسماعيل وراء التحديث والتجديد ومظاهر الفخامة والعظمة جعلته يقع في فخ الديون والقروض التي تراكمت وسمحت بالتدخل الاجنبي في شؤون مصر الداخلية ، ومراقبة الحكومة ومتابعة اوجه الانفاق .
اصطدم الخديوي اسماعيل بالنفوذ الاجنبي المتزايد فاوعزوا للسلطان بعزله ، وهو ما تم في سنة 1879 ، وتنصيب ابنه توفيق بديلا عنه .
توفيق كان شخصية ضعيفة فاحتمي بالنفوذ البريطاني والفرنسي ، ولما خرج عرابي ثائرا وعارضا مطالب المصريين رفض الخديوي بأستعلاء المطالب .
وثارت الامور سيرا بين الهبوط والصعود إلي ان تمكن الانجليز من هزيمة عرابي في موقعة التل الكبير بالشرقية سنة 1882، واصبح لانجلترا جيش يقيم ويبسط النفوذ في مصر .
انصرم القرن ال19 وبدأ القرن العشرون ، فظهر الزعيم الشاب مصطفي كامل الرافض لوجود الانجليز بالديار المصرية ، والمندد بهذا الوجود ، ناظرا للامور من زاوية دينية فطالب باالبقاء في الجامعة الاسلامية اي تحت المظلة العثمانية .
غير ان خُطب مصطفي كامل البليغة الحماسية التي تنم عن عاطفة وطنية صادقة الهبت حماس المصريين ، واشعلت جذوة الوطنية المصرية .
بعد وفاة مصطفي كامل ظهر المفكر العلماني احمد لطفي السيد الذي اسس حزب الامة وجريدة الجريدة والتي فيها كتب عن ان مصر للمصريين اي انها ليست للاتراك وايضا ليست للاوروبين . هذه الدعوة عمقت الوعي المصري وحولها التف شباب مثقف عمدوا لنشرها والترويج لها .
بعد بداية الحرب العالمية الاولي سنة 1914 والتي انتهت في سنة 1918 فرضت انجلترا من خلال جيشها الموجود بمصر الحماية علي مصر ، لتسخر موارد مصر فضلا عن الفلاحين المصريين لمعاونتها في الحرب ، مع وعد برفع الحماية والانتداب بعد الحرب .
انتهت الحرب في سنة 1918 فتشكل وفد مصري برئاسة سعد زغلول وطلب الاذن له للسفر لباريس لعرض مطالب مصر في رفع الحماية علي مؤتمر الصلح المنعقد هناك .
رفضت السلطات البريطانية التصريح لسعد زغلول وصحبه بالسفر ، وبدلا عن ذلك ارتكبت تلك السلطات حماقة بنفي سعد وصحبه .
علي اثر تواتر الاخبار عن نفي سعد عمت البلاد مظاهرات عارمة اشترك فيها كل المصريين وايضا بعض من المصريات لأول مرة ، تلاميذ المدارس وطلاب المدارس العليا ، الموظفون ، العمال ، الفلاحون .
اضطرت السلطات الانجليزية تحت وطأة شدة المظاهرات واستمرارها للافراج عن سعد زغلول وصحبه ، والذي قابله المصريون بجفاوة بالغة واعداد غفيرة حين وصوله لميناء الاسكندرية .
ارسلت اتجلترا السياسي ملنر للتفاوض حول استقلال مصر . تعددت اجتماعات لجان التفاوض بين القاهرة ولندن ، واخير اصدرت انجلترا تصريح 28 فبراير سنة 1922 والذي ينص علي استقلال مصر، غير ان هذا الاستقلال كان استقلالا منقوصا ،لانه محكوم بشروط اربعة ، ولكنه علي اية حال استقلال ، وعلي اثر هذا التصريح تحولت مصر الى مملكة ، واعد القانونيون دستورا علي غرار الدساتير الاوروبية الحديثة،
فيه الملك لايحكم مباشرة ، ولكنه يحكم من خلال مجلس وزراء منتخب ، وهناك مجلس للنواب مسؤول عن التشريع ومحاسبة ومراقبة الحكومة ينتخب من قبل الناخبين المصريين .
لاول مرة في التاريخ الحديث تصير مصر مملكة دستورية وبها سلطة تنفيذية: مجلس االزوراء ، وسلطة تشريعية: مجلس النواب ، وسلطة قضائية ، وهناك وفقا للانظمة الحديثة فصل وعدم اختلاط بين السلطات الثلاث .
رفع المصريون في فاعليات ثورة 19 19 الشعار العلماني الخالد " الدين لله والوطن للجميع" .
بهذا الشعار انفتح باب المواطنة امام المصريين ، ولم يعد الدين لاول مرة في التاريخ هو اساس الانتماء والولاء ولكن المواطنة ، فكلنا مواطنون بغض النظر عن الدين ، وهذا يعني الخروج من مظلة الجامعة الاسلامية التي رفعتها دولة الخلافة العثمانية .
بما اننا اصبحنا مواطنين مصريين اصبح الطريق ممهدا امام كل المصريين للمشاركة في المجال العام . فشارك المصريون المسيحيون وشارك المصريون اليهود في الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، وظهرت اسماء لامعة من غير المصريين المسلمين في كافة المجالات .
يممت الدولة المصرية الوليدة شطر اوروبا والحضارة الحديثة واستوعبت قيم الحداثة من علمانية وليبرالية وديمقراطية ، وسارت سيرا بطيئا في ركب الحضارة والتطور .
نعم كان هناك الانجليز المتعالين المتحكمين ، وكان هناك القصر الذي كان يريد ان يكون ملكا يحكم حكما مطلقا كما كان الحال قبل ثورة 1919 ودستور 1923 ، وكان كثيرا ما يضيق بالوزارات فيامر بحلها ، لان الدستور كان يعطيه للاسف هذا الحق ، فكانت الوزارات سريعة المجيئ وسريعة الذهاب ، وحزب الاغلبية الحافظ للهوية المصرية ، والامين علي تقاليد وشعار ثورة المصريين الخالدة في1919 لم يستطع بسبب تدخلات القصر ان يحكم سوي حوالي 7سنوات متقطعة منذ سنة 1924 وحتي سنة 1952
علي ان كل هذا التقدم والنهوض لم يشمل معظم المصريين خصوصا الفلاحين منتجي الخبز والطعام ، فقد عاشوا في فقر وجهل ومرض وعصف بهم ملاك الاراضي ذوي الاصول التركية والمملوكية ،وان استطاع بعض من ابنائهم ان يتعلموا ويغيروا من ثم وضعيتهم الاجتماعية .
كان التيار الاصولي الاسلامي موجودا وبقوة منذ الجامعة الاسلامية ، وجهود الشيخ محمد عبده لتحديث الاسلام ، والتي انحرف بها تلميذه رشيد رضا ، لتكون نواة لجماعة الاخوان المسلمين التي اسسها المدرس الشاب حسن البنا ، والتي سرعان ما نمت ونضجت وتطورت صار لها اعضاء واتباع كثر خصوصا من الفئات المحافظة في الريف والاقاليم والتي تقدم الدين علي الوطن .
ولكن كبح جماحها ، وحد من سطوتها وانتشارها علمانية حزب الوفد وايمان المتعلمين المصريين بالحضارة الحديثة وقيمها الحاكمة .
تخرج جمال عبد الناصر وزملاؤه في الكلية الحربية سنة 1937 ، وصاروا ضباطا بالجيش المصري . اولئك الضباط كان بعضهم من الطبقات الفقيرة استطاع اباؤهم توفير واسطة لهم ليلتحقوا بالكلية الحربية ، كانوا ناقمين علي ما يرونه من فساد الملك ، ووجود الانجليز المذل المهين ، ويرون ان الاحزاب تلهث وراء تولي الحكم فتمالئ الانجليز والملك ، وان غالبية المصريين يعيشون الفقر والمرض والجهل ، وكان الكثيرون منهم علي صلة بتنظيم الاخوان ومتشربون لعقيدته الاصولية .
وجاءت حرب 1948 بين الجيوش العربية والكيان اليهودي الوليد ، والتي انتهت بهزيمة الجيوش العربية ، وتمكين اسرائيل من اقامة دولة اليهود علي ارض فلسطين العربية .
هذه الحرب عمقت الام الضباط الشبان ، واقنعتهم بوجوب تغيير نظام الحكم الفاسد في مصر ، فألف جمال عبد الناصر ذو الشخصية الكاريزماتية ما يسمي بتنظيم الضباط الاحرار. واتصلوا بجماعة الاخوان وخططوا للانقلاب علي الملك . نجحوا في هذا في 23 يوليو 1952، واجبروا الملك علي التنازل عن العرش ، ثم حولوا المملكة الي جمهورية ، وحلوا الاحزاب السياسية ، وفتحوا الطريق امام عبد الناصر ليصبح الزعيم والحاكم المستبد ، وكل من حوله يأتمر بامره .
في البداية تحالفوا مع الاخوان ولكن جماعة الاخوان نصبت من نفسها وصية علي الحكام الجدد ، وادرك عبد الناصر ما يجول بفكر الاخوان فاصطدم بهم ، وحاولوا أغتياله في ميدان المنشية بالاسكندرية ولكنه نجا فنكل بهم اشد تنكيل من اعدام واعتقال وتعذيب بشع في السجون .
مصر قبل يوليو 52 كانت تسير سيرا بطيئا في ركاب الحضارة الحديثة ، وكانت قيم الحداثة تتشربها التربة المصرية ، وكان هناك تداول للسلطة واحزاب بعضها اصيل وله ظهير شعبي كبير مثل الوفد ، وبعضها مجرد صنيعة للقصر او الانجليز .
كان مفهوم المواطنة ظاهر للعيان فلمعت شخصيات من غير المسلمين في كافة المجالات .
وكما اسلفت القول وجود التيار الحداثي الحضاري الي جانب حزب الوفد وضع حدودا لقوة وتمدد جماعة الاخوان .
بعد يوليو 52 ظهر واقع جديد ، اولئك الضباط لم يكن لديهم ايمان بالحضارة الغربية ،الغرب بنظرهم مجرد استعمار بغيض ، وبرأيهم ان الديمقراطية امر زائف ، ونحن نحتاج لحكم الفرد القوي .
تصورات عبد الناصر واحلامه قادته لتطبيق الاشتراكية ، ففيها العدالة والمساواة ، وقادته وهذا هو الاخطر الي ما دعاه القومية العربية وليست القومية المصرية التي نادي بها الاباء المؤسسون لمصر قبل 52 ، ويترتب علي القومية العربية الوحدة العربية القائمة علي وحدة اللغة والدين والتاريخ ، وهنا تبدو اسلامية عبد الناصر وتأثره بفكر جماعة الاخوان القائم علي وحدة الدين " الاسلام ".
ولما سقط المشروع الناصري عقب هزيمة يونيو 1967 بدأ يظهر البديل وهو المشروع الاسلامي ، ففي الدين واللوذ به العزاء والتعويض والنهج الصحيح .
مات عبد الناصر في سبتمبر 1970 وجاء حلفا له انور السادات ، الذي لم يكن مقتنعا وراضيا بنهج عبد الناصر ولكنه كان شخصية خبيثة فلم يعلن بوضوح موقفه مستفيدا من مصير كل الذين اختلفوا مع عبدالناصر والذي كان اما ابعاد " خالد محيي الدين " او نفي " يوسف صديق " . لذا ظل السادات الي جوار عبدالناصر حتي صار النائب الاول ، فلما مات الاخير اعتلي عرش الدولة المصرية ، ولما كان مؤيدو عبد الناصر من اليساريين والاشتراكيين والناصريين هم من يحتلون الساحة في الاعلام والجامعات والمراكز الثقافية ، عمد السادات لزحزحتهم من مواقعهم فكان هذا بإخراج الاصوليين المسلمين " الاخوان " من السجون والمعتقلا ت تاركا لهم المساجد والمدارس والجامعات والنقابات المهنية والاعلام ليعيدوا صياغة توجهات عامة المصريين .
بعد حرب اكتوبر 1973 زادت اسعار النفط زيادة كبيرة ، فتراكم المال في دول الخليج المنتجة للبترول وعلي رأسها السعودية . ولأن سكان الخليج يريدون ان يكونوا سادة لحسابهم يعمل المهنيون والعمال والحرفيون والخدم ، ولانهم لم تكن لديهم خبرات حضارية في التعليم والطب والهندسة فقد استقدموا اعدادا كبيرة من المهنيين والعمال المصريين ليعملوا لديهم .
غالبية من سافر للعمل هناك كانوا من الطبقات الفقيرة ، وانتابهم الانبهار بالغني والوفرة المادية في الخليج . ولما كانت الاصولية الدينية متمثلة في الوهابية هي السائدة هناك والمتحكمة ، وتفرض مفاهيمها عن الحلال والحرام ، ولها رخصة استخدام العنف مع من تراهم غير ملتزمين دينيا ، كل هذه الامور ادخلت في روع المصريين العاملين بالسعودية ان هناك ارتباط عضوي بين ما ينعمون به من وفرة وثروة وبين وهابيتهم وتدينهم .
فلما عادوا الى مصر حرصوا علي نشر الاسلام الوهابي في محيط الاهل والاصدقاء ودوائر العمل .
بأختصار السادات والعاملون المصريون بالخليج اعادوا صياغة الروح والعقل المصري فاصبح المصريون المسلمون والدولة المصرية مسلمين علي المذهب السلفي الوهابي .
الاسلاميون الذين اخرجهم السادات من المعتقلات اغتالوه بدم بارد وهويحتفل بالنصر في 6اكتوبر 1981، وجاء خلفا له مبارك الخارج من المؤسسة العسكرية كسلفيه، مبارك وعي درس قتل السادات فعقد اتفاقا ضمنيا مع الاصوليين ، تاركا لهم المجال العام ، فزادت وتعمقت الاصولية الدينية ، وفي نفس الوقت زاد الفساد والقمع ومصادرة الحريات والفقر والمرض والجهل .
بعد 30 سنة من الحكم تملل المصريون وخرجوا في يوم عيد الشرطة في 25 يناير سنة 2011 في ثورة عارمة مطالبة بالخبز والكرامة والعدالة والحرية . بعد 18 يوما من المظاهرات العارمة الساخنة اجبر قادة الجيش مبارك علي ترك الحكم .
من القانوني ان يتولي الحكم بعد تنحي او عزل الرئيس اما رئيس مجلس النواب او رئيس المحكمة الدستورية العليا ، ولكن بذكاء وتخطيط تولي الحكم ما يسمي بالمجلس العسكري ، الذي استطاع خداع جماعة الاخوان المسلمين الحالمة والطامعة في الحكم ، فجرت انتخابات رئاسية بين ممثل الاخوان محمد مرسي ومنافسه المدني احمد شفيق ، وبما يشبه المؤامرة تم اعلان فوز محمد مرسي لياتي رئيس اخواني مفتقر للكياسة والتعقل والعقلية السياسية فيسارع هو وجماعته في اخونة كل مرافق البلاد ، فيستفز المصريين والمصريات ، فتخرج جموع الشعب المصري بغرض اسقاط حكم الاخوان ، فيعلن قادة الجيش تضمانهم مع مطالب الشعب المصري ، فيجري عزل الرئيس محمد مرسي واعتقاله ، ويدعو وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي لما اسماه خارطة الطريق ، وكان اللافت للانتباه دعوة السلفيين مع بطريرك الكنيسة القبطية مع شيخ الازهر لحضور اجتماعات خارطة الطريق . في تقديري ان دلالة هذا الامر ان العلاقة وثيقة بين العسكريين والاصولية الدينية .
بعد ذلك ياتون برئيس المحكمة الدستورية " المستشار عدلي منصور" رئيسا مؤقتا ثم تجري انتخابات شكلية طرف فيها وزير الدفاع الذي استقال وحصد تقريبا كل الاصوات . للمرة الخامسة بعد انقلاب يوليو 52 ياتي رئيس من صفوف الجيش ، محمد نجيب ، جمال عبد الناصر ، انور السادات ، حسني مبارك ،عبد الفتاح السيسي .
هذا نظام وعقيدة نظام يوليو 52 المنكر للحريات وللديمقراطية وحقوق الانسان والرافض لمسار الحضارة الانسانية .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير