القناص الصغير

لؤي الشقاقي
2020 / 7 / 23

نحن شهداء نمشي على الارض ، فقط ننتظر الدور .. حكاية مقاتل
خلال عملي كـصحفي عاصرت وعايشت الكثير من الحروب والاحداث العسكرية والاحتجاجات في مناطق ودول عديدة ، وقد زرت العراق ضمن الفريق الاعلامي الذي يتردد على جبهات القتال لتغطية الحرب ضد عصابات داعش ، وشاهدت الكثير من الحالات والمواقف ابرزها كان لشاب صغير اسمه قاسم .
ففي يوم اخذتنا القوة العسكرية المرافقة الى احدى القرى المحاذية لمناطق سيطرة داعش ، كان الجيش والمتطوعين "الحشد" قد حرروها قبل يوم واحد فقط ، سمحوا لنا ان نتجول فيها مع اخذ الحذر الشديد من ان اي شيء قد يكون مفخخ وقابل للانفجار ، كنت اسمع عن مدن الاشباح لكني لم اتصور اني سوف اشاهدها ، كان كل شيء فيها مرعب تكاد الأرض والجدران تنطق من هول ما رأت ، دمار و حُطام منتشر ، رائحة الدماء والبارود تعبئ المكان وتملئ الجو ، كأن القرية مهجورة منذ قرون ، عجلات محترقة دور وجدران مهدمة الاشجار و اعمدة الكهرباء ساقطة على الارض ومضاريف الرصاص الفارغة اكثر من عدد الحصى والرمال ، كان المجرمون قد حفروا الجدران ليصلوا البيوت ببعضها حتى ينصبوا كمائن للقوات المهاجمة ويؤمنوا طريق أمن للخروج "حرب عصابات" ، تنتشر المطبات والحفر في كل الشوارع ولا يمكن لأي عجلة ان تسير فيها "علمنا ان هذة الحفر والمطبات كانت عبارة عن عبوات ناسفة انفجرت اثناء المعارك" ، كان القوات العراقية قد اكملت للتو تمشيط القرية واخلاء الجثث واشلاء الشهداء حتى نتمكن من الدخول .
بعد ان استوعبنا الصدمة الأولى انتشرنا نصور ونسجل ما رأينا وبينما ان اوثق واصور شاهدت شاباً صغيراً من المتطوعين "الحشد الشعبي" لم يخط شارباه بعد يجلس القرفصاء ينظف سلاحه بعناية ، سلمت عليه و رد السلام بجفاء مكتفياً ب اهلا
على عكس طبيعة العراقيين في الترحاب والحفاوة بالغريب فزاد رده في فضولي الصحفي ، وتقدمت منه وقلت له
كيف حالك يابني
فأجاب
- اهلاً اخي
- مابك ؟ لما انت عصبي ومحتد؟
- ليس بي شيء ، لكن ورائي عمل يجب انجازه
- هل ازعجتك ؟
- لا ولكني متعب ولم انم منذ البارحة ويجب ان انظف بندقيتي قبل النوم
- لست هنا لأتعبك ؟ لماذا يجب ان تنظفها الان وليس في الصباح ؟! ولماذا لا تنام ؟
- انت صحفي وتحب الاسئلة كثيراً وانا متعب لكن سأجيبك
اولاً لانها بندقية جدي الشخصية
ثانياً يجب ان انظفها لانها قديمة وتحتاج عناية تحضيراً للمواجهة
ثالثاً انا انام في هذا الموضع
ورابعاً وهو الاهم اني مصاب بنزلة برد والجو قارص البرودة كما ترى
- تنام هنا في هذا البرد ؟
- نعم فهذا موضعي كما اخبرتك ويجب ان استمكن وأأمنه جيداً واخفي نفسي ، فأنا قناص هذه المجموعة
- تحملني قليلاً فأجابتك زادت فضولي اكثر
- تفضل
- لماذا تحمل بندقيتين ؟
- ياعم نحن فلاحين من قرى الجنوب البسيطة ولكن طباعنا صعبة فالعرض والارض والنخوة والتضحية قيم مقدسة ، وعندما احتلت عصابات داعش اجزاء من العراق تطوع البعض للقتال ، انا لم اتطوع لانني لوحدي اعمل في ارضنا ولي اخ لازال طفل واخوات وانا المسؤول عنهم بعد وفاة والدي ، وفي يوم حلمت بان مجموعة من الدواعش يقتلون الرجال ويأخذون بنات القرية سبايا ، وظهر ابي في جانب الصورة ووبخني بشدة
"وسفة عليك انته مو ابني ليش عفت خواتك وبنات الديرة بيد الانذال"
ارعبني هذا الحلم كثيراً وسألت الشيخ "ملة" فنصحني بان اذهب للتطوع وعندما علمت امي رفضت خوفاً عليّ، فذهبت لجدي الذي اقنع امي وشجعني واصر ان اخذ بندقيته وكفنه
"جدو اني جبير ومابيه حيل اشارك اخذ هاي بندقيتي حتى ينحسب الي اجر الجهاد في سبيل الله ، وهذا الجفن مالي جبته من رحت عمرة اخذة يحرسك ويحميك حتى ترجعلنه سالم غانم"
واتيت الى هنا وهذة ثالث قرية نحررها من الدواعش بعد قتال شديد، بندقية جدي اتعبتني تحب التنظيف والعناية ولكنها قوية دقيقة في القنص وتخترق الدرع ، والبندقية الاخرى ألية لحمايتي وللمناورة والهجوم القريب
- قصة جميلة فعلاً بارك الله بك ، ولكن لما لا تشعل ناراً وتتدفئ
- استاذ لا استطيع ان اشعل ناراً خوفاً من القناصة فهم ينتظرون مثل هذة الاخطاء ليتصيدونا
ما هذا الاصرار والعزيمة والبطولة رجل في جسد وعمر طفل مراهق لا يتعدى 19 عام يتحدث كأنه مقاتل محترف .
بعد مرور نصف ساعة غربت الشمس وبينما نحن نتجاذب اطراف الحديث دوى صوت انفجار في اطراف القرية وبدأت اصوات الرصاص تلعلع في كل مكان فأضطرت القوة المرافقة لنا اخلائنا خوفاً علينا من ان نصاب بأذى فقد تعرضت القرية وخط الصد كما يسموه الى تعرض اي هجوم مكثف ، سلمت على قاسم مودعاً وغادرت وانا اخفض رأسي للأسفل خوفاً من رصاصات القناص كما نصحني صديقي قاسم .
بقيت اتنقل بين قواطع عدة لتغطية احداث القتال وفي كل مرة ابحث في الوجوه لعلي اجد صديقي الصغير قاسم ولكني افشل ، بعد عدة اشهر وجه لي قسم الاعلام دعوة لتأبين شهداء المعارك مع داعش وتكريم عدد من الابطال ، وحضرت الدعوة ورأيت صور الشهداء على شاشة عرض كبيرة ، كان بعضاً منهم شباب صغار ولكن ما اثارني ان هناك شيوخ وكهول ، المقعد الذي بجانبي كان فارغ جاء رجل عسكري وجلس بجانبي وبينما نحن ننظر الى الصور بادرني قائلاً
- كيف حالك استاذ ؟ افتقدتك
التفت له واذا به صديقي قاسم
- كيف حالك ياصديقي اشتقت لك كثيراً ، اين القى بك الدهر ؟
- هنا قربك ههههههههههه
- هههههههههههه كنت ابحث عنك في كل وحدة عسكرية ازورها لعلي اراك ، ومن حسن حظي انني رأيتك، تعرف
- ماذا ؟
- كنت اخشى ان ارى صورتك بين الشهداء ، وكلما عبرت صورة ليست لك احمد لله
- حفظك الله استاذ يشهد الله اني احببتك جداً ، لكن الشهادة ليست بعيدة .. فنحن شهداء نمشي على الارض ، فقط ننتظر ان يأتينا الدور لا اكثر
هزتني جملته تلك وحاولت ان اغير الموضوع
- مالذي اتى بك الى الاحتفال ؟
- انا مدعو للتكريم كأحد ابطال المعارك
- تستحق هذا فأنت بطل
- استاذ لماذا تحبني لهذه الدرجة ؟
- لاني رأيت فيك نبل الفارس ونخوة العربي ورأيت فيك ولدي فأنت في نفس عمره
- اشكرك استاذ وحفظ الله لك ولدك
وبقينا بعد التكريم الى العصر وتناولنا الغداء معا حتى حان موعد الفراق وودعته .
استمر عملي مع قوات الجيش والمقاتلين لفترة طويلة ولم ارى الفتى، تم توجية دعوة لي من قسم الاعلام لمرافقة حملة لتعليق صور الشهداء في شوارع بغداد تكريماً لهم وعرفاننا، ولبيت الدعوة مع عدد من الزملاء وبدأنا نوثق تعليق الصور وردود الفعل على هذه الفكرة ، تجمهر الناس واختلطت مشاعرهم بين البكاء والفخر، وبينما انا منشغل بالتصوير والتوثيق شاهدت صورة بين الشهداء اسقطتني على الارض
انه الفتى قاسم
كان يحمل بندقية جده ويلتفع بكفنه ويضحك ذات الضحكة التي ودعني بها اخر مرة فصحت بعد ان انفجرت دموعي مدراراً
- هذا صديقي هذا شهيد كان يمشي على الارض والان جاء دوره ليرتقي للسماء