حصاد الربيع (لمحة من ماضٍ لا يزال يطبع الحاضر)

حسين محمود التلاوي
2020 / 7 / 23

(رواية قصيرة)
— 1 —
عندما أخرج "علي" رأسه من أسفل الغطاء الثقيل في الصباح الباكر، أدرك أن اليوم سيكون شديد البرودة. ولما ألقى ببصره عبر خصاص النافذة، أنبأه لون السماء الرمادي الحديدي بصحة توقعاته؛ فسحب نفسه في تكاسل شديد خارج الغطاء، وأسرع بوضع قدميه في الخف المجاور للفراش.
شعر برجفة بسيطة تبدأ من أصابع قدميه حتى قمة رأسه بسبب برودة الخف. شعر بالسخط لثوانٍ، قبل أن يقول في نفسه من بين نعاسه وارتعاده: "يعني كنت متوقع إن الشبشب يكون طالع من الفرن!"، ثم تثاءب متمطيا أو تمطى متثائبا وهرش شعره في حركات همجية، قبل أن يتجه نحو المطبخ ليبدأ طقوسه الصباحية المعهودة.
يملأ الغلاية بالماء، ويتركها تغلي فوق الموقد، ثم يتجه إلى دورة المياه ليغتسل، ويخرج ليرتدي منظاره الطبي — الذي يحرص على وضعه في مكان بعيد عن متناول يده وهو نائم خشية أن يطيح به في حركة خرقاء من حركات النوم المضطربة — ليجد أن الماء قد غلى بالفعل؛ فيعد قدح الشاي ويصبه، مستمتعا بالدفء المنبعث من الغلاية والشاي الساخن.
لحظات من الاسترخاء تمر وهو يمسك بالكوب بين يديه، قبل أن يضعه على مضض فوق المائدة المستديرة، التي تتوسط صالة خالية من الأثاث إلا مقعدين حول المائدة، ويتجه نحو حجرة نومه ليرتدي الثياب مستعدا ليوم جديد.
البرودة "الحارقة" تجتاح جسده مع ملمس الثياب البارد! رباه..! هل يجب عليه أن ينام بثياب الخروج حتى يستيقظ ليجدها دافئة؟!! بدا له الاقتراح سخيفا لأن هذا معناه أن يخرج والدفء يلف كيانه إلى هذا الكون الذي تغطيه البرودة في كل الأصقاع.
هنا خطرت بباله فكرة... ما هذه الأفكار كلها التي يفكر فيها في آن واحد؟! شعر بأنه يعيش وسط "ضجيج ذهني" إن جاز التعبير..! كل هذه الأفكار تتصارع في ذهنه، وكل هذه الرؤى تحتشد أمام عينيه...!!؟! حاول أن يتوقف قليلا عن التفكير ولكنه لم يستطع طيلة رحلته من ارتداء الثياب، وحتى خروجه من المنزل. حتى لحظات ارتشاف كوب الشاي أمام التلفاز مستمعا لنشرة الأخبار لم تمر دون أفكار؛ مما أفقد الشاي مذاقه، وإن لم يفقده دفئه.
ولما خرج من باب شقته، شعر بأن ملمس الخف والثياب البارد كان مزاحا بسيطا مقارنة بالريح العاصفة التي عوت في وجهه، عندما فتح باب شقته، وهو لا يزال يقف على السلم دون أن يغادر المنزل نفسه.
ولما نزل إلى الشارع، شعر وكأنه في لعبة متدرجة المستويات!! بدأ الأمر بلسعة الخف ثم تطور إلى ملمس الثياب، قبل أن ينتقل إلى الهواء البارد أمام عتبة الشقة، إلى أن وصل إلى الشارع. هنا فكر — عند هذه النقطة اكتشف أنه لا يزال يواصل التفكير — في أن الأمر قد يتطور عندما يخرج إلى الشارع الرئيسي.
وقد كان...!!
درجة حرارة شديدة الانخفاض... رياح شديدة تهب من هنا وهناك... أمطار خفيفة، كانت قد حجبتها الشرفات المتقاربة في الشارع الذي يسكن فيه، تسقط من سحب رمادية اللون أحالت السماء إلى لون ذكره بلون الحديد البارد.
يا له من يوم...!
ولكنه وسط الأمطار والبرد وثقل الملابس — وثقل أفكاره كذلك — والرياح، وصل إلى العمل.
وعندما وصل، تلاشت كل أفكاره، وبدأت فكرة واحدة تسيطر على ذهنه كله... موضوع لتحديث "قسم الخارجي" في الموقع...
كان يعمل في أحد المواقع الإخبارية، وكان الموقع يعتمد عليه بشكل شبه كامل في تحديث قسم الأخبار الخارجية أو "قسم الخارجي" كما كان يعرف اختصارًا في الموقع. فتح حاسبه الآلي وكذلك التلفاز المخصص له لمتابعة الأخبار وضبطه على قناة الجزيرة، ثم خرج من الحجرة ليعد كوبا من الشاي؛ فقد كان البرد قد أصاب الدماء في عروقه بالتجمد، وكذلك ليقضي على ملل انتظار تحميل الحاسب الآلي ومشاهدة الفاصل الذي يسبق نشرة الثامنة بتوقيت القاهرة.
ولما انتهى من إعداد الشاي، عاد إلى حجرته ليجد أن كل الأمور قد صارت مؤهلة لكي يبدأ العمل.
أتم الحاسب التحميل، وبدأت النشرة، وسط هدوء شامل؛ فلم يكن حضر أحد سوى "سيد" موظف الخدمات الرئيسي في المكان، والذي لم يكن يفقه أي شيء سوى أن مديره الإداري الأستاذ "عبد المنعم رجب" يتربص به ويريد أن يفصله من عمله. والحق أن الأستاذ "عبد المنعم" كان يرغب حقا في ذلك، والسبب في تلك الرغبة هو أن "سيد" كان يستحق الطرد فعلا...!
مهام العمل اليومية...
تحديث شريط الأخبار، وتحميله في مكانه على الموقع...
إعداد خبر سريع لتغيير صورة الموقع الرئيسية....
إعداد خبر مفصل عن الوضع في فلسطين...
خبر آخر مفصل عن الأزمة العراقية وتداعياتها التي لا تنتهي، ولا تتوقف عند حد معين...
خبر ربما عن الصومال أو السودان...
كانت هذه المهام تنتهي عند التاسعة بشكل أو بآخر..
وبعد ذلك... متابعة الأخبار العاجلة، وإعداد تقرير لتحديث القسم الخارجي.
كان الحدث الأبرز على الساحة في هذه الفترة هو الصدام المتوقع بين السودان وبين المحكمة الجنائية الدولية بسبب مساعي المحكمة — هي مساعٍ أمريكية في الواقع — لمحاكمة الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور غربي السودان.
حاول أن يجد مدخلا جديدا للموضوع، الذي لا ريب أن مواقع الإنترنت والصحف قد قتلته بحثا. ولما فشل في العثور على مدخل، راح يلهو على الإنترنت بحثا في المواقع عن أية إشارة على جديد في الأمر.
كان هذا أسلوبه في العمل؛ يضع وقتا زمنيا مقداره ساعتين مثلا لإعداد الموضوع، ويلهو لمدة ساعة وربع مثلا؛ بحيث ينقي ذهنه تماما، ثم ينطلق في إعداد الموضوع في ساعة إلا الربع!
كانت هذه الإستراتيجية تريحه ولكنها كانت مربكة للغاية لمسئولي التحرير؛ لأنهم لم يكونوا يفهمون كيف أنه قبل ربع ساعة لم يكن كتب أي شيء من الموضوع، وبعد نصف ساعة يقول إنه قارب على الانتهاء منه!!
وكان عليه بعد أن يكتب الموضوع أن يرسله بالبريد الإلكتروني لمدير التحرير، الذي يعمل في مؤسسة أخرى ليجري عليه تعديلات إن تطلب الأمر، ثم يعود إلى "علي"، ليرسله مرة أخرى إلى مسئولي التحميل الفني على الموقع؛ إذ كان لـ"علي" مطلق الحرية في تحميل شريط الأخبار والأخبار نفسها، ولكن الموضوع الرئيسي لم يكن له الحرية الكاملة فيه.
تفاصيل...
تفاصيل...
تفاصيل...
استغرق إتقانه لهذه الدورة وكل هذه التفاصيل شهرا كاملا كان يرسل فيه مثلا الأخبار لمدير التحرير، أو يرسل الموضوع الرئيسي نفسه إلى مسئولي التحميل الفني دون مرور على مدير التحرير....!
الثانية عشرة.... موعد صلاة الظهر والفطور...
لم يكن يحب تناول الإفطار في الصباح، وكان يفضل تناول الطعام مرتين في اليوم؛ مرة مع أدائه صلاة الظهر والثانية مع المغرب.
انتهى العمل الأساسي، وتناول الفطور الذي أحضره له "سيد"...
فعلا.... الأستاذ "عبد المنعم رجب" محق تماما في مسعاه لطرد "سيد"....!
كان المفترض أنه يتناول فطورا مكونا من الفول والطعمية والجبن... لكن "الأشياء" التي كانت أمامه لم تكن تشبه تلك المسميات، إلا أنه تناولها مضطرا...
محق أنت يا أستاذ "عبد المنعم"....!
انتهى الفطور، وانتهت المهام الأساسية.
سوف يمكث، حتى الرابعة عصرا، دون أية تكليفات...
ماذا يفعل؟؟!
ينتظر أي خبر عاجل ليقوم بتغطيته، أو يبحث في الإنترنت عن أية أخبار مهمة، أو يتقافز بين المواقع محاولا الحصول على معلومة من هنا أو هناك مع بعض اللهو.
قرر أن يبدأ باللهو، مع إمكانية البحث من حين إلى آخر عن خبر مهم، منتظرا في كل الأحوال الأخبار العاجلة.
راح يبحث في المواقع الأدبية والثقافية، وأخذ يقرأ ويقرأ ويقرأ حتى سمع أذان العصر.
فقام للصلاة..
صلى في حجرته منفردا، ولم يهتم حتى بالخروج منها لمعرفة ما إذا كان أحد قد جاء من الموظفين أم لا. كان في غالب الأيام يمكث وحيدا في العمل، ليس معه سوى "سيد"، وكان أحيانا يأتي مسئول الدعم الفني لفحص الحاسبات الآلية التي تنتظر من يعمل عليها...!
ثم دقت الرابعة...
لقد انتهى اليوم....!
******


— 2 —
لا يزال الإرهاب يغرس أنيابه في الجسد الجزائري....
حقا ارتاحت الجزائر من الهم الإرهابي بشكل كبير عما كان في السنوات العشرة التي تفجر فيها في بداية التسعينات — وهي الفترة التي يطلقون عليها العشرة الدموية — إلا أنها لا تزال تعاني....
لا يزال هناك ناب أو اثنين في الجسم الجزائري...
فلا مانع من انفجار هنا واشتباك هناك....
لا يزال الإرهاب في الجزائر نشطا... سواء كان عن عدم قدرة أو عدم رغبة في تصفيته، لكن المحصلة النهائية أنه لا يزال موجودا...
لكن مدينة وهران ظلت بمنأى بشكل ما عن الهجمات الإرهابية...
مدينة وهران أو الباهية كما يطلق عليها أهلها... تلك المدينة الساحلية الواقعة غرب الجزائر التي تمثل العاصمة الاقتصادية للبلاد وثاني أكبر المدن بعد الجزائر العاصمة....
كانت هناك مؤامرة في عام 2008 لتفجير فندق شيراتون فيها، إلا أن الأجهزة الأمنية أحبطتها...
عدا ذلك... وهران هادئة... ولكن... مَن بمأمن من ضربات الإرهاب؟؟!
وإلى الشرق من وهران تقع ضاحية بئر الجير بكل تاريخها الزراعي القديم والمديني الحديث.... ضاحية هادئة هي بئر الجير، بها العديد من المنشآت العامة مثل قصر العدالة ومقر شركة سوناطراك النفطية...
وكذلك مستشفى وهران الجامعي بمبناه الأنيق...
كانت الساعة قد قاربت على الرابعة، وهذا كان يعني بالنسبة للدكتورة "هند بويحياوي" موعد الانصراف.
لم تكن "هند" ترغب في العودة إلى المنزل... لماذا؟!!
برودة الجدران...
هذه العبارة كانت تلخص مخاوف "هند". ستعود إلى المنزل؛ لتجد أمها المريضة قد آوت إلى فراشها بعد أن تناولت الدواء الملائم بإشراف ممرضة من ممرضات المستشفى تقوم برعاية الأم في الفترة الصباحية نظير مبلغ شهري...
سوف تستيقظ أمها لتتناول المزيد من الدواء ثم تنام مرة أخرى...
ثم اللاشيء....!
تكتب مقالات وأشعار وتنشرها عبر الإنترنت في مواقع أدبية وثقافية، فيأتيها من السباب والانتقادات والرسائل التافهة أكثر مما يأتي إليها من النقد البناء.... لكن يكفيها أن هناك من يرسل لها تعليقات مفيدة وإن كان عددهم قليلا... كذلك هناك تلك الندوة الشهرية التي تعقد في قصر ثقافة وهران...
أشياء مثل هذه تأتي لتلطف من برودة حياتها....
زواج؟؟!
لا تعتقد أنه صار ممكنا... فتجربتان فاشلتان في الخطوبة إلى جانب فشل تجربة زواج والديها جعلتها لا تعتقد أن في الإمكان الاقتران....
البرودة....
الطقس البارد والجدران الباردة والحياة الباردة... كل هذه الأشياء تحالفت لتجعل "هند" ترفض العودة إلى المنزل...
ماذا تفعل إذن؟؟!!
قررت أن تأخذ وردية إضافية وأن تتصل بالممرضة لتطلب منها البقاء مع والدتها طيلة المساء على أن تعود إليها في التاسعة مساء.
لكنها شعرت بتأنيب الضمير...
كيف تترك والدتها هكذا طيلة اليوم دون أن تراها؟؟!
وهكذا، قررت أن تعود إلى المنزل، وتبقى على اتصال بالعالم الخارجي من خلال الإنترنت... طريقها لكسر الجدران الباردة...
حوارات بسيطة مع زميلاتها وزملائها في العمل... الخروج من باب المستشفى... انتظار سيارة العمل التي تصل بها لمكان قريب لمنزلها في أحد الشوارع الراقية في ضاحية بئر الجير...
ركبت السيارة التي انطلقت بسرعة كبيرة نسبيا نظرا لخلو الشوارع بفعل الأمطار...
وصلت إلى منطقة قريبة من منزلها، فنزلت من السيارة، ثم أكملت الطريق سيرا على الأقدام على الرغم من الأمطار، التي كانت تسقط وإن كانت بخفة.
لم تختلف توقعاتها عما هو واقع بالفعل.
كانت الأم نائمة، فحضرت "هند" لنفسها طعاما سريعا، وتناولته...
كانت تحب الأطعمة المحفوظة على الرغم من معرفتها كطبيبة بأن الإفراط في تناول هذه النوعية من الأطعمة يضر بالصحة...
ماذا تفعل؟!؟!
فكرت في الحديث هاتفيا إلى صديقة لها، ثم تخلت عن الفكرة.... اليوم بارد، وقد تكون صديقتها نائمة؛ فلا داعي للإزعاج...
فكرت في اختيار قصة لقراءتها.. راق لها هذا الاقتراح، فذهبت إلى مكتبة المنزل في الردهة متوسطة الاتساع، وبحثت كثيرا في أرفف الكتب العديدة....
بحثت في القصص الطويلة....
كتب الطب...
كتب الأطفال حتى....
إلا أنها لم تجد شيئا يروق لها...
رنت الجملة في أذنها... لا شيء يروق لها...
أحقا الأشياء هي التي لا تروق لها؟؟! أم أنها هي التي لا تجد ما يبهجها؟!!
فكرت في أن تجلس إلى الحاسب الآلي قليلا، لكن البرد والإرهاق منعاها من مجرد مواصلة التفكير في هذا الاقتراح...
جلست قليلا على الفراش، وراحت تفكر فيما يمكنها أن تفعل، إلا أن النعاس تسلل إلى عينيها، فقررت ألا تخذله، وراحت تغوص في الفراش أكثر فأكثر أسفل الأغطية الكثيفة تمهيدا للنوم...
لحظات صعبة مرت عليها في بداية التقائها بالفراش البارد...
ثم تذكرت شيئا... لقد نسيت إغلاق هاتفها المحمول....!
لكنها تحاملت على نفسها، ومدت يدها خارج الأغطية وأغلقته وهي تمني نفسها بنوم هانئ، عالمةً أن والدتها طالما نامت في هذا الوقت، فلن تستيقظ إلا بعد ساعات طوال.
وأخيرا... نامت "هند"...
******




— 3 —
حقا انتهى اليوم... وغادر "علي" العمل...
لم يكن أمامه أي شيء حتى العاشرة مساء؛ حيث موعد "رسالة الأخبار الليلية" وهي عبارة عن خبرين من أخبار الساعة يقوم بإعدادهما ليتم تحديث الموقع بهما في منتصف الليل، لكنه ليس هو من يقوم بتحميلهما هذه المرة، بل مسئول الدعم الفني.
حسنا... ماذا يفعل؟!!
يعود إلى المنزل؟!
الجو بارد، ولا تبدو أية مؤشرات على مهادنة من جانب الريح للمواطنين... فعلا... العودة للمنزل هي الخيار الأفضل.
استقل مترو الأنفاق من محطة الدقي حيث يقع مقر عمله في شارع جانبي قريب منها إلى محطة مسرة في ضاحية شبرا؛ حيث يسكن.
لم تكن المسافة تستغرق أكثر من عشر دقائق أو ربع ساعة على أقصى تقدير، ولكنه عندما صعد من المترو، وجد الشوارع وقد ابتلت تماما بمياه أمطار غزيرة كان لا تزال تهطل.
شعر بسعادة غامرة، فهو يحب السير وسط الأمطار، تماما مثل أغنية Singing in the Rain!! لكنه لم يكن بدافع من الأغنية، ولكن بدافع من حب الأمطار....
شيء طفولي في نفسه لم يستطع التخلص منه رغم سنوات عمره التي جاوزت الرابعة والثلاثين.
أربعة وثلاثون عاما...
صفق الرقم مصراعي باب مرحه مع الأمطار ليفتح بابا آخر...
الحياة...
ماذا يفعل؟؟! كيف يعيش...؟!
لم يطل التفكير في هذه النقطة.... كان شعاره هو "أنا مبسوط وهافضل مبسوط" وهو عنوان مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك Facebook...! كان لهذا المسمى أثر كبير في نفسه...
نعم... أنا سعيد بحياتي، وسأظل سعيدا...
ولكن... هل هو حقا سعيد؟!
اللعنة على الأفكار...!
دوما يفكر... دوما يفكر...
ولكن أشياء تقطع علينا أفكارنا أحيانا تكون بالفعل أفضل من الأفكار نفسها...
كانت فكرة طعام الغداء...
يحب تناول الغداء في السابعة مساء، والآن هي الرابعة والنصف، فليأت بأي شيء الآن لأنه لن يستطيع الخروج من أسفل البطانية إلى الشارع لشراء غداء...
وجد أنه مضطر للتفكير في نوعية الغداء.... إلا أن الرائحة الشهية المنبعثة من أحد المطاعم المسماة "المسامط" جعلته يلغي أية خطط لأي غداء غير... "أرغفة السمين"...!
إنه ذلك الخليط الرائع من المخ والممبار و....
يا إلهي.... وجد نفسه يطير عكس اتجاه الريح نحو المسمط الذي كان الدخان ينبعث بداخله من قدر الحساء فيجعل الرؤية مشوشة قليلا بفعل تلاقي الهواء الساخن مع البارد...
ودون تردد طلب أربعة أرغفة من الحجم المتوسط، وطبقا من الحساء في كيس بلاستيكي وكذلك طبقا من السلاطة في كيس بلاستيكي آخر، وحمل غنيمته وانطلق إلى المنزل...
سيرا على الأقدام أسفل الأمطار...
ولما دخل المنزل...
بدل ثيابه، وأعد لنفسه كوبا من الشاي... تناوله محطما كتل الثلج التي تحول إليها دمه... وراح يتابع الأخبار قليلا ثم... أطفأ التلفاز...
ونام....
******


— 4 —
نام كثيرا في الواقع...
لقد نام من حوالي الخامسة إلى الثامنة مساء....!!
ثلاث ساعات كانت كفيلة بجعله يستيقظ ليشعر وكأنه لن ينام قبل عامين...!
ولكن هيهات...!
فقد كان يعلم أنه بسبب البرد، قد ينام قبل إعداد رسالة الأخبار المسائية في العاشرة...! لكن صورة مدير التحرير البدين الأستاذ "صفوت" وهو في حالة سخط قفزت إلى ذهنه فجعلته يدرك أنه لن ينام قبل إعداد الرسالة..... حسنا، الكل يعرف عواقب أفعاله..
قام بتسخين الحساء، وأدفأ الأرغفة بتسخينها على الموقد مع وضع حائل معدني سميك بينها وبين نيران الموقد...
وانطلقت الاحتفالية والوليمة....!
أنهى كل ما اشتراه...
قضى على الوليمة، التي لا يدرك حجمها إلا من أكلها...
وأعد لنفسه كوبا من مشروبه المفضل — والمفضل في هذا البرد لكل إنسان — وهو الشاي.
اتصل بشقيقته الوحيدة، واطمئن عليها في مكالمة لم تستغرق أكثر من دقيقتين، و....
ماذا يفعل؟!
وقبل أن يلتهمه وحش التفكير، قام بتشغيل الحاسب الآلي...
وراح يرتشف الشاي الساخن وهو يشاهد شاشة الحاسب الآلي تعلن بدء مراحل التحميل... استمرار مراحل التحميل... اكتمال مراحل التحميل.... ثم جلس إلى الحاسب الآلي...
فتح مواقع الأخبار بحكم العادة، ووجد أخبارا عن انفجار هائل في مصلحة حكومية عراقية، وكلام كثير عن الإرهاب والإرهابيين، ففكر في المثل القائل "مصائب قوم عند قوم"، فقام بصياغة خبر على أن يعدله وفق التطورات في الساعتين القادمتين، ثم صاغ خبرا آخر عن... لا يذكر تحديدا... ولما كان لا يذكر فمن الصعب أن نتذكر نحن...!
ثم دخل إلى حسابه على الفيسبوك، والذي لم يكن به إلا عدد قليل من الأصدقاء، قاموا هم بإضافته ولم يضفهم هو....!
كان قد أعد الخبرين، وبالتالي، لم يعد أمامه أي عمل..... فقرر الانطلاق على الإنترنت...!
وتحضيرا لهذه الجلسة، قام بإعداد كوب جديد من الشاي، إلى جانب وضع مجموعة من الأغاني في برنامج لتشغيل الموسيقى، وضبط صوت السماعات على وضع منخفض...
وجلس...
كانت الجلسة شديدة الاسترخاء والهدوء...
ينعم بالتقليب في صفحات الإنترنت... وينعم وينعم... حتى واتته فكرة...!
اللعنة على الأفكار...!
كان يتندر بأنه قد يموت نتيجة لانفجار في المخ من فرط التفكير...!
كانت فكرته تنطلق من شعوره بأن هناك الكثير من المتحذلقين الذين يظنون أنفسهم مفكرين، ولكنهم لا يفعلون أي شيء سوى التحذلق...!
فقرر أن يفتح موقعا من المواقع الأدبية، ويرسل لأول كاتب يقابله رسالة يحط فيها من شأن كتابات هذا الكاتب...!
كانت الفكرة سخيفة ومجنونة ولا داعي لها، ولكنها جاءت في وقت كان مستعدا فيه لأي شيء بعد النوم الهانئ والوجبة المشبعة وإنهاء العمل والبرد الذي يقضي على كل فرص الخروج والتنزه ولو لدقائق قليلة...!
فتح أحد المواقع من قائمة المواقع المفضلة في حاسبه الآلي، ثم انتظر التحميل، وهو في حالة من الترقب لمن ستقع عليه عيناه.
"هند بويحياوي"....!
ما هذا؟؟!
كانت كاتبة من الجزائر....! أي حظ هذا...؟!
فكر لثوانٍ في التراجع عن مخططه ولكن دماء الإثارة كانت قد بدأت في التدفق بوفرة في عروقه؛ فلم يعد هناك مكان للتراجع...
بويحياوي... بويحياوي.... ما المشكلة؟؟!!
لا ريب أنها كاتبة من تلك الكاتبات المعقدات اللواتي يرين الحياة من منظور القمع الذكوري المترسخ في أعماق الكيان المجتمعي المتباعد على مدار مسارات الزمن الملتوية والمتداخلة....!
هكذا فكر في نفسه، وهو يبحث عن أعمال الكاتبة، تمهيدا لإيجاد أية ثغرة فيها ولو كانت حتى ثغرة تتعلق بأسلوب التحرير في الموقع...!
فتح صفحة أعمال الكاتبة، فوجد معها تعريفا للكاتبة بأنها طبيبة أطفال، تكره الحرب وتحب الحرية والسلام والإخاء العالميين...!
كانت أعمالها في الغالب شعرا... كان شعرها منثورا وكان "علي" يكره الشعر المنثور... حسنا... لقد جاءت له الفرصة على طبق من بلاتين....!
راح يقرأ ويقرأ ويقرأ مستعينا في ذلك بدراسته للآداب والنقد الأدبي، والتي تركها لصالح لقمة العيش في مجال الصحافة. راح يقرأ ويقرأ ويقرأ...
وفي النهاية، رأى أن ما يقرؤوه هو أدب في منتهى العادية إن جاز التعبير....
أدب شديد الركاكة...!
كتب هذا الرأي في رسالة، وأرسلها إلى العنوان البريدي المذكور بجوار أعمال الكاتبة للتواصل، وبدأ يطالع أعمال الكاتب التالي عليها في الترتيب...
"صديق بيضون"... كاتب من لبنان...
حسنا، كان كاتبا سياسيا وناقدا أدبيا، مزج الأدب بالسياسة في حديث له عن الحالة اللبنانية الطائفية؛ فخرج الكلام غير مفهوم على الإطلاق....
كان هذا مضمون الرسالة التي أرسلها "علي" للكاتب، وكاد بعدها أن يغلق البريد الإلكتروني، لولا أنه رأى إشارة إلى ورود رسالة جديدة....
فتح صندوق الرسائل الواردة، فرأى المرسِل وهو "هند بويحياوي"...!
توتر قليلا، فقد كانت الرسالة التي كتبها شديدة الوطأ، لكنه فتح رسالتها، فوجد كلمات بسيطة لم تتعد السطرين ونصف.... كانت تقول:
"شكرا على اهتمامك بقراءة موضوعاتي، ولكنك أغفلت نقطة مهمة وهي أنك لم تسألني عن معنى ما أكتبه. حقا قد يكون النقد في صفك هنا، وإن كنت أفضل أن يبقى الكاتب موجودا في أعماله".
ما هذا؟! اختصار يكاد يصل إلى درجة الإخلال ولكنه فهم المعنى المقصود....
هناك من مدارس النقد الأدبي من يقول بـ"موت المؤلف" كما قال الفرنسي "رولان بارت"؛ أي أن النص يخضع للتأويل بمعزل عن مؤلفه، ولكن هناك مدارس أخرى تقول بضرورة استحضار خلفيات الكاتب عند تأويل نصه.
واضح أنها تفهم في النقد الأدبي، ولكنها لا تفهم في الأدب...
أخذ هذه الفكرة وكتب العبارة كما هي مذكورة هنا ووضعها في رسالة، وأرسلها....!
استفزاز حقيقي من جانبه...! ولكن من قال إنه لم يكن يرغب في شيء غير الاستفزاز هذه الليلة؟؟!
كانت الساعة قد قاربت على العاشرة؛ فبحث عن تطورات في التفجير العراقي، فلم يجد سوى زيادة في عدد الضحايا من قتلى وجرحى؛ فقام بتعديل الخبر بناء على هذه الأرقام الجديدة، ثم أرسل الخبرين...
كان الخبر الثاني عن مشكلة تنموية في بلدة من بلدات محافظة البحيرة....!
صرف صحي تقريبا...!
وما أن انتهى من إرسال الرسالة، حتى وجد إشارة لرسالة واردة جديدة، وبالطبع كان المرسل هو "هند بويحياوي"....!
خطر بباله خاطر وهو أنه إذا كانت على درجة من الفراغ للرد على رسائل متوالية من قارئ، فهذا يدل على أنها بلا قراء تقريبا...!
لكن الرسالة كانت شديدة الاختصار والإيجاز: "إذا قررت الاستمرار في الإساءة، لا داعي للحوار"...!
منتهى الإيجاز والاحترام....!
شعر بالخجل الشديد من نفسه... فقرر الاعتذار، ولكن الكبرياء منعته من ذلك... فأضاف عنوانها الإلكتروني على برنامج للمحادثات الفورية... وبالفعل وافقت فورا على طلب الإضافة....
ولما رأى إشارة أنها متواجدة، احتار كثيرا فيما يقول....
إلا أنها كسرت تلك الحيرة بإرسالها رسالة تقول فيها: "شكرا على اهتمامك بالقراءة، ولكن لماذا التعصب للرأي؟؟!".
لم أجد سوى أن أقول: "عذرا... لكنني كنت منفعلا من أمور أخرى فخرج تعليقي على أعمالك هكذا"...
كانت تكتب بالعربية الفصحى فقررت أن أرد بالمثل؛ فربما يؤدي اختلاف الثقافات إلى إساءة فهم كلمات معينة.
وهنا، كانت قد جاءت إليه منها رسالة تقول: "من أين أنت؟!".
"من مصر".
"وهذا الرد العنيف على أعمالي جاء بسبب الاحتقان بين البلدين نتيجة لقاء كرة القدم؟".
"بالتأكيد لا... فلست على هذا القدر من صغر العقل... كل ما في الأمر أنه لم يعجبني ما هو مكتوب، فقررت الرد عليه، ولكنني يبدو أنني كنت في حالة شديدة العصبية، فكتبت كلاما بشكل لا يليق".
سادت فترة من الصمت، ولم يكن "علي" يدرك ما إذا كانت تقرأ كلماته أو تقرأ كلمات آخرين عبر الدردشة، ولكن جاءه رد منها يقول: "بعد أن تهدأ أرجو أن تكتب رأيا ناقدا مرتبا".
"وهو كذلك".
"دمتَ بخير".
شعر بعد هذه الرسالة بأنها تريد أن تنهي الكلام، فلم يملك سوى أن يرد قائلا: "دمتِ بخير".
نظر إلى الساعة فوجدها قد قاربت العاشرة والنصف؛ فلم يغلق الحاسب الآلي، واستمر يتصفح المواقع المختلفة، وبين فينة وأخرى كان يختلس النظر إلى برنامج المحادثة ليجد إشارة الإتاحة مضاءة أمام عنوانها الإلكتروني.
لم يدر لماذا يختلس النظر؟ لقد انتهى الأمر... طلبت منه رأيا متزنا، وكل ما عليه هو أن يكتبه ويرسله، لكنه لم يكن في حالة مزاجية جيدة تتيح له كتابة مثل هذا الرد.
قام ليعد لنفسه كوبا من الشاي؛ فوجد أن قدميه قد تخشبتا من الجلوس بلا حراك لساعتين ونصف تقريبا، لكنه قام وبدأ في إعداد كوب الشاي، ولم يتوقف عن اختلاس النظر إلى البرنامج ليرى ما إذا كانت لا تزال موجودة.
ولسبب ما، شعر بالإحباط عندما شاهد إشارة الخروج أمام اسمها.
ولسبب ما، أطفأ الموقد، ولم يكمل إعداد كوب الشاي، واتجه إلى فراشه...
ونام..
******



— 5 —
شعرت "هند" بالدهشة عندما فكرت في الحوار الذي دار بينها وبين "علي"... كانت الدهشة ممزوجة بالتفكير العميق في دلالات الحوار... كل هذا على الرغم من أنه كان بسيطا، وحادا في دوافعه.. وربما كان هذا سبب الدهشة واتساع مدى الدلالات...
لم تدر لماذا لم تشعر بالرغبة في الهجوم عليه على الرغم من أن رسالته كانت حارقة في البداية..
شيء ما في داخلها أوقفها قبل أن ترد بواحد من ردودها اللاذعة التي طالما ردت بها على من يهينونها... ربما كان السبب في ذلك أن الانتقاد — على حدته — كان مبنيا على أساس نقدي سليم... نعم، ربما كان هذا هو السبب؛ فقد كان بالفعل ممنهجا ولكنه كان مثيرا للاستفزاز.
ورغم ذلك يبقى أكثر الردود التي تلقتها من القراء في حياتها منهجية.
كانت "هند" قد أفاقت من نومها بعد فترة طويلة؛ إذ نامت من الخامسة وحتى التاسعة مساء...!
استيقظت لتجد أن والدتها قد استيقظت هي الأخرى، وجلست تقرأ القرآن الكريم دون أن تزعج ابنتها النائمة.
كانت الأم تعلم أن مرضها يلقي بتبعات كبيرة على ابنتها الوحيدة، وكانت ترغب في أن تريحها من هذا العذاب، لدرجة أنها — أي الأم — فكرت في الانتحار، ولكنها تراجعت تحت وطأة الشعور بالذنب... الذنب من إجرامها في حق دينها ونفسها وابنتها أيضا...
هي لا تريد أن تسبب لابنتها الألم...
وكان هذا ما يزيدها ألما...
وكانت "هند" تعرف ذلك...
إنها تحب أمها وتريد أن تعطيها بهجة أن ترى ابنتها عروسا، ولكنه القدر... من يقف أمام القدر؟!
ولما أطعمت أمها الطعام المعتاد، وهو الطعام المسلوق، أعطتها الدواء، ولم تكد الأم تتناوله، حتى عادت إلى نومها مرة أخرى، فتحدرت الدموع على وجنتي "هند"....
كان مرض أمها يؤلمها... يقتلها... لدرجة أنها فكرت ذات مرة في الانتحار بتناول أي من العقاقير التي تتناولها أمها، ولكن بجرعة كبيرة... إلا أن صورة والدتها وهي تبكي ألما على رحيل ابنتها وعدم وجود من يرعى الأم من بعدها وأد الفكرة في مهدها...
كانت "هند" تذبل وهي في قمة نضارتها؛ فسن الرابعة والثلاثين هو سن الاكتمال الإنساني والفكري.
كانت تذبل...
لذلك، تلقفت رسالة "علي" بلهفة لأنها كانت مختلفة عن غيرها...
رأت فيها ما يكسر روتين الحياة، ويخرجها من بوتقة العزلة التي انصهرت فيها، حتى صارت لا تدري لنفسها يوما من غد...
كانت ثقبا في أحد الجدران الباردة في حياتها...
ولا يمكننا أن ننكر أنها كانت تختلس النظر إلى برنامج المحادثة لترى ما إذا كان لا يزال موجودا أم لا، وكانت تود لو تواصل الحوار معه حول أعمالها على الرغم من انتقاداته لها....
كانت تشعر بفرح حقيقي لأنها وجدت من يقرأ، ويدلي بانتقادات وتعليقات ولو كانت سلبية وحادة...
كان لها معارف في الأوساط الأدبية، ولكن تلقي ملاحظات من قارئ يفهم مضمون القراءة هو أمر كان أشبه بهدية لها في تلك الليلة...
ولما لم يأتها أي رد من "علي" ضبطت البرنامج على وضع المغادرة، وإن أبقت عليه يعمل على أمل أن يرسل إليها شيئا...
لكنه لم يرسل....
فغادرت الحاسب الآلي، من دون أن تغلقه ولا أن تغلق البرنامج، وذهبت لتجري مكالمة هاتفية مع زميلة لها...
كانت لا تنوي أن تذهب للعمل في الغد...
من رغبة في وردية إضافية إلى الرغبة في إجازة....!!
قالت لها صديقتها إن حياتها كلها بحاجة إلى تغيير، ولكن "هند" لم ترد على ذلك الكلام؛ لأنها كانت قد سمعته مرارا وتكرارا... هذه العبارة تعني "أنت بحاجة إلى الزواج"....!
لم تكن تريد هذا الحديث... كانت تشعر وكأنه يجعلها شيئا هشا يحتاج الحماية...
ولكن... بعد أن أنهت حديثها مع صديقتها، فكرت قليلا...
هل هي فعلا كائن هش؟؟!
ثم قررت تشغيل التلفاز... لم تنس أن الحاسب الآلي لا يزال يعمل، لكنها شعرت بالملل؛ فقررت قتله بتشغيل التلفاز... لكنها ما إن شغلته، حتى قفزت في وجهها صور قتلى وجرحى في إحدى العمليات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها الجزائر.
شعرت بالصدمة... كيف يمكن لأي شيء أن يبرر قتل إنسان لآخر بهذه الوحشية؟؟!!
ثم أطفأت التلفاز وقد تلاشت في نفسها كل رغبة في مشاهدة أي شيء، ولو حتى صورتها في المرآة...!
كان الإرهاب يضرب وبعنف...
كانت الأيام تضربها أيضا وبعنف...
كانت تشعر أن كل زملائها يكرهونها... لم تكن تدري لماذا هذا الشعور؟؟!
كلا... ليس البارانويا إذا كان هذا قد تبادر إلى أذهانكم؛ ففي الواقع كانت هناك الكثير من المبررات ليكرهها زملاؤها... بل ليشمتوا فيها أيضا إذا وقع لها مكروه...!
كان رئيس القسم الذي تعمل فيه يتودد إليها... لم يكن يريد الزواج، ولكنه كان يريد الصحبة، وهي أشياء تمقتها الفتيات المحترمات وتشعر الفتيات غير المحترمات بالغيرة من حدوثها. لنا أن نتخيل ما يحدث لديها في القسم.
يحاول رئيس القسم التودد إليها... تشعر الطبيبات العاملات معها في القسم نفسه، وكذلك الممرضات فتبدأ مشاعر الغيرة في الانطلاق بخاصة إذا ما نالت مكافأة ما عن جهد حقيقي... وقتها يتم تاويل هذه المكافأة على أنها لأغراض شخصية لا لكفاءة... تصدت للدكتور "سعدي بوكروح" الطبيب المشهور في بلادها ورئيس القسم الذي تعمل فيه... لكن هذا لم يزد زميلاتها إلا حقدا عليها...!
لماذا تتمنع هكذا؟؟! من تظن نفسها؟؟! ولنا أن نتخيل ماذا كن سيقلن إذا كانت استجابت لتودد الدكتور "بوكروح"...! لكنها لم تفلت من ألسنتهم وبدأت الشائعات تنطلق في كل مكان، فتقدمت بطلب لنقلها إلا أن الطبيب لم يوافق باعتباره رئيس القسم بدعوى حاجة المكان لها...
الغريب أن هذا لم يستثر عطف زميلاتها عليها ولكنه دفعهن إلى القيل والقال، وإلى تبرير ذلك بأنها تريد أن تغطي على العلاقة القائمة بينهما. فكرت في الاستقالة إلا أنها لم تجرؤ على فعلها...
لن تسمح لهذه الشرذمة بأن تملي عليها أفعالها... لكنها على عموم المستشفى كانت محبوبة، لدرجة أن الممرضة التي ترعى والدتها لم تكن من القسم الذي تعمل فيه "هند"، ولكنها كانت من قسم آخر.
وحتى هذا الموضوع أتى لها بما نطلق عليه "وجع الدماغ"، فقد تقدمت إحدى ممرضات القسم ببلاغ إلى رئيس القسم الدكتور "سعدي" (تتهم فيه) "هند" بأنها تحاول استدراج العاملين بالمستشفى لوظائف خارجية. وبالطبع، لعب "سعدي" دور البطل المنقذ وحفظ البلاغ، ولكنه طالب "هند" بأن تنتبه لما تفعله لأن كل ما تفعله محسوب عليها..!
لم تجد "هند" ما يمكنها أن ترد به هذا المعروف الذي بذله لها الدكتور "سعدي"... وقتها انعقد لسانها فيما حسبه هو امتنانا له...
امتنان...!
لو كان قطع الرؤوس حقا مشروعا للجميع، لخلا العالم في ثوانٍ...
لا تدري من قال هذه العبارة ولكنها دقيقة إلى حد كبير... إلى حد مخيف في الواقع!!
عند هذه النقطة لم تجد بدا من أن تذهب وتطفئ الحاسب الآلي، وتطمئن على أمها، و...
تنام...
النوم... إنه الموت الإرادي...
حمدا لله رب العالمين أنه وهب للإنسان نعمة النوم للفرار من كل الأطباء السعداء أصحاب المعروف على الطبيبات المتخاذلات المخالفات للوائح...!

******




— 6 —
في الصباح الباكر، وبينما "علي" يمارس طقوسه اليومية، قرأ على شريط الأخبار في قناة الجزيرة أن هناك صحيفة جزائرية تشير إلى أن هناك انفجارا وقع في إحدى المدن الجزائرية، ولكن من دون أية تفاصيل عن هذا الأمر. هنا، سار تفكيره في اتجاهين؛ الأول مهني وهو أن هذا لا يصلح خبرا يمكن تحديثه؛ لأنه لا توجد تفاصيل. أما الاتجاه الثاني فقد كان عارضا وهو التفكير في "هند بويحياوي"... كيف يعيش الناس في ظل الإرهاب؟! ثم تذكر أنه عانى من هذا الإرهاب في التسعينات.
لم يطل التفكير في هذه النقطة، ولكنه بدأ التفكير في نقطة أخرى...
هناك شيء ما يحدث في تونس...
بحدسه أدرك أن تونس مقبلة على أمر جلل، وأن الأمر سيتجاوز مجرد احتجاجات شعبية ضد البطالة تفاعلت بسبب إحراق شاب نفسه لإساءة إحدى الشرطيات معاملته. لكنه فكر في أن الأمر لا يزال غير مناسب لإطلاق أحكام أو إعداد رؤية للوضع؛ يمكن استخدامها في تحديث أخبار الموقع. ربما الأسبوع المقبل في التحديث الأسبوعي لقسم الخارجي؛ حيث تكون الأمور قد ازدادت وضوحا.
عندما وصل بأفكاره إلى هذه النقطة كان قد وصل إلى باب شقته؛ ففتحه وهو يستعد لمواجهة الهواء البارد الذي سيتدفق عليه عندما يفتح الباب، ولكنه بدلا من أن يشعر بالبرد فقط، سمع صوتا ينبعث من الشقة المجاورة يقول: "إن شاء الله ربنا ياخده"....!! شعر بالانقباض بعض الشيء من هذه العبارة، وتساءل عمن هو تعيس الحظ الذي تلقى هذه الدعوة في الصباح، ولكن صاحب الصوت — الذي استطاع تمييز أنه جارهم الأستاذ "نبيل" أستاذ الدراسات الاجتماعية في المدرسة الثانوية الحكومية المجاورة — أتبع عبارته بقوله: "كفاية بقى ده سرق البلد كلها هو ومراته... إلهي يدخلو عليه القصر بتاعه يقتلوه جوه"...!
عند هذه العبارة أدرك أن الأستاذ "نبيل" يتكلم عن الوضع السياسي، فقال لنفسه: "آمين"، ثم غادر البناية كلها، إلا أن الأمر لم يتوقف عند الأستاذ "نبيل" وحده؛ حيث سمع في إحدى شقتي الدور الأول صوتا شابا — لم يستطع تعرفه لأن علاقته محدودة بساكني الدور الأول هو الذي يقطن في الرابع والأخير — يقول: "يا رب احرقهم زي ما خلو الولد يحرق نفسه". هنا أدرك أن الأمر يتعلق بالشاب التونسي "محمد البوعزيزي" الذي احرق نفسه.
وطيلة الطريق إلى العمل كان يفكر في الأمر. هل يفعلها التونسيون حقا؟! بدا الأمر بعيدا وبدا السؤال غير ملائم تماما؛ لأن الوضع في تونس لا يمكن تشبيهه الآن بما حدث في رومانيا من ثورة أطاحت بالديكتاتور "نيكولاي شاوشيسكو" في أعقاب تفكك المنظومة الشرقية.
ذهب إلى العمل، وبدأ الطقوس نفسها التي يفعلها يوميا، ولكنه استمع بانتباه شديد إلى قنوات الأخبار، وبدأ في التركيز على المواقع التونسية لمعرفة الأخبار، ومحاولة التوصل لإجابة السؤال الذي بدأت أهميته تتصاعد داخله: ما الذي يحدث في تونس؟؟!!
أنهى الخبرين الأساسيين، وتفرغ للمتابعة. للحظة فكر في أن يرسل إلى الكاتبة الجزائرية "هند" يسألها عن التفجير الذي قيل إنه وقع في بلادها، ولكنه قرر ألا يفعل لسببين؛ الأول أن معرفته بها سطحية تماما بما لا يسمح له بأن يسألها هذا السؤال، والثاني هو أنه لا يعرفها، وقد تظنه جاسوسا يجمع المعلومات عبر الإنترنت... عند هذا الخاطر ابتسم قليلا، ثم عاد واستغرق في متابعة أخبار الوضع في تونس.
كانت الاحتجاجات مقتصرة على محافظة سيدي بوزيد... حسنا، لا تزال الاحتجاجات محلية، ولكن السيل يبدأ بقطرة.
لم يكن الأمر على قدر كبير من الخطورة والأهمية، في هذه المرحلة على الأقل.
أمنيات تلاعبت في نفسه...
آه لو يحدث هذا في مصر على نطاق واسع...
نطاق يؤدي إلى التخلص من الطغيان والفساد...
كيف يمكن لذلك أن يحدث؟؟!
لم يكن "علي" عضوا في أي تنظيم سياسي، ولكنه كأي شاب عانى كثيرا من الفساد والقمع الأمني... عانى من سوء الرواتب وارتفاع تكلفة المعيشة... عانى مثل أي مصري... ولكنه لم يكن عضوا في أي تنظيم سياسي، ولا صاحب توجه سياسي واضح.
لم يكن يمارس السياسة على الرغم من أن عمله كان في الأخبار السياسية...!!
من المفارقات أن يطهو ولا يتذوق...!
لكنه كان يحلم بثورة.. يتذكر مرة أنه قال لأحد أصدقائه إن الحل في ثورة شعبية تطيح بكل شيء، ولكن الخوف هو ألا يكون لهذه الثورة قيادات فتفشل في تجميع نفسها بعد التخلص من النظام فينجح أذناب النظام السابق في السيطرة على الوضع الجديد.
كانت أحلام ومخاوف... لكن بين بلاده وبين هذا السيناريو أمد بعيد...
لكن فكرة الثورة كانت حلما يراوده من قبل حتى ما يحدث في تونس..
استغرقته الأحلام والآمال، وكذلك استغرقه البحث عن الأوضاع في تونس حتى حانت ساعة الرحيل.
أغلق حاسبه الآلي، ثم انصرف.
خرج إلى الشارع فوجدها تمطر بغزارة... ابتسم في نفسه لأنه كان مستغرقا في العمل لدرجة أنه لم ينتبه إلى الأمطار... حسنا... إن هذا يعني أنه سيعود ليجد شرفة شقته قد غرقت بالمياه، وبالتالي سيقوم ببعض المجهود المنزلي وسط المياه في هذا الجو البارد..
وليكن... لا بأس ببعض العناء...!
عندما خرج إلى الشارع العمومي، خمن أن تساقط الأمطار بدأ منذ فترة قليلة؛ لأن الارتباك كان يعم الشارع. سيارات تحاول اتخاذ مسارات فرعية بعيدا عن الشارع العمومي المبتل، وأشخاص يسيرون بسرعة. حسنا.. إنها سيمفونية الأمطار في الشارع المصري...!
انطلق إلى مترو الأنفاق الذي راح يتجول في الأنفاق مثل تنين يحمي جوهرة ثمينة في أحد الكهوف الأسطورية...! كانت هذه رؤيته لمترو الأنفاق...! لم يكن يدري لماذا تتراءى له صورة التنين والجوهرة عندما يدخل المترو، وبخاصة في محطات الأنفاق...!!
ابتسم لنفسه عندما تداعت هذه الأفكار إلى ذهنه، ثم قرر التوقف عن التفكير مؤقتا إلى حين الخلاص من "الهم الثقيل" الممثل في تنظيف الشرفة من المياه... لم ينظفها بالأمس لأن الطقس كان شديد البرودة، واليوم هو كذلك أيضا، ولكن ترك المياه معناه أن تبدأ في التدفق للغرفة المجاورة لها، وهو أمر لن يسمح به أبدا....! تلف في المفروشات، ورائحة عطنة جراء تراكم المياه، وقذارة، وكل الأمور السيئة...! يا له من كابوس... كابوس يمكن أن يتجاوزه ببعض النشاط في هذا الجو البارد..!!
وصل إلى محطة مسرة؛ فخرج من المترو، وعندما وصل إلى سطح الأرض، شعر بهاتفه المحمول يهتز في جيبه ثم تصاعد الرنين؛ أخرجه من جيبه فوجد مدير التحرير.
كانت مكالمة غريبة في الواقع؛ فلم يكن قد مر على مغادرته العمل أكثر من نصف ساعة، إلا أنه لم يلتفت إلى هذه النقطة كثيرا؛ فما أكثر سلوكيات الناس الغريبة في الفترة الأخيرة...!!!
أليس هجومه غير المبرر على "بويحياوي" من السلوكيات الغريبة؟!!
بدأ يرد على المكالمة، ولكن قبل أن يكمل السلام، قاطعه صوت الأستاذ "صفوت" المميز ببحته الغريبة التي اكتسبت نبرة غضب هذه المرة: "إنت فين يا عمنا؟؟!! ساعة عمال باتصل بيك؟؟!"، فرد "علي" بصوت متوتر قليلا من هذه الغضبة المفاجئة: "لا والله يا أستاذ "صفوت" ده أنا لسه طالع من المترو والظاهر الشبكة مش شغالة كويس جوه..."، ثم استطرد في لهجة متسائلة: "خير إن شاء الله؟؟!"، فقال الأستاذ "صفوت" في لهجة من يرغب في الاعتذار ولكن رغبته تأبى: "طيب يا عمنا ما تبقاش تركب المترو ده تاني... المهم عايزين موضوع عن تونس"..!!
كان هذا آخر طلب يود أن يسمعه "علي"...! لم تكن لديه رؤية واضحة للأمور، كذلك لم تكن الأمور واضحة من الأساس... إلى جانب الشرفة الغارقة بالمياه...! البرد...! الرغبة في إتمام التحليل النقدي الذي طلبته "هند بويحياوي"...! ألف لعنة على كل شيء سخيف في هذه الحياة...!
تبددت الأحلام في كوب الشاي الساخن والاستلقاء على الفراش مع متابعة التلفاز...!
انتهت كل هذه الطموحات لأن الأستاذ "صفوت" يريد موضوعا عن تونس...!
أفاق من أفكاره على صوت "صفوت" يتابع قائلا: "بص يا عمنا... مش عايزين رأي.. عايزين بس استعراض للموقف الحالي، والاحتمالات... بس مش عايزين رأي"، ثم أردف بلهجة تأكيدية: "سامعني؟؟!... مش عايزين رأي... لسه ما نعرفش الموضوع رايح فين". هنا قال "علي": "إن شاء الله أول ما أروح أبدأ فيه"، فقال له "صفوت" على الفور: "لو طلت تبدأ فيه دلوقت ابدأ قبل ما تروح..."، ثم ضحك وتابع: "عايزينه بسرعة وبإتقان في الوقت نفسه يا "علي"... انطلق على بركة الله".
توت توت توت....
أغلق الأستاذ "صفوت" الهاتف قبل أن يرد حتى السلام أو يعرف أية تفاصيل إضافية.
اشترى طعاما سريعا، وانطلق عائدا إلى المنزل، وعندما دخله وسط مياه الأمطار، كان أول شيء فعله هو أن قام بتشغيل الحاسب الآلي والتلفاز.
وضع بعض المياه في الغلاية لإعداد الشاي... وبعد الاغتسال، بدأ في تناول الطعام السريع الذي كان عبارة عن مجموعة هائلة من شطائر الفول والطعمية والبطاطس، واحتساء الشاي معه. كان يحب مذاق الشاي المسكر قليلا مع الشطائر المالحة قليلا...! كثيرون يحبون المذاق نفسه أيضا.
ولكنه مع توالي الأنباء عن الوضع في تونس... نسي الطعام ونسي كل شيء...
كانت الاحتجاجات قد بدأت في الانتقال إلى محافظات أخرى...
هل تصبح حقا ثورة شعبية؟؟!
بقي السؤال معلقا، ومعه الكثير من الآمال في نفس "علي"...
******



— 7 —
كان هذا الصباح مختلفا قليلا في مستشفى وهران الجامعي..
إن الصباح الذي تقف فيه سيارات عسكرية مهيبة المظهر أمام بوابة المستشفى لهو صباح استثنائي بالفعل...
كان المشهد لافتا للغاية...
انتشر العساكر بأجسادهم القوية الفتية وعتادهم الكامل على جانبي الممر المؤدي إلى داخل المستشفى من البوابة الرئيسية، وراحت مجموعة منهم تخلي مدخل المستشفى، وتم إعلان حالة الطوارئ في القطاع الإداري من المبنى الرئيسي حيث يقع مقر مدير المستشفى.
وحيث اتجه الجنرال "الشاذلي مَنَّاد"...
كان رجلا مهيب الطلعة بقامته الطويلة وقسامته القوية الحادة ونظراته الثاقبة وملامحه الجامدة، وأضفت النجوم والأوسمة التي زينت رداءه العسكري الكثير من المهابة عليه...
كان في الواقع رجلا مخيفا...
هكذا شعرت "هند" عندما لمحته من وراء زجاج قسم الأطفال...
وشعرت بقلق خفي عندما رأته... لم تكن تحب العسكر، وكانت ترى أنهم يحتلون المرتبة الأولى في قائمة المسئولين عن الأوضاع المتردية التي شهدتها الجزائر في التسعينات، والتي لا تزال تتكرر في بعض المناطق في الجزائر.
لكنها كتمت خواطرها، وراحت تواصل عملها الاعتيادي بكل هدوء، وقد صمت أذنيها عن الكلام الذي تلقيه بين فترة وأخرى زميلة من زميلاتها.
إلا أنها لم تستطع أن تصم أذنيها عن متابعة ما قالته زميلتها الدكتورة "حليمة"، عندما اندفعت مسرعة إلى استراحة الأطباء في فترة الراحة، وقالت: "استدعوا "سعدي"...".
لم تكن العبارة ذات مغزى في البداية لأي من الجالسين، إلا أنهم فجأة تذكروا مشهد العسكر الذين هبطوا على المستشفى اليوم في زيارة غير معتادة على الإطلاق، فتساءل أحد الأطباء بالفرنسية: "استدعوه إلى زيارة الجنرال؟؟!"، ثم تابع دون أن ينتظر إجابة: "هههههههههه.... لا ريب أنهم سيعتقلونه عقابا على ما يفعله بـ"هند"...!".
لم تعلق "هند" على هذه الجملة، ولكنها واصلت الإنصات، وكانت الطبيبة تتابع بالفرنسية: "لست أدري يبدو أن هناك أمرا جللا يحدث في المستشفى".
واستمر الحديث بعد ذلك في محاولة تخمين ما يجري، إلا أن أحدا لم يستطع أن يجزم بشيء؛ فالأمر شديد الكتمان، وكانوا يعتبرون مجرد معرفتهم باسم الجنرال الزائر يمثل اختراقا كبيرا نجح في الحصول عليه أحد أفراد أمن المستشفى، لكنه لم يستطع أن يعرف في أي موقع يعمل في الجيش. كل ما أدركه أن الجنرال رجل كبير في الجيش الجزائري، وهو الأمر الذي كان واضحا وليس في حاجة إلى استفسار أو سؤال.
وفي داخلها، كانت "هند" تشعر بشماتة حقيقية في "سعدي"... لم تكن تعرف سر الاستدعاء، ولكنها كانت تشعر إزاءه بالشماتة؛ لأنها تعرف مقدار جبنه؛ وبالتالي تستطيع أن تتخيل حجم الهلع الذي لا بد أنه شعر به عندما فاجأه الاستدعاء...! جبان...! قالت هذه الكلمة الأخيرة لنفسها في ازدراء شديد.
لكن لو كانت "هند" تملك القدرة على معرفة الخفي من الأمور، لكانت قد استطاعت أن تعرف فحوى الحديث. ولكن لأنها لا تملك هذه القدرة، فسوف نذهب نحن — في الخفاء — إلى حجرة مدير المستشفى لنعرف ما الذي يحدث.
لم يخالف الأمر توقعات "هند" فيما يتعلق بارتباك الدكتور "سعدي"...
كان يكاد يموت من الهلع وهو يطرق على باب حجرة مدير المستشفى يرافقه أحد العساكر.
كان وجهه شاحبا مثل الموتى الذين يرقدون في مشرحة المستشفى...
ولما سمع مدير المستشفى يقول — بالفرنسية التي يصر الكثيرون من النخبة المثقفة والمتعلمة في الجزائر على استخدامها — له أن ادخل، دخل...
لكنه لم يجلس، واكتفى فقط بالوقوف أمام مكتب المدير الذي كان المدير يجلس خلفه والجنرال "الشاذلي مَنَّاد" أمامه على أحد المقاعد...
كان المدير في الحالة نفسها التي كان "سعدي" عليها...
لكن علينا ألا نكون قساة... فهذا الموقف شديد الصعوبة بالفعل... ولكن... هل يستحقان؟؟!
نحن نعرف أن "سعدي" يستحق بسبب ما يفعله من مضايقات للدكتورة "هند"، ولكن... ماذا عن مدير المستشفى؟؟!! لا ندري في الواقع، ولكن هذا الأمر لا يعنينا...
أشار الجنرال إلى الدكتور "سعدي" بالجلوس، فجلس دون كلمة وقد طأطأ رأسه ووضع عينيه في الأرض.
فقال مدير المستشفى في صوت حاول أن يجعله يبدو هادئا: "الجنرال يريد أن يناقش معك بعض الأمور بشأن قسم الأطفال".
هنا سقط قلب الدكتور "سعدي" في قدميه...
كانت جملة "مناقشة بعض الأمور" هذه غير مطمئنة لأنها أحيانا تخفي الكثير وراءها....!
حاول أن يرد بعبارة ما، ولكن الكلام توقف في حلقه، فاكتفى بأن تطلع إلى وجه الجنرال، الذي لم يبد أنه شعر بالاستياء من عدم رد "سعدي" بل بدا أنه شعر بالرضا عن كل هذا الهلع الذي أثاره مجيئه في نفوس العاملين في المستشفى..
يبدو أنه كان يحب الشعور بالسطوة والنفوذ وإثارة الرهبة...
بدأ يتكلم؛ فقال بصوت عميق: "نحتاج منكم جناحا في المستشفى لطفل مريض أبوه شخصية مرموقة".
استجمع الدكتور "سعدي" شجاعته، وقال في صوت حاول أن يجعله يبدو لطيفا: "سيلقى كل رعاية و..."، لكن الجنرال قاطعه بصوت بارد وقال: "ليس هذا ما نريد... إننا نريد الجناح فقط، ولا نريد الرعاية".
عقد الدكتور "سعدي" حاجبيه في تساؤل، وهم بالاستفسار عن هذه النقطة، إلا أن الجنرال واصل بلهجته الباردة، وباللغة الفرنسية أيضا: "سنقدم له كل الرعاية".
هنا تكلم مدير المستشفى للمرة الأولى فتساءل قائلا: "معذرة سيدي الجنرال، ولكننا نريد بعض التوضيحات".
قام الجنرال من مكانه، وفرد قامته، وبدأ يتجول في المكان في خطوات وئيدة وهو يقول غير ناظر إليهما: "نحتاج جناحا في قسم الأطفال في المستشفى..."، ثم تابع بعد فترة صمت: "نحتاج إلى جناح نعزله تماما عن المستشفى من أجل حالة هي لابن أحد كبار رجال الدولة... لا نريد أن يعلم أحد شيئا عن الموضوع..."، ثم رفع عينيه إلى الطبيبين، وقال في لهجة بطيئة: "سوف نقوم نحن بالإشراف الكامل على الجناح"، وشدد على كلمة "نحن"؛ ففهم الطبيبان أن المقصود الجيش.
ولما لم يجد تعليقا على كلامه، عاد يقول: "سوف نحتاج الجناح بعد يومين تحديدا. سوف نبني حائطا معدنيا يفصله عن باقي أنحاء المستشفى، وسوف ننشئ كذلك سلما خارجيا له. سنتحمل كافة التكاليف... تكاليف البناء والإزالة بعد انتهاء علاج الحالة". صمت قليلا ليرى وقع كلامه عليهما، قبل أن يقول: استفسارات".
لم يقل أي من مدير المستشفى أو "سعدي" شيئا، فعاد يقول: "سوف يتولى المقدم "مصباح" مهمة التنسيق بيننا وبينكم".
وفتح باب الحجرة معلنا نهاية المقابلة، ولكنه قبل أن يرحل التفت إلى الرجلين وقال في لهجة حاسمة: "السرية المطلقة ضرورية لسلامتكما الشخصية".
وغادر الحجرة دون أن يزيد كلمة.
وبقي من بعده الصمت ثقيلا...
دقائق طويلة مرت دون أن يتكلم أي من الرجلين...
دقائق طويلة مرت قبل أن يقول الدكتور "سعدي": "ليس بوسعنا سوى الاستجابة".
فهز المدير رأسه موافقا، ثم قال وهو يرغب أن يكون حاسما مع "سعدي" لكن الكلام خرج منه في لهجة رجاء: "أرجوك دكتور "سعدي"... نريد الانتهاء من كل هذا في أسرع وقت".
فقام "سعدي" وقال: "سيتم التنفيذ في أسرع وقت"، وأردف بلهجة خاصة: "إنهم الجنرالات"...
نعم...
إنهم الجنرالات...
******






— 8 —
"كتب: علي إبراهيم".
هكذا أنهى "علي" موضوعه عن الوضع في تونس...
أخيرا انتهى... لقد ظل يجمع المعلومات طيلة ساعة كاملة، ثم أمضى نصف ساعة في تحليلها، قبل أن يبدأ في كتابة الموضوع في وقت لم يزد على النصف ساعة...
قام بإرسال الموضوع إلى الأستاذ "صفوت" بالبريد الإلكتروني، ثم اتصل به ليخبره بذلك.
شكره الأستاذ "صفوت"، ثم أنهى المكالمة معه ليسرع بقراءة الموضوع، وإرساله للتحميل على الموقع.
ولم تمض نصف ساعة حتى كان الأستاذ "صفوت" يعيد الاتصال به...
دق قلب "علي"... ما الأمر؟! هل هناك مشكلة في الموضوع...؟!
رد بحذر، فجاءه صوت الأستاذ "صفوت" مرحا وهو يقول: "ضربة معلم يا عِلوة... الموضوع متميز بالفعل".، عندها شعر "علي" بسعادة غامرة؛ فشكر الأستاذ "صفوت" الذي أنهى المكالمة بسرعة كالمعتاد.
جلس "علي" يعيد قراءة الموضوع...
كان قد بدأ بالوقائع الفعلية، ثم انتقل إلى ردود الأفعال الداخلية والخارجية، قبل أن يدخل في الأسباب التي دعت إلى هذه الاحتجاجات، ثم رؤيته لما قد تسفر عنه الأيام القادمة. كان الأستاذ "صفوت" قد حذره من ذكر رأيه؛ لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من ذكر السيناريوهات التي يراها متوقعة. إما الانتهاء بالقمع أو التحول إلى ثورة شاملة. لم يطرح خيار الاستيعاب والاحتواء لأنه بات غير موجود بعد التصدي الأمني الوحشي للمظاهرات في اليومين الأخيرين.
قرر أن ينام، ثم تذكر الشرفة.
فتحها بحذر، فكانت المفاجأة السعيدة... كان الهواء الشديد قد جففها تماما، وبالتالي لم تعد هناك حاجة لأن يقوم بتجفيفها....!!
فهنأ نفسه وقرر أن يكافئها بأن ينام....!
لقد كان في حاجة إلى الراحة بسبب المجهود الذهني العنيف الذي بذله لإنجاز الموضوع بسرعة وإتقان كما طلب منه الأستاذ "صفوت".
ولكنه عندما استلقى على الفراش، لم يتمكن من النوم، فقرر القراءة قليلا إلى أن يشعر بالنعاس وينام.
إلا أن هذا لم يكن ذا جدوى...
كانت قصة خفيفة، لكن ذلك لم يدفع بالنوم إلى رأسه...
وبينما يتأمل أحداث يومه كعادته في مثل هذه الحالة، تذكر أحداث الأمس...
تذكر أنه لم يكتب العرض النقدي الذي طلبته الكاتبة الجزائرية التي نسي اسمها تماما...!
نعم... نسي اسمها تماما، وكانت هذه المشكلة تحدث له بين فترة وأخرى... ينسى أسماء محورية...!
كان هذا يذكره بالحاسب الآلي عندما يتعطل فجأة، أو يأخذ في تنفيذ أوامر لم تصدر له من الأساس...!
قفز من فراشه بمجرد أن تذكر هذا الأمر، وأسرع بفتح حاسبه الآلي، ثم انطلق إلى المطبخ لكي... يفعل ماذا؟؟!!
يقوم بإعداد كوب من الشاي...!!
وبمجرد أن استقر به المقام أمام الحاسب الآلي، انطلق في إعداد العرض النقدي...
كتب وكتب، ثم كتب... انطلق يكتب إلى أن انتهى من العرض، ثم أرسله كملف مرفق في رسالة إلكترونية إلى الكاتبة دون أية كلمة في متن الرسالة.
بعد ذلك، راح يلهو ببعض الألعاب ويستمع إلى أغان.
وفجأة تذكر تونس...
فانطلق يبحث، ولكن لم يطل به المقام، إذ كانت وسائل الإعلام الإلكترونية المختلفة قد بدأت في تناول الوضع التونسي الذي راح يتفجر ويتفجر في مختلف محافظات تونس.
هنا، فتح حسابه على الفيسبوك — الذي نادرا ما يفتحه — وراح يقرأ ما يكتبه أصدقاؤه من تعليقات، فوجد الكثير منهم يعلقون على الأحداث في تونس بأنها ثورة تونسية ضد الطغيان لا الفقر فقط. عندها دخل إلى بعض المجموعات التونسية، فلم يختلف الحال. الكل يدعو إلى أن تتحول إلى ثورة.
إلا أن "هند" أرسلت له ردا، فأخذه ذلك من العالم التونسي.
قرأ الرد الذي كان مجرد عبارة واحدة "شكرا لك صديقي "علي". سأحاول أن أستفيد منه".
شعر بخيبة الأمل إلى حد ما. كان يرغب في رد أكثر حماسا أو أي تعليق سلبي أو إيجابي... كان يرغب في حوار... لم يدر لماذا، ولكنه بالفعل كان يأمل في حوار..
ولكنه قبل أن يفكر في كيفية إجراء مثل هذا الحوار، وجد إشارة تدل على أنها صارت متاحة على برنامج المحادثة الفورية، وقبل أن يبدأ في الحوار، وجد رسالة تحية منها، فما كان منه إلا أن رد قائلا: "الحمد لله رب العالمين، كيف الحال؟!".
"الحمد لله".
فترة صمت ثم رسالة منها:
"شكرا لك على التعليق. كان مفيدا للغاية".
"آسف على عدم إرساله بهذه الطريقة من المرة الأولى".
"لا مشكلة".
فترة صمت، ثم رسالة منه:
"هل أنت طبيبة حقا كما هو مكتوب في التعريف الخاص بك".
"أكيد... أنا طبيبة في مستشفى وهران الجامعي بمدينة وهران".
"أهلا وسهلا".
ظن أن الحوار سيتوقف عند هذه النقطة، لكن رسالة جاءت منها تقول فيها:
"وأنت... ماذا تعمل؟".
"أعمل محررا صحفيا".
"رائع. تحياتي".
"شكرا لك".
فترة من الصمت... طالت هذه المرة، قبل أن يقول "علي":
"آسف يا دكتورة "هند"، ولكن لي سؤال...".
"تفضل".
"ماذا تعرفين عن الوضع في تونس؟!".
ساد الصمت فترة طويلة للغاية حتى إن "علي" ظن أنها رحلت، قبل أن تعطي نافذة المحادثة إشارة إلى أنها تكتب ردا، قبل أن يأتيه الرد قائلا:
"أخي "علي"... أنا لا أتكلم في السياسة".
ثم رسالة تالية:
"أعرف أنَّ المفترض أن يكون للكاتب والمبدع موقفا من قضايا بلاده، ولكنني للأسف لا أجيد التعامل مع معطيات السياسة".
ثم رسالة ثالثة:
"أحسبني جاهلة في عالم السياسة... هههههههه".
"ههههههههههه".
"لكنني أستطيع أن أقول لك إنني أتمنى الخير للشعب التونسي".
"وأنا أيضا، وآسف على هذا السؤال".
"لا مشكلة".
كان من الواضح في أسلوبها أنها تتكلم العربية كما لو كانت تكتب بالفرنسية!!! وكان يدرك هذا الأسلوب من مراسلاته مع بعض الصحفيين في الجزائر والمغرب العربي، والتي يجريها أحيانا بحكم عمله.
عند هذا الحد، قرر أن يوقف الكلام، وإغلاق البرنامج، ولكنه راح يتساءل بينه وبين نفسه عما إذا كان من الواجب أن يستأذن قبل أن يغلقه، ثم قرر ألا يستأذن، فقد فكر في أن هذا قد يبدو أدبا زائدا...!!! أو رغبة في إطالة الحوار.
أغلق البرنامج، وبدأ يتابع الأوضاع التونسية التي كانت قد بدأت تلتهب بشدة.
هل تحدث الثورة؟؟!!
عندما ألقى هذا السؤال على نفسه، عاد ورد متسائلًا: "وهل هذه ليست ثورة؟!".
إلا أن الأيام القادمة أثبتت أن ما كان يحدث في هذا اليوم لم يكن ثورة، ولكنه كان تباشير الثورة.
لماذا..؟!!
تزايدت سخونة الأحوال، وبدأت المظاهرات تعم البلاد، وراح القمع الأمني يتزايد، وبدأ الشهداء في الارتقاء إلى السموات دافعين دماءهم ثمنا لحرية بلادهم.
لكن في هذه الفترة، بدأ "علي " يلحظ بعض التغير في أسلوب التحرير في الموقع.... بدأ يلحظ بعض التعتيم على الأخبار التونسية...
كانت إدارة الموقع لا تمانع في نشر أية أخبار تتعلق بالوضع التونسي والتطورات... بل إن الأستاذ "صفوت" كتب تعليقا في الموقع يبشر بأن نظام "زين بن علي" يدفع فاتورة الطغيان والقمع وأنه يهدد بعزل نفسه دوليا بسبب هذه السياسات...
ولكن عندما راحت الأمور تتجه إلى الثورة الحقيقية، بدأ التغير...
ذات ليلة من الليالي، كان علي قد انتهى من كتابة الأخبار وسيقوم بإرسالها، وكان الوضع في تونس قد بلغ فعلا قمة الخسة والقذارة من نظام "بن علي"، مما جعل الموضوع يفرض نفسه على "علي"، فأعد أحد الخبرين عن الوضع في تونس، وأعد الخبر الآخر عن الأزمة الصومالية. ولكن بينما كان يهم بإرسال الخبرين، ارتفع صوت هاتفه المحمول بالنغمة المميزة للأستاذ "صفوت".
لم يشعر بالدهشة من الاتصال؛ فهذا وقت "الرسالة المسائية"، لكنه عندما رد على الهاتف، شعر بالذهول من مسار المكالمة.
"السلام عليكم.. كيف الحال يا أستاذ "صفوت"؟"
"وعليكم السلام... الحمد لله... باقول لك...".
"خير يا أستاذنا".
"الوضع في تونس متوتر جدا، وكنا عايزين نغير شوية في أسلوبنا".
"إزاي؟؟! نعمل تقارير سريعة بدل مجرد أخبار؟!".
"لا يا أخي... عايزين نهدا شوية!!".
كانت لهجته غريبة بعض الشيء على أذني "علي"، وهو يقول العبارة الأخيرة "عايزين نهدا شوية"... لم يفهمها "علي" فسأله:
"مش فاهم.. ممكن حضرتك توضح أكتر؟!!".
جاءه صوت الأستاذ "صفوت" عبر الهاتف، وهو يحمل بعض الحرج:
"يا أخي الكلام بدأ يقلب بثورة، والناس هنا قلقانة... مش عايزين يتقال علينا إننا من دعاة الثورة وعايزين نقلب نظام الحكم".
وساد الصمت لفترة قبل أن يقول الحرج نفسه:
"فهمت؟؟!".
"فهمت يا أستاذنا... فهمت".
"سلام بقى".
والصفير المميز لانتهاء المكالمة.
وقتها راح "علي" يفكر... إذن هي ثورة، و"الناس هنا" يخشون على أنفسهم منها...
حسنا... ولكن... ما كيفية تغيير الأسلوب؟!
كيف يمكن للمرء أن يغير من أسلوبه في صياغة شيء يؤمن به؟
هنا... اتصل بالأستاذ "صفوت" وقال له كل ما دار في رأسه، فقال له الأستاذ "صفوت" — في هدوء هذه المرة — إن كل ما عليه هو أن يحاول أن يتوازن في صياغته للأخبار، فلا يطلق مثلا على من يموت بسبب القمع الوحشي لفظ "شهيد" وإنما يقول "ضحية"، وغيرها من الأمور البسيطة التي راحت تتطور وتتطور حتى وصل الحال إلى أن الموقع بدأ يتبنى في مقالات الأستاذ "صفوت" فكرة المؤامرة وأن هذه الثورة محاولة من الأمريكيين والإسرائيليين هز المنطقة ودفعها نحو الفوضى....!!
هنا لم يتمالك "علي" نفسه، فقرر أن يضع حدا لكل ذلك، واتصل بالأستاذ "صفوت"، وطلب عقد اجتماع معه، إلا أن الأستاذ "صفوت" رفض، وطلب منه أن يخبره بما يريد في الهاتف، فأبلغه "علي" بكل اعتراضاته، فماذا كان رد الأستاذ "صفوت"؟؟!
"والله يا أستاذنا دي سياسة الموقع... مش عاجبك فيه كتير غيره"...!
كانت دعوة صريحة للاستقالة...
وقبلها "علي"...!
وبعدما عاد من المكتب وقد قدم استقالته للمدير الإداري، لم يكن يشعر بالندم.. ولما دخل منزله، فكر للحظات في "هند"... لكنه شعر بالإرهاق الشديد، فماتت الأفكار في رأسه، و.. نام..
******



— 9 —
ربما كانت الاستقالة سببا في هذا الأمر، ولكن... وجد "علي" أن علاقته تتوطد بشدة بالطبيبة الجزائرية.
في البداية، كان الحوار حول الكتابة والتأليف والشئون الثقافية، ثم وجد نفسه يتكلم معها في الاستقالة وكراهيته للمؤسسة وللوضع العام في مصر...
كان يكره المؤسسة الصحفية لأنها تلونت...
لأنها انصاعت...
كان ينظر إليها باعتبارها مؤسسة كبيرة، ولكنها سقطت..
انهارت...
هذا أفقده الثقة حتى في نفسه...
لكنها كانت هناك...
لم توفر "هند" أية وسيلة لدعمه ومساندته...
أخبرته أنه لا يجب أن يفقد الثقة بنفسه، لأنه استقال... لم ينصع للضغط واستقال...
ومن هذه النقطة بدأ الحوار يأخذ منحى شخصيا...
ودعمه في ذلك الوضع التونسي...
كيف؟!
عندما كان الحوار يتخذ منحى السياسة، كان يتكلم بحماس شديد، فكانت تقول له مثلا: "أنت تحب بلادك بشدة"، فكان يرد: "وكل البلاد العربية... وماذا عنك أنت؟!"، فترد قائلة: "لا علاقة لي بها... أخشى على أسرتي الصغيرة"، فكان الكلام ينفتح على الناحية الشخصية.
عرف عنها الكثير، وعرفت عنه الكثير.
عرف مشاكلها في العمل، وتفاعل معها، وأدرك أنها شديدة الطيبة.
وعرفت عن وحدته، وطفولته السعيدة، وشبابه الحائر، وأدركت أنه شديد الحماس والإخلاص لمبادئه.
وأحبا بعضهما البعض...!
تماما بسهولة كتابة العبارة السابقة.
يمكن القول إن كلا منهما كان يحمل مشاعر تجاه الآخر، ولكن "هند" كانت الأسبق في التعبير عن مشاعرها.
كيف؟!
كان يقول ذات مرة: "لو حدث في بلادي ما يحدث في تونس سأكون في طليعة المتظاهرين".
فقالت له: "ولا تخشى أن تموت".
"لا شيء يهم طالما كان في مصلحة مصر".
فسادت فترة من الصمت قبل أن تقول:
"ولكنني أخشى عليك"، ثم فترة صمت أخرى أقصر قبل أن تقول:
"أخشى أن أفقدك".
لم يستطع الرد، فتابعت قائلة:
"لأنني أحببتك".
عندها لم يستطع الحياة من الأساس...
ساد الصمت في عالمه، ولم يعد يسمع سوى صدى صوتها — الذي كان قد استمع إليه في رسالة صوتية منها — تقول: "لأنني أحببتك".
صمت جميل...
صمت وردي، لو أن للصمت لونا...
صمت ناعم، لو أن للصمت ملمسا...
صمت لذيذ، لو أن للصمت مذاقا..
لقد استحال الصمت كائنا لطيفا احتواه، بحيث لم يعد يسمع سوى صوتها وهي تقول "أحببتك".
وفي النهاية، استجمع قواه، وكتب قائلا:
"وأنا أيضا يا "هند"... وكأنما كانت هذه العبارة هي القطرة التي يبدأ بها السيل، انطلق في الكتابة...
عبر عن مشاعره بكل طلاقة وقوة... قال وقال، ثم قال وقال، وأتبع ما قاله بأقوال وأقوال...
كان يحبها حقا..
وعندما أغلقا برنامج المحادثة، كان كلاهما يعلم أن اليوم لم يعد كالأمس، وأن الغد مختلف تماما عن الأمس واليوم...
إنه الغد الوردي...
******




— 10 —
قلنا إن الإرهاب لا يزال يغرس أظافره في الجسد الجزائري...
وكان الإرهاب يكشر عن أنيابه حينا ويهدأ أخرى...
تعددت حالات الاغتصاب التي يقوم بها الإرهابيون في المناطق الجنوبية من الجزائر...
اغتصاب؟؟!
نعم...
كانت المشكلة هي أن بعض القرى كانت ترفض استقبال جراحاهم أو تقديم أية مساعدات لهم...
والنتيجة...؟!!
غارات مثل تلك التي كان يشنها رجال القبائل في الجاهلية ضد مضارب القبائل المعادية...
تحريق للخيام...
أخذ رهائن وأسرى...
لكن الجديد الذي لم يكن الجاهليون يفعلونه كان اغتصاب النساء...!
نعم...
لم يكن عرب الجاهلية يغتصبون النساء أمام أزواجهن، ولكن "أمراء الجماعات" كانوا يفعلون ذلك من باب ما يطلقون عليه "مبدأ الاستحلال"....!
استحلال العدو بكل ما يملك...
وفي كل ما يملك...!
حقا... لا يزال الإرهاب ينشب مخالبه في الجسد الجزائري...
وأن مدينة وهران بعيدة عن ذلك، ولكن من يضمن؟!
هكذا قلنا...
ولكن الجنرال "الشاذلي مَنَّاد" كان له رأي آخر.
كيف ذلك؟!! لنتابع الحوار الذي دار بينه وبين مساعده المقدم "الأخضر سفياني".
كان المقدم يقول: "سيدي... ولكن كيف ننقله إلى هذا المستشفى؟".
قام الجنرال من مقعده في مكتبه بإحدى الثكنات العسكرية في منطقة متطرفة من الصحراء الجزائرية الشرقية، وقال بلهجته القاطعة وبالفرنسية لغته المفضلة: "يا "سفياني"... إن الكل يمكن أن يعلم إن نقلناه إلى أحد المشافي العسكرية. إننا مخترقون".
فعاد المقدم يقول: "ولكن يا سيدي، هذا يعني أنه بإمكانهم أن يعرفوا مكانه، وعندها سيهاجمون المستشفى وتكون الكارثة. إنه مستشفى أطفال".
عقد الجنرال حاجبيه، وقال في لهجة اشتم منها المقدم "سفياني" رائحة الخطورة: "لم أعهدك كثير الأسئلة أيها المقدم؟"، ثم نظر في عينيه مباشرة، وقال له: "ماذا جرى لك؟".
ارتعد المقدم للحظة من صرامة النظرة ودلالات الكلمات، ثم استعاد رباطة جأشه، وقال في صوت ثابت: "آسف سيدي الجنرال إن كنت قد تجاوزت الحدود".
لانت ملامح الجنرال، ثم قال بعد برهة: "اذهب أيها المقدم، وشدد الحراسة، فهم يريدونه بأي ثمن".
أدى المقدم التحية العسكرية، وقال في صوت ثابت: "أوامرك"، ثم انطلق خارجا من الحجرة.
وبعد أن أغلق باب الحجرة خلفه، أخرج الجنرال من جيبه هاتفا، واتصل برقم صغير للغاية قبل أن يقول: "أهلا "سرباح" معك بنفسي. لن أذهب إلى الحضانة غدا... نعم، نعم.. أخبر "مرزاق" أن يذهب لإحضار الطفل منها".
قالها بالفرنسية المفضلة لديه.
وفي الخارج كان المقدم "الأخضر" يفكر.
لماذا يودعون أحد قيادات تنظيم القاعدة في مستشفى وهران الجامعي؟! لماذا يصرون على وضعه في قسم الأطفال؟!
كان الجنرال قد أخبره أن المسلحين يتغلغلون في صفوف الجيش، وأنهم قد يعلمون مكان وجوده إذا أحاله الجيش إلى مستشفى عسكري، وبالتالي، صار الحل أن يحيلوه إلى مستشفى مدني للعلاج من آثار الرصاصات التي أصيب بها في المواجهة التي انتهت باعتقاله قبل أيام.
كانت مشكلة حادة وجود مثل هذا القيادي في مستشفى للأطفال، لأن المسلحين قد يعلمون بمكانه فيسعون إما لإطلاق سراحه أو لقتله لكي لا يشي بهم، ولكن الأرجح أن يسعوا لإطلاق سراحه نظرا لمكانته بينهم. ولكن يبقى احتمال التخلص منه قائما.
كل هذه الاحتمالات من الصعب التصدي لها في مستشفى جامعي، وفي قسم الأطفال به؛ هكذا فكر المقدم وهكذا بدأ يجري حساباته.
ولكن النتيجة كانت مخيفة للغاية.
هل الجنرال "الشاذلي منَّاد" متورط مع المسلحين!؟!
مستحيل...!
هكذا كانت الإجابة الفورية التي قفزت إلى ذهن المقدم. لم تكن الإجابة مبنية على عواطف، ولكنها كانت مبنية على وقائع سابقة قام فيها الجنرال بإعدام بعض كبار المسلحين بيديه ردا على انتهاكاتهم بحق أفراد القوات المسلحة.
هو حضر بنفسه بعضا من هذه الإعدامات الكثيرة.
ما الأمر إذن؟!
عندما وصل بأفكاره إلى هذه النقطة، أشعل سيجارة وراح يدخن وهو ينظر إلى القمر من نافذة مكتبه في تلك البقعة الصحراوية النائية قرب الحدود الليبية.
لكن القمر كان يطل أيضا على أحد الكهوف في جزء آخر من الصحراء مترامية الأطراف.. تحديدا في الجزء الجنوبي من الصحراء قرب المثلث الحدودي بين الجزائر وكل من النيجر ومالي..
وتحديدا في بلدة تمنراست...
لكن الكهف لم يكن مثل غيره من الكهوف... كان مضاءا بمصابيح غازية وأمامه وقف أحد المسلحين يرقب المكان المحيط بعينين لا تطرفان... ومن المؤكد أن الكهف كان مؤمنا عن طريق رجال أمثاله مبثوثين في كل مكان من الجبل الشاهق الذي يقع فيه الكهف...
احتاجت المعلومة عشرة أيام حتى تعبر الصحراء من طرفها الشرقي إلى جنوبها...!
عشرة أيام كاملة دارت فيها المعلومة من الثكنة العسكرية إلى مقر آخر في العاصمة الجزائر، إلى أحد الضباط المتقاعدين في العاصمة أيضا إلى تاجر مدني في مدينة قسنطينة على البحر المتوسط، وهي المسيرة التي تطلبت يومين لتكملها.
وهنا دخلت المعلومة في مرحلة كمون..
لكنها استفاقت في اليوم الرابع، وانطلقت من التاجر إلى نظير له في مدينة وجدة المغربية قرب الحدود مع الجزائر، لتعود إلى الوطن مرة أخرى عن طريق تاجر جوال بين البلدين، لتستقر في أذن راعي أغنام قرب الحدود المغربية، حتى وصلت عبر مرسال من الطوارق إلى الكهف صباح ذلك اليوم..
وفي داخل الكهف، جلس رجل يرتدى الزي المميز للطوارق وقد أطلق لحيته وشعره فيما تدلى سلاح آلي سريع الطلقات من كتفه. كان الرجل يدخن الأرجيلة في هدوء وقد ارتسمت على وجهه سيماء البشر والسرور. قال الرجل بعد أن نفث دخان الأرجيلة للحارس الواقف أمام الكهف: "أرسل بالبشرى إلى الأخوة في وهران يا "حسان"... سوف نطلق أميرنا بإذن الله تعالى خلال الأسبوعين المقبلين. عليهم أن يستعدوا بالخطة (سلسبيل)".
لم يزد رد المدعو "حسان" عن أن قال: "حسنا.. بالله التوفيق"، لكنه لم يغادر مكانه فيما لم يعترض الرجل الجالس داخل الكهف، الأمر الذي أشار إلى أن إبلاغ المعلومات ربما سيكون بعد انتهاء مهمة الحراسة.
وكما سبق أن كررنا...
لا يزال الإرهاب في الجزائر نشطا... لكن مدينة وهران ظلت بمنأى بشكل ما عن الهجمات الإرهابية...
ولكن...
مَن بمأمن من ضربات الإرهاب؟؟!
******




— 11 —
دارت العجلة بأسرع ما يمكن بين "هند" و"علي"...
تعلم منها الكثير من اللهجة الجزائرية، وتعلمت منه الكثير من اللهجة المصرية...
بدآ يتناقشان في أوضاع بلديهما، وفي النهاية... تعاهدا على الزواج...
نعم...
تعاهدا على الزواج والإقامة في مصر...
سترحل "هند" من الجزائر، وتصطحب معها والدتها لتعيش في مصر مع زوجها...
زوجها الذي بدعمها لم يفقد الأمل في الغد، الذي صبغته له "هند" باللون الوردي، وراح يسعى ويسعى حتى نجح في الحصول على عمل بأحد المواقع الإخبارية المستقلة استقلالا حقيقيا.
نعم، هكذا كان قرارهما... واتفقا على الزواج في الأول من فبراير..
بالتوازي، كانت العجلة تدور في الثورة التونسية..
ومع مطلع العام بدأت الأحداث تزداد دموية، وتوفي "البوعزيزي" من آثار إحراقه نفسه...
وفي اليوم الرابع عشر من يناير... "بن علي" هرب...
لقد نجحت الثورة التونسية...
واستمع العالم كله إلى ذلك الرجل الذي انطلق في شوارع العاصمة تونس وهو يهتف: "بن علي هرب... المجد للشهداء"...
واحتفى الموقع الجديد الذي يعمل به "علي" بالثورة التونسية، بل حصل هو نفسه على مكافأة على تغطيته لفعاليات الثورة ونقله نبض الشارع التونسي إلى القارئ المصري...
لقد انكسرت للطغيان قدم في العالم العربي...
بيد أن للطغيان أقدام كثيرة في بلادنا...
ويبدو أن الدور كان قد حان على قدمه في مصر...
إحراق الكثيرين لأنفسهم أمام مجلس الشعب وبعض المؤسسات الحكومية...
جدل سياسي وشعبي حول إمكانية تكرار الثورة التونسية على ضفاف النيل...
غليان وجدل سياسي.... و... دعوة على الفيسبوك للتظاهر يوم 25 يناير في ذكرى عيد الشرطة احتجاجا على القمع الأمني...
"الهم غادي يقتلنا عليك... أخاف بزاف".
"ليه؟! دي مجرد مظاهرات مش ثورة يا "هند"...! مجرد مظاهرات".
إلا أن "علي" شعر أنها لن تكون مظاهرات عادية؛ حيث طلب منه مدير تحرير الموقع الجديد أن يهدأ في تغطية أخبار الاحتجاجات في العالم العربي!!
لماذا؟!!
بدأ الموقع الذي كان يعمل فيه يهاجم التحركات بشدة، وراح ينعت المشاركين فيها بأنهم عملاء للأمريكيين والصهاينة، وغيرها من النعوت التي باتت مألوفة..!
من جديد....!
"كلهم كلاب يا "هند"... حانزل في يوم 25"...
وتكرر "هند" كلامها:
" ما تقدرش تدير هاد الشي...".
"خايفة؟؟! ".
"بززززاااااااااااااااااااااف".
"مش عايزك تقلقي... ربنا كبير، ودي مجرد مظاهرات".
ودوما ينقطع الحوار عند هذه النقطة... لا تجد ما تعقب به، ولا يجد هو ما يضيفه..
وهكذا استمر الحال حتى جاءت المواجهة في اليوم المنشود...
وخرج المئات في الشوارع في القاهرة... لكن الأمر لم يخرج عن نطاق الاشتباكات...
إلا أن الاحتجاجات اشتعلت في السويس...
كانت الاشتباكات شديدة، وارتقى الشهداء...
واستمرت الاشتباكات ليومين وسط دعوات ليكون يوم الجمعة التالي يوما للغضب...
وتصاعد الاستنفار الأمني...
وتعالى قلق "هند"... وناشدت "علي" ألف مرة ألا يخرج في المظاهرات التي سميت بـ"جمعة الغضب" في يوم 28 يناير... لكنه طلب منها ألا تقلق...
لكنها لم تستطع...
وعندما سمعت بأنباء النية لقطع الاتصالات في مصر يوم الجمعة شعرت بالقلق، واتصلت به هاتفيا تستحلفه ألا يخرج...
وقالت له بين دموعها إنها ستموت ألف مرة لأنهم سيقطعون الاتصالات، ولن تتمكن من الاتصال به، أو الاطمئنان عليه.
لكن أخبرها أنه سيخرج فقط ليعلن أنه ضد ما حدث في السويس... مضيفا: "حلاقي وسيلة بإذن الله. حيقطعوا الاتصالات عن القاهرة بس. حاروح السويس اتصل بيكي من هناك"...!
وانتهت المكالمة...
وبدأت جمعة الغضب...
وانقطعت الاتصالات عن مصر كلها لا القاهرة فحسب..!
كان "علي" من سكان ضاحية منشية الصدر في مدينة القاهرة، لكنه في ذلك اليوم رأى أن الشرطة تحاصر المساجد الرئيسية؛ فقرر أن يخرج إلى حي شبرا ليصلي الجمعة في مسجد الخازندار بشارع شبرا، وكان تقديره سليمًا؛ فقد كانت الميادين الرئيسية تحفل بعربات الأمن المركزي. ولما انتهى من صلاة الجمعة، خرج مع من خرج من المصلين في مسيرة تنادي النداء الشهير الذي أطلقته الثورة التونسية...
"الشعب يريد إسقاط النظام"...
سارت المظاهرة الحاشدة في غيبة تامة من الأمن حتى وصلت عن طريق الكورنيش إلى قرب ميدان عبد المنعم رياض...
وهنا انفتحت أبواب الجحيم...
من قال إن الأمن لا علاقة له بالبلطجية الذين اندفعوا باتجاه المتظاهرين؟؟!
من قال إن الغاز المسيل للدموع غير مؤذٍ، ويهدف فقط إلى تفريق المظاهرات؟؟!
من قال إن الأمن التزم أقصى درجات ضبط النفس مع المتظاهرين...؟!
من قال إن الأمن لم يطلق الرصاص الحي، إلا على من حاولوا اقتحام أقسام الشرطة؟!
كل هذه الأسئلة دارت في ذهن "علي" عندما تصاعدت سحب الغاز في المكان ولم تكتف قوات الأمن بتفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع، فراحت تطلق الرصاص الحي...
لم يصدق "علي" نفسه عندما رأى مَن أمامه يسقط أرضا وقد تطايرت أجزاء من مخه...
لم يصدق "علي" نفسه عندما شعر بذلك الارتطام في ساقه ليجد نفسه يهوي أرضا، وقد تلوثت ساقه ببقعة دماء كبيرة..
لم يصدق أنه أصيب...
لم يصدق عندما رأى الكل يجري وهو عاجز عن الجري...
لم يصدق أنه عندما حاول أن ينهض، مستندا على ساقه السليمة، عاجله أحد الضباط بضربة في وجهه أسقطته أرضا...
ولما رأى فوهة المسدس الحكومي تتجه لرأسه، رفع يديه في دلالة على الاستسلام؛ حيث ظن أنه أصبح قيد الاعتقال...
لذا، لم يصدق ما خطر بباله، عندما رأى الضابط وقد عقد حاجبيه في غل لم يره من قبل... لم يصدق وهو يرى الفوهة في مواجهة رأسه...
لكن عندما رأى بعينين زائغتين إصبع الضابط يضغط زناد المسدس، صدق ما خطر بباله...
ومن بين ذهوله تصاعد في ذهنه سؤال: "ما مذاق الموت؟!".
وأجاب صوتُ الطلقة السؤالَ...
******




— 12 —
لم تكن "هند" في حالة طبيعية...
كانت شديدة التوتر لدرجة أنها طلبت من إدارة المستشفى أن تعمل في ذلك اليوم في نوبة مستمرة طيلة اليوم، حتى تلهي نفسها عن التقارير المخيفة التي كانت تنقلها القنوات الفضائية عن "جمعة الغضب" في مصر...
راحت تدعو، وراحت أمها تدعو حتى يعم الاستقرار في مصر...
ولما خرجت من منزلها، لفت انتباهها قلة عدد السيارات العسكرية التي بات وجودها مألوفا منذ حلول الطفل ابن الشخصية المهمة ضيفا عليهم في جناح الأطفال...
لكنها لم تلق بالا لهذا الأمر، فالعسكر لهم تفكيرهم الخاص.
اتجهت إلى العنابر لتباشر عملها مع الأطفال المرضى....
ولكن في أعقاب صلاة الجمعة، سمعت جلبة كبيرة قادمة من قاعة الاستقبال الرئيسية في المستشفى...
ثم أعقب الجلبة إطلاق نار وصراخ...
ساد الهرج والمرج في العنبر، وراح الأطفال يصرخون؛ فبدأت تهدئ من روعهم، إلا أن توترها بسبب ما يجري، والذي أضيف لتوترها بسبب الأحداث في مصر جعلها تخفق تماما في ذلك، فما كان منها إلا أن خرجت من العنبر لتستطلع الأمر.
ولكن ما أن خطت إلى الخارج خطوة واحدة حتى وجدت زخات من الرصاص تتطاير حولها، فتراجعت في هلع رهيب وسط فوضى لا مثيل لها في المستشفى..
كانت لمحة من الجحيم تجلت في الأرض...
رجال يرتدون زيا عسكريا، لكنه ليس الزي الحكومي، يسيطرون على الاستقبال..
جثة ممرضة وموظف الاستقبال ملقاة أرضا...
ثلاثة من المسلحين يصعدون الدرج المؤدي إلى عنابر الأطفال...
أحدهم ينفصل ويذهب إلى العنبر الذي تقف فيه "هند" والآخران يتجهان إلى الجناح الخاص بالطفل المهم...
ما هذا؟!
ما هذا الجنون؟!
المسلح الذي اتجه إلى العنبر يقتحمه، ويطلق الرصاص...
نعم... هكذا بكل بساطة، ربما أبسط من كتابة هذه السطور...
يطلق الرصاص...
صرخات تعالت في البداية ثم تلاشت في فضاء الحجرة...
لم تصدق "هند" وهي ترى الأطفال يسقطون قتلى...
لم تصدق وهي ترى البقع الدموية تتجمع فوق معطفها لتدرك أنها أصيبت بالرصاص...
لم تصدق وهي ترى — في رؤية مهزوزة — المسلح يصوب سلاحه الآلي لرأسها...
ثم تشوشت الرؤية أمام عينيها...
أهو الموت حقًا؟!

******
— 13 —
أسبوع مر...
كلا... لم يمر على ما حدث، ولكنه مر على إفاقة "هند" من الغيبوبة العميقة التي دخلتها طيلة شهرين منذ أن وقع الاعتداء الإرهابي على المستشفى الذي كانت تعمل فيه، كان هو الأصعب على الإطلاق لوالدتها المسنة التي أمضت شبه مستيقظة بجوار ابنتها إلى أن أفاقت.
وطيلة هذا الأسبوع لم تكف "هند" عن السؤال عن الأحوال في مصر، حتى إن الأطباء في المستشفى الذي تعالج فيه أتوا لها خصيصًا بتلفاز لكي تتابع الأنباء التي توالت عن الأوضاع في مصر؛ بخاصة بعد الاستفتاء الذي جرى على التعديلات الدستورية، وما تلى ذلك من ظهور بوادر استقطاب سياسي حاد في مصر.
ولكن "هند"، في واقع الأمر، لم تكن تهتم بما يجري في مصر حرصا على مصلحة الشعب المصري؛ فكل ما كان يهمها في هذا السياق هو "علي"...
ما الذي جرى له؟!
حاولت طيلة هذا الأسبوع أن تعرف ما الذي جرى له. وبالفعل استخدمت كل معارفها واتصالاتها بل أرسلت ببعض من زملائها إلى السفارة المصرية في الجزائر لكي تستعلم عما جرى له. لكنها لم تجد أية إجابة؛ فقد كانت الدبلوماسية المصرية في حالة من الارتباك والتشتت والانشغال ما جعل العاملين في السفارة غير قادرين على — بل غير راغبين من الأساس — أن يقدموا لها أية معونة.
إلا الصول "منصور".
كان الصول "منصور" أحد العاملين في السفارة، ولا ندري الكيفية التي وصل بها إلى تلك البعثة الدبلوماسية في الجزائر، لكن الطبيب الذي تواصل معه بشأن مصير "علي" أخبر "هند" بأن الصول "منصور" كان من المحاربين المصريين الذين شاركوا الشعب الجزائري كفاحه ضد الاحتلال الفرنسي حتى تحقق له الاستقلال. وتكريمًا له، وافقت الحكومة الجزائرية على بقائه في الأرض الجزائرية كمواطن شرفي يعمل في البعثة الدبلوماسية المصرية في مدينة وهران.
قال الصول "منصور" أنه سوف يعود إلى مصر نهائيًا سبتمبر المقبل، وخلال تلك الفترة سوف يتردد على مصر كثيرا قبل الاستقرار التام فيها، وأكد أنه سوف يسعى لمعرفة مصير "علي" بعد أن حصل على كافة البيانات المتاحة.
وصلت هذه الأخبار إلى "هند" في المساء عن طريق الطبيب. لذا، كان أول ما فعلته في الصباح هو أن استدعت الطبيب المعالج لها، وتوسلت إليه أن يكتب لها تصريح مغادرة للمستشفى قبل أن تمر الفترة الآمنة طبيًا؛ فقال لها الطبيب (بالفرنسية كعادة غالبية الأطباء الجزائريين): "أنت طبيبة، وتدركين صعوبة إصاباتك. وكذلك تدركين حاجتك للعلاج الطبيعي فترة من الوقت"، ثم تنهد مضيفًا: "لم تفيقي من الغيبوبة إلا منذ أسبوع يا "هند"، وهذه فترة ليست كافية تماما".
لم يبد عليها أنها سمعته، وهي تقول له في صوت هادئ يحمل الكثير من الإصرار: "سيدي. أنا أدرك تمامًا ما تقول، وأشكر لك اهتمامك مهنيًا وشخصيًا بي، ولكنني فعلًا في حاجة إلى الخروج".
رفع الطبيب ذراعيه استسلامًا، وقال لها: "وليكن"، ثم عاد يقول في لهجة تنبيه: "ولكن، للأسف سوف تكتبين إقرارًا بأنك غادرت المستشفى على مسئوليتك الشخصية وأنت على وعي كامل بأنك لم تتمي فترة العلاج هنا".
أومأت هند برأسها إيجابًا دلالة على الموافقة.
ولم يكد ينتصف النهار إلا وكانت هند في منزلها. ومن هناك، اتصلت بزميلها الطبيب الذي يتواصل مع الصول "منصور"، فلم يرد عليها. فانتظرت قليلا قبل أن تعاود الاتصال، لكنه لم يرد أيضًا. وعلى الرغم من أن هذا الأمر مألوف مع الأطباء ألا يردوا على هواتفهم، إلا أن هاجسًا انتباها، فاتصلت للمرة الثالثة، وفي هذه المرة رد عليها الطبيب.
من نبرات صوته أدركت كل شيء.
من التأثر الذي حياها به في بدء المكالمة، أدركت أن الأمور لم تسر على ما يرام.
لذا، حولت سؤالها من "هل من أخبار؟!" إلى "هل مات؟!".
لم تدر كيف أنهت المكالمة.
لم تدر كيف لم تبكِ.
لم تدر ما قاله الطبيب بعد أن أكد لها الوفاة.
لم تدر كيف نهضت من فراشها، وارتدت ثيابها، وتوجهت إلى أقرب مكتب طيران، وطلبت حجز تذكرة سفر... إلى القاهرة.
وعندما قالوا لها إن الأوضاع في مصر ليست مستقرة لدرجة تهدد أمن المواطنين أنفسهم في بعض المناطق، وإنه من غير المستحب الذهاب إلى هناك في الفترة الحالية لغير الأغراض الضرورية، لم تلتفت إليهم، وقالت لهم إنها تريد الذهاب، وكفى بتذكرة بلا عودة. هنا، لم يجد موظف حجز التذاكر سوى أن يطلب منها أن تذهب إلى السفارة المصرية لتأخذ تأشيرة دخول، ثم عاد واستدرك قائلًا إنه حديث العهد بالعمل، ولا يدري ما إذا كانت تأشيرة الدخول اشتراط أساسي لدخول الجزائريين إلى مصر، أم يمكنها الحصول عليها من مطار القاهرة عند الوصول.
شكرته، وغادرت المكان.
كانت تتصرف بآلية شديدة للغاية.
وعندما غادرت مكتب حجز التذاكر، اتصلت بالطبيب الذي كان يتواصل مع الصول "منصور". طلبت منه أرقام هاتف الصول في القاهرة والجزائر. فلما حصلت على الأرقام اتصلت من فورها بالرقم الجزائري، فلم تجد ردًا، فلم تنتظر واتصلت بالرقم المصري، فأتاها صوت هادئ ينم عن بساطة صاحبه يقول لها: "ألو؟!". في البداية ارتكبت ولم تعرف ماذا تقول، فعاد الرجل يقول: "ألو...!" وقد اكتسى صوته هذه المرة بنبرة نفاد صبر، فخشيت أن يغلق الخط، فقالت: "أنا "هند" طبيبة جزائرية أعرف الدكتور "رياحي" الذي كان يستفسر منك عن مصير شاب مصري اسمه "علي". هل تذكر هذا الأمر؟!". فقال لها الصول: "الله يرحمه يا بنيتي. مات مع من ماتوا. رحمة الله على الجميع. هل من خدمة أقدمها؟!".
تمالكت "هند" أعصابها عندما شعرت بطيبة الرجل، فعادت وقالت في صوت ملأه الرجاء: "سيدي، أريد منك أن تساعدني في الذهاب إلى مصر". فقال الرجل في حيرة: "مصر ليست بعيدة. فهناك السفارة وشركات الطيران، و..."، لكنها قاطعته بأن انفجرت في البكاء، مما أربك الرجل كثيرًا فظل غير قادر على الحديث، قبل أن تقول هي في حرقة: "سيدي، الإجراءات كثيرة، ولا أعرف عنها شيئًا، و..."، ثم اختنق صوتها بالبكاء، قبل أن تعاود الحديث قائلة: "أريد الذهاب إلى مصر، وكفى".
بدا على الرجل أنه فهم الأمر، فقال لها: "يا بنيتي. رحمة الله على من مات، ومجيئك إلى مصر لن يعيده للحياة".
خفف قليلًا من أحزانها أن تفهم الرجل الأمر، فعادت وقالت في توسل: "أرجوك. أنا لا أطلب أي شيء غير مشروع. فقط لا أعرف الإجراءات، وهناك حديث عن تأشيرة وصعوبات في الحصول عليها بسبب تردي الأوضاع لديكم. سيدي... ساعدني ساعدك الله. لقد ساعدتنا قبل ذلك في كفاحنا ضد الاستعمار، فاستمر وساعد امرأة تطلب منك العون".
بدا أن كلماتها الأخيرة مست لديه وترًا، فقال في حزم: "حسنًا يا بنيتي. سوف أعود إلى وهران بعد يومين. ومن هناك سوف أتصل بك بإذن الله على هذا الرقم الظاهر لدي. أليس هو رقمك الشخصي؟!". أجابته بنعم، وبعد تبادل عبارات الشكر والتحية التقليدية، انتهت المكالمة.
وعادت إلى منزلها.
وطيلة يومين لم تنم، ولم تتناول طعاما إلا الضروري لتناول الأدوية.
ثم أتاها الاتصال من الصول "منصور"؛ فطلب منها أن تحضر له جواز سفرها وورقة بها سبب الزيارة والمدة التي تريد البقاء فيها في مصر.
ولم تضع وقتًا. ففي اليوم التالي، وبينما كان الصول "منصور" يجلس على أحد المقاعد في ظل شجرة بحديقة السفارة، وجد من يخبره أن هناك امرأة جزائرية تود مقابلته لأمر شخصي. في البداية، لم تثر هذه المعلومة لديه أي اهتمام، ثم فجأة تذكر مكالمة الأمس؛ فطلب السماح لها بالدخول إلى حيث هو لا في حجرته بالسفارة.
جاءته "هند"، وبعد تبادل التحية التقليدية، جلست على المقعد المقابل، وقد بدا واضحًا أنها قتلت نفسها بكاء لفترة ليست بالقصيرة، وأنها لا تزال مستمرة، وهو الأمر الذي ظهر في الدموع التي انسالت على وجهها الذي اختفى الجزء الأكبر منه أسفل نظارة شمسية سوداء كبيرة. ولما تكلمت اتضح فعلا أنها لا تزال تبكي؛ حيث جاء الصوت مخنوقا وهي تتكلم قائلة: "سيدي. شكرًا لك على كل شيء. لقد خدمتني ولم تعرفني، ولكن ذلك ليس غريبًا على شخص بذل روحه فداء لأناس لا يعرفهم".
ابتسم الرجل في هدوء، وقال: "سيدتي، كلنا فداء للواجب والحق"، ثم قال في شيء من المرح: "ولماذا الفصحى؟!".
ردت في جدية قائلة: "خشيت ألا نتفاهم إن تكلمنا العامية رغم أنني أعتقد أنك يمكن أن تفهمني، ولكنني خشيت ألا أفهمك"، ثم رفعت رأسها لأعلى، قبل أن تطلق زفرة طويلة، وتعو فتقول: "ها هو جواز سفري وجواز سفر أمي. أود الذهاب إلى مصر معها".
تناول منها الرجل جوازي السفر، وراح يتصفحهما بشكل روتيني، وهو يقول: "وكم تريدين البقاء؟!".
جاءته الإجابة سريعة ومباغتة: "إلى الأبد!".
بدا على وجهه أنه لم يستوعب الإجابة، لكنه ادعى أنه لم يسمع شيئا، فقال متسائلا، وقد عقد حاجبيه: "ماذا قلت يا بنيتي؟!".
فعادت تقول: "إلى الأبد. أود الاستقرار في مصر. أريد أن أعيش هناك".
ابتسم الرجل في حنان امتزج ببعض المرارة، وقال: "لقد مات يا ابنتي. مات، ولن يعيده ذهابك إلى مصر للحياة. بلدك الجزائر تستحق منك كل جهد لخدمتها وبنائها".
عادت تقول: "أريد الذهاب والاستقرار في مصر".
أمام تصميمها لم يجد بدًا من أن يناقش الأمر بجدية، فقال لها: "الاستقرار في مصر صعب حاليًا. إذا كنت تعرفين أحدًا في مصر، يمكنه أن يرسل لك دعوة أو ما شابه، ويضمنك طيلة فترة إقامتك. وخلال هذه الفترة، يمكنك السعي للحصول على عمل في البلاد ووقتها تقيمين إقامة عمل". ثم مال نحوها، وهو يسألها بطريقة وكلاء النيابة: "هل تعرفين أحدًا؟!".
فجاءته الإجابة مرة أخرى بشكل مباغت ومفاجئ: "نعم".
اندهش من الإجابة، فسألها: "إذا كنت تعرفين أحدًا، فلماذا إذن لم تطلبي منه المساعدة في العثور على "علي" رحمه الله؟!".
أجابته قائلة: "استعنت به".
زادت دهشة الرجل، فعاد يسأل: "وهل لي أن أعرف طبيعة قرابتك أو علاقتك به؟".
فقالت: "بالطبع"، ثم أخذت نفسًا عميقًا وكأنها ستقول شيئًا يضغط على أعصابها، قبل أن تطلق الكلمة من فمها كالقذيفة: "إنه أنت".
بهت الصول "منصور"، وظل صامتًا لفترة قبل أن يقول في شيء من الحزن: "تعرفين يا دكتورة؟! عندما جئت إلى هنا ف الستينيات، تركت زوجتي في مصر مع أهلها وقلبها يحترق لأجلي. ولما ظللت مفقودًا لفترة، فعلت المستحيل لكي تصل إليّ، وكادت أن تسافر إلى هنا، لولا أن الأنباء سبقتها بأنني بخير، ووصلتها مني صورة بجوار عدد من صحيفة بها تاريخ حديث لتتأكد من أنني على قيد الحياة. لذلك، أقدر تمامًا مشاعرك. ولكن...". بتر عبارته، ومط شفتيه قائلا في حيرة: "الوضع مختلف. هو مات، وأنت في بلادك، و...".
قاطعته هي هذه المرة قائلة: "سيدي. أطلب منك المساعدة في الذهاب إلى مصر"، ثم تابعت قائلة في رجاء يحرق القلوب: "أرجوك!".
صمت هذه المرة، وظل يحدق طويلًا في أعشاب الحديقة وصدى نبرة الرجاء في صوتها يتردد في أذنه، قبل أن يقول: "حسنًا. سوف تذهبين إلى مصر، وتقيمين في شقة صغيرة أملكها أنا في حي شعبي بسيط، وسوف أضمنك لدى السلطات المصرية".
فعادت تقول له في الرجاء نفسه: "أريد أن أعمل في إحدى المستشفيات".
ابتسم الرجل على الرغم منه، فقالت له: "أعلم أنني أثقلت بالطلبات ولكن...".
قاطعها قائلًا: "المشكلة ليست في هذه النقطة، ولكن في القانون المصري الذي يتشدد في عمل الأجانب في بعض الوظائف مثل الطب، ولكن... لكل شيء حل".
ولما عادت "هند" إلى منزلها، قالت لها والدتها: "كيف سارت الأمور؟!"، فحكت لها "هند" كل ما جرى. هنا سألتها أمها: "وهل درست الأمر جيدًا. أنا لا مشكلة لدي؛ فأنت كل عالمي... ابنتي... طبيبتي... خادمتي... صديقتي... كل شيء، ولكن أنت؟!".
فقالت "هند" في هدوء شديد: "أنا أدرك ما أفعل يا أمي، ولن أدخلك في تجربة لا تتحملينها".
فعادت الأم تقول: "أتكلم عنك أنت".
فكان الرد: "أنا أعرف ما أفعل".
هنا، تركتها أمها، وذهبت لكي تعد الطعام.
غرقت "هند" في الأفكار...
والذكريات.
وملامح مستقبل... خاوٍ
أو مجهول...

— 14 —

تمر الأيام سريعًا.
ولم تخالف الأيام هذه العادة مع "هند"؛ فبعد خمسة أيام جاءها اتصال هاتفي من الصول "منصور" يخبرها فيه بأن عليها الاستعداد للسفر خلال ثلاثة أيام، وأن تذكرتي ذهاب بلا عودة وجوازا السفر سوف يصلانها خلال ساعات مع مبعوث خاص منه.
اختنقت الكلمات في صدرها في البداية، إلا أنها سرعان ما تمالكت نفسها، وشكرته على كل شيء.
وأخبرت أمها بالأمر، فبدأت المرأة من فورها في الاستعداد للرحيل.
إلى مصر.
وبعد ساعة تقريبا، وصل إليها المبعوث، وكان يحمل شيئًا إضافيًا مع جوازي السفر والتذكرتين. كان يحمل تصريح عمل في إحدى العيادات الخاصة بحي الشعبي نفسه الذي سوف تقيم فيه.
رائع أنت أيها الصول "منصور".
سوف تعمل طبيبة، وتداوي الجرحى، علها بإنقاذ إنسان، تنقذ معه قلبًا يحترق في بقعة أخرى من بقاع العالم...
علها تنقذ "هندًا" أخرى...
وعلى الرغم من التحذيرات المشددة التي ألقاها الصول "منصور" على مسامعها بالابتعاد عن كافة المناطق التي تشهد اضطرابات لأنها أجنبية، ومن الممكن أن يتم ترحيلها لأي سبب ولو واهٍ، وعلى الرغم من أنه قال لها إنه لن يستطيع أن يساعدها إذا صدر قرار بترحيلها...
وعلى الرغم من أن والدتها معها في بلد غريب ولا عائل لهما سوى "هند" نفسها...
على الرغم من كل ذلك، كان بإمكان المرء أن يرى طبيبة تحمل ملامح تشي بأنها غير مصرية، وتوضح لهجتها أن هناك احتمالًا كبيرًا ألا تكون مصرية فعلًا تعمل في المستشفى الميداني في ميدان التحرير أثناء في إحدى الفعاليات الثورية.
ورغم قنابل الدخان التي ألقيت على المستشفى الميداني...
ورغم الرصاص الذي انهمر على المتظاهرين...
ورغم كل التحذيرات بأنها إذا سقطت في يد الأمن، فسوف تذهب في غياهب الظلمات، وربما لا تتمكن دولتها من معرفة مكانها...
ورغم كل شيء.
كان بالإمكان رؤية "هند بويحياوي" تعمل في المستشفى الميداني...
في محاولة لإنقاذ القلوب
كي يستمر الربيع...
******

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار