تأملات حول نكتة - أو العالم فى نكتة

محمد السعدنى
2020 / 7 / 23

بينما يجلسان فى لحظة سمر سأل صاحبه: المواشى اللى عندك دى بتأكلها إيه؟ فقال له: السود ولا البيض؟ فقال: السود، قال له بياكلوا فى الغيط الشرقى، فسأله: والبيض؟ فقال له بياكلوا معاهم برضو، فقال له: بس أنا مش شايف عندهم ماية، هم بيشربوا فين؟ قال له الكبار ولا الصغيرين؟ فرد الكبار، قال له بيشربوا فى الترعة القبلية، فسأله: والصغيرين، فقال له بيشربوا معاهم برضوا، فسأله: أومال بيناموا فين؟ فجاوبه: الذكور ولا الإناث؟ فقال له: الذكور، فأجابه: بيناموا فى الزريبة البحرية، فسأله: والإناث بيناموا فين؟ فرد عليه: معاهم برضوا، فاستشاط صاحبنا قائلاً: يا عم خنقتنا لما بياكلوا مع بعض ويشربوا مع بعض ويناموا مع بعض، إيه بقى لزمته الكبار ولا الصغيرين، السود ولا البيض، الذكور ولا الإناث، إنت بتشتغلنا ولا إيه؟ قال له: يا سيدى كل واحد يتكلم فى اللى يخصه، أنا نصهم بتوعى، فسأله: والنص التانى؟ فقال ضاحكاً: بتوعى برضوا. إلى هنا انتهت النكتة، ولم تنتهى الحكاية، إذ هى على التو قد بدأت بالفعل، أو هكذا تصورت، فدعنى أسجل لك على هوامشها بعض الملاحظات.
لا أنكر أننى ضحكت كثيراً على النكتة، لكنها أضاءت فى مخيلتى عدداً من التساؤلات والأفكار، خصوصاً فى ظل ظروف ضاغطة نعيشها ويعيشها العالم أجمع. وهى ليست نكتة سياسية حريفة من تلك التى نبهنا إليها الكاتب الكبير الأستاذ عادل حمودة فى كتابه "النكتة السياسية: كيف يسخر المصريون من حكامهم"، ولا هى من نكت المفارقات الدافعة للضحك سخرية من واقع اجتماعى محبط، إنها معبأة بحمولة وجودية يصعب تجاوزها، إذ تشير إلى عبثية السؤال ومراوغة وسخرية الإجابة، إنها تنكر كثيراً من مسلمات الوجود والحياة التى تقولبنا فى داخلها ردحاً من عمر وزمان، فلا معنى فيها لفروق الجنوسة، الذكور والإناث، ولا ترتب على أساسها أية فارق، ولا تعبأ بصغير أو كبير، ولا تضع حسباناً لأبيض أو أسود، ولا غيط قبلى أو زريبة بحرى، فلا للمكان فيها معنى أو حدود، ولا للزمان معياراً أو قيود، ولا للاختصاص فيها مدلول أو إشارة. إنها أشبه ما تكون بمسرح العبث واللامعقول، حيث تهتم بالأساليب والكلمات بينما تهمل المعانى والكيانات، وفيها انتظار لما لايجئ، وفيها تهكم على ماهو قائم أو حاضر، لقد تساوى فيها كل شئ رغم تباعد الشقة بين الصنف والآخر، إنها أشبه ماتكون بأوهام المسرح عند "فرانسيس بيكون" فى فلسفته القائمة على "الملاحظة والتجريب"، وهى لا تعبأ ب "ديكارت" أنا أفكر إذاً أنا موجود، إذ تقيم الوزن هنا على عبثية الوجود، فما معنى أن "نصهم بتوعى" بينما "النص التانى "بتوعى برضوا" إذاً أنا – صاحبنا فى النكتة - فى الحالتين موجود، سواء كنت أفكر أو لا أفكر، أعمل المنطق أو أخاصمه، أرى الأشياء لا كما هى، بل كيفما أحب أن أراها، لا فارق عندى بين لون وآخر وجنس وآخر ومكان وآخر، ولا فارق بين جوهر الشئ ونقيضه أو مقابله، أبيض إسود، ذكور إناث، كبار صغار، وهكذا. إنها نكتة تحمل الشعور بفقدان التوجه والارتباك والغربة في وجه عالم عبثي بلا معنى كما عند الفلاسفة الوجوديين من أمثال "سورين كيركجورد" و"جان بول سارتر" وإن افتقدت لشياكة الصياغات لديهم.
ولعلك الآن ترى أننى أتعسف التفسير حيال نكتة سيارة ربما بدت تافهة، أو أجنح لتعقيد ما هو بسيط بطبعه، وأدفعك للتفكير بأكثر مما تحتمله الأمور، وأوافقك إلى حد ما، فهذا هو دور الكاتب، وتلك مهمة العالم والمفكر فى أن يثير الأسئلة بأكثر مما يقدمه من إجابات. وإن شئت دليلاً على صحة ما قدمته لك من أفكار فى مواجهة نكتة عبثت بكل منطق، فأنظر إلى عالمنا اليوم وكيف بدى عاجزاً فى مواجهة جائحة الكورونا التى سخرت من كل المفاهيم والمعانى وضربت الناس والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، وأنظر إلى عالم اليوم وماتناوشته من سياسات خرقاء وقيادات رعناء على شاكلة ترامب ونتانياهو وبولسينارو وماكرون وأردوغان وغيرهم، لترى كيف يحاصرنا العبث، وتتخاطفنا أسئلة المصير والوجود والإغتراب فى عالم صار أشبه ما يكون بنكتة.