لقاء في فارسكور

حسين محمود التلاوي
2020 / 7 / 22

1
عندما راحت نغمة رنين هاتفه المحمول تتصاعد، تصاعد بالتوازي معها من أسفل الأغطية صوت تأفف وتذمر، قبل أن تمتد يده النحيلة من بين الأغطية لتلتقط الهاتف الموضوع على طاولة الحاسب الآلي المجاورة. لم يكن يرغب في الرد على الهاتف، لكنه خشي أن تكون شقيقته تطمئن عليه، فقرر أن يرى اسم المتصل، وإذا لم يكن شقيقته فلن يرد. ولكن مهلًا... ليست هذه النغمة المخصصة لشقيقته. فكر في أن يتجاهل الأمر برمته، لكن الهاتف حسم الأمر وصمت بالفعل؛ فأعاد هو يده أسفل الأغطية قائلًا بصوت خفيض: "إنت إنسان محترم أيا من تكون". لكن الرنين عاد يتصاعد من جديد، فقرر أن يجعل الهاتف على وضع الصامت، إلا أن نظرة واحدة إلى شاشته جعلته يعقد حاجبيه في تساؤل، ويطير جزء كبير من أثر النوم من رأسه.
كان المتصل صديق لم يتواصل معه منذ فترة طويلة؛ فراح يتساءل في ذهنه عن السبب في هذا الاتصال المفاجئ، وبينما كان يفكر والهاتف يرن، خطر بباله أن رد الفعل الطبيعي في مثل هذه الحالات هو أن يسعد لهذه المكالمة من هذا الصديق، بدلا من أن يفكر في سبب الاتصال!! وبعد فترة من الارتباك الناجم عن الاتصال المفاجئ والاستيقاظ المفاجئ، قرر أن يرد، وبالفعل حيا المتصل في صوت حاول ألا يبدو فيه أثر النوم، فجاءه صوت الصديق في مرح كبير يقول: "إزيك يا إسلام؟! فينك؟!".
ولكن لما لم يكن "إسلام" قد استيقظ بشكل كامل من نوم طويل متقطع مضطرب، وبالتالي جاء رده باردًا بشكل ما حيث قال: "في الدنيا؟! إنت عامل إيه؟!".
قلنا إننا ندرك أنه استيقظ لتوه من نوم متقطع مضطرب، لكن صديقه لا يعلم هذه الحقيقة. لذا، انطفأ قدر كبير من مرح الصديق، وهو يقول في شيء من الاعتذار:
"إيه ده؟! مالك؟! إنت تعبان؟! وللا لسه صاحي من النوم؟! وللا إيه؟! آه تلاقيك لسه صاحي من النوم ما إنت أجازة بقى".
لم يجد شيئًا أمامه سوى أن ينتبه لمحدثه بشكل كامل فاعتدل في جلسته، وقال معتذرًا:
"لسه صاحي من شوية، بس تعبان حبتين..."، ثم انتبه إلى كلمة "أجازة" هذه في حديث صديقه، فقال له: "ومين اللي قال لك إني اجازة؟!".
جاءه صوت الصديق، وقد استرد بعضًا من مرحه السابق: "اتضح إنك ضايف والدتي على الفيس، ومش ضايفني! ههههههههه"، وتابع في لهجة عتاب: "يا راجل بقى تعمل حساب جديد وما تضفنيش!".
حك "إسلام" مؤخرة رأسه بكفه الأيمن، ثم قال في صوت بدأ يتلاشى منه أثر النوم:
"والله يا “يحيى” أنا إللي بألاقيه بأضيفه، وحكاية والدتك دي عشان بس دار النشر بتاعتكم، وقلت إني كده كده ممكن ألاقيك عندها في تعليق أو حاجة كده"، وتابع متسائلًا: "بس هي الوالدة بتركز في بوستات الفيس يعني؟! أنا فاكرها بتدخل تتابع أعمال الدار وكده بس. يعني في موضوع الأجازة ده كنت كتبت بوست كده مرة الساعة 2 بالليل إني بدأت أجازتي السنوية وخلاص! خدت بالها منه؟!".
تعالى صوت ضحكات “يحيى” عبر الهاتف، وهو يقول: "آه يا عم... دي دلوقت بتلعب المزرعة السعيدة!"، ثم تابع ضحكه، فابتسم "إسلام" وهو يكتم ضحكاته، وقال محاولًا تغيير الموضوع: "وإنت عامل إيه؟!".
أجابه “يحيى”: "مبسوط وللا إيه؟! والدنيا جميلة معاك؟! وبتضحك وللا إيه؟!".
هنا قال "إسلام" في شيء من التذمر: "لا بالله عليك بأقول لك إيه؟! أنا لسه صاحي من النوم، وأصلًا نايم متأخر، ومش ناقصة استظراف. بالع إيه على الصبح؟!".
فقال “يحيى” في المرح نفسه: "الصبح؟! يا عزيزي إحنا الساعة 2 الضهر... يعني نص ساعة وللا حاجة ونبقى العصر... صباح الخير"، ثم صمت قليلا قبل أن يسأله: "إنت في أجازة مش كده؟!".
كان سؤالًا بلا معنى، لكن إسلام لم يرد أن تتوتر المحادثة، فقال في صبر: "أيوه... الأجازة السنوية بتاعتي. حسيت إني استكفيت شوية من الشغل، فقلت آخدها دلوقت وخلاص أول السنة... ههههههههه... بس ليه السؤال بالاهتمام ده؟!".
لكن “يحيى” عاد يقول في اهتمام: "عظيم..."، وقبل أن يكمل جملته جاءه صوت "إسلام" في استنكار: "عظيم إني قرفان من الشغل؟! ولا يمكن عظيم إني في أجازة؟!".
طقطق “يحيى” بشفتيه متنهدًا دلالةً على الاستنكار، قبل أن يقول في ضيق مصطنع: "يا أخي أصبر شوية"، ثم تابع في لهجة تحمل شيئًا من الإغراء: "طيب إيه رأيك تاخد أجازة من الدنيا؟!".
أجاب إسلام وهو يحاول النهوض من الفراش: "أنا فعلًا في أجازة"، ومط شفتيه وهو يضيف هازًا كتفيه: "والله يا ريت... شوف حد وأجره يقتلني!".
جاءته ضحكة "يحيى" الساخرة تجلجل في الهاتف، وهو يقول: "متستعجلش... أكيد اليوم ده جاي"، وقبل أن يسمع تعليقًا من إسلام قال في لهجة الإغراء نفسها: "طيب إيه رأيك في يومين تقضيهم معايا في البلد؟!".
******



2
كان الاقتراح مفاجئًا ومثيرًا للاهتمام في الوقت نفسه؛ يومان في بلدة ريفية، ربما تكون فرصة جيدة لقضاء أجازة فريدة.
وكما لو أن صديقه كان يقرأ أفكاره، فقال لما طال صمت "إسلام": "أيوااااه... هو اللي بتفكر فيه بالظبط. إنت تعبان أو شوية يعني، وأنا مروح البلد أقعد فيها أسبوع بعيد عن دوشة القاهرة ووجع القلب اللي هنا. تيجي تقضي معايا يومين وللا حاجة وسط المزارع ما إنت عارف إن عندنا أرض كويسة هناك... ويا عم ولا حتلاقي (تسلم الأيادي) ولا (يسقط حكم العسكر)... ولا أي حاجة من الحاجات دي".
مط إسلام شفتيه في اشمئزاز عندما سمع الجملة الأخيرة من عبارة صديقه، قبل أن يقول في حذر وتفكير: "هي الفكرة كويسة بصراحة..."، وصمت لبرهة قبل أن يعاود الحديث باللهجة نفسها: "بس مش...".
هنا قاطعه “يحيى” في حماس قائلًا: "بس إيه؟! مفيش بس ولا حاجة... أنا حاقعد أسبوع إن شاء الله، فتعالى أقعد لك يومين تلاتة وللا الأسبوع كله لو ظروفك تسمح مفيش مشكلة... إنت عارف إن ماليش إخوات بنات فمش حيبقى فيه أي حرج إنك تقعد في البيت معايا"، وصمت قليلًا وكأنه يمنح "إسلام" فرصة للتفكير، قبل أن يتابع: "فكر كده وشوف... وعلى فكرة ماما هي صاحبة الاقتراح مش أنا... لأني ما أعرفش إنك أجازة".
فقال "إسلام" في امتنان شديد: "اشكرها كتير، وسلم لي عليها كتير"، وأضاف: "وإن شاء الله أرد عليك النهاردة بالليل بس متأخر شوية. حابقى أتصل بيك، ولو ما ردتش عليا، حابعت لك رسالة أبلغك فيها بقراري... بس إنت المفروض رايح إمتى إن شاء الله؟!".
قال “يحيى” في سعادة عندما رأى بعض علامات الموافقة في حديث صديقه: "إن شاء الله الجمعة آخر النهار... رتب أمورك وأنا مستني منك مكالمة بس يا ريت أعرف قبل صلاة الجمعة".
رد "إسلام" قائلًا: "طيب النهاردة الأربع... برضو أرد عليك إن شاء الله النهاردة بالليل زي ما قلت لك... بس معلش سؤال أخير... هو إللي أعرفه إنك من دمياط... بس منين في دمياط؟! مش فاكر بصراحة... تقريبًا مدينة دمياط نفسها؟!".
أجاب “يحيى” في سخرية مازحة: "لا يا معلم... طلعت منك أوت دي... أنا من فارسكور!".
خرج صوت "إسلام" مرتبكًا رغمًا عنه، وهو يقول متسائلًا: "فارسكور؟! فارسكور بتاعة دمياط مش كده؟!".
تعالت قهقهة “يحيى” في جذل، لما سمع صوت "إسلام" مرتبكًا، وقال: "أيوااااه هي فارسكور! بتاعة دمياط...! ما إنت عارفها أهو!"، ثم تابع قائلًا في لهجة ذات مغزى: "وبعدين مالك كده اتاخدت لما عرفت إنها فارسكور؟!".
قال "إسلام" في سرعة: "لا لا... ما اتاخدتش ولا حاجة!".
فقال “يحيى” مقلدًا أسلوب صديقه: "لا لا ... ما اتاخدتش ولا حاجة!؟ على “يحيى” برضو؟!"، ثم تابع في لهجة جادة: "يا سيدي لو على اللي جه في بالي، ما تخافش... هي كانت من بلد تانية غير البلد اللي أنا منها... صحيح الاتنين تابعين لفارسكور بس بعيد عن بعض شوية"، وصمت قليلًا ليتيح فرصة أمام "إسلام" للحديث. ولكنه صاح لما استمر صمت الأخير: "مالك يا بني رحت فين؟!".
أجابه "إسلام" في شيء من التوتر، وهو يعاود الجلوس على طرف الفراش،: "لا مفيش... بس مش عايز أعمل إحراج لأي حد... صحيح أنا عارف المناطق كويس في دمياط، بس مش عارفها أوي أوي يعني وخايف بس لا تكون أرضكم قريبة من بلدها وللا حاجة وإنت أكيد عارف... المسافات في الحتت دي محدودة... والوشوش معروفة... والغريب بيْبان، فأسبب لها حرج، و..."، ثم صمت لما لم يجد كلامًا يضيفه فقال خاتمًا كلامه: "وبس يعني... إنت أكيد فاهم يا يحيى"
فقال “يحيى” في رفق: "يا عزيزي الموضوع ده انتهى من 10 سنين... مش بقى له 10 سنين... لأ... إنتهى خالص من 10 سنين... يعني زمانها نسيته ونسيت اللي جابوه كمان. زائد إنها تقريبًا سابت بلدها وراحت إسكندرية عشان جوزها صيدلي هناك... ده على ما بلغني من أحلام... ما إنت عارف إحنا التلاتة كلنا بلديات من دمياط"، وصمت لبرهة قبل أن يردف: "خلاص يا عزيزي؟! كويس كده؟!".
فقال "إسلام" متمتمًا في شيء من الشرود وهو يفكر في آخر مقطع من كلام صديقه: "كويس... كويس".
فقال “يحيى” في لهجة من يود إنهاء الأمر: "طيب مش حاطول عليك أكتر من كده وإنت لسه صاحي من النوم... أصلًا أنا طولت عليك خلاص"، وضحك طويلًا قبل أن يتابع قائلًا في هدوء ورفق: "فكر في الاقتراح ده، وصدقني لمصلحتك وحاتنبسط إن شاء الله... وشيل أي حاجة من دماغك"، وأكمل في شيء من نفاد الصبر: "إسلام... ما تقعدش تفكر كتير وتهرش شعر قفاك... زمانه انبرى من الهرش! الدنيا خلصت وإنت أول واحد عارف إنها خلصت، ومن الطرفين كمان... يبقى مفيش داعي للإحراج من أي حاجة... عظيم؟!"، واسترد صوته هدوءه ورفقه وهو يضيف: "مستني منك مكالمة أو رسالة بالليل إن شاء الله. أي استفسارات تانية؟!".
قال "إسلام": "لا شكرًا يا “يحيى”... شكرًا على الاقتراح وعلى سؤالك... واشكر لي الوالدة كتير".
فقال “يحيى”: "خيرك يا سابق يا عزيزي... أسيبك بقى وعلى ميعادنا إن شاء الله... سلام".
فرد "إسلام": "سلام".
وانتهت المكالمة...
وتفجرت الذكريات.
******
3
"أنا من فارسكور".
ترددت هذه العبارة في ذهنه والماء ينساب على وجهه، وهو يغتسل من أثر النوم.
لكن العبارة لم تتردد بصوت صديقه، بل بصوت أنثوي هادئ به خنفة خفيفة يحمل شيئًا من الخجل.
يومها تساءل في نفسه عن السبب الذي يدفعها للخجل من كونها من فارسكور؛ فلتكن من فارسكور أو من دشنا... ما المشكلة في ذلك؟! لكنه وقتها لم يعلق؛ فربما كانت "فارسكور" هذه مصدر عار للمنتمين إليها، لكن ما يعرفه عن هذه المدينة لم يكن يتضمن ما يشين؛ بل العكس هو الصحيح؛ فمنها جاء الكثير من الأعلام؛ فلماذا الخجل؟! وقتها لم يُطِل التفكير، ولم يحاول الاستفسار معتمدًا على قاعدة يتبناها حتى الآن وهي أن الزمن كفيل بتوضيح الأمور.
وقتها اكتفى بأن قال وهو يبتسم مرحبًا: "أهلًا وسهلًا... وأنا من الوايلي".
إلا أنه شعر ببعض الارتباك، عندما رأى التساؤل في عينيها السوداوين الواسعتين، فقال بصوت وضح فيه هذا الارتباك، وهو يلوح بيده اليمنى في إشارة عشوائية: "الوايلي... حتة كده جنب القبة". لكن ارتباكه زاد، عندما لمح الحيرة في عينيها تزداد، فصمت قليلًا ليستجمع نفسه، قبل أن يسألها وهو يعدل منظاره الطبي كما لو كان يحاول بذلك أن ينال المزيد من تمالك النفس: "إنتي تعرفي القاهرة يا أستاذة منى؟!".
بدا عليها الأسى بشكل مفاجئ، وهي تقول بصوت خفيض من الخجل: "لأ" مضيفةً: "أنا عارفة الجيزة كويس... أصل أنا كنت في المدينة الجامعية في جامعة القاهرة، ودلوقت ساكنة في العمرانية". اندهش عندما وجد أنها قالت هذا الجزء الأخير من العبارة في سرعة وشيء من الانفعال وكأن الجهل بالقاهرة نقيصة تقلل من أثرها بامتلاك ميزة أخرى، وهي المعرفة بالجيزة، لكنه أفاق من أفكاره، عندما تابعت، وهي تلوح بإصبع سبابة خرج من كف أيمن دقيق في تشديد: "العمرانية الغربية مش الشرقية".
للمرة الثانية، راح يتساءل عن سبب انفعالات الخجل والحماس التي تتكلم بها عن الأماكن، لكنه أيضًا — وللمرة الثانية — لم يحاول الاستفسار، فقال في هدوء محاولًا استيعاب انفعالها: "أهلًا وسهلًا... أنا من الوايلي، والوايلي ده حي من أحياء القاهرة... تقريبًا في شمالها"، ثم مط شفتيه وهو يضيف: "تقدري تقولي شعبي... هو فيه أجزاء شعبية وأجزاء لأ... بس في المجمل هو حي شعبي".
كان يضع معجون الأسنان على الفرشاة، عندما تذكرها، وهي تقول في ترحاب هازةً رأسها: "أهلا بحضرتك"، ثم تعيد النظر إلى أوراق العمل على مكتبها، وتتابع في اعتذار: "معلش عطلتك"، فابتسم في مجاملة وعاد كل منهما إلى عمله.
ربما هي المرة الألف التي يسترجع فيها هذا الحوار.
كانت لديه مشكلة، وهي أنه لا ينسى بسهولة... لا ينسى أي شيء بسهولة، ولو كان نتيجة مباراة كرة قدم.
"الله يسامحك يا “يحيى”"... قالها في نفسه وهو يمشط شعره أمام المرآة، ويتأمل ملامح وجهه. لكم تغيرت التعبيرات التي تحملها هذه الملامح... ربما لم تتغير الملامح كثيرًا عما كانت عليه قبل 14 عامًا، عندما التقاها... ربما...
فارسكور...
كلمة أرسلته بالبريد السريع إلى الوراء لما قد يصل إلى عقد ونصف...
حاول أن ينفض عنه هذه الأفكار، وقال لنفسه بصوت مرتفع: "بأقول لك إيه؟! إنت في إيه وللا في إيه؟! دي دنيا وخلصت من سنين... الحق صلي الضهر عشان العصر على نطقة!". وبالفعل، شرع في صلاة الظهر، ولم يكد يفرغ منها حتى تعالى صوت أذان العصر من المسجد القريب.
قام ليبحث عما يؤكل، لكنه وجد لم يجد ما يؤكل، ووجد أن كل ما لديه من أطعمة بحاجة إلى إعداد؛ فقرر أن يشتري إفطارًا جاهزًا، طالما أنه سوف ينزل لأداء صلاة العصر في المسجد بعد قليل؛ فارتدى ثياب الخروج، ونزل، وهو يفكر في نوعية الطعام الذي سيتناوله على سبيل "الإفطار"، إن كان من الملائم إطلاق مسمى "الإفطار" على طعام الثالثة عصرًا.
ولكنّ أفكاره سرحت رغمًا عنه إلى سؤال طالما خطر بباله في تلك الفترة، وهو: "هل يمكن وراثيًّا أن يجتمع شعر بني مائل للحمرة مع عينين سوداوين؟". ربما بدا السؤال تافهًا، لكنه وقتها مثل له تساؤلًا حقيقيًّا، وللآن لا يدري لماذا بدا له هذا الأمر مهمًا. وفي أعماقه استغرب أنه لا يزال — برغم مرور ما يقرب من 11 عامًا على آخر مرة رآها فيها — يذكر شكلها العام بل ملامحها جيدًا، وربما لو رآها الآن لعرفها، هذا إذا لم تكن قد تغيرت كثيرًا.
وكان آخر ما خطر بباله، قبل أن يدخل المسجد، هو أنها قد تغيرت بلا ريب.
******



4
نسي الأمر برمته مع دخوله في صلاة العصر، وكذلك مع محنة اختيار "الإفطار"، إلا أنه عاد وتذكره، عندما رجع إلى منزله، وراح يتناول طعامه أمام قنوات الأخبار ليتابع آخر أنباء الوضع السياسي المتراوح، فلمح في شريط الأخبار خبرًا عن افتتاح مشروع تنموي في فارسكور، فتدفقت الذكريات من جديد، ولكن تصاعد النغمة المميزة لرقم شقيقته قطع هذا التدفق؛ فرد عليها في سرعة قائلًا: "ألو... سلام عليكم... إزيك يا نورا؟! عاملة إيه؟!".
جاءه صوت شقيقته القلق دومًا: "الحمد لله... إنت عامل إيه يا سمسم؟! إيه أخبارك دلوقت؟!".
أجابها قائلًا: "الحمد لله".
لكنها عادت تسأله السؤال الدائم في هذه الفترة: "طيب رحت الشغل النهاردة؟!".
فقال في أسف: "لا ما أنا قلت لك إني واخد أجازة "، ثم خشي أن تحسب أنه مريض؛ فقال مطمئنًا: "بس ما تخافيش... دي أجازة سنوية عادية يعني... ما تخافيش يا رورو!".
لكنها سألته وقد سرت في صوتها رعدة قلق: "إسلام... لا تكون تعبان آجيلك؟!".
فأقسم لها أنه بخير، وأنه فقط في أجازة بدون أية أسباب... فقط أجازة، فقالت له: "طيب تعالى لي يوم الجمعة ما دمت كويس".
فكر في أن يخبرها باقتراح صديقه، إلا أنه تراجع لما رأى أنه لم يتخذ فيه قرارًا، فقال لها: "إن شاء الله أشوف ظروفي إيه، ولو لاقيت فيه مساحة، أبقى آجي، وحابلغك الخميس بالليل إن شاء الله".
وانتهت المكالمة، ولكنه لما ألقى ببصره على شاشة التلفاز، وجد أن شريط الأخبار بدأ من جديد، ولمح مرة أخرى الخبر الخاص بالمشروع التنموي في فارسكور.
"أنا عايزة أعيش في القاهرة".
كانت الخامسة عصرًا في يوم أبريلي معتدل الحرارة بعد عامين على مجيئها إلى الشركة التي كانا يعملان فيها في تلك الفترة، عندما جاءته تستأذنه لتجلس في الحجرة التي يتولى مسئوليتها في القسم الذي يعملان به سويًّا لأن "الأستاذ وحيد مشي، والناس في الأودة عمالين يتكلمو، والشغل اللي معايا لازم يخلص قبل ما أمشي عشان بكرة أجازتي"؛ فسمح لها بالجلوس في الحجرة باعتباره المسئول الإداري عن المكان.
جلست إلى الحاسب الآلي المجاور له، وبدأت تعمل، وساد الصمت في الحجرة التي لم تكن تضم بالإضافة إليهما سوى زميلة أخرى كان يبدو عليها أنها غارقة تمامًا في عملها وفي ما تسمعه من أناشيد — كان يدرك بحكم معرفته بها أنها صوفية — تصل إلى أذنيها عبر سماعات متصلة بجهاز تسجيل صغير "ووكمان" موضوع بجوار حاسبها الآلى إلى جانب علبة اكتظت بشرائط المدائح النبوية؛ مما جعله متأكدا من نوعية الأناشيد التي تسمعها.
وبعد نحو الساعة، جاءت صديقة لها من الحجرة المجاورة، وسألتها: "إيه ده؟! إنتي مشيتي ليه يا مونّتي؟! بصيت حواليا ما لقيتكيش افتكرتك خرجتي وراجعة بس اتأخرتي أوي، قلقت عليكي"، ثم توجهت الصديقة بكلامها له قائلة في لوم مصطنع: "وإنت يا أستاذ إسلام كده برضو تساعدها على الفرار؟!"، فابتسم هو دون أن ينظر إلي أي منهما، بينما قالت هي في ضيق: "عمالين يتكلمو يتكلمو"، ثم نظرت إلى صديقتها وقالت: "والله مش قصدي إنتي يا هبة، بس عمالين يتكلمو يتكلمو..."، وزفرت في ضيق، قبل أن تتابع في إحباط: "بيفكروني بالناس في البلد"، ولوحت بيدها بذراعها في الهواء في إشارة ساخطة بلا معنى حقيقي ثم تابعت قائلة: "كلام على الفاضي"، وصمتت للحظة وهو وصديقتها ينظران إليها في صمت قبل أن تقول في سخط كامل: "أنا عايزة أعيش في القاهرة".
هنا قال لها في هدوء متسائلًا: "ما لك يا منى؟! قرفانة من امبارح!"، ثم أضاف مازحًا: "إنتي مولودة قرفانة أصلًا، بس القرف زاد شوية اليومين دول!".
احمر وجه "منى" في إحراج، واحتبست أنفاسها للحظة، قبل أن تقول في ثورة وهي تكاد تنتفض من الغيظ: "أنا؟! أنا مولودة قرفانة؟!"، فسارعت "هبة" إلى تهدئتها قائلة وهي تربت على كتفها: "بيهزر معاكي! بيهزر معاكي!"، ورمقت "إسلام" بنظرة لائمة، بينما استمر يحمل على وجهه الابتسامة المرحة نفسها، وهو يتابع قائلًا بالأسلوب نفسه: "يعني... ربما بدأ القرف بعد السبوع!"، قبل أن يتنهد ثم يقول في رفق وبنبرة جادة ناظرًا إلى عينيها مباشرةً: "مالك؟! مين زعلّك بس؟!".
فأطرقت برأسها إلى الأرض، ثم أراحت مرفقها الأيمن على ركبتها، قبل أن ترتكز بذقنها على قبضة يدها اليمنى المضمومة، وتقول في يأس، مستمرة في التحديق إلى الأرض: "مش عارفة... بس كل ما ييجي ميعاد الأجازة بتاعتي أبقى مش عايزة أروح البلد... وفي الوقت نفسه مش عايزة أفضل عايشة مع خالتي"، ثم رفعت رأسها وراحت تنقل بصرها بينه وبين صديقتها قائلة في شيء من الغلّ: "دي إنسانة بشعة!"، والتمعت الدموع في عينيها السوداوين وهي تقول في صوت خفيض: "بتكرهني... بتكرهني مش عارفة ليه"، ثم أضافت في حرارة بصوت يختنق بالدموع، وهي ترفع سبابتها اليمنى أمام وجهها: "مع إني والله بأدفع لها نص مرتبي، وبأفضل باقي الشهر كله بنص المرتب بس، ومش بأقول لماما وبابا على أي حاجة من كده".
تنهد في عمق، وهو يواصل تناول الإفطار.
من قال إن هناك تنمية في الريف؟! من قال إن هناك توفيرًا لفرص العمل. من قال إن أهالي محافظات الوجه البحري ينعمون بعوائد ما يخرجونه للبلاد من ثروات زراعية؟! لماذا تركت "منى" بلدتها، وجاءت إلى القاهرة أولًا للتعلم في جامعتها، ثم بعد ذلك للعمل؟!
لماذا لم تتعلم وتعمل في بلدتها الأم؟!
"طيب هو ممكن ما تروحيش الأسبوع ده؟!".
فردت على صديقتها قائلة في قنوط: "آه... عشان أفضل قاعدة مع خالتي!".
أطلقت صديقتها ضحكة ساخرة وقالت: "هي خالتك دي أخت أمك، وللا جوز أمك؟!"، لم ترد "منى"، واكتفت بأن نظرت لها في ألم، فيما اعتلى الأسى ملامحه، وهو يقول محاولًا انتقاء كلماته بعناية: "بصي يا منى... القاهرة حلوة ما حدش قال حاجة، بس فيها مشاكل برضو... عايزة واحد ما عندوش دم يعيش فيها... الناس وحشة أوي هنا"، ثم قام من مكانه وراح يسير في الحجرة قليلًا، وهو يضيف مستخدمًا حركات يديه للتأكيد على معاني كلماته: "ربما دمياط مافيهاش فرص زي القاهرة، بس فيها هدوء... استقرار".
هزت "منى" رأسها موافقةً، لكنها قالت: "هدوء قاتل... ملل... آه القاهرة عايزة حد ما عندوش دم... بس مين فينا لسه عنده دم؟!".
اتسعت عينا "هبة" في عدم تصديق، وقالت في استنكار حقيقي: "إيه؟! بتقولي إيه يا حلوة؟!".
لكن "إسلام" قال في أسف: "أنا فاهم منى عايزة تقول إيه. الواحد بحكم التعود بيفقد إنسانيته".
فقالت "منى": "وده أحسن على فكرة".
فقالت هبة وهي تنظر إليها في استغراب: "لا لا لا لااااا... إنتي النهاردة مش على بعضك فعلًا. ده إنتي قرفانة دوبل!"، ثم نظرت نحو "إسلام" قائلة، وهي تشير في ازدراء مصطنع نحو "منى": "يا أستاذ إسلام الأشكال دي المفروض ما تفضلش في الشركة... دي خطر على الإنتاجية!".
فجاراها "إسلام" في الكلام قائلًا: "خلاص... نبلغ أستاذ وحيد وهو يتصرف معاها بقى!"، قبل أن يتابع في لهجة ذات مغزى غامزًا بعينه: "خلليها ترجع فارسكور تاني!".
هنا هزت "منى" رأسها في ألم، وعادت تتظاهر بمواصلة العمل، وهي تقول: "والله إنتو مش فاهمين حاجة"، وتعالت ضربات أصابعها بقوة على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي، وهي تكرر: "مش فاهمين حاجة!".
نظر إليها كل من "هبة" و"إسلام" دون أن يدريا ما يقولان، قبل أن تأخذ "هبة" زمام المبادرة، وتقول:
"طيب بعد إذنكو يا جماعة أنا حاروح ألم حاجتي وأمشي، قبل ما البت دي تولّع فيّا".
ابتسم "إسلام"، وهو يعود إلى عمله، فيما لم تعلق "منى"، وقد تشاغلت بمسح دموعها، وضبط وضع خصلة من شعرها اعتادت الفرار من أسفل حجابها لتشي بلون شعرها البني المائل إلى الحمرة، فنظر إليها "إسلام" قائلًا: "مش عارف أقول لك إيه والله... بس باين عليكي متضايقة جدًا من موضوع البلد ده...".
لم ترد واكتفت بأن هزت رأسها، وبدا أنها لو نطقت بحرف، لانفجرت في البكاء، وتفهم هو هذه المشاعر، وأحسّ فعلًا بالرغبة في أن يربت على كتفها، كما فعلت صديقتها "هبة"، إلا أنه اكتفى بأن استدار إلى حاسبه الآلي مطلقًا زفرة ملتهبة، وعاد يواصل عمله؛ فقالت له في لهجة جامدة دون أن تتوقف عن العمل: "معلش لو كنت ضايقتكم بحاجة".
فقال لها في هدوء دون أن يتوقف عن العمل كذلك: "أبدًا يا منى... أبدًا صدقيني... بس إنتي إهدي كده، وكل شيء حايبقى كويس إن شاء الله".
لكن الأيام أكدت خطأ هذه المقولة.
وقبل آذان المغرب من يوم الأربعاء، كان قد اتصل بصديقه “يحيى” ليخبره بموافقته على الذهاب معه في رحلة ليومين إلى فارسكور.
******


5
الطريق الزراعي.
كانت المرة الأولى التي سار فيه، عندما ذهب ليودع جدته، قبل أن يذهب بعد ذلك ليودع كلًا من والدته ثم والده.
وقتها شعر وكأن الله عز وجل قد أرسل إليه هذا الطريق بكل ما فيه من خضرة — رغم أن هذا حدث في قلب الشتاء الديسمبري — ليخفف بعضًا من آلام الفقد. وبعدها تعددت زياراته للطريق الزراعي، وعلى الرغم من سوء الذكرى الأولى، إلا أن ما بقي في قلبه من اللقاء الأول كان الشعور بالراحة جراء مشاهد الخضرة المتوالية، وهو الشعور الذي زاد مع قرب حلول الصيف وازدهار الحقول وتنامي مساحة اللون الأخضر.
في البداية، عبر لصديقه عن خوفين؛ الأول هو أن الجو البارد في الأرياف في هذه الفترة قد يضر به، والثاني هو أن المسافة طويلة، وربما يرهقه السفر. لكن صديقه طمأنه من ناحية الطقس؛ حيث قال له إنه سوف يجعله يبيت في غرفة "قبلية" بحيث لا يتعرض لتيارات الهواء، كما أن الأمر "مش حايزيد عن ليلتين أو تلاتة بالكتير يا صديق". ومن ناحية القيادة، قال له “يحيى” إنه سوف يترك قيادة والدته للسيارة تتحدث عن نفسها.
وبالفعل، كانت قيادة والدة “يحيى” لسيارتها الخاصة شديدة البراعة؛ فكانت تنطلق في سرعة وفي الوقت نفسه تتفادى التوقفات المفاجئة والاحتكاك بالسائقين الآخرين. كانت محترفة والحق يقال، وقد بدا احترافها، عندما أصرت على البدء في الرحلة قبل صلاة الجمعة وليس في آخر النهار؛ لأن الطريق يكون خاليًا في هذه الفترة؛ بحيث يؤدون صلاة الجمعة في أحد المساجد على الطريق، وهو ما كان.
عندما وصلت خواطره إلى هذه النقطة، تنهد طويلًا، فقالت والدة “يحيى” لابنها: "هو إنت جايب صاحبك يتعذب وللا إيه؟! باين عليها كانت تجربة صعبة أوي!"؛ فضحك “يحيى” طويلًا، بينما بدا الإحراج على وجه "إسلام"، إلا أن والدة صديقه سرعان ما أخرجته من هذه الحالة بأن قالت: "إحكي يا ابني يمكن أقدر أساعدك بحاجة".
لكن “يحيى” الجالس في المقعد المجاور للسائق نظر في المرآة الداخلية بالسيارة فوجد علامات التردد على وجه "إسلام"، فقال لوالدته: "خلاص سيبيه دلوقت يا ماما... هو جاي معانا يخف من اللي فيه!".
هنا قالت الوالدة موجهة حديثها إلى "إسلام": "اسمع كلام صاحبك يا إسلام يا ابني... إنت جاي تهدأ هنا شوية"، ثم هزت رأسها في استغراب مصطنع وقالت: "أول مرة يحيى يقول حاجة عليها القيمة"، وضحك الجميع.
ضحك الجميع ساخرين منها، عندما قالت لهم إنها تتضايق من وصفهم لها بأنها "طيبة".
لكن "إسلام" لم يشاركهم الضحك، ووقف في وسط الحجرة قائلًا لها: "ليه يا منى؟! هو الطيبة وحشة؟!".
فأجابته في غيظ مكتوم: "الطيبة حاليا تعني السذاجة... وأنا مش ساذجة".
فعاد يقول: "لأ... الطيبة حاجة والسذاجة حاجة تانية. وللا إنتي من أنصار (الطيب في الزمان ده بيقولو عليه ضعيف)؟".
فقالت في الغيظ نفسه: "بيقولو عليه عبيط!".
هنا قال "إسلام": "أقول لك على حاجة؟! ما تحسبيش حد طيب... بصراحة كلنا أشرار، وما تصدقيش حد يعاملك كويس... أكيد فيه مصلحة"، ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف: "ولا أنا حتى".
فغمغمت قائلة: "كنت عايزة أقول لك كده، بس اتكسفت".
فقال لها: "ما تتكسفيش... كلنا أشرار"، ثم استدار إلى مجموعة من زملائه جلسوا معًا في إحدى حجرات القسم أثناء ساعة الراحة: "كلنا أشرار يا جماعة، صدقو....".
"من غير هزار بقى إنت لأ".
انطلقت هذه الجملة مقاطِعةً إياه، فساد الصمت تمامًا، والتفت الجميع إليها، فقالت وهي تنظر إلى الأرض: "أيوه... إنت محترم بجد"، ثم رفعت بصرها إلى الجميع، وتابعت في أسلوب قوي: "أيوه... هو محترم عشان بيعاملنا كلنا باحترام؛ إللي له مصلحة عنده واللي مالوش"، ثم هزت كتفيها وقالت في استنكار: "أنا مش شايفة في اللي قلته حاجة عجيبة تستاهل كل الذهول اللي في عينيكو ده".
استمر الصمت في المكان، فقال "إسلام" محاولًا كسر حدة توتر ساد المكان بلا داعٍ: "في كل الأحوال يا منى، برضو حاتخلصي الشغل قبل ما تمشي. أكيييييد إنتي قايلة الكلام ده عشان مصلحة"، فضحكت وضحك معها الجميع.
أفاق من ذكرياته على صوت “يحيى” يقول: "حمدًا لله على السلامة يا عزيزي... وصلنا فارسكور".
نظر "إسلام" من النافذة حوله، فوجد أنهم بالفعل داخل فارسكور، وقالت والدة “يحيى”: "ربع ساعة كمان إن شاء الله ونوصل البلد... البيت مش بعيد صحيح هو في آخر البلد بس أنا بأدخل له من سكة مختصرة"، وأضافت موضحةً: " هو تقريبا آخر بيت في المساكن، وبعديه طوالي أرضنا، وفي نصها مسجد العيلة"، ثم هزت رأسها وأضافت: "إن شاء الله يا ولاد تبقى أجازة سعيدة".
"نفسي في مرة أشوفك سعيدة".
قال لها هذه العبارة في حنق مكتوم، إثر إطلاقها زفرة طويلة، وهي تجلس إلى الحاسب المجاور له في واحدة من جلسات ما بعد الخامسة عصرًا؛ فردت دون أن تنظر إليه: "اطلب كده من نفسك الأول!".
هز كتفيه وعاد يواصل عمله قائلًا: "كل واحد فيه اللي ماحدش يعرفه".
هنا صفعت لوحة المفاتيح صفعة أخيرة قبل أن تتوقف عن الكتابة، وتلتفت إليه قائلة: "إنت اللي مش بتتكلم"، ثم تابعت في صوت خفيض وإن كان حازم اللهجة وهي تنظر إلى عينيه مباشرةً: "على فكرة أنا أكبر منك بسنة مش عيلّة زي الباقيين؛ فتقدر تتكلم معايا براحتك وكلامك مش طالع برة"، ثم اعتدلت في جلستها لتواصل عملها، قبل أن ترمقه بنظرة جانبية وهي تقول في كبرياء: "ويمكن كمان أدي لك حل!"، وراحت تواصل عملها، فتأمل وجهها من جانبه قليلًا، قبل أن يشعر بالحرج، ويلتفت إلى عمله دون أن ينطق بكلمة واحدة.
ساد الصمت بينهما لفترة، قبل أن يقطعه بقوله — وأيضًا دون أن يلتفت إليها: "إنتي مجنونة"، فالتفتت إليه هذه المرة، ورفعت حاجبها الأيمن كعادتها في التعبير عن الاحتقار، وقالت: "كنت فاكراك مختلف... طلعت زيهم"، ثم هزت كتفيها وهي تعدل وضع منظارها الطبي الأنيق الصغير — الذي كانت ترتديه أثناء العمل فقط — وعاودت الالتفات إلى حاسبها، وهي تقول: "وبعدين خلاص... أنا مجنونة... أسعد بقى أحزن، إنتو مالكم؟! مش أنا مجنونة؟!".
فتعالى صوت الأستاذ "طاهر"، أحد كبار العاملين في القسم الذي يعملان به، من مكانه على أحد الحاسبات بالطرف الآخر من الحجرة — وهو يضحك قائلًا: "والله شكلكو وإنتو الاتنين بتتناقرو زي العسل!"، ثم قال مخاطبًا إياها: "ما تقومي تخبطيه الكرسي أحسن يا منى!"، وأطلق ضحكة طويلة، شاركه فيها "إسلام"، فاحتقن وجهها، قبل أن تقول، وهي تواصل صفع لوحة المفاتيح:
"مش هو لوحده على فكرة يا أستاذ طاهر".
ضحك "طاهر" من جديد، وهو يقوم من مكانه مغادرًا الحجرة وهو يقول:
"إنتي خلليتي فيها أستاذ بقى؟! طب أنا سايب لك الأودة وماشي أهو".
التفتت إليه قائلة في اعتذار صادق:
"أستاذ طاهر إوعى تكون زعلت! أنا آسفة!".
فقال لها "طاهر":
"لا وده معقول؟! يا ستي كله هزار، أنا كده كده كنت خارج أجيب شاي"، ثم غادر الحجرة، وهو يضحك؛ فقال لها "إسلام" مبتسمًا، وهو يخفض صوته:
"شفتي؟! ماحدش بياخد على كلامك! مجنونة!".
فنظرت إليه نظرة لم يستطع فهمها، وساد الصمت، إلا من صوت صفع المفاتيح.
ولم يفق من الذكريات إلا على بعد أن شعر بأن السيارة تهدئ من سرعتها قبل أن تقف تمامًا، ووالدة “يحيى” تقول: "دوركم يا شباب... طلعوا الحاجة فوق، وبعدين ورتبوها في أماكنها لغاية ما أعمل شوية مشاوير وأجيب شوية لوازم".
وبدأت الأجازة.
******


6
انتهى "إسلام" و”يحيى” من ترتيب المسكن الذي كان عبارة عن منزل ريفي تقليدي في شكله الخارجي مع بعض التعديلات في الترتيب الداخلي؛ حيث كان مكونًا من طابقين بالإضافة إلى طابق أرضي يحوي المضيفة بالإضافة إلى المطبخ ودورة المياه الرئيسية. أما الطابقان العلويان فكان كل منهما عبارة عن غرفة نوم وغرفة مكتب وغرفة معيشة إلى جانب دورة مياه، وكانت مهمة الشابين هي ترتيب اللوازم التي أحضرها القادمون معهم من القاهرة، فيما كانت عملية النظافة وترتيب المسكن بشكل عام قد تمت قبل مجيئهم.
ولم تمض ساعة إلا وكانا قد جلسا في غرفة معيشة الطابق الثالث، وفي تلك الأثناء كان “يحيى” يرتشف بعضًا من الشاي الساخن، وهو يقول لـ"إسلام" في حيرة: "أنا مش عارف يا أخي. حاسس إن التجربة دي أثرت فيك أكتر من تجربة الطلاق. يعني أنا ولا شايفك متأثر بالطلاق نفسيًّا على الأقل، ولا حاجة"، ثم هز كتفيه قائلًا: "آه أثناء الطلاق وبعده بفترة كنت تعبان وكده، ولكن..."، ثم صمت قليلًا قبل أن يقول في أسلوب من يعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة: "حاسس إن الموضوع... عادي... مش فارق..."، قبل أن يمط شفتيه في دلالة على الحيرة، ويقول: "مش عارف!".
أمسك "إسلام" كوب الشاي بين يديه في محاولة لاكتساب بعض الدفء، قبل أن يقول في هدوء: "الطلاق في ذاته ما كانش المشكلة، لأني أدركت إن ده الحل الأمثل بالفعل لعدم وجود ما يكفي من التوافق لاستمرار الجوازة"، ثم أخذ رشفة من كوب الشاي، ووضعه على الطاولة الصغيرة المجاورة لمقعده، وتابع: "المؤلم كان الشعور بالإخفاق...".
صمت قليلًا، ثم قام يسير في أنحاء الحجرة ببطء قائلًا: "الإخفاق بشكل عام... أنا مش بأحب أفشل... ودي حياة وانهارت"، ولوح بيديه في الهواء في إشارة بلا معنى وهو يقول: "والفشل كان بسبب غريب أوي... عدم القدرة على قراءة شيء كان واضح للغاية، وهو إن الشخصيتين مش متفقين في نقاط محورية"، ثم ابتلع ريقه وكأنه يبتلع الذكرى قبل أن يتناول رشفة من الشاي، وكأنه يسعى لإزالة مرارة ما ابتلع متابعًا: "فالطلاق في ذاته ما كانش مؤلم، سبب الطلاق... حياة انهارت بلا أدنى سبب إلا..."، وهو كتفيه وهو يواصل: "إن كان فيه خطأ اختيار".
لم يستطع “يحيى” أن يمنع تسلل الحسرى إلى صوته، وهو يقول:
"لسه فيك عادة جلد الذات دي؟!".
ابتسم "إسلام" بدوره، دون أن يعقب، واكتفى بتناول رشفة شاي، قبل أن يحدق في سقف الحجرة ويسود الصمت بينهما لفترة طويلة للغاية، قبل أن يقطعه "إسلام" متسائلًا:
"صحيح وإنت يا “يحيى”... مش بتفكر إنك تتجوز؟!".
سرت سحابة من الحزن على وجه “يحيى”، قبل أن يقول وهو يبتسم في أسى:
"صعب... صعب أوي... المرحومة كانت حاجة كبيرة أوي في حياتي"، ثم اعتدل في مقعده، وهو يقول في الأسى نفسه:
"دي ماما اللي المفروض تحاول تخلص مني بأي طريقة بتقول لي ما تفكرش دلوقت... مش سهل إني أتقبل واحدة تانية بعد المرحومة فدوى"، وترقرق الدمع في عينيه؛ فانتفض "إسلام" واقفًا، وهو يقول في سخط:
"إيه اللي إحنا بنقوله ونتكلم فيه ده؟! طلاق وموت وتجارب فاشلة؟! أجازة دي وللا جنازة؟!"، ثم خبط “يحيى” على كتفه، وقال له:
"هي الوالدة فين؟! اتصل بيها يا عم قول لها فين الأكل، أنا جُعْت، ودي حاجة نادرة يعني!".
وبالفعل اتصل “يحيى” بوالدته، وتبادل معها بعض الحديث، قبل أن ينهي المكالمة، ويقول لـ"إسلام" الذي كان يتشاغل بمشاهدة التلفاز لحين انتهاء المكالمة:
"ماما بتقول إنها مش جاية أصلًا النهاردة وإنها حاتقعد في بيتنا اللي دمياط، وحاتبعت لنا الأكل مع أم شرف، اللي حاتديه لأبو شرف الحارس بتاع الدار، فيقوم أبو شرف يطلعه لينا ناكل".
كان "إسلام" ينظر إليه في عدم فهم وهو يتكلم، لكن “يحيى” لم يعره انتباهًا، وتابع قائلًا:
"وبعدين إحنا أحرار بقى وهي مش عايزة تسمع سيرتنا تاني طول الأجازة".
هنا نقل "إسلام" الاستفهام من النظرات إلى الكلام بقوله:
"مش فاهم!".
فجلس “يحيى” أمامه وهو يقول في استسلام:
"بتقول إن كل اللي لينا عندها هو الوجبات التلاتة ييجو في مواعيد محددة، وطول الأسبوع اللي أنا قاعده مالهاش دعوة بيا".
ساد الصمت طويلًا بعد أن أنهى “يحيى” عبارته، قبل أن يبتسم "إسلام" ابتسامة سرعان ما اتسعت إلى ضحكة كبيرة انقلبت من فورها إلى قهقهة شاركه فيها “يحيى”، قبل أن يضرب كل منهما كف الآخر، ويقول "إسلام":
"والله والدتك دي أستاذة فعلًا...! خدت العربية وطلعت على دمياط، وسابتنا هنا مع الأخ أبو شرف".
وأكمل “يحيى”:
"لأ وإيه بقى؟! رايحة أجيب شوية لوازم"، ثم انخرط في نوبة ضحك حتى دمعت عيناه وهو يقول:
"أمي اشتغلتني يا إسلام... لأ وكمان واخدة العربية. على أساس إيه؟! إني حافظ فارسكور بقى دي زي كف إيدي. مش كده؟! "، وأضاف في لهجة استنكارية:
"قالت لي: هو أنا فاضية لك؟!... أنا أمي بتقول لي: هو أنا فاضية لك؟!".
هم "إسلام" بالرد، لكنه لم يتمكن من ذلك، فلم يكد يفتح فمه لقول تعليق، حتى تعالى صوت طرقات قوية على باب الحجرة المفتوح، فالتفت الاثنان إلى الباب ليجدا رجلًا هائل الحجم مهيب الملامح قوي النظرات، يكاد يكون بابًا آخر إضافيًا، يحمل صينية كبيرة عليها ملاءة تغطيها. كان من الواضح أنه "أبو شرف" وأن الصينية هي الطعام؛ فهب “يحيى” من مكانه، وقال له:
"بنفسك يا أبو شرف!".
وقام معه "إسلام" ليتناولا صينية الطعام، لكن صوتًا غليظًا تعالى من الرجل قائلًا: "لا والله... عنكو يا بهوات"، ووضع الصينية فوق واحدة من الطاولتين الصغيرتين المجاورتين للمقعدين في الحجرة، قبل أن يعتدل ويقول بالصوت الغليظ نفسه: "تخلصو الأكل بس وأي حد فيكو ينده، أطلع آخد الصينية، وبعدين الشاي بقى نشربه في الخلا".
******

7
انتظر “يحيى” و"إسلام" إلى أن رحل "أبو شرف"، ثم انقضا على الطعام لينسفا كلَّ ما كان في الصينية على كثرة ما حوت من سمك وأرز وسلطات من كل الأنواع. وبعد أن انتهيا، قال "إسلام" في إرهاق من فرط ما تناول: "تسلم إيد اللي طبخ".
عقَّب “يحيى” قائلًا: "ده عمايل إيد أم شرف... هي دي طريقتها في عمل السلطة".
فقال "إسلام" مداعبًا: "طول عمرك خبير"، ثم اعتدل قائلًا في جدية: "بص... إحنا مش حاننده الراجل يطلع يشيل الأكل... إحنا ننزل نوديه وكفاية عليه أوي طول الليل حايفضل قاعد على الباب حراسة كده".
مط “يحيى” شفتيه، قبل أن يلقي بقطعة سمك أخيرة في فمه، ويقول وهو يلوكها: "كلامك مظبوط بس هو مش حايسمح... أبو شرف طالما قال حاجة يبقى بيقصد اللي قاله"، ثم مال برأسه للأمام، قبل أن يقول في احترام بالغ: "الراجل اللي شفته ده اللي عامل زي الحيطة عنده 55 سنة... ده بقى مربيني فعلًا، وأنا اتعودت منه على إنه طالما قال كلمة يبقى مش عايز حد يراجعه فيها... والدي نفسه مش بيراجعه لأنه بيعتبره دراعه اليمين".
فسأله "إسلام" عما يعنيه، فقال “يحيى”، وهو يرجع بظهره للوراء: "الراجل ده أصغر من والدي كده بييجي 5 سنين، والده كان شغال مع جدي الله يرحمهم جميعا، وهو اتربى في بيت جدي مع والدي، ولما كبر مسك مكان والده لما مات، وكان المفروض أنا وشرف نبقى كده برضو... أبوه مع جدي وهو مع والدي وأنا مع شرف".
فأكمل إسلام وهو يهز رأسها متفهمًا:
"بس إنت بقى جيت القاهرة، وشلت إيدك من حكاية الأرض دي".
فقال “يحيى”:
"عليك نور"، ثم نهض وخرج من الحجرة، ونادى على "أبو شرف" الذي صعد وحمل الصينية، وهو يقول:
"الشاي بقى في الخلا، بس هاتو معاكو بطاطين وللا حاجة يمكن الدنيا تكون برد عليكو"، والتفت ناحية "إسلام" قائلًا:
"البيه شكله تعبان، بس الهوا ولو إنه بارد بس حايخلليه يردّ بعون الله".
فقال له "إسلام" في امتنان حقيقي: "تشكر والله يا خال".
ولم تمض دقائق حتى كان الجميع يجلس على حصيرة أمام باب الدار، وقد ارتدى "إسلام" و”يحيى” ثيابًا ثقيلة، فيما كان "أبو شرف" يجلس بثيابه العادية، وقد وضع بجواره بندقية سريعة الطلقات في وضع استعداد، مما لفت نظر "إسلام" فسأل عن السبب في ذلك، فأجابه أبو شرف في لهجة توضح تمرسه:
"يا بيه فيه ناس ولاد حرام تيجي بالليل تقوم مولعة في الزراعات... وأديك شايف المساحة واسعة إزاي"، وأشار بيده إلى الحقول التي اكتست في الظلام باللون الأزرق لا الأخضر كما كانت في الصباح، قبل أن يضيف:
"فيه زيي كده حوالي 5 أو 6 متنتورين هنا وهنا في وسط الأرض عشان ما حدش يعمل حاجة، وبيننا كلمة سر بتتغير كل يومين تلاتة كده".
هز "إسلام" رأسه في إعجاب وقال:
"ربنا يبارك لكم جميعًا"
شكره "أبو شرف" قائلا:
"يبارك فيك ربنا"، ثم تناول براد الشاي من فوق موقد مصنوع من الأحجار خارج الحصيرة، وصب ثلاثة أكواب، وناول كل واحد منهما كوبًا، قبل أن يرتشف رشفة طويلة من كوبه وهو يقول:
"اللي بيخوف بقى إنك ممكن تلاقي واحد جاي لك عايز يشتغل معاك ويكون حد راميه عليك عشان يعرف خبايا الأرض والسكك اللي فيها وكده، وتاني يوم يروح ينقل كل حاجة لولاد الحرام اللي ييجو يقومو مولعين في الأرض من نصها كده".
انعقد حاجبا "إسلام" في تساؤل، بينما لاذ “يحيى” بالصمت وقد بدا عليه أنه يألف كل هذه التفاصيل. ولما لمح "أبو شرف" علامات الاستفهام على وجه "إسلام"، هز رأسه ولوح بكفه في الهواء، قائلًا:
"إيواه أومال إيه؟!"، ومال إلى الأمام وهو يتكلم بلهجة المعلم الذي يشرح درسًا عسيرًا لتلاميذ جدد:
"الأرض دي عفية... بتجيب إيراد كويس ربنا يبارك... ييجي بقى حد عايز يخلليك تبيعها له بالبخس، يقوم يفضل يرازي فيك لغاية ما تبيع".
فسأله "إسلام": "وفين الحكومة؟!".
هز "أبو شرف" رأسه في دلالة على عدم الاكتراث، وقال وهو يأخذ رشفة أخرى من كوب الشاي:
"يا بيه مفيش حكومة في المسائل اللي زي دي... دي حاجات بتنحل بين العائلات وما بتوصلش للحكومة أبدًا... غيرش بس الله لا يقدر لو سقط فيها قتيل... بس العائلات بتحل الأمور كلها بينها وبين بعض... والعيلة بتاع يحيى بيه كبيرة ما شاء الله وكلمتها مسموعة، وما حدش بيقدر يقرَّب لأرضهم... بس الحذر واجب".
"الحذر واجب".
قالها لها وهو يقف بجوارها يوضح لها طريقة لأداء العمل بحيث تتلافى أخطاء برامج الحاسب الآلي التي يعملون عليها في حال انقطاع التيار الكهربي، فعقبت قائلة:
"فعلًا... الحذر واجب، عشان الغلطة ما بتتصلحش إلا بالعافية".
قالتها وهي تتنهد في عمق، فقال لها في إشفاق:
"منى... خفي عن نفسك شوية... مش عشان خالتك مش كويسة معاكي يبقى خلاص الدنيا انتهت يعني".
فرمقته طويلًا وهي تبتسم في شيء من الحزن، قبل أن تقول:
"على فكرة خالتي دي أحسن الوحشين اللي قابلتهم"، ثم قالت في لهجة مباشرة: "إنت ما عشتش قبل كده وسط فلاحين... عايزاك بس مرة واحدة تعيش وسطهم وتسمع الكلام اللي بيقولوه بينهم وبين بعضهم لما يشوفو حاجة مش ماشية على مزاجهم ولو كانت صح".
تصلبت ملامحه عند هذه الكلمة، وقال في بطء ضاغطًا على حروف كلماته: "قصدك إيه؟!".
أجابته في حسم: "مش زي ما فهمت... بس فيه ناس مش كويسة بتتكلم على البنات اللي بتسافر لمحافظات بعيدة عشان تتعلم مع إن فيه جامعة قريبة"، وصمتت للحظة وهي تنظر إلى الأرض، قبل أن تتابع في صوت مرتجف من الضيق: "الناس دي قليلة صحيح، وما حدش بياخد على كلامها، ولكن... لكن الكلام ده بسيب أثر في نفس الإنسان طبعًا... كلام سفهاء صحيح... بس بيثير الاشمئزاز".
ولما رفعت رأسها إليه ووجدت على وجهه علامات الضيق والاستنكار والغضب، ابتسمت قائلة: "ما تزعلش أوي كده... الناس دي كلامها بيترد عليه على طول"، ثم لوحت بيدها قائلة في انفعال مكتوم: "أساسا ما حدش بياخد على كلامهم... هما ممكن يعملو كده لما يكونو عايزين يضغطو على أهل بنت عشان يجوزوها لابنهم فيرمو عليها كلام، وييجي ابنهم بقى ينقذها من الألسن"، قبل أن يهدأ صوتها وهي تتابع في صوت خفيض قارب الهمس: "بس المشكلة إنك أحيانًا بتبدأ تسأل... ليه؟! عشان إيه كل ده؟! يعني...".
عند هذا الجزء قاطعها في ضيق قائلًا ملوحًا بكفه: "بس يا منى خلاص... مش عايز أسمع... فهمت".
عاود الجلوس على مقعده المجاور لها، وهو يختلس النظر إلى الأستاذ طاهر — الذي كان يوليهما ظهره في توزيع المقاعد — وزميلتهما "سعاد" فوجد الأول غارقًا في العمل، والثانية هائمة في العمل والألحان الصوفية، وقال لها في لهجة عملية: "زي ما قلت لك بقى خلليكي دايمًا مع مفاتيح إنتر وألت، عشان ده يسهل عليكي كتير... اشتغلي بقى وجربيها كده، وشوفي الفرق"، وراح يتظاهر بأنه يواصل عمله.
فقالت له في إشفاق وأسف: "إنت زعلت؟! أنا آسفة ما كنتش أقصد أضايقك"، ثم ضربت ساقها بقبضتها الدقيقة، وهي تكمل في الأسف نفسه: "بس إنت اللي سألت!".
نظر لها في صمت، قبل أن يقول في صوت يحمل مزيجًا غريبُا من الحزن والإشفاق والغضب: "مش زعلان منك طبعًا، ولا من إنك اتكلمتي"، ثم راح يدعك جبهته بسبابته وإبهامه الأيمنين قبل أن يواصل: "القتل في الناس دي حلال..."، وصمت قليلًا قبل أن يتابع في تأكيد: "القتل في الناس دي حلال"، وأكمل: "فعلًا... فعلًا... كلنا أشرار".
نظرت إليه وابتسمت وهي تعود لمواجهة حاسبها الآلي: "بس إنت لأ... اشتغل بقى".
وراحت تواصل عملها، وأطاعها هو... و"اشتغل".
******



8
كانت الساعة تشير إلى العاشرة والربع ليلًا، عندما تمطى “يحيى” بقوة، قبل أن يقول بصوت ملأه التثاؤب:
"أنا حاقوم أنا بقى"، وتابع وهو ينهض:
"المشوار على الصحيان بدري على الأكل كله ضرب في بعضه".
فقام معه "إسلام"، وصافحا "أبو شرف" وشكراه على الضيافة، فقال لهما بصوته الغليظ: "الفطور بكرة الساعة 8 إن شاء الله"، فقال "إسلام" في نفسه:
"8؟! 8 يا أبو شرف؟!".
لكن هذه العبارة لم تصل إلى شفتيه، وقال بدلًا منها: "ربنا يكرمك يا خال"، وصعدا إلى الطابق الثاني. وهنا، قال “يحيى” لـ"إسلام":
"بص يا عزيزي... غرف النوم هنا مش تحت بعضها، فغرفة النوم في الدور التالت قبلية، بينما اللي في الدور ده بحرية. فأنا بأقترح إنك تنام في التالت عشان الهوا ما يعتبكش، وللا إيه؟!".
أجابه "إسلام":
"الحق ما تقول... أراك في الفجر إن شاء الله"، ورفع يده بالتحية في حركة هزلية، قبل أن يغادر كل منهما إلى وجهته، وقبل أن يصعد درجتين سمع صوت “يحيى” يقول له:
"الأودة هي اللي في نهاية الطرقة جنب الحمام على طول... المفتاح في الباب من برة... اتغطى كويس... سلام!".
فقال "إسلام": "تُشْكَر يا زوق... سلام".
ولما صعد الحجرة، اكتشف أنه ترك ثيابه في حقائبه بحجرة المعيشة المجاورة، فسارع إلى أخذها، ووجد حقائب “يحيى” أيضًا؛ ففكر في أن ينزلها له قبل أن يقول في نفسه:
"تلاقيه نام، فبلاش أصحيه، وبعدين يمكن فيه هدوم عنده تحت... وهو لو كان محتاجها، كان طلع أخدها".
وتناول حقائبه هو، وعاد إلى حجرة النوم، فأفرغ محتوياتها في الدولاب الذي كان خاليًا، ثم ارتدى ثيابا ثقيلة، ورقد على الفراش، وسحب الغطاء الثقيل فعلًا، وحاول أن ينام، ولكنه كان يشعر بالإرهاق الشديد لدرجة أنه لم يستطع النوم، فقام وفتح نافذة الحجرة المطلة على الحقول، وراح يتأمل المشهد، ولمح "أبو شرف" يتجول حول الدار، قبل أن يلوح له وهو يقول:
"فيه حاجة يا بيه؟!".
فأجابه "إسلام":
"لا شكرًا بس قلت أشم الهوا... ما تقلقش يا خال... شكرًا"، فهز "أبو شرف" رأسه في تفهم، وعاد يواصل جولته حول الدار.
"مش بأقدر أنام أحيانًا من ألم دراعي".
قالتها لصديقتها "هبة" وهي تتحسس ذراعها الأيمن، فقالت لها "هبة" في عدم اكتراث:
"إنتي لسه ما اتعودتيش؟! أنا خلاص بقى جتتي نحست يا ماما!".
كان يختلس النظر إليها وهو يتكلم مع زميلهم "طارق" في حجرتها هي، فلمحها بالكاد وجسدها الضئيل يكاد يختفي في المقعد الكبير، ولكنه لم يعلق على ما قالت. فعادت تقول لصديقتها:
"مش عارفة أعمل إيه!".
قالت "هبة" ردًا مشابهًا؛ فالتفت إليهما وقال مخاطبًا "هبة": "طيب البنت بتشتكي لك قولي لها ألف سلامة... بعد الشر عليكي... فيه مرهم اسمه كذا بيعمل كذا"، ثم لوح بذراعه في سخط حاول أن يجعله يبدو مصطنعًا، وهو يضيف: "أنا سامعكم وعامل مش واخد بالي، بس يا هبة بصراحة كان ناقص تقولي لها اقطعي دراعك واخلصي منه!".
انفجر الجميع في الضحك، قبل أن تقول "هبة": "أخدتها من على طرف لساني يا أستاذ إسلام"، ثم أضافت في استنكار مصطنع:
"أنا أقول لها إنها تعبانة؟! أجاريها عشان تقتنع إنها تعبانة وإنتاجيتها تقل... تؤتؤتؤتؤ مش ممكن أبدًا!".
عاد الجميع يضحك، قبل أن يقول هو لـ"منى" في جدية:
"لو تعبانة يا منى، خدي أجازة بكرة، وأنا أمضيها لك من النهاردة... ومش مشكلة إن وحيد مش موجود، ما هو من صلاحياتي إني أمضي أجازات".
فقالت: "بس وسط ضغط الشغل ده؟!".
قالتها بأسلوب أكد تمامًا أنها ترغب فعلًا في الراحة، فقال لها وهو يبتسم رغمًا عنه: "ما تخافيش... الشركة لازم تحافظ على الكفاءات اللي زي حضرتك... إنتي بتشتغلي بمقام نفرين كمًا وكيفًا... ومش عايز أتكلم أكتر من كده عشان إنتي مش ناقصة! حد يبص لك بنظرة صاروخية تلاقي دراعك التاني وقع في إيدك على طول!!"، ثم تابع في جدية: "بس حاولي تكشفي عشان الإهمال في الأمور دي مش كويس".
أفاق من ذكرياته على صوت صيحة تنبيه أطلقها أحد الحراس داخل الحقول، فرد عليه "أبو شرف" بصيحة مماثلة قبل أن تتعالى صيحات ثلاثة أخرى من أماكن متفرقة داخل الغيطان زرقاء اللون، وشعر ببعض البرودة، فأغلق النافذة، واستلقى على فراشه، وراح في نوم عميق، لم يفق منه إلا على صوت أذان الفجر يتعالى من بعيد، فنزل إلى صديقه ليوقظه، فوجده نائمًا تمامًا ولا يعي ما يدور حوله، فصعد إلى الطابق الثالث، وتوضأ وصلى الفجر بمفرده في حجرته، قبل أن يعاود النوم ثانية، لكنه لم يستطع، ففتح النافذة ليشاهد الغيطان ويعرف مكان شروق الشمس، فوجد "أبو شرف" يصلي على الحصيرة التي كانوا يجلسون عليها، وقد وضع بندقيته بجواره. لم يدر لماذا شعر بالمهابة من هذا المشهد، وفي أعماقه تنامى تقديره لهذا الرجل الباسل.
كان من حظه أن شروق الشمس يأتي من ناحية النافذة التي يقف أمامها، فوقف يراقبه... تمامًا مثلما كان يفعل في الحجرة التي كانت تعمل بها؛ حيث كان يأتي مبكرًا إلى العمل كل صباح ليشاهد الشمس وهي تغزو الكون، وكانت هي دومًا تأتي متأخرة لصعوبات في المواصلات؛ فتلقي التحية على الجميع، وتجلس لتبدأ العمل. وفي يوم ما، جاءت ودخلت دون أن تلقي التحية على أحد، وبدأت تواصل العمل، وعندما سألتها إحدى زميلاتها عما بها، سمعها تقول في صوت خفيض:
"تعبانة شوية".
فترك مكانه عند النافذة، وقال لها:
"صباح الخير يا منى، مالك؟!".
أجابته في برود:
"تعبانة بس شوية"؛ فهز رأسه، وغادر الحجرة، وهو يدرك ما بها.
كان بالأمس رحلة خرج فيها عدد من العاملين في القسم، وكان هو معهم، ولكن لحظه العاثر كان جو الرحلة قد جعل البعض خفيف الظل أكثر من اللازم...
ومن بين هؤلاء كانت "حكمت"...
فتاة في حكم الطفلة، وكانت الوحيدة التي تناديه "سوما"، وكان مبررها في ذلك أنها تنادي والدها باسمه دون ألقاب، وبالتالي لا يصح أن تناديه بألقاب، بل لا بد أن تناديه باسم تدليل!! جاءت هذه الفتاة الطفلة وراحت تلازمه طيلة الرحلة، وتضحك، وهو بشكل عام يحاول الابتعاد، إلا أن "حكمت" كانت في حالة غير طبيعية من المرح، ولا ريب أن الأمر أثار حفيظة "منى"، فكانت الحالة التي عليها في تلك اللحظات!
لا ريب أن الأمر كذلك...
لا بد أنه كذلك...!
إنه كذلك
يذكر جيدًا أن "منى" كانت مكلفة بعمل شديد الصعوبة، ووقتها أدرك أنها بهذه الحالة المزاجية لن تتمكن من القيام به بشكل كامل، وحتى إذا أنهته فلن يكون ذلك بجودة جيدة؛ فقرر أن يؤدي عنها جزءًا منه دون أن تدري، وبالفعل بدأ في العمل، ولم تمض ساعة حتى جاءته تسأل في تحفظ شديد:
"فيه مشكلة تقريبا في الشغل... وأستاذ وحيد مش موجود يا أستاذ إسلام، ممكن تساعدني؟!".
لاحظ النبرة الرسمية في كلامها، لكنه لم يلق لها بالًا، واكتفى بأن التفت إليها، وسألها في هدوء:
"فيه إيه؟!".
فقالت في استغراب:
"أنا حاسة إن فيه مشكلة في البرنامج... بيطيَّر الشغل!".
عند هذه الكلمة انتفض واقفًا في ارتياع حقيقي قائلًا: "الشغل بيطير؟! مش بيتحفظ؟!".
فسارعت إلى القول:
"لا لا مش كده!"، ثم هزت رأسها في حيرة وقالت: "أنا حاسة إن الشغل بيقل... يعني كل ما أعمل جزء ألاقي البرنامج بيقول لي إن فيه جزئين خلصو مش واحد بس....".
ولكنها بترت عبارتها عندما حانت منها التفاتة إلى شاشة حاسبه الآلي، فوجدت المشروع الذي تعمل عليه ظاهرًا على شاشة حاسبه، فسألته في شيء من الخجل:
"هو إنت بتشتغل معايا؟!".
فهز رأسه بنعم دون أن يتكلم فيما رفع حاجبه الأيمن، وراح يكتم ابتسامته، فقالت له في الخجل نفسه:
"ومش كده يبقى تعب عليك؟!".
فهز رأسه بنعم مرة أخرى دون أن يتكلم، مع الاستمرار في رفع حاجبه الأيمن؛ فلاح على وجهها شبح ابتسامة، وأولته ظهرها، وسارت نحو باب الحجرة دون أية كلمة إضافية، ولكنها عندما وصلت إلى الباب، التفتت وقالت في سرعة:
"أنا أسفة"، ثم اختفت في لمح البصر، وعاد إلى مواصلة عمله... في عملها.
ابتسم في حزن، وهو يتذكر هذا الموقف، وقال لنفسه:
"كانت فظيعة حكمت دي... فظييييعة".
بعدها نظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى الثامنة إلا الربع، فاستغرب من مرور الوقت بهذه السرعة. وفي اللحظة نفسها، سمع طرقات على باب الحجرة، ففتحه ليجد أمامه "أبو شرف" يخبره بأن الفطور جاهز في حجرة “يحيى”؛ فشكر "أبو شرف" ونزل من فوره ليجد “يحيى” جالسًا على فراشه، وقد بدأ يتناول الطعام دون حتى أن يغتسل؛ فقال له:
"مالك كده كسلان؟! ما صحيتش في الفجر، وبتاكل من غير ما تغسل وشك!".
نظر إليه “يحيى” وقال له في صوت نائم:
"تعبااااان... والنهاردة ورانا حتة مأمورية!"، ووصل عبارته بقهقهة طويلة ساخرة، فنظر إليه "إسلام" في عدم فهم، فقال “يحيى”:
"شوف يا عزيزي... حانروح حلقة السمك، نجيب سمك الشهر".
فقال "إسلام": "مش مشكلة، بس لازم طبعا نأجر عربية عشان المواصلات العادية مش نافعة".
فعاد “يحيى” يقهقه في سخرية أثارت استفزاز "إسلام" الذي قال في ضيق: "يا عمنا ما تقول فيه إيه!".
فقال “يحيى” وهو لا يزال يضحك: "ما هو إنت ما تعرفش"، ثم ابتلع لقمة كبيرة محشوة بالبيض، قبل أن يواصل: "سمك الشهر ده يا سيدي يعني لازم نجيب حوالي 50 أو 60 كيلو، لأنه مش لينا لوحدنا دي حاجة... الحاجة التانية إنه بيبقى متنتور في كل مكان... من الآخر... مشوار مطحنة فعلًا، وحاتشوف"، ثم أشار إلى مائدة الإفطار الموضوعة بجوار الفراش، وقال:
"افطر افطر... ده كمان من غير عربية!".
وبالفعل، تناولا الفطور، وشربا الشاي الذي أعده "أبو شرف" قبل أن يرحل لينال قسطًا من الراحة بعد الوردية الليلية، ليحل محله "سلّام" وهو فتى في الخامسة عشرة من العمر، خفيف الظل والحركة، ولكنهما لم يبقيا معه كثيرًا؛ حيث خرجا إلى السوق الكبير...
وإلى قدر "إسلام".
******


9
بمجرد أن وصلا إلى السوق، أيقن "إسلام" أن المهمة ليست سهلة إطلاقًا بالنظر إلى العدد الهائل من البشر وحلقات السمك المنتشرة؛ فضحك “يحيى” عندما رأى على وجهه علامات الاندهاش، وقال:
"مش قلت لك يا حلو!"، ثم خبطه على كتفه، وأضاف:
"بسرعة بقى خللينا نبدأ بإيه؟! بإيه؟! بالبوري!".
وتوجها نحو حلقة سمك تخصصت في البوري، و... بدأت الرحلة التي لم تنته سوى بعد ساعتين، بعد أن قسما العمل بينهما؛ بحيث يشتري واحد أحد الطلبات ويعود ليقف بالمشتروات، ويذهب الآخر ليقضي طلبًا آخر، ويعود فيذهب الآخر بعده وهكذا ضمانا للسرعة وللراحة ولعدم السير بالطلبات كلها معا لفترة طويلة.
وبينما كان "إسلام" يشتري نوعًا من السمك عند طرف السوق، لمح سيدة ضئيلة الحجم تستقل واحدة من السيارات الأجرة قرب الطريق.
في البداية، لم يصدق عينيه، لكنه بعد أن دقق النظر في وجهها، أدرك أنها ربما تكون هي، لكن بُعد المسافة حال دون تأكده بشكل كامل. شعر بانفعال جارف يجتاحه، وفكر للحظة في أن يجري نحوها، إلا أن الأكياس التي يحملها، وكذلك عدم وجود إمكانية لأي شيء جعلاه يتمالك نفسه، ويعود إلى “يحيى” الذي سأله عما به، عندما لمحه مضطربًا، فأجابه "إسلام": "ولا حاجة!"، ثم قال محاولًا تغيير الموضوع: "كده يبقى مش فاضل حاجة من اللي في الورقة اللي ملَّتها لك والدتك، صح؟!".
فأجابه “يحيى”: "بالظبط".
لكن "إسلام" لاحظ أن “يحيى” يتحاشى التقاء نظراتهما؛ فوضع ما بيده من أكياس على الأرض، وقال في انفعال: "إذن ما كانش بيتهيأ لي... مش كده؟! إنت كمان شفتها، صح؟!".
فوضع “يحيى” الأكياس التي يحملها، وأمسك "إسلام" من كتفيه محاولا تهدئته قائلًا: "طيب إهدى بس... وبعدين يعني؟! هي وللا مش هي... إيه اللي ممكن تعمله دلوقت؟!"، ثم ربت على كتف صديقه مكملًا في حزم: "لو كان فيه حاجة تنعمل، كان زمان، دلوقت خلاص يا إسلام".
واستدار ليوقف سيارة أجرة كان سائقها ينتظر الزبائن الخارجين من السوق؛ فاستقلاها من السوق للمنزل، واستمر بينهما الحوار داخلها، فقال “يحيى”:
"شوف يا عزيزي... لو كان فيه حاجة تنعمل، كان من الأول... بصراحة".
فنظر إليه "إسلام" في حدة وقال:
"إنت بتحاول تهديني وللا تعصبني؟!".
قال “يحيى” في هدوء:
"من غير عصبية... أنا بأناقش معاك الأمر بعقلانية بحتة زي ما اتعودنا، عشان لما نوصل لقرار يبقى منطقي تمامًا وما حدش يرجع فيه تاني... مش الكلام يبقى كده كويس؟!".
أومأ "إسلام" برأسه إيجابًا، وقال: اتفضل كمّل".
تنهد “يحيى” في ارتياح وقال:
"جميل أوي... شوف يا عزيزي... كان المفروض من الأول خالص، قبل ما هي تسيب الشغل إنك تعمل حاجة"، وصمت قليلًا وهو يلوح بيديه في الهواء في إشارات لا معنى لها:
"تكلمها عن ارتباط رسمي... ده كان لازم لـ...".
قاطعه "إسلام" قائلًا في نفاد صبر:
"ده حصل فعلًا".
فسأله “يحيى” في استنكار مكتوم: "حصل فعلا... ولكن إمتى؟!"، وتابع دون أن ينتظر إجابة: "بعد ما مِشْيِتْ... مش كده؟! لأ يا إسلام... كان المفروض تتكلم عن أي حاجة في أي حاجة قبل ما تسيب الشغل وترجع فارسكور... إنت عارف البنت لما بتبقى برة بيكون ليها شخصية شوية عن لما بتكون وسط أهلها بالذات لما بتكون من بيئة مغلقة زي اللي منى جاية منها".
وصمت لحظة ليترك الفرصة أمام "إسلام" ليرد، لكنّ "إسلام" استمر على صمته، فسأله “يحيى”: "تقدر تقول لي إنت ما عملتش كده ليه؟!".
أجاب "إسلام" في صوت بدا هادئًا، وإن كان يحمل نذر الانفجار:
"كنت مستني الظروف تبقى مناسبة، ولما لاقيت الظرف مناسب، اتصلت بيها، بس كان خلاص الوقت فات".
قال “يحيى” في لهجة من يريد امتصاص التوتر: "أيواااه... الوقت فات... لسه بقى استنيت لغاية ما الوقت فات مش عارف؟! تقول لي الظروف؟! يعني هما السبع شهور دول من شهر سبتمبر 2003 لما مشيت لغاية شهر مارس اللي بعده اللي حسنو الظروف؟!".
قال "إسلام" في اقتضاب: "أيوه... وقتها كان فيه التزامات، وفي شهر فبراير أصعب الالتزامات كان انتهى خلاص، وبعدين كنت بأفكر أعمل إيه وأقول إيه في ظل ظروف البلد المنيلة بنيلة".
قال “يحيى”: "لا يا إسلام... اسمح لي أقول لك إنك هنا ارتكبت خطأ... أنا كانت ظروفي برضو مش كويسة، بس لما شفت فدوى قلت أتقدم لها واللي يحصل يحصل"، ثم واجه "إسلام" بكل جسده قائلًا له في لوم شديد:
"يا أخي... اتقدم... قول أي حاجة، ولو حتى بعرض خطوبة ودبلتين وخلاص... مين عارف الموقف كان حايبقى إيه؟!".
فعاد "إسلام" يسأل: "وتفتكر إن أهلها كانوا ممكن يوافقوا؟! دي كانت بتتكلم عن دهب بمبالغ مهولة... ما إنت عارف أهل بلدكو بقى".
فقال “يحيى”:
"يا أخي كنت بس اعمل أي حاجة وزي ما تيجي".
هنا فقد "إسلام" أعصابه، وقال في انفعال شديد:
"خلاص يا يحيى... مفيش داعي للوم... اللي حصل حصل، وأعترف إني أخطأت بس مش بالقدر اللي إنت شايفه".
ولاحظ أن السائق ينظر إليهما في مرآة السيارة الداخلية، فهدأ قليلًا، وهو يتابع:
"وبعدين أنا عارف عنها حاجات ربما أثرت في قراري".
هنا هز “يحيى” كتفيه قائلًا:
"ربما... بس الموقف دلوقت إنها اتجوزت وخلاص... تقدر تقول لي عايز إيه؟!".
أجابه "إسلام" وهو يتنهد في استسلام:
"فعلًا... الموقف انتهى... أنا غلطان في رد فعلي النهاردة... بس الحمد لله إني اقتصرت على النظر من بعيد".
وبعد هذه العبارة، ساد بينهما الصمت لفترة طويلة وتشاغل كل منهما بالنظر إلى معالم الطريق، قبل أن يقطعه "إسلام" قائلًا في حنق:
"كان مشوار زبالة فعلًا".
فقهقه “يحيى” قائلًا:
"مش قلت لك؟!".
فشاركه "إسلام" الضحك. وإن كان بعصبية بعض الشيء.
******


10
عندما أحصى ما في جيبه من نقود، ووجد أنها تزيد على الجنيهات العشرة بقليل، قرر أن يجري المكالمة.
توجه إلى السنترال الذي اعتاد أن يجري منه مثل هذه المكالمة، وطلب من الموظفة أن يجري مكالمة محلية لمحافظة دمياط. وضعت الموظفة أمامه جهاز الهاتف المخصص لمثل هذه المكالمات، فأخرج بيده اليمنى من الجيب الخلفي لسرواله ورقة بيضاء صغيرة مطوية، فردها واتصل بالرقم المدون فيها، وراح يستمع للصوت الدال على أن الجرس يدق في تلك المحافظة التي لم يكن قد زارها مطلقًا في تلك الأثناء، وإن تعلق قلبه بها لدرجة أن حفظ معالمها الرئيسية وأسماء أشهر قراها.
لم يطل انتظاره، فقد سمع صوتًا يدل على أن هناك من قرر الرد على الهاتف من الطرف الآخر ورفع السماعة، ولم تكد تمر أجزاء من الثانية حتى سمع صوتًا ناعسًا يقول:
"ألو".
كان يبدو أن صاحب الصوت فتى وصل بالكاد لمرحلة المراهقة مما أشعره بالارتباك. فعلى عكس المفترض، كان يجيد التعامل مع الكبار في هذه المواقف، لكنه كان يجد صعوبة في إفهام الصبية والفتيات المراهقات ما يريد. إلا أنه تغلب على ارتباكه، وقال بصوت ثابت: "الأستاذة منى موجودة لو سمحت؟".
أجابه صاحب الصوت بالرد التقليدي والمتوقع في الواقع: "أيوه، نقول لها مين؟!".
"قول لها إسلام من شركة الغد بالقاهرة".
"طيب خلليك معايا"، ثم الصوت المميز لوضع السماعة على شيء ما لا ريب أنه قطعة الأثاث الموضوع فوقها الهاتف.
شعر في الجملة الأخيرة بأن لهجة صاحب الصوت فيها الكثير من الضيق ونفاد الصبر، وكأن المكالمة قد جعلته يغادر جنة الخلد من أجل الرد على الهاتف.
بطيئة مضت الثواني حتى سمع صوتًا يدل على أن هناك من يتناولها للرد على الهاتف، ثم جاءه صوتها يقول:
"ألو".
كان أكثر ما يشده إليها في المكالمات الهاتفية بالذات أن صوتها لم يكن يتغير... كان مثل صوتها في الحوارات العادية؛ فلم تكن تغيره ليبدو أكثر رقة أو جاذبية، مثلما تفعل الكثير من الفتيات، وكان يُرْجِعُ ذلك إلى بساطة أسلوبها في الحياة بشكل عام. وكانت هذه البساطة هي قطعة المغناطيس التي جذبت قلبه إليها.
وللحظة فكر في أن يغلق سماعة الهاتف؛ فبقدر ما كان يستريح لسماع صوتها، كان يشعر بقلبه يثب من بين أضلعه بسبب ما يجتاحه من انفعال وتوتر لا يدري لهما سببًا.
لعله الخجل!!
لكنه لم يترك نفسه لكل عواصف الانفعالات هذه إلا لأجزاء من الثانية، قبل أن يستعيد ثبات صوته، ويقول:
"ألو، إزيك يا منى؟! عاملة إيه؟! معاكي إسلام من الشركة المصرية".
هنا انطلقت الكلمات من فمها عبر سماعة الهاتف كالرصاص، فقالت في لهفة: "إزيك يا إسلام؟! عامل إيه؟! إنتم فين؟؟! نسيتوني وللا إيه؟! مش عيب عليكم تسيبوني لوحدي كده؟! فينكم يا أخي؟!".
حاول أن يقاطعها لكنه لم يستطع؛ فقد كانت تتكلم باندفاع شديد، فانتظر حتى أنهت كلامها وسألها بالثبات نفسه: "أنا الحمد لله بخير. إنتي أخبارك إيه؟! مالك؟! الشغل الجديد مزعلك وللا حاجة؟!".
جاءه صوتها يحمل سخطها المعتاد على الحياة: "والله يا إسلام حاجة تكسف! ملل... ملل فوق الوصف"، ثم اكتسب صوتها المزيد من السخط، وهي تتابع: "يعني يوم ما ربنا كرمني بالجائزة الأولى على مستوى المصلحة، كانت المكافأة 40 جنيه...!!".
لم يستطع منع نفسه من الابتسام الذي تسلل إلى صوته، وهو يقول: "مبروك مبروك، وعموما يا ستي ما تدقيش.. كفاية التقدير المعنوي".
عادت تقول بالسخط نفسه:
"التقدير المعنوي؟! تعرف المصلحة قال لي إيه بعد ما استلمت الجايزة؟!"، وراحت نبرة صوتها ترتفع في حدة وهي تتابع دون انتظار رد:
"في نفس يوم استلامي الجايزة بعد ما رجعت من حفل الاستلام لقيته عامل لي خصم تأخير".
زفر في ألم وضيق، وراح يمرر يده عبر خصلات شعره في توتر عاقدا حاجبيه قبل أن يقول:
"هي عقلية الناس دي كده".
أتته زفرتها ملتهبة عبر الهاتف؛ فشعر بها تلفح قلبه، وقبل أن يقول شيئًا، جاءه صوتها هادئًا هذه المرة وهي تقول في مرح أدرك فورًا أنه مصطنع:
"وانت عامل إيه؟! وإيه أخبار الناس في الشركة؟!".
"عادي. إنتَ زي ما انت... هي دي ناس تتغير؟!".
"طيب وأخبارك إنت إيه؟!".
"عايشين".
ساد الصمت لثوانٍ عبر أسلاك الهاتف، فشعر بأنه يجب أن يقول شيئا، أو بالأحرى أن يقول ما اتصل بها لأجله، فقال بصوت تسلل إلى بعض الارتباك هذه المرة:
"صحيح يا منى، كنت عايز أستفسر منك عن نقطة".
جاءه صوتها يحمل الكثير من الاهتمام:
"خير إن شاء الله".
استعاد صوته ثباته وهو يقول ضاغطًا على كل حروف كلماته:
"إيه أخبارك في موضوع الارتباط؟!".
ساد الصمت لفترة طويلة نسبيا، قبل أن تسأل في شيء من الحذر:
"مش فاهمة! قصدك إمكانية استقالتي من الشغل الجديد والرجوع للمصرية تاني؟!".
عاد يقول بالأسلوب نفسه الضاغط على الحروف:
"لأ.. أقصد الارتباط بمعناه الاجتماعي.. يعني مرتبطة بأي شكل من أشكال الارتباط؟! خطوبة.. كتب كتاب.. قراية فاتحة؟!".
عاد الصمت ليسود بينهما، قبل أن يأتيه صوتها وقد حمل الكثير من المرارة:
"والله يا إسلام ما أخبيش عليك.. فيه واحد متقدم لي، وهما ضاغطين عليا عشان أقبله.. هو كويس يعني من عيلة كويسة وشغال صيدلي"، وصمتت لبرهة قبل أن تتابع قائلة في لهجة فاحت منها الحيرة:
"بس مش عارفة... مفيش قبول".
لم يترك لأطنان المرارة التي شعر بها في قلبه المجال لأن تتسلل إلى صوته، وضغط على أعصابه، وهو يقول في هدوء يخفي خلفه ما يخفي من إحباط هائل:
"طيب مش يمكن يكونو شايفين فيه اللي إنتي مش شايفاه؟!".
عادت تقول:
"يا إسلام بأقول لك هو فعلًا كويس، ولكن المشكلة عندي في القبول"، وصمتت مجددًا، ثم أكملت في تردد وارتباك:
"يعني مش عارفة أتواصل معاه... مش قادرة أخلليه يفهم أنا قصدي إيه من أي حاجة بأقولها له".
هنا قال "إسلام" متسائلا:
"يعني مفيش تفاهم كمان؟!".
أجابته في سرعة:
"تقدر تقول كده".
مط شفتيه في تفكير قبل أن يقول:
"مشكلة دي... صعب إن الواحد يتجاوزها".
عاد يسألها وهو يضغط ثانيةً على كل حروف كلماته:
"لكن هما ضاغطين عليكي؟!".
قالت في يأس:
"أيوه، بابا بالذات حالف يمين إن العريس ده ما يروح مني".
غمغم في سخرية:
"هو قرش وللا إيه؟!".
"إيه؟! بتقول إيه؟! مش سامعة... علّي صوتك".
فعاد يقول في صوت مرتفع:
"بأقول إن معنى كلامك إن الجوازة دي 90% حتمشي؟!".
قالت في اليأس ذاته:
"آه".
ثم سألته فجأة:
"ولكن بتسأل ليه؟!".
كان السؤال مفاجئا، ولم يكن قد حسب لهذا الموقف ككل حسابه، لذلك جاء رده متلعثمًا وهو يقول:
"لا ولا حاجة... من باب الاطمئنان عليكي يعني".
لكنها قالت في إلحاح:
"لأ قول.. كنت بتسأل ليه؟!".
في نفسه قال:
"يعني هي يا إما عبيطة يا بتستعبط؟! مش عارفة بأسأل ليه!".
ثم قال في صوت كسته خيبة الأمل:
"مش مشكلة دلوقت... خلاص بقى.. المهم ربنا يوفقك إن شاء الله وحاكون على اتصال بيكي دايما".
فقالت في خيبة أمل:
"شكرًا على اتصالك وسؤالك... وخلليكو دايمًا جنبي".
"إن شاء الله. سلام عليكم".
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".
وبحركات آلية وضع السماعة، ثم أعطى للموظفة أجرة المكالمة، وغادر المحل.
بينما كانت السيارة تنطلق بهما إلى الدار، تذكر أنه سألها ذات مرة:
"عايزة إيه من الدنيا يا منى؟!".
أجابته في تلقائية وسرعة:
"عايزة أعيش في القاهرة، وأعمل حاجة كويسة للناس الغلابة تفيدهم وأشتهر بيها، ويا سلام لو جابت لي فلوس!".
فسألها ثانيةً:
"يعني عايزة تخدمي الناس وشهرة وفلوس".
فأجابته:
"أخدم الناس ده أساسي... والشهرة يا حبذا، ولكن الفلوس تيجي أو ما تجيش مش مشكلة أنا بأشتغل وبأقبض اللي يكفيني"، ثم استدركت وهي تضحك قائلة: "بس البحر يحب الزيادة!".
فقال ممازحًا: "آه يا دمياطية!!".
وبعد نوبة من الضحك، عاد وسألها:
"بس إزاي بتكرهي الناس، وعايزة تخدميهم؟!".
قالت في أسى:
"حاسة إنهم مش فاهمين... الجهل... الفقر... كل ده بيخللي الإنسان يفقد جزء من إنسانيته، تخيل بقى لو هو كده كل يوم؟! آه بأكره الناس، بس بأرجع أقول إنهم غلابة ومظلومين... نساعدهم الأول... ولو استمروا على اللي هما فيه يبقو يستاهلو الكراهية بقى".
هنا نظر إليها في إعجاب لم يحاول إخفاءه، وقال لها:
"إنتي إنسانة رائعة!".
فقالت له:
"وإنت أروع".
فسألها، وهو يبتسم خجلًا:
"وإيه اللي عرفك؟!".
أجابت في بساطة، وهي تبتسم:
"لأن اللي يقدر أفكار زي دي ويقول عليها رائعة، لازم يكون أروع لأنه ناقشها، وفهم معناها، يبقى أكيد مقتنع بيها".
أشار لها بسبابته وهو يومئ برأسه إيجابًا:
"فعلًا... أنا معاكي في كل اللي قلتيه عدا جزئية الشهرة".
زوت حاجبيها الرفيعين في تساؤل، فقال موضحًا:
"أعتقد إن الشهرة بتحرق الإنسان... ممكن تخلليني مش عارف أتحرك كويس في اتجاهي... تاخدني بعيد عن الهدف الرئيسي وهو إن الناس تبقى مبسوطة وبخير".
فعادت تقول بدورها في إعجاب لم تحاول إخفاءه:
"مش بأقول لك إنت أروع!".
وبالفعل وجد نفسه يتمتم، وهو يطالع الطريق أثناء عودتهما من السوق:
"بل إنتي الأروع، والأكثر روعة كمان!".
سأله “يحيى”:
"بتقول حاجة يا سُلُم؟!".
فانتبه إسلام إلى أن صوته ارتفع أكثر من اللازم؛ فقال:
"لا أبدًا بس افتكرت كيلو البلطي اللي اشتريته، وطلع قشر بياض!".
******


11
توقفت السيارة أمام الدار، فنزل الاثنان، ونادى “يحيى” على "سلّام" ليأتي ويساعدهما، فجاء الفتى من خلف الدار بمجرد أن سمع النداء، وأخذ ينقل الأكياس إلى الثلاجة الكبيرة. ولما انتهيا، اتصل “يحيى” بوالدته ليخبرها أن تأتي لتأخذ ما تريد من المشتروات لها وللآخرين، وبينما كان يكلمها، قال له "إسلام": "قول لها إن إسلام عايز يكلمها النهاردة في موضوع".
أشار إليه “يحيى” بيده مستفهمًا، لكن "إسلام" لم يوضح، واكتفى بأن قال له: "قول لها كده بس"؛ فلم يجد “يحيى” بدًا من أن يقول:
"طيب يا ماما، إسلام بيقول لك إنه عايز يكلمك في موضوع... لأ لأ... مش عارف هو إيه بس تقريبا حاجة بسيطة... ابقي يعني اعملي حسابك في الوقت... طيب خلاص إن شاء الله... سلام".
ورفع بصره إلى "إسلام"، وقال: "بتقول إنها جاية بعد ساعة إن شاء الله على الغدا... موضوع إيه بقى؟!".
قال "إسلام" في تردد:
"يعني... كنت عايز أسألها لو تعرف حاجة عن منى".
كتم “يحيى” ثورته بصعوبة، وقال في نفاد صبر: "يا بني إنت جاي ترتاح من أزمة، وللا تزود على نفسك؟!".
ولمَّا لم يرد إسلام، قال له: "عمومًا دي حياتك... أنا بأحاول أساعدك باللي بأقدر عليه بس إنت مش بتساعد نفسك".
هنا قال "إسلام":
"صدقني أنا كده بأساعد نفسي... حاجة افتكرتها وتعبتني، فعايز أرتاح منها... مش كده أحسن برضو عشان الاستقرار النفسي؟!".
نظر إليه “يحيى” طويلًا دون أن يعلق، قبل أن يقول في النهاية: "أنا رايح آخد دش".
فقال له "إسلام": "أحسن برضو".
فعاد “يحيى” ينظر إليه ولكن في غيظ هذه المرة، ثم تركه وذهب للحمام، وهو يزفر في حنق.
وبعد حوالي ساعة ونصف، كان الثلاثة مجتمعين حول مائدة الغداء في الطابق الأرضي، وقالت الوالدة في منتصف الغداء:
"خير يا إسلام... كان يحيى قال لي إنك عايزني في حاجة مهمة... وللا تحب نتكلم بعد الأكل؟!".
قال "إسلام" في شيء من الحرج:
"هي مش مهمة أوي يعني حضرتك... بس... كان فيه..."، ثم توقف عن الكلام واحمر وجهه، فقالت الوالدة:
"مالك يا بني؟! فيه إيه؟!"، ثم التفتت إلى ابنها قائلة:
"مالو يا “يحيى”؟!".
أجابها “يحيى” في هدوء:
"لا ولا حاجة"، ثم وجه كلامه إلى "إسلام" قائلًا:
"طيب تحب أتكلم أنا؟!".
أجابه "إسلام" بنعم، فقال “يحيى” لوالدته:
"طيب يا ماما أنا حاحكيلك ولو غلطت في جزئية يبقى إسلام يصلح لي... ماشي يا سُلُم؟!".
أومأ "إسلام" برأسه إيجابًا؛ فبدأ “يحيى” يحكي قائلًا:
"إنتي عارفة يا ماما إني وإسلام كنا زملاء في الشركة المصرية من زمان أوي... معلش أنا حابدأ من بعيد شوية بس عشان تعرفي الخلفية كلها"، فهزت الوالدة رأسها موافقة، فتابع “يحيى”:
"كان هو شغال في قسم وأنا في قسم تاني، بس كنا ولا زلنا أعز صديقين... من حوالي 12 سنة كده بدأ إسلام يكلمني عن إن فيه زميلة في القسم عنده أكبر منه بسنة اسمها منى بيميل إليها، وإن فيه توافق ما بينهم في حاجات كتير، بس هو مش عارف موقفها إيه... أنا سألته وقتها: تعرفها كويس؟! فقال: لأ... قلت له: يبقى الأفضل تعرفو بعض أكتر، ربما يكون مجرد إعجاب... أو ربما تكون هي من جانبها بتبص لك على إنك زميل وخلاص"، ثم توقف “يحيى” ليتناول بعض الطعام، قبل أن يكمل:
"المهم فضلوا مع بعض كده سنة، وكان واضح بصراحة إن التفاهم عالي جدًا جدًا"، ثم نظر إلى "إسلام" وقال له: "وبصراحة تاني كان فيه ناس في القسم عندكم ملاحظين وكانوا بيدعو إن يحصل ارتباط ده حتى فيه حد جه قال لي إنه لو يقدر يساعد بحاجة ممكن تخلليكم ترتبطو ببعض فهو على أتم استعداد".
ارتفع حاجبا "إسلام" في دهشة من هذه المعلومة الجديدة، وفتح فمه ليتكلم، لكن “يحيى” قال مشيرًا إليه بكفه في دعوة للسكوت: "والله ما أنا قايل مين، وسيبني أكمل"، ثم التفت إلى والدته مجددًا، قبل أن يعاود فجأة النظر إلى "إسلام" قائلًا وكأنه تذكر شيئًا:
"وعلى فكرة، الناس دول زعلوا أوي من خيري لما اتقدم لها والكل عارف اللي بينكم... صحيح ما كانش فيه حاجة واضحة، بس المسألة كانت باينة، والناس زعلو منه وقالوا يا رب ما توافق... وهو ده اللي حصل فعلا إنها رفضت عشان ما كانش حايخلليها تسكن في القاهرة!!"، ثم التفت “يحيى” إلى والدته مكملًا: "المهم... طول الفترة دي، مفيش أي مبادرات ولا أي حاجة من إسلام، وقاعد كده. وبعدين، حصل إن جالها فجأة شغل من الحكومة، واستقالت وسابت المكان. فين بقى بعدها بسبع شهور الباشا اتصل بيها وكان عايز يكلمها في ارتباط، ولكنه فوجئ إنها ارتبطت وانتهى الأمر". هنا، سألت الوالدة: "بغض النظر عن رأيي في الموضوع ككل واللي حاقوله أكيد يعني، إيه فتح الموضوع تاني؟! وإيه دخلي؟!".
أجابها “يحيى”: "أوضح لك يا أمي..."، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقال: "البنت دي من فارسكور أصلًا، والنهاردة أنا وإسلام شفناها في حلقة السمك بترتيب إلهي قدري، ففجأة كده إسلام قرر إنه عايز يعرف عنها أي حاجة!".
هنا قالت الوالدة: "عظيم... طيب خلصوا أكل وتعالوا نتكلم في القعدة اللي على السطح".
وبالفعل كان ذلك، انتهى طعام الغداء سريعًا؛ فقد كان الكل يود استكمال الحديث، وإن لم يحاول أحد أن يتناقش أثناء الطعام، وبدا وكأن اتفاقًا ضمنيًّا ساد بينهم بالتزام الصمت لأجل تجميع الأفكار. وسرعان ما التأم الثلاثة حول أكواب الشاي في مكان معد للجلوس فوق سطح المنزل يطل على الحقول في جلسة رائعة أسفل شمس العصر، وكانت الوالدة التي بدأت بالكلام قائلة: "أولًا أحب أقول رأيي في الموضوع ككل... إسلام ربما يكون تأخر بس في النهاية هو كان بيحسب حساباته عشان يضمن إن الفرصة ما تضيعش منه... بس أحب أقول لكم إنها كده كده كانت ضايعة، لأن الظروف مش مواتية... الظروف المادية مش تمام، وكمان هو واحد الأهل ما يعرفوهوش... وهي بينها وبين أهلها مشاكل عشان عيشتها في القاهرة... فبدري زي متأخر... فرأيي إن المفروض إسلام ما يزعلش نفسه. بس على أي حال أهو عمل حاجة، وما طنشهاش!".
ثم اكتسب صوتها جدية وهي تقول: "بس عايزة أقول لكم حاجة... طالما هي من المنطقة، فأكيد بيئتها محافظة شوية فأنا مش عايزة مشاكل، وكويس إن إسلام مسك نفسه، وإنه طلب يكلمني أنا مش راح مثلا اتكلم مع حد تاني زي أبو شرف... مش عايزين مشاكل مع العائلات هنا في موضوع حساس زي ده، صعب إنه يتلم ده لو اتلم أصلًا".
فقال إسلام: "أكيد حضرتك، وعشان كده اتكلمت معاكي"، ثم نظر إلى الأرض، وهو يضيف: "أنا بس كنت بأقول يمكن حضرتك تعرفي عنها حاجة، و...".
صمت لما لم يجد كلامُا يقوله، فقالت الوالدة: "طيب قبل ما أسأل عنها ولا أي حاجة، إنت عايز تعرف عنها أي حاجة ليه؟!".
لم يرد "إسلام"، فقالت له الوالدة في حنان مشفق: "يا بني ده موضوع انتهى وخلاص... حرام عليك تعذب نفسك بقى"، ثم قالت له لما لاحظت إمارات الحزن في ملامحه: "طيب هي اسمها إيه؟!".
فأسرع "إسلام" يقول:
"منى... منى عبد اللطيف"، ابتسمت والدة “يحيى” في رفق عندما لاحظت تأثره وهو ينطق باسمها، لكن وجهها سرعان ما اكتسى ببعض الاهتمام وهي تسأل: "منى عبد اللطيف؟!"، ثم مطت شفتيها وقالت: "أنا أعرف واحدة من فارسكور ليها قريبة في نفس السن ده كده تقريبا بس اسمها منى زكريا".
هنا انتفض "إسلام" في مقعده، بينما ابتسم "يحيى" قائلًا: "منى زكريا؟! تبقى هي!".
******



12
ارتسمت ملامح الدهشة على وجه الأم من رد فعل الاثنين، لكن "إسلام" اعتدل في مقعده، وقال موضحًا: "هي كان اسمها منى عبد اللطيف زكريا".
فقالت الوالدة في اهتمام حقيقي هذه المرة: "طيب مش فاكر لقب عيلتها إيه؟!".
قال لها في صوت متقطع من الانفعال:
"المساكني".
التمعت عينا والدة “يحيى”، وقالت مبتسمة: "فعلًا هي!".
قفز "إسلام" من مقعده ووقف أمام والدة “يحيى” في انفعال شديد وهو لا يدري ما يفعل أو يقول، بينما كان “يحيى” يتابع ما يجري دون أن يقدر على الكلام، فقالت الوالدة وهي تلوح بيدها مهدئة، ووضعت كفيها على كتفي "إسلام" الواقف أمامها ف محاولة لاحتواء انفعاله": "اقعد بس كده واهدأ".
لكنه ظل واقفًا، فعادت تقول بابتسامة لطيفة: "اقعد بس..."، وأضافت وقد اتسعت ابتسامتها: "اقعد عشان بالشكل ده، حايبقى فيه شوية كلام في الموضوع".
زوى "إسلام" ما بين حاجبيه مستفهمًا، وهو يجلس، فيما سألها “يحيى”: "هو الموضوع جذب انتباهك يا ماما بجد؟!".
ضربته على كتفه في استنكار مصطنع، وقالت لـ"إسلام": "شوف يا ابني... منى اللي إنت بتتكلم عنها دي تبقى بنت قريبة من بعيد شوية لواحدة معرفة ليا أوي".
ارتفع حاجبا "إسلام" في دهشة، فيما أطلق “يحيى” ضحكة صافية قائلًا: "شوف الحظ يا أخي!".
ابتسمت الوالدة لتعليق ابنها، قبل أن تقول:
"آه يا واد، أمك تعرف عائلات دمياط كلها.. ده كانوا عايزين يرشحوني في عضوية المجلس المحلي"، ثم قالت في جدية وهدوء: "طيب.... أنا مش عارفة اللي حاقوله ده يندرج في باب الأسرار وللا لأ، بس قبل ما أقوله عايزة منكم تعهد بإنه ما يطلعش برة"؛ فأقسم الاثنان ألا يخرج ما يسمعانه عن دائرتهم هم الثلاثة، فواصلت كلامها قائلة: "أولًا هي إنسانة محترمة جدًا بس للأسف الشديد بختها مش كويس".
نظر إليها الاثنان في استفهام، فقالت: "هي أولًا قريبة لسكرتيرة عندي في الدار... قريبة من بعيد شوية بس السكرتيرة تعرفها، والبنت طيبة فكانت بتحكي لها أحيانا حاجات... المهم إن البنت دي اتجوزت لاعتبارات أسرية بحتة، وقالت بمبدأ جوازة والسلام لما لقت إن الضغوط عليها كتير".
فقال "إسلام" معلقًا: "كان باين من كلامها آخر مرة".
هنا قالت الوالدة: "ماشي... مش عايزة مقاطعة تاني من فضلكم، ومن فضلك إنت بالذات يا إسلام... اتجوزت من إنسان شكله محترم ومن عيلة كويسة ومرتاح ماديًّا، ولكنه للأسف الشديد كان على غير ما يظهر، وبهدلها معاه... كان عصبي جدًا، وبخيل جدًا، وفاكر إنه اشتراها بفلوسه... المهم... فضلو يتنططوا من محافظة لمحافظة، لغاية ما سافر بيها السعودية، وهناك زادت الأمور جدًا لدرجة إنه كان بيضربها، و أدام بناتها كمان".
توقفت للحظة لما رأت ملامح "إسلام" تكتسي بالألم والحنق معًا، فقالت: "معلش اسمع بس للآخر... هما رجعو من السعودية من هنا، وهو ربنا تولاه برحمته في حادث سيارة مع أخته الوحيدة".
ارتجفت شفتا "إسلام" في انفعال، قبل أن يقول في صوت مختنق خالطه شيء من الفرح رغمًا عنه: "مات؟! طب وهي حصل لها إيه؟!".
فأجابته الوالدة: "يا بني اصبر... مش قلت مش عايزة مقاطعة؟!"، ثم تابعت قائلة: "هي كانت في بلدها وقتها غضبانة عند والدتها مع بنتينها، وهو كان رايح مع أخته في مشوار عائلي".
وعند هذه النقطة، صمتت، فقال "إسلام" في تردد: "أفهم من كده..."، ثم توقف وهو يخشى أن يكمل ما في ذهنه، فأكملت هي قائلة: "أيوه يا إسلام... هي أرملة ومعاها طفلتين... وحاليًا عايشة في شقتها في دمياط بس معتادة إنها تيجي كل يوم جمعة وسبت أجازتها من المصلحة تشتري من سوق السمك لوازم وحاجات"، وصمتت لبرهة ثم تابعت: "بقى لها على الحال ده سنتين تقريبًا".
ساد الصمت لفترة في محاولة لاستيعاب ما قالت، ثم كان “يحيى” أول من تكلم، فقال لها في اندهاش: "وإنتي عرفتي الحاجات دي كلها إزاي يا ماما؟!".
فقالت والدته متنهدةً في أسى: "كانت السكرتيرة بتحكي لي من باب الفضفضة وكلام الستات، إلى جانب إنها كانت عايزة تشوف حل فعلًا عشان منى كانت تعبانة أوي، وكانت السكرتيرة عايزة تساعدها بأي طريقة، فطلبت رأيي، بس للأسف ما كانش فيه عندي حل".
هنا، مط "إسلام" شفتيه وتنهد ولكنه لم يقل شيئًا، بينما قالت الوالدة لابنها: "أنا مش عارفة طول الفترة دي ما شفتهاش إزاي يا “يحيى”؟!".
نظر إليه إسلام في سخط، فقال “يحيى” لوالدته في حرج ولوم: "إيه يا ماما... إنتي بتسخنيه عليا وللا إيه؟!"، ثم التفت إلى "إسلام" قائلًا: "وبعدين أنا أعرف منين؟! هو أنا بآجي البلد غير كل سنة مرة... زائد إن ده موضوع انتهى من زمان جدًا، بالإضافة إلى إن فيه سمعة إنسانة متزوجة... يعني أتكلم فيه ليه؟!".
قالت الوالدة لـ"إسلام": "يحيى معاه حق... هو مش بييجي كتير، وبعدين الموضوع حساس وانتهى من زمان".
بعد هذه العبارة ساد الصمت لفترة حتى قطعته والدة "يحيى" بقولها: "إنت بقى دلوقت... عايز إيه؟!".
نظر إليها "إسلام" في حيرة قبل أن يقول:
"الأول كنت عايز أطمئن عليها بس... لكن دلوقت..."، وصمت طويلُا، قبل أن يرفع إليها عينين راجيتين، ويقول: "إنتي حضرتك شايفة إيه؟!".
ابتسمت الوالدة في إشفاق وقالت: "كنت بتحبها للدرجة دي؟!".
أجابها بصوت من يوشك على البكاء: "كنت؟! ولسه... جدا حضرتك... بس يعلم ربنا إني ما كنت بأفكر فيها وأنا متزوج... الموضوع كله ما رجعش تاني غير لما يحيى وجه لي الدعوة؛ فافتكرت كل حاجة بقى... بس يعلم ربنا..."، وطفرت الدموع من عينيه، فقالت الوالدة في إشفاق حقيقي: "خلاص يا بني ما تعملش في نفسك كده... الموضوع ده بقى بتاعي وإن شاء الله أفكر لك فيه كده بس إنت خلص أجازتك وارجع شغلك وشوف حياتك، وإن شاء الله ربنا يقدر اللي فيه الخير".
قال لها في شيء من الاستنكار: "أرجع شغلي؟! أشوف حياتي؟! لأ... أنا مش ماشي من هنا غير..."، ثم بتر عبارته عندما لم يجد ما يقوله، فقالت الوالدة: "شفت بقى؟! مفيش حاجة تقدر تعملها دلوقت خالص... استنى بس شوية كده أدرس أنا الموضوع وبعدين نشوف ربنا مخبي لينا إيه... وهو أكيد خير في كل الأحوال".
ونهضت من مكانها، وقالت في مرح مصطنع: "أسيبكم بقى عشان أنا كده اتعطلت عن والدكم خالص... ده ممكن يضربني فيها".
هنا فقال “يحيى” في مرح: "طب ده كلام؟! ده الحاج دايب دوب".
فابتسمت أمه وقالت: "عيب عليك اختشي شوية"، ولوحت لهم قائلة: "سلام"، ومش عايزة أكرر كلامي عن سرية الموضوع وحساسيته"، وأضافت محذرة: "دي سمعة بنت".
رد الاثنان التحية، وهز "يحيى" رأسه في طمأنة، بينما قال "إسلام" في شرود: "أكيد"، ولما التفت “يحيى” إليه، وجده في عالم آخر، فتركه ونزل خلف والدته.
******

13
"كنت بتحبها للدرجة دي؟!" وأية درجة يا سيدتي...؟! وأية درجة؟!
لكن الغريب أن هذا التعبير لم يأت على لسانه مطلقًا؛ فلم يحدث أن صارحها بأي شيء، ولم تستدرجه هي لذلك. بل إنه في آخر يوم عمل لها أراد أن يعبر عن عواطفه، فانتهز فرصة وجودها خارج حجرات القسم، وناداها فأتت له مسرعة، فقال لها بصوت شديد الانخفاض خشية أن يبكي إن ارتفع صوته: "منى..."، وصمت للحظة قبل أن يتابع وهو ينظر إلى ما وراءها: "الفراق نار"؛ فأجابته هي في شيء من الاستسلام بلهجة تحمل قدرًا من الحرارة: "عارفة... عارفة يا إسلام"، وانصرفت دون كلمة إضافية، فأطلق هو زفرة ملتهبة. وعندما رأى عامل بوفيه الشركة، قال له إنه سوف يدفع حساب طلباتها في ذلك اليوم. يذكر أن قال له العامل، وكان اسمه "صالح":
"بس ده كتير شوية يا أستاذ إسلام".
فسأله إسلام في نفاد صبر:
"كام يعني؟!".
فقال "صالح" في استسلام: "سبعة جنيه!".
عندها، لم يستطع منع الابتسامة التي تسللت إلى شفتيه، وقال للعامل:
"طيب خد عشرة جنيه أهي حسابي وحسابها"، ثم أضاف:
"إنت طيب أوي يا صالح".
فقال له الأخير:
"وإنت محترم أوي يا أستاذ إسلام".
وعندما أخبرها عامل البوفيه أن "إسلام" دفع لها الحساب، قالت:
"شكرًا يا إسلام بس تعبت نفسك ليه؟!".
قالتها في لهجة تحمل قدرًا من السعادة الممزوجة بالمرارة، فقال لها في صوت جامد كتمانًا لمشاعر كانت واضحة في عينيه وارتعاش يديه: "يعني عشان لو افتكرتينا، تبقي تفتكرينا بالخير".
فقالت في إخلاص: "إللي زيكو ما يتنسوش... وأنا أنساكو إزاي؟!".
حقًا... كيف النسيان؟!
لن ينسى وقتها كيف دخل إلى دورة المياه في مكان العمل ليصفع الجدران بيديه، وقد تفجرت الدموع من عينيه؛ وهو يكاد يصرخ لولا خشيته من أن يسمعه الموظفون.
من البديهي أن نقول إن "إسلام" لم يستطع أن يفعل أي شيء في باقي اليوم سوى أن يدخل لينام، فقد ظل حتى الثامنة مساء لا يتكلم ولا يفعل أي شيء سوى التحرك جيئة وذهابًا على السطح. وقبل أن ينزل، سمع صوت صديقه “يحيى” يقول في سخط: "الله يسامحك دمرت لنا الأجازة".
فقال له "إسلام": "ما تخافش... كلها يومين وأمشي وأسيبها لك".
فعاد “يحيى” يقول في غيظ: "وتفتكر إني حابقى مبسوط لوحدي؟!"، وأردف في سخط: "إمشي نام!".
واستجاب "إسلام" للنصيحة، ونزل لينام حتى يستطيع أن يفكر جيدًا، عندما يستيقظ، فيما سمعه، ولكنه كما هو متوقع، لم يستطع النوم، وراح يتقلب على الفراش، حتى سمع صوت خطوات مسرعة على الدرج، فقز من فراشه، وفتح الباب ليجد “يحيى” يمسك هاتفه المحمول، ويقول له: "كويس إنك صاحي، ماما عايزة تكلمك ضروري".
لم يكن ذهن "إسلام" صافيًا بدرجة كبيرة، فإذا أضفنا ذلك إلى ملامح الاستعجال التي كانت على وجه وسلوك صديقه، لتفهمنا لماذا سقط منه الهاتف أرضًا قبل أن يتناوله ويجيب: "ألو... أيوه حضرتك معاكي".
جاءه صوت والدة “يحيى”، وهي تقول:
"بص يا ابني... أنا دورت واستقصيت وعرفت إنها بتروح مول وسط المدينة يوم الأحد في فارسكور بعد الشغل... يعني حوالي الساعة اتنين ونص كده وبتفضل فيه حوالي نص ساعة لغاية ما بناتها يطلعو من المدرسة اللي أمام المول... فإنت وشطارتك بقى"، وصمتت لحظة، وتابعت كلامها بلهجة تحذيرية: "إسلام... مش عايزة مشاكل... أنا زي والدتك، وصدقني لو واحدة تانية مكاني ما كانت عملت أي حاجة من اللي بأعمله ده بس عشان يعز عليّا إني أشوف إنسان محترم زيك أقدر أساعده وما أساعدوش... بس في الوقت نفسه أنا عارفة حساسية الموضوع ودي حاجة مش سهلة، والبلد صغيرة زي ما إنت عارف... خد بالك كويس".
فتكلم أخيرًا، وقال: "ما تقلقيش حضرتك... ربنا يخلليكي لينا".
فقالت له في اللهجة التذيرية نفسها: "أنا واثقة فيك، ولولا الثقة دي ما كنتش قلت لك على مكانها... بس بأكرر أنا صحيح ست منفتحة عن نوعية الستات اللي هنا، بس فيه حاجات المنفتحة فيها زي المنغلقة... وعمومًا ربنا معاك... سلام".
فقال في شرود: "سلام".
وبحركة آلية سلم الهاتف المحمول إلى صديقه، ورقد على الفراش، تاركًا “يحيى” في حالة من الارتباك، قبل أن يسأله: "إيه اللي حصل؟!"، ولما لم يجد جوابًا من "إسلام" الذي كان قد سافر إلى عالم آخر، صاح قائلًا: "مش تقول لي بدل ما أنا واقف زي الأطرش في الزفة كده؟!".
ولكن بدلًا من أن يجيبه "إسلام" سأله: "فين مول المدينة اللي في دمياط ده؟!".
فقال “يحيى” في حيرة: "هو مول مشهور أوي في وسط المدينة بالظبط؟! ليه؟!".
حدق "إسلام" إلى السقف، ووضع ساقًا فوق أخرى وهو راقد على الفراش، قبل أن يقول بصوت متهدج: "عشان حاشوفها هناك بكرة إن شاء الله. أمك دي ست جبارة".
واستدار فوق الفراش لينام.
ولم يطلب "يحيى" المزيد، واكتفى بأن قال: "لأ ما أنا عارف ماما!"، ثم غادر مغلقًا الباب خلفه.
******


14
الاحتراق والاستنفاد...
هاتان هما الكلمتان اللتان يمكننا أن نصف بهما مشاعر "إسلام" وهو يقف في مواجهة المركز التجاري الكبير في وسط مدينة دمياط منتظرًا حضورها. كان قد وصل منذ العاشرة صباحًا في انتظار مجيئها، بعدما رفضت والدة “يحيى” أن تعطيه اسم المصلحة التي تعمل بها خشية اندفاعه، وهو الاسم الذي لم يكن يعلمه حتى بعد أن استقالت من عملهما المشترك.
وفي أعماقه تساءل: هل فعلًا يحبها إلى هذه الدرجة؟!
أم هو الفراغ؟!
آلاف الأسئلة نهشت في حناياه، وهو ينتظر...
هل سيراها حقًا؟!
هل ستحافظ على انتظام مواعيدها بالفعل؟!
هل هي فعلًا؟!
وإن كانت هي... هل يناديها باسمها؟! أم يضع قبله لقبًا؟!
هل ستتذكره من الأصل؟!
لا يدري كم من المرات جلس على الرصيف، وقام واقفًا، ثم جلس مرة أخرى، قبل أن يقف من جديد، وكأنه يهرب من الأسئلة التي تدفقت على عقله فكادت تذيبه من حرارتها...
لا ريب أنه تقيأ آلاف المرات جراء التوتر، وتزاحم الأسئلة في أحشائه...
آلاف من الـ"هل" اندفعت تتقاتل أيها تلتهم مخه قبل الأخريات...
عدل من وضع منظاره الطبي آلاف المرات في محاولة لاستجلاب تماسك وهدوء مفقودَيْن...
أدمى أظافره وهو يقرضها من فرط التوتر أثناء الانتظار...
خرج شعر مؤخرة عنقه في يده، وهو يشده، والأسئلة تطحن خلايا مخه...
أسئلة نخرت في عظام صبره...
إلا أن كل ما تبقى فيه من أعصاب أذابه مشهدها وهي تدخل بجسدها الضئيل المركز التجاري...
هي...
لا جدال في ذلك...
إنها هي...
وفي أعماقه، تفجرت كل ينابيع المشاعر الصافية...
وفي كيانه، هتفت كل ذرة باسمها...
وبكل ما في أحشائه من حرارة وأشواق، تحركت ساقاه باتجاه المركز التجاري، وعبثًا حاول أن يمنع نفسه من النظر إليها، ولكن منذ متى يستطيع الطفل التائه أن يمنع نفسه من الارتماء في أحضان أمه؟!
لكنه تماسك...
بمعجزة حقيقية، تماسك، وتمالك أعصابه...
وتركها سائرة دون حتى أن يظهر نفسه لها، وانتظر حتى توقفت، وجاءت وقفتها أمام طاولة عرض للعب الأطفال، فاقترب من خلفها لمسافة تكفي لأن تسمعه دون أن يرتفع صوته أكثر من اللازم، وفي الوقت نفسه لا تكون ملفتة للنظر في قربها.
كان يحاول وهو يتقرب منها أن يجرب آلاف العبارات ليختار واحدة منها، ولكنه عندما وصل إليها، قال دون وعي منه، وبصوت خافت حمل لهفة احتبست سنين:
"إزيك يا منى؟!".
لكن فيما يبدو أنها سمعت الصوت رغم الخفوت؛ لأنها استدارت...
استدارة لم تستغرق أكثر من نصف ثانية...
نصف ثانية لكنها بدت أنها استغرقت ما استغرقته مجرات لتدور حول مركزها آلاف المرات
واستدارة أفسحت آلاف من ذرات الكون الطريق لها كي تتم...
استدارة قلبت كل صفحات كتاب الفراق لتغلقها ربما بغير رجعة...
كل السنين التي فصلت بينهما تنحت جانبًا في اعتذار عما سببته من ألم الفراق...
استدارت...
ووقعت عيناه على وجهها النحيف...
بل لنقل ارتمت العينان في حضن هذا الوجه...
لم يتغير فيها شيء...
ربما بعض التجاعيد الخفيفة عند جانبي الفم وأسفل العينين وبجوارهما...
لكنها إجمالًا لم تتغير...
لا يزال سواد العينين يجتذب كل النجوم والأقمار...
لا تزال على ضآلة جسدها رغم السنين...
تلك الضآلة التي فجرت ينابيع الحنان في أعماقه لما رآها أول مرة...
بل لا تزال الخصلة النافرة تصر على الفرار من أسفل طرحة الحجاب...
ولا يزال البني يميل إلى الحمرة...
وعاد دون وعي منه يكرر:
"إزيك يا منى؟!".
لكنه في هذه المرة قالها بلهجة المتعَب الذي استراح...
بلهجة الملاح التائه الذي لاح له الشط، بعدما أنهكته العواصف والأمواج...
لوهلة بدا عليها أنها لم تتعرفه، لكن عينيها ضاقتا — من خلف منظارها الطبي الأنيق الصغير الذي بدا وكأنها لم تغيره من اثني عشر عامًا — قبل أن تقول في شيء من الحذر زاد من خنفة صوتها الذي لم يفقد دفأه:
"أهلًا وسهلًا"، وصمتت للحظة قبل أن تقول:
"حضرتك تع...".
كانت تريد فيما يبدو أن تسأله: "حضرتك تعرفني؟!"، لكنها سرعان ما سحبت هذا السؤال، وألقت آخر قائلةً: "إسلام؟!".
خفق قلبه، لكنه لم يقل شيئًا، بينما أمالت رأسها يمينًا كعادتها عند التعجب من شيء، ورفعت حاجبها الأيمن، ووجهت سبابتها اليمنى الدقيقة نحوه، وهي تكرر في محاولة للتأكد: "إنت إسلام... مش كده؟!".
فقال لها في سعادة الدنيا: "أيوه أنا"، ثم هز رأسه إيجابًا، وهو يضيف مؤكدًا: "أنا إسلام".
فتهلل وجهها، ثم قالت له مرحبة بدرجة من الحرارة تتلاءم مع المكان العام الذي يقفان فيه: "إزيك!؟ عامل إيه؟!".
أجابها، وهو يمنع نفسه من البكاء ويطبق كفيه بشدة على بعضهما وكأنه يمنع نفسه من احتضانها: "الحمد لله... إنتي عاملة إيه؟!".
فأجابته بدورها: "الحمد لله".
فقال في هدوء: "البقاء لله".
اكتسى وجهها بالحزن، وسألته: "إنت عرفت؟!".
فقال في سرعة: "أنا عارف حاجات كتير، وعايز أتكلم معاكي بشدة، وعارف إنك مستعجلة عشان بناتك".
اتسعت عيناها في دهشتها الطفولية من سرعته في الكلام؛ فقالت في اندهاش: "ودي كمان عرفتها؟!"، وبعد لحظة صمت، سألته وعلى وجهها شيء من الابتسام: "عرفت كل ده منين؟!".
لم تخطئ أذنه رنة السعادة الخفية في صوتها، فقال: "بصي... مفيش وقت عندك والمكان ما يسمحش بحديث طويل... أنا عايز أكلمك كتير... لو أمكن رقم تليفونك أتصل بيكي في وقت يناسبك".
للحظة خشي أن ترفض، أو تتمنع، أو... لكنها قضت على كل هواجسه، عندما قالت في بساطتها المعتادة: "معاك الرقم القديم؟! هو هو بس زود...".
قاطعها قائلًا في لهجة من يريد حسم أمر: "ضاع"، وتابع بعد أن رأى الدهشة في ملامحها من أسلوبه المندفع في الكلام: "قطعت الورقة اللي كنت كاتبه فيها حفاظًا على خصوصيتك، وكتبته في ملف وورد بكلمة سر على كومبيوتر الهارد بتاعه ضَرَب"، قبل أن يضيف ملوحًا بكفيه؛ وهو يلهث من الانفعال:
"من الآخر مش معايا!".
فهزت رأسها متفهمة، فتحت حقيبتها، وراحت تفتش فيها وهي تقول: ""دول عشر سنين على أي حال".
سره أنها تتذكر الفترة التي مرت، ولكنها قطعت عليه أفكاره، بأن مدت إليها يدها بورقة، وقالت:
"ده الرقم... الساعة عشرة يناسبك؟! البنات بيكونو ناموا وشغل البيت بيبقى خلص، و...".
قاطعها قائلًا: "من غير مبررات، طالما يناسبك يبقى يناسبني".
فابتسمت وهي تومئ برأسها مغالبةً ضحكها، لكنها لم تعلق، فانتزع قدميه من أمامها انتزاعًا، وهو يقول لها في تلعثم وهو يبتسم، ويجاهد كي لا تنفلت أعصابه عاقدا ذراعه الأيسر وراء ظهره، وملوحا بيده اليمنى في الهواء:
"سلام بقى عشان... يعني... ما أعطلكيش بقى... عن البنات... شغل البيت..."، ولوح بيمناه في الهواء بلا معنى، فقالت له وقد انفجرت عيناها بضحك عبر عن نفسه في ابتسامة فقط خفيفة: "سلام".
ولوحت له بأصابع كفها دون أن ترفع يدها الممدودة بجوار ذراعها، فهز رأسه دون أن يقدر على الحديث، وأجبر نفسه على الالتفات بعيدًا عنها ليواصل طريقه وهو يكاد يصطدم بالمارين.
لم تتغير...
لم يتغير فيها شيء...
حتى طريقة سلامها بتحريك أصابع الكف دون رفع اليد من مكانها...
بل لا تزال الخنفة تُجَمِّل صوتها...
وعادت هي تجمل حياته...
فإلى العاشرة...
******

15
عندما وقفت تعد طعام الغداء لها ولطفلتيها، لم تكن قد أفاقت بعد من دهشتها من لقاء الظهيرة، وراحت الأفكار تتدفق على ذهنها...
إسلام؟! بعد كل هذه السنوات؟!... ماذا يريد؟!... "أنا عارف حاجات كتير"... " أنا عايز أكلمك كتير..."... ماذا هناك؟! وعاد السؤال المحوري يتردد في ذهنها: ماذا يريد؟!
استفاقت من خواطرها على صوت طفلتها "مروة" ذات السنوات السبع وهي تناديها من الردهة: "ماما... أنا جعت"، فقالت لها:
"خلاص أنا جاية أهو يا حبيبتي... العبي شوية مع مريم لغاية أما أطلع الحاجة من الفرن".
فجاءها صوت طفلتها وهي تقول:
"حاضر... بس ما تتأخريش".
فقالت لها "منى" مطمئنةً:
"لا يا حبيبتي مش حاتأخر".
وراح السؤال يدوي في ذهنها من جديد وهي تضع الطعام على المائدة...
ماذا يريد؟!
توارت ضجة الطفلتين وهما يتناولان الطعام، وتوارى صوت مكبر الصوت الذي يروج للمشاركة في الاستفتاء على الدستور... توارى كل ذلك وراء دوي السؤال...
ماذا يريد؟!
ومن جديد، راحت الأفكار تتدفق على ذهنها...
لم يتغير كثيرًا...
ظاهريًّا على الأقل، فالنفوس بأمر الله سبحانه وتعالى...
لكن تعلثمه وارتباكه دلّاها على أنه لم يتغير كثيرًا...
لا يزال يجمع بين الجرأة والخجل في الوقت نفسه في توليفة ربما كانت واحدة من الأسباب التي جذبتها إليه.
نعم هو انجذاب...
لم يكن حبًّا بالمعنى المفهوم...
وهنا توقفت أفكارها قليلًا ليظهر سؤال جديد:
حقًا؟!
فعادت تخاطب نفسها قائلة إنه كان مناسبًا، وأيًّا ما كانت المشاعر التي تحملها إزاءه، فقد كانت مشاعر لا تعرف سوى طريقًا واحدًا وهو الزواج. لكنَّ أفكارها ارتبكت عند هذه النقطة، عندما تذكرت مرارة زواجها، ولكن ما أنقذها من هذه المرارة هو صوت طفلتها "مريم" ذات السنوات الأربع وهي تقول: "ماما... هو بابا مش حاييجي بقى؟!".
فقالت لها أمها في لهجة من اعتاد السؤال: "لسه وراه شغل كتير يا حبيبتي"، ونظرت محذرةً إلى "مروة" التي كانت قد بدأت تستوعب معنى الموت، فأطبقت الطفلة شفتيها وكأنها تخبرها بأنها لن تتكلم.
ورغمًا عنها، وجدت نفسها تقول في توتر: "خلاص خلصنا بقى الأكل؟! وللا لسه؟!".
فقالت "مروة" إنها انتهت من الطعام، فيما قالت "مريم": "لسه شوية!".
فوجدت "منى" نفسها تقول في عصبية غير مبررة: "طيب خلصي بسرعة".
فسألتها "مروة" في براءة: "مالك يا ماما؟!".
فنظرت "منى" إليها، وكادت تنفعل عليها، إلا أنها تمالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة، واحتضنت رأس طفلتها وقالت لها في حنان: "أنا كويسة يا حبيبتي".
وقبلت رأسها، فقامت "مريم"، وقالت: "احضنيني وبوسيني أنا كمان! اشمعنى مروة؟!".
فاحتضنتهما الاثنتين، وقبلت رأسيهما، وقالت في حنان: "روحوا بقى اغسلو إيديكو لغاية ما ألم أنا الحاجة".
وبالفعل، ذهبت الطفلتان لتغسلا أيديهما، وتعالى صوت شجارهما المعتاد على من يبدأ أولًا، فيما أزالت هي بقايا الغداء، ونادت على الطفلتين ليدخلا إلى حجرتيهما ليناما كما هو المعتاد بعد الغداء، وقالت لهما في مرح وهي تستحثهما على الإسراع نحو الفراش مصفقة بيدها: "بسرعة بسرعة على فييييين؟!".
فأجابت الطفلتان في صوت واحد: "على النوووووووووم!"، فصاحت "منى": "شطّااااار".
وذهبت معهما إلى حجرتهما، ورقدت بينهما في الفراش، وراحت تحكي لهما حكايات حتى اطمأنت إلى أنهما نامتا، فقامت في حرص وهي تزيح برفق يد "مروة" من على كتفها، وساق "مريم" من على ذراعها.
ولما خرجت من الحجرة، أسرعت تعد لنفسها كوبًا من الشاي، ومن فورها جلست في مكانها المفضلة أمام النافذة نصف المفتوحة تحت شعاع من شمس العصر، وعادت الأفكار تتدافع من جديد إلى رأسها...
ما سر هذه السعادة؟!
هل هي حقًا سعادة؟!
وتدفق الحوار سريعًا بينها وبين نفسها...
* "آه سعادة؟! إنتي مش شايفة نفسك وللا إيه؟!".
- "يمكن بس عشان حاجة وفكرتني بأيام جميلة في الشغل!".
* "في الشغل؟! ما تضحكيش على نفسك... إنتي مبسوطة إنك شفتيه!".
- "أنا ما أنكرش إني انبسطت لما شفته... بس...".
* "بس إيه؟!"
- "بس إيه يعني إيه؟! واحد وكان زميل كويس، انبسطت إني شفته,,, إيه المطلوب دلوقت؟! واحد كان بيني وبينه تفاهم عالي في يوم من الأيام بس ما حصلش نصيب في إن التفاهم ده يكتمل لارتباط... وجه عايز يكلمني لسبب أنا مش عارفاه... المفروض أعمل إيه؟! ما أنا لازم أفكر!".
* "طيب خلليكي فكري!".
- "أخلليني أفكر؟! والمفروض أعمل إيه؟! أقول له: تعالى اتجوزني؟! أجر رجله لغاية أقرب مأذون... بلاش سخافة بقى!".
* "لا مش كده... بس ما تصديهوش".
- "أصده؟! أكتر من إني أديه رقم تليفوني؟!".
* "أيوه... خلليكي على كده... خلليكي معاه وشوفيه عايز إيه... ده كل المطلوب... لو مش عايزة تفتحي أي باب، على الأقل ما تقفليش الباب اللي يفتحه هو... وإنتي فاهماه كويس... طالما قال عايز يكلمك، يبقى أكيد عايز حاجة كويسة... فما تقفليش الباب".
- "صح كده... مش فاتحة أبواب، بس مش قافلة أبواب... بس... فاهماه زمان؟؟!... ممكن يكون اتغير... وكمان يعني هو فيه أبواب ممكن تنفتح؟! هو عاد فيه نفس ولا روح لأي حاجة؟!".
* "سيبيها على ربنا!".
- "ونعم بالله".
أفاقت من هذا الحوار الداخلي على دقات السادسة؛ فاندهشت من سرعة مرور الوقت، وأسرعت توقظ طفلتيها لتؤديا واجباتهما المدرسية، وتلهوا قليلًا معها. وحمدت الله على أنها وجدت ما يشغلها لحين مجيء العاشرة.
وهنا ضبطت نفسها متلهفة على مجيء الساعة العاشرة!!
وبالفعل، أقرت لنفسها بأنها متلهفة، ولكن... فقط لتعرف ماذا يريد!
والآن، لنترك "منى" مع طفلتيها ولنعد بعقارب الساعة إلى الوراء قليلًا...
إلى اللحظة التي غادر فيها "إسلام" المركز التجاري، ووقف أمام المركز في انتظار خروجها، إلا أن وقفته طالت، فقدر أنها لا بد أنها اختارت مخرجًا آخر تلافيًا لأن يكون في انتظارها. وفي النهاية، اتصل بـ”يحيى” وسأله عن طريق العودة، فبادره “يحيى” بالسؤال عما جرى، فقال "إسلام": "قول لي بس أروح إزاي، وبعدين أبقى أحكي لك لما أوصل",
لكن “يحيى” أصر على عدم إخباره إلا إذا أخبره "إسلام" بما جرى، فقال له "إسلام" في نفاد صبر: "كلمتها شوبة بسيطة أوي وحاكلمها بالليل إن شاء الله في التليفون"، وتابع في ضجر: "قول لي بقى أروح إزاي!".
جاءته ضحكة “يحيى” الساخرة عبر الهاتف، وهو يقول: "زي ما جيت يا خفيف! بس عدي الناحية التانية!".
وواصل ضحكته الساخرة التي أثارت استفزاز "إسلام"، لكن الأخير قال في سخط: "تعرف؟! لولا إني فعلًا مبسوط أنا كنت فجرتك في التليفون!".
فعاد “يحيى” يضحك قائلًا: "طيب بص يا عم التفجير، إنت تركب من مطرح ما نزلت بس من الناحية التانية وتقول للسواق شرباص... بس قول للسواق إنه يبلغك أول ما يوصل حتة اسمها الكوبري. لما توصل للكوبري، ما تنزلش... إنت تنزل آخر الخط... لكن لما توصل الكوبري، رن عليا بس عشان أنزل أقابلك في الموقف... كده نوصل الموقف مع بعض إن شاء الله وآخدك ونرجع... فهمت؟!".
فقال "إسلام": "فهمت... سلام!".
وأغلق الخط، واستوقف سيارة ميكروباص. وبالفعل، كانت متجهة إلى شرباص، وكان السائق يعرف مكان "الكوبري"؛ فصعد "إسلام" إلى السيارة وجاءت جلسته بجوار النافذة، فراح الهواء البارد يهب من فتحة صغيرة لم يغلقها زجاج النافذة، فأحس بالانتعاش، وللمرة الأولى منذ سنوات عديدة لم يفكر في شيء! كان يعتقد أنه ما إن يصعد الميكروباص، سوف تتفجر في ذهنه أسئلة وأجوبة وأفكار، إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث، وبقي ذهنه "أبيض" إن جاز لنا أن نقول.
وأشعره هذا بالراحة؛ فهو وإن دل على شيء، فسوف يكون راحة البال...
شعور مفقود منذ سنوات راحة البال هذه!
وعندما وصلت السيارة إلى الموقف، ورأى “يحيى” يبحث عنه في الموقف، شعر بالابتهاج؛ فأخيرًا سوف تكون لديه "حكاية لطيفة" يقصها على صديقه بعد سنوات من حكايات الألم والعذاب التي يتبادلانها.
وعندما التقيا، وطلب منه “يحيى” أن يحكي له ما جرى، قال له "إسلام": "استنى لما نوصل البيت!".
وبالفعل، عندما وصلا إلى البيت، قص عليه ما جرى، فهز “يحيى” رأسه متفهمًا، وقال بعد فترة من التفكير: "يعني هي إدتك رقم تليفون البيت... صح؟!".
فأجابه صديقه: "أيوه... مش رقم الموبايل بتاعها".
فمط “يحيى” شفتيه وقال: "هو شيء طبيعي، زائد إن إنت قلت لها إن المكالمة طويلة... بس تعرف؟!".
فالتفت إليه "إسلام" في اهتمام متسائل، فهز “يحيى” رأسه، وقال: "كانت تبقى بُمبة لو مفيش عندنا في البيت هنا تليفون أرضي! نيهاهاهاهاههههههههه!".
احمر وجه "إسلام" للاحتمال، وسأله في قلق حقيقي: "بس إنتو عندكو مش كده؟!".
أجابه “يحيى” وهو يغالب دموع الضحك من ملامح "إسلام": "أيوه يا سيدي وشغال كمان... استنى أرن لك عليه".
وبالفعل أخرج هاتفه المحمول، وطلب أحد الأرقام، فتعالى صوت رنين أحد الهواتف الثابتة، فقال “يحيى” في مرح: "شفت بقى؟! وبيرن كمان!!".
ثم ربت على كتف صديقه، وقال له: "تعالى نتغدى بس الأول، وبعدين ريح شوية، ورتب أفكارك".
فقال "إسلام": "بص... في الحوارات المباشرة المغلقة دي مش بأرتب الأفكار... أنا مش عارف فيه إيه عندها، وهي مش عارفة فيه إيه عندي يبقى الكلام يجيب بعضه... مفيش نقط محددة نرتبها".
فرفع “يحيى” كفه في استسلام، وقال: "براحتك... كل واحد له أسلوبه ورؤيته بس يعني استعد نفسيًّا على الأقل".
ثم رفع إصبعه السبابة في وجه "إسلام"، وقال له منبهًا: "بس نصيحة... ما ترفعش أوي من التوقعات".
فقال الأخير وهو يبتسم في سخرية بها شيء من المرارة: "أكييييد... ده أساسي يا صديق!".
ومر الوقت...
ودقت العاشرة!
******



16
لما سمع في سماعة الهاتف ذلك الصوتَ الدال على أن الهاتف الآخر يدق، دق قلبه بشدة، وزادت دقات قلبه، عندما سمع صوت رفع السماعة، وانفجرت شرايينه عندما سمعها تقول بصوتها الأخنف بخفة: "ألو"، فقال لها: "ألو... السلام العليكم... منزل الأستاذة منى عبد اللطيف".
فأجابته قائلة:
"أيوه... أنا منى يا إسلام... مش إسلام برضو؟!".
فأجابها بنعم قائلًا:
"إزيك يا منى عاملة إيه؟!".
فقالت:
"الحمد لله... إنت عامل إيه؟!".
فقال بدوره:
"الحمد لله رب العالمين... بخير".
وساد الصمت قليلًا بينهما قبل أن يقطعه هو بقوله: "كانت فرصة سعيدة إن أنا شفتك النهاردة في المول... كانت مفاجأة مش متوقعة بصراحة".
فأجابته في مجاملة حذرة: "أنا أسعد، وفعلا كانت مفاجأة".
ولما ساد الصمت بينهما مرة ثانية، شعر بأن وقت المجاملات انتهى، فقرر أن ينطلق بشكل مباشر، فقال لها:
"منى... أنا عايزك تتكلمي... تحكي... تقولي...".
فسألته في الحذر نفسه: "عن إيه بالظبط؟!".
ثم تابعت قائلة لتوضح مغزى سؤالها: "إنت عارف كل حاجة... المفروض إنك إنت بقى تحكي للي مش عارف أي حاجة!".
هنا ابتسم لأنه أحسَّ أن هناك شيئًا من الاهتمام في صوتها، وقال لها: "طيب يا ستي... أنا أتكلم وبعد كده ييجي دورك... بس سؤال في البداية".
فقالت في اهتمام: "اتفضل".
سألها: "إنتي فعلًا فاضية ومش وراكي حاجة؟! عشان بس ما أكونش معطلك عن شئون حياتك".
أجابته في نبرة وضحت فيها ابتسامتها التي لم يرها: "لا سيدي... خد راحتك".
فقال لها: "أنا؟! مش عارف أبدأ منين وإزاي... بس خللينا نقول كخطوط عريضة... أنا حاليًا مطلق وعندي بنت في حضانة والدتها... طفلة جميلة رغم إنها تحمل بعض ملامحي اسمها سماح... تجربة مش لطيفة استمرت أربع سنين، وانتهت من حوالي سنة ونص...".
فقالت معقبة في اندهاش: "طلاق؟! إنت يا إسلام؟! مع إنك مش بتاع مشاكل ولا وجع دماغ!"، وصمتت للحظة قبل أن تضيف:
"وبشكل عام، بتريح اللي أُدَّامك!".
فقال وهو يتنهد في أسى: "نصيب بقى!"،
وتابع في لهجة من لا يريد التوقف عند هذه النقطة: "أنا سبت الشركة اللي كنا فيها من حوالي 8 سنين، واشتغلت شوية في مجال الصحافة القانونية من البيت، وبعدين رجعت للشركة تاني، ودلوقت شغال في مركز أبحاث... بس... هذا كل ما لدينا حتى الساعة".
فقالت في تعجب: "ياااااه... رحت وجيت كتير، واتجوزت وطلقت... الأيام دي مش بتسيب حد في حاله!".
علق قائلًا: "الأيام بريئة... إحنا اللي بنبهدل نفسنا وبنبهدل في بعض".
ساد الصمت قليلًا، قبل أن تقطعه هي قائلة: "وإيه اللي جابك عندنا؟!".
ابتسم عندما استشعر تلك النبرة الخاصة في صوتها، قبل أن يجيبها قائلًا: "أنا حاليًا في أجازتي السنوية، ولسه على علاقة بصديقي يحيى... فاكراه؟!".
فقالت: "آه فاكراه... يحيى... وكمان فاكرة أحلام... بلدياتي دول!".
فتابع قائلًا: "هو بقى لما عرف إني في أجازتي السنوية، عزمني أقضي معاه يومين في بيت في الأرض بتاعتهم. وافقت".
فقالت في صوت بدا فيه شيء من خيبة الأمل: "آه... يعني دعوة يحيى اللي جابتك".
تعالت منه ضحكة قصيرة رغمًا عنه لرد فعلها، وهو يقول: "آه... وبصراحة يعني كنت متخوف إني أشوفك وأعمل لك إحراج... ما هو أنا مش عارف البلد بتاعتك وبتاعته فين من بعض وكده يعني... بس هو طمأنني إنك من بلد بعيدة وفي إسكندرية ومش عارف إيه... ولكن... حصل إني شوفتك امبارح في سوق السمك".
جاءه صوتها يقول في اندهاش: "سوق السمك؟! شفتني إزاي؟! إيه ده؟! معقول؟!".
لم يجبها، ولكنه هنا قال لها: "طيب معلش ممكن سؤال".
فأذنت له فسألها: "إنتي دلوقت مميلة راسك لليمين وإنتي بتتكلمي بدهشة كده؟!".
جاءته عبر السماعة ضحكة خجلى، وهي تقول: "أيوه!"، قبل أن تضحك محاولة التغلب على خجلها، وهي تضيف: "إيه ده؟! لسه فاكر؟!".
فقال في لهجة حملت كل مشاعره: "فيه حاجات ما تتنسيش!".
ساد بعدها الصمت لفترة طويلة، إلى أن قرر هو قطعه بتساؤل لكسر إحراجها الذي شعر به: "وإنتي بقى... إيه أخبارك؟!".
فقالت في هدوء مشوب بالحزن: "أنا؟! زي ما بلغك"، ثم قالت في لهجة تأكيدية: "ولازم أكيد تقول لي بلغك من منين بس مش مشكلة دلوقت".
ضحك قائلًا: "أكيد... كملي".
فتابعت قائلة في الحزن نفسه:
"كانت جوازة مش كويسة بصراحة... الله يرحمه كان عنيف... مش عايزة أتكلم في اللي فات بس المحصلة النهائية إني أرملة بطفلتين مروة ومريم هما نور عيني، وبأشتغل دلوقت وكيلة في المصلحة... وعايشة!".
فسألها في اهتمام: "وبعدين؟!".
فقالت في هدوء: "ولا حاجة... أديني قاعدة أربي البنتين... بأروح لماما كل أسبوع مرة، وهي أحيانًا بتيجي تقعد معايا... أخويا برضو بييجي يزورني أحيانًا... وأديني عايشة وكل اللي طالباه من ربنا إنه يعينني على تربية البنتين".
فقال لها وهو يضغط على مخارج ألفاظه: "عارفة يا منى... ولو إنه كلام في حاجة فاتت... كان نفسي فعلًا ربنا يكرمني وأتقدم لك في وقت مناسب ويحصل نصيب... بس للأسف... الدنيا ما مشيتش صح، وصدقيني ما كان بإيدي أكتر من اللي حصل".
علقت "منى" قائلةً، وهي تتنهد: "عارفة يا إسلام... صدقني... أنا فاهماك كويس جدًا... وصدقني عارفة إن لو كان بإيدك حاجة كنت عملتها"، ثم أضافت في لهجة ذات دلالة: "بس تعرف حاجة؟!".
فسألها في اهتمام: "خير؟!".
قالت: "لو كنت عملت حاجة بدري شوية عن الميعاد اللي إنت كلمتني فيه ده، أنا كنت شكيت فيك!".
سألها مستغربًا: "إزاي؟!".
فأجابته قائلة: "أقول لك... لو كنت كلمتني بدري، فده معناه إن كان في إيدك حاجة بس كنت بتستهبل وخلاص.. أو كان ممكن يعني إنك جاي كده وخلاص عشان يبقى اسمك عملت حاجة!".
فقال في ذهول: "يا سلااااااااااااااام! دماغ دماغ صحيح!".
فقالت له وهي تضحك:
"لأ ولسه... أنا كنت عرفت بمحض المصادفة من أحلام إن كان والدك تعبان، وإنه عمل عملية في فبراير... عشان كده توقعت إنك تعمل أي تحرك في أبريل مثلًا... بس عايز الحق؟!".
قال لها في صوت لا يزال يحمل نبرة التعجب: "قولي!".
قالت في نبرة بدا فيها الابتسام: "إنت طلعت عاقل! أنا توقعت إنك تيجي مثلا البلد أو تكلم حد يكلمني أو أي حاجة... بس الاتصال المباشر كان كويس... بيني وبينك وخلاص... كان فيه حاجة كمان إنت عملتها ريحتني برضو!".
سألها في سرور لما يسمعه من كلام: "إيه تاني؟!".
أجابته في هدوء وعرفان: "إنك لما عرفت إن البيت عندي مصرين على الجوازة، ما ألحتش في الطلب... كان ده ممكن يحملني عبء نفسي وبرضو في النهاية البيت كان حايصر على الجوازة، وإنت تطلع أوت... بس كنت أنا بقى اللي حافضل في النص مطحونة... أقول الحق إن ده ريحني أوي... وخللاني أفكر، وأنا مستريحة".
عاد الصمت يغلف الحوار، قبل أن يقول هو بعد تفكير: "تعرفي يا منى؟! أنا ما فكرتش في أي حاجة من اللي إنتي بتقوليها دي خالص... أنا لما حسيت إن الوقت ملائم كلمتك... مش كلمتك عشان أبقى عملت حاجة، ولا كلمتك عشان أراضيكي وخلاص... لا والله...".
قاطعته قائلة: "من غير حلفان يا إسلام... مصدقاك والله... مصدقاك... ما أنا قلت لك إني فاهماك كويس"، ثم ندت عنها ضحكة قصيرة وهي تقول: "كويس أوي!".
فقال لها في هدوء: "طيب طالما فاهماني كويس أوي... إيه رأيك في اللي ما قلتوش؟!".
ساد الصمت بعد هذه الكلمة، وسمع تنهيدة منها، قبل أن تقول في شيء من التردد: "إنت شايف إن فيه إمكانية لأي تطور؟!".
قال لها في الهدوء نفسه: "والله أنا شايف حاجات كتير... شايف إمكانيات وكمان عراقيل"، وصمت للحظة قبل أن يقول بأسلوبه الضاغط على مخارج ألفاظه: "منى... أنا عايز أتجوزك... مستني ردك... مش عايز رد دلوقت لا بالسلب ولا بالإيجاب... بس كل عايز أقوله ليكي.... أديكي عمري بحالو يا منى...".
فقاطعته قبل أن يكمل وقالت في تساؤل تفوح منه المرارة: "وإنت شايف إني أقدر أديك الفرحة في المقابل؟!".
عاد يقول: "ما تستعجليش... الأيام جاية كتير... فيه عراقيل زي مثلا حضانة البنتين لو حصل نصيب... وزي أي مخاوف تكون عندك... أي سلبيات عندي من الطلاق... أي آلام عندك من تجربتك... حاجات كتير... بس الطريق ممتد... والاحتمالات كلها مفتوحة... خدي وقتك"، ثم أكمل مداعبًا: "بس يا ريت قبل ما نقفل المكالمة بقى!".
سمع صوت ضحكة قصيرة بها توتر لم تستطع إخفاءه، وقالت في شيء من التسليم بعد صمت: "عندك حق... مفيش رفض بالمطلق ولا تسليم فوري... ولسه الأيام إن شاء الله جاية كتير... ولسه بيننا كلام".
فسألها: "طيب دلوقت الساعة 11... ولا ريب إنك عايزة تنامي... بكرة في الميعاد نفسه إن شاء الله؟!".
أجابته في شرود: "إن شاء الله".
فقال: "تصبحي على خير".
"وإنت من أهله".
كليك!
******


17
تكررت المكالمات، ولم يغادر "إسلام" دمياط في الموعد المقرر، واستمر مقيمًا يومين إضافيين على اليومين الأساسيين، قبل أن يطلب منها ذات مرة أن يقابلها مباشرة مبررًا ذلك بأن "يعني الكلام المباشر بيبقى أفضل... الواحد بيقدر يتكلم ويقول اللي عايزه وهو شايف اللي أدَّامه"، فقالت مؤمِّنة على كلامه: "فعلًا... معاك حق... بس إزاي؟! ما ينفعش هنا".
وساد الصمت بينهما قليلًا، وغرق كل منهما في التفكير، قبل أن تقول فجأة: "اسمع".
فقال لها في لهفة: "معاكي".
تابعت في شيء من الحماس: "أنا بعد يومين إن شاء الله عندي اجتماع في القاهرة على مستوى الجمهورية... ممكن ألاقي شوية وقت نتقابل فيهم".
فقال مُرَحِّبًا: "ممتاز... وأنا عن نفسي حارجع القاهرة فورًا... بس عايز أقول لك حاجة...".
فقالت في قلق: "اتفضل".
فقال وهو يشدد على حروف كلامه: "لو ده ممكن يعمل لك إزعاج في شغلك أو بشكل شخصي، بلاش منه".
فقالت في هدوء: "أولًا أنا اللي اقترحت... ثانيًا بقى، ودي الحاجة اللي إنت مش فاهمها، إني مش بأقلق من أي حاجة تخصك".
فضحك طويلًا قبل أن يقول مداعبًا: "على فكرة أنا فاهم كده بس عامل مش واخد بالي!".
ولكنها تابعت قائلة في جدية: "عارف؟! أنا كنت عارفة إن الناس في الشركة بيتكلمو... بس ما كانش يهمني... تعرف ليه؟!".
سألها في اهتمام: "أنا عارف بس قولي إنتي".
لم تسأله عما يعرفه، بل تابعت: "عشان كنت عارفة إنك جد... وإنك مش بتاع لعب... إلى جانب إني ما كنتش محتاجة حد منهم... كانوا بالنسبة لي غوغاء بصراحة... أو ناس تقليديين شوية... فما كنتش عاملة لهم أي حساب أو اعتبار. هو ده اللي في بالك؟!".
فقال في بساطة: "نعم... كنت حاسس بكده فعلًا... وعشان كده أنا ما حاولتش أسوق فيها، لأني أولا عارف إنك ما كنتيش حاتديني فرصة... ثانيا أما مش كده أصلًا... ثالثًا إني كنت شايف إن الأمور كويسة جدا كده... آه ممكن تكون فيه حاجة لافتة للنظر، بس في الأول وفي الآخر ما حدش يقدر يقول إن فيه حاجة غلط!".
وصمت لفترة قبل أن يقول: "إنت دايمًا مختلفة.. متميزة... بإخلاص مش مجاملة... متميزة بالأفضل والأحسن".
قالت وهي تغالب خجلها: "شكرًا..."، ثم قالت في لهجة حاولت أن تجعلها تبدو عادية:
"خلاص إن شاء الله بعد بكرة نكون في القاهرة... ونتواصل بالتليفون"، ثم قالت في مرح: "هات بقى ورقة وقلم واكتب نمرة المحمول بتاعتي!".
فقال في مرح مماثل: "حاضر... بس أنا مش حاديكي نمرتي هههههههههه".
ولما أغلق معها، أغمض عينيه مبتسمًا، وعندما فتحهما، وجد “يحيى” أمامخ مبتسمًا ابتسامة ذات مغزى، وهو يقول: "لو الموضوع ده اكتمل إن شاء الله، ليا الحلاوة... هه؟! أي خدمة؟! ولا في أحلامك اللي بيحصل ده!".
نظر له "إسلام" في سخرية، قبل أن يقول: "تصدق بالله؟! إنت عايز تنضرب! طيب يا أخي استنى لما صوتها يروح من ودني وبعدين اتكلم!".
فصفق “يحيى” بقوة في جذل وهو يصيح قائلًا: "حلاوتك يا عم الرومانسي!!".
فهرش "إسلام" مؤخرة عنقه، وهو يقول في شيء من الحيرة:
"بس تعرف؟!"، فالتفت إليه “يحيى” في انتظار ما سيقول، لكن "إسلام" أردف قائلًا في الحيرة نفسها: "مش عارف...! صدقني بجد".
فقال له “يحيى”: "أنا بقى عارف"، وتابع دون انتظار تعليق من "إسلام":
"إنت مستغرب إنك تحس بالحاجات دي بعد التجربة الصعبة اللي مريت بيها، دي حاجة... الحاجة التانية إن إزاي الأمور اشتعلت من جديد فجأة كده بينك وبينها على الرغم من أن الموضوع الأصلي كان على الهادي؟!".
قال له "إسلام" في إعجاب: "بالظبط... مش عارف كانت فين الحاجات دي... وإزاي أصلًا خرجت فجأة كده".
فلوح “يحيى” بكفه في لامبالاة قائلًا: "ما تسألش... استمتع وعيش وخلاص!".
فتنهد "إسلام" قائلًا: "على رأيك".
ثم نهض من فوق الأريكة، وقال: "قول يا رب... أنا داخل أنام".
فقال “يحيى” في استنكار مصطنع:
"يا راجل؟! تنام برضو...؟! ده إنت تلاقيك حاتفضل تفكر في الكلام اللي اتقال ده للصبح".
فقال "إسلام" في تأكيد: "وإنت بتقول فيها؟! أنا بأفضل صاحي لغاية الفجر كل يوم تقريبًا ومش بأنام غير مع الشروق... قال أجازة قال؟!".
فقال “يحيى” مشجعًا: "ربنا يتم لكم على خير وإن شاء الله تكون أجازة ما تنساهاش أبدًا".
فأمن "إسلام" على كلامه، قبل أن يقول: "وعلى فكرة أنا بكرة إن شاء الله ماشي العصر كده".
نظر إليه “يحيى” في اندهاش وقال: "فجأة كده؟! طيب ما تكمل الأسبوع!".
رد "إسلام" قائلًا: "هي جاية القاهرة إن شاء الله بعد بكرة، وعايز أكون بكرة هناك عشان أستناها بقى في أول لقاء وجهًا لوجه خارج أي إطار!".
فقال “يحيى”: "بالتوفيق إن شاء الله، ولو إنك حاتقطع بيا... يعني حاقعد في كل ده لوحدي؟!".
فقال "إسلام" مواسيًا: "ما هو إنت كنت حاتقعد طبيعي لوحدك لو ما كنتش أنا جيت معاك".
لكن “يحيى” قال له: "بس إنت جيت... ومليت عليا البيت... وبعدين بيا خليت!".
فضحك الاثنان بشدة، ثم ربت “يحيى” على كتف "إسلام" قائلًا: "اطلع يا عم نام، وغني أغدًا ألقاك... صحيح؟! أنا مش شايفك بقى بتسمع أغاني عاطفية وعبد الحليم وأم كلثوم والحاجات دي؟!".
فقال "إسلام" في استنكار: "يا عم سيبك!".
ثم أردف في لهجة حالمة: "إنما الواقع أحلى!".
فانفجر “يحيى” صائحًا: "يا سيييييييييييدي! الله عليك ولد! روح يا عم اطلع! ده إنت طلعت ماسورة رومانسية وطفحت!".
"طيب.. سلام!".
"سلام!".
******



18
حان موعد اللقاء...
عاد "إسلام" إلى القاهرة، وجاءت هي واتصل بها ليسألها عن موعد حضورها، فأخبرته. ولما أنهت الاجتماع، اتصلت به لتخبره أنها الآن حرة، فاقترح عليها وسط البلد مكانًا للقاء، فقالت في تردد: "هو جميل وأنا أسمع إنه كويس، بس...".
لاحظ ترددها، فقال متسائلًا: "طيب إيه المشكلة؟!".
أجابته في التردد نفسه مع بعض الخجل: "مش عارفة أوصل له إزاي!".
فانفجر ضاحكا، فسألته في ضيق حقيقي: "بتضحك ليه دلوقت؟!".
فاعتذر لها قائلًا وهو يكتم ضحكاته: "معلش والله أنا آسف"، ثم استطرد بلهجة جادة: "طيب إنتي فين دلوقت؟!".
فقالت في صوت لا يزال يحمل بعض الضيق: "أنا أدَّام فندق ماريوت اللي على النيل من ناحية الجيزة".
هنا قال لها: "طيب جميل... خلليكي بقى مكانك، وأنا جاي لك... وإن شاء الله مش حاتأخر".
"لأ بلاش عشان فيه زمايل ليا معايا هنا".
فقال لها: "طيب خدي إنتي تاكسي، وتعالي على التحرير، قولي له أول شارع طلعت حرب... وللا أقول لك؟! خلليكي مكانك".
فقالت في استسلام: "أحسن برضو... اللي يشوف يشوف!".
كان مستعدًا لهذا الاحتمال وهو أنها قد لا تعرف كيفية الخروج من مكان اجتماعها، فخرج قبل ساعة من الموعد المفترض لانتهاء اجتماعها، ووصل إلى ميدان التحرير، وظل يجوبه إلى أن اتصلت به. وبالفعل، استقل إحدى سيارات الأجرة، ووصل إليها في أقل من ربع ساعة. واندهشت لما رأته واقفًا أمامها، وقالت: "بالسرعة دي؟!".
فقال مبتسمًا: "وهو أنا أقدر اتأخر؟!".
وسارا متجاورين دون تحديد خط سير معين وقد ران عليهما الصمت، فسألته: "طيب مش كنت تخللي التاكسي ياخدنا لوسط البلد".
قال في بساطة: "لو عايزة نروح مفيش مشكلة... بس أعتقد إن طالما إحنا ماشيين كده ومستريحين يبقى خللينا شوية... وللا رأيك إيه؟!".
نظرت إلى الطريق أمامها لبرهة، قبل أن تقول: "خللينا ماشيين... أهو البنتين عند ماما من امبارح وأنا قلت لها إني حارجع بعد العشا".
وبالفعل، سارا وقد غلفهما الصمت، فراح يتأمل وجهها، ولاحظت هي ذلك، لكنها لم تعلق، وقالت: "غريبة أوي الدنيا دي يا إسلام".
فقال متنهدًا: "أكيد. بس ليه فجأة كده؟!".
فقالت: "الموقف اللي إحنا فيه ده... كان فيه حاجة جميلة ممكن تحصل بيننا... بس انداست بألف رِجْل... وانسحقت بألف قبضة... ودلوقت..."، ونظرت إلى وجهه مباشرة: "جايين نقول إن فيه إمكانية... بجد مصدق إن فيه إمكانية؟!".
قال في هدوء محاولًا استيعاب ثورتها الهادئة هذه: "أكيد... وإنتي نفسك مصدقة من جواكي إن فيه إمكانية، وإلا ما كنتيش وافقتي إننا نبقى مع بعض دلوقت..."، ثم توقف مثبتًا نظراته في عينيها وهو يقول: "مجيئك اليوم دليل على إنك حاسة بإن فيه حاجة ممكن تحصل... لا إنتي ولا أنا بتوع تهريج وتضييع وقت".
وصمت للحظة ليرى رد فعلها، ولكن استمرارها على صمتها جعله يواصل قائلًا: "إنتي أرملة وعندك طفلتين، وأنا مطلق وعندي طفلة... إنتي أكبر مني بسنة تقريبًا... إنتي عندك متاعب وآلام من تجربتك السابقة... أني عندي متاعب وآلام من تجربتي السابقة... ورغم ذلك...".
قاطعته قائلة في استسلام: "ورغم ذلك بنحاول، و...".
فقاطعها هو بدوره قائلًا: "ده من الحاجات الكتير اللي بتعجبني فيكي يا منى... إنك على طول بتحاولي... وبتتجاوزي الأزمات... وصبورة...".
ابتسمت في ألم، ففهم ما تعنيه، وقال: "كويس إنك صبرتي... عشان لو كنتي مثلًا طلبتي الطلاق كان ممكن يخللي حياتك جحيم... الله يرحمه أنا ما شفتوش ومش عايز أتكلم عنه بأي سوء... بس اللي سمعته يخلليني أقول إن ده كان ممكن يحصل".
فتنهدت في مزيد من الألم، وقالت في حزن:
"وكأنها ما كانتش جحيم".
فقال لها في حسم: "خلاص اللي فات مات يا منى"، وأكمل: "واللي مات ما بيرجعش... ولو خفنا من عفريته، يبقى دي مشكلتنا إحنا... مش مشكلة اللي مات".
كانا يقفان بجوار كورنيش النيل، والنسائم الباردة تهب عليهما، فأخذت نفسًا عميقًا، فانتبه بشدة لأنه أدرك أنها سوف تقول شيئًا مهمًا، وبالفعل قالت له في لهجة حازمة: "إسلام... إنت جاد في طلبك الجواز مني؟!".
فهز رأسه إيجابًا بقوة، فعادت تقول بالحزم نفسه: "فيه شوية نقط عايزة أستفسر عنها منك".
فقال لها في بساطة: "على الرحب والسعة... بس تحبي نروح بقى نقعد؟!".
فقالت له في شيء من التوتر: "يكون أفضل فعلًا".
فاقترح أن يعودا إلى الفندق الذي كانت فيه ليجلسا فيه، فعادت تتردد، وقالت له: "نروح المكان اللي إنت اقترحته الأول"، وأضافت في خجل: "نسيت اسمه".
فقال في حنان ومرح: "ما دمتي نسيتيه، يبقى مالناش قاعد فيه"، وقبل أن تسأله عن البديل، قال لها: "استني"، وأوقف سيارة أجرة، وقال له: "برج القاهرة".
وانطلق بهما السائق.
وانطلقت الأحلام من عقالها...
ولما استقر بهما المقام في مطعم برج القاهرة في الدور قبل الأخير، اتسعت عيناها من الإعجاب بالمكان، وقالت: "المنظر من هنا جميل...".
فقال لها: "نخلص كلامنا إن شاء الله ونطلع فوق نتفرج على الدنيا"، وأردف بصوت متهدج: "سوا... سوا يا منى بإذن الله".
فخفضت عينيها إلى المنضدة، وقالت: "ربنا يقدم اللي فيه الخير".
فعاد يقول في إصرار: "تعرفي؟! أنا زدت إصرار على إني أسعى بكل قوة لإني أتجوزك... تعرفي ليه؟! لأني لاقيتك فعلًا لسه زي ما إنتي... واضحة... صريحة... صبورة... قوية... كل الحاجات اللي علشانها حسيت بيكي".
رفعت عينيها إليه لما سمعت الجزء الأخير من عبارته، فوجدهما تترقرقان بالدمع، فقال لها في حسم:
"ما تسمحيش لأي حاجة إنها توقفك يا منى... إنتي موافقة؟!".
أومأت برأسها إيجابًا في صمت، وتركت الدموع تنساب على وجهها، فانفجرت في نفسه احتفالات السعادة، ولكنه تمالك نفسه، وقال لها:
"عيطي... طلعي كل اللي جواكي وبعدين اتكلمي".
فراحت تبكي في صمت، ولم تتوقف حتى عندما جاء النادل، الذي قال لما لمحها تبكي:
"طيب آجي في وقت تاني؟!".
فقال له "إسلام" في سرعة: "لا لا... بص... مش المطعم هنا له طبق مميز؟!".
قال النادل: "أيوه يا فندم... هو عبارة...".
قاطعه "إسلام" بقوله:
"مش مشكلة عبارة عن إيه... هات منه اتنين... شكرًا جزيلًا".
فانصرف النادل وهو يحاول أن يفهم شيئًا مما يحدث أمامه. ولما انصرف، قالت "منى" إنها تريد الذهاب لتغسل وجهها، فعاونها "إسلام" على النهوض، وسار معها إلى أن وصلت إلى دورة المياه، فعاد أدراجه دون أن يحول بصره من على باب دورة المياه. ولم تمض دقائق حتى جاءت من جديد، فتأملها وهي تسير بنشاط، فقال لها لما استقرت في مكانها:
"ما اتغيرتيش أبدًا".
فقالت باسمة، بينما كانت عيناها لا تزالان تحملان أثر الدموع:
"ولا إنت".
فقال:
"وده أحلى ما فيك وما فيّا".
ضحكت لتعليقه، ثم اكتسى وجهها بالجدية، وقالت:
"قلت لك إن فيه شوية نقط".
فقال:
"كلي آذان صاغية".
وبدأت الرحلة.
******



19
في البداية، قالت في هدوء:
"النقطة الأولى مش عايزة بناتنا يتضرروا... لا مروة، ولا مريم، ولا سماح".
فسألها مستفسرًا: "من زاوية إيه؟!".
أجابته في جدية: "بالنسبة لبناتي، مفيش حد دلوقت ممكن ياخدهم مني... عمتهم الوحيدة توفيت في الحادث نفسه، والجدِّين مش حايقدروا يوفروا لها الرعاية. بس التضرر اللي بأتكلم عنه إن ما حدش من أسرتك يتكلم عن رعايتك ليهم... أنا أقدر أتكفل بيهم ماديًا، بالإ...".
قاطعها قائلًا: "شيلي الجزئية دي من دماغك... ما تقلقيش من ناحيتها"، ثم أشار بيده وكأنه يقلب صفحة وقال: "اللي بعده!".
فابتسمت من تعبيره، ولكنها عادت للهجتها الجادة، وهي تقول: "مش عايزاك تظلم بنتك... لو فيه إمكانية ترجع لطليقتك..."
فقاطعها ثانية، ولكن بأسلوب قاطهع هذه المرة: "لو كان فيه إمكانية كنت رجعت، أو على الأقل ما كنتش كلمتك... انتهى الأمر".
فأكملت: "طيب بالنسبة لبنتك لو ممكن تجيبها تعيش معانا يبقى أفضل أكيد، وتبقى أخت بناتي، وكلهم بنات مع بعض".
فقال وهو يمط شفتيه في شيء من عدم الاقتناع: "النقطة دي ممكن تكون محل نقاش معاهم بس حايبقى صعب تسيب أمها".
فعادت تقول: "طيب ما تتأثرش ماديًّا ولا معنويًّا بأي شيء".
قال: "أضمن لك دي... غيره".
هنا قالت، وقد تسلل فجأة شيء من الغيرة إلى صوتها: "مش عايزة أكون رد فعل!".
نظر إليها طويلًا لدرجة أربكتها، لكنها عادت، وتمالكت نفسها، وقالت في حزم: "إيه؟! اللي بأقوله غريب؟!".
تنهد قائلًا: "لأ... مش غريب ولا حاجة على مخ الستات!!"، وقبل أن تعترض على تعليقه، قال في هدوء: "يا ستي اللي فات مات عندك وعندي... أخلاقي ما تسمحش ليا إني أتكلم مع واحدة وأنا لسه عايش بوجداني مع واحدة تانية، ثم نظر في عينيها مباشرة، وسألها: "تعرفي عني كده؟!"
فقالت وهي تحدق في عينيه: "أبدًا!".
فسألها: "طيب فيه حاجة تانية؟!".
فقالت: "حاجة مهمة مفيش!".
فقال: "إذن؟!".
فقالت: "أرد عليك رد نهائي بعد يومين... لسه حاعرض الموضوع عليهم في البيت... بس مش لأخذ الرأي... لأ... للإخطار والترتيب فقط".
نظر إليها مستفسرًا، فقالت في حزم: "بعد الوفاة... كان الاتفاق إن حياتي بتاعتي لوحدي... مش بتاعة حد تاني"، واكتسب صوتها شيئا من الحدة والسخط وهي تتابع: "كفاية بقى!"، ثم عادت لهدوئها وهي تضيف: "فدلوقت القرار بتاعي أنا مش بتاع حد تاني... بس بأقول لهم للإخطار".
فعاد يسألها:
"طيب وليه كلمة نهائي؟! هو لسه فيه حاجة مش محسومة".
قالت: "أنا صليت استخارة والحمد لله جاءت بالقبول... ودلوقت اتكلمنا في النقاط الأساسية... كلمة نهائي دي أقصد بيها تحديد موعد إن شاء الله تيجي عندنا البيت... إلى جانب إني لسه عايزة بقى أستفسر عن بعض النقاط المادية والشغل بتاعي ومكان الإقامة... بس النقط دي صدقني مش محورية بقدر النقط اللي اتكلمنا فيها"، وأضافت: "ولكن كمان لازم أمهد للبنتين الأول... لازم تمهيد كويس".
لم يعلق واكتفى بأن نظر إليها في حب، فابتسمت في خجل، وعندما جاء النادل بالطعام، ووجدها تبتسم، نظر إليها متعجبًا، فقال له "إسلام"في خشونة واضحة: "فيه حاجة؟!".
فانتبه النادل، وقال في ارتباك: "لأ... بس..."، ثم قرر أن يصمت فقال: "ولا حاجة حضرتك، أنا آسف".
وغادرهما وهو يتعثر في خطاه، ويقول شيئًا عن النساء وتقلب مزاجهن!
فقالت له في هدوء وخجل: "بالراحة... ما تقوم تضربه أحسن".
فقال لها: "أولع في اللي يبص لك غلط".
وضحك الاثنان، ثم قال لها في هدوء يداري وراءه عاصفة من المشاعر: "يعني خلاص يا منى...".
فقالت في ابتسامة هادئة: "خلاص يا إسلام".
فعاد يسألها: "حندخل كتب الحكاوي؟!".
فضحكت وقالت: "ندخل..."، ثم نقرت على المائدة بسبابتها الدقيقة وقالت في دلال:
"بس على شرط... أدخل أنا الأول عشان ليدز فيرست!".
فقال في حماس: "ده إنتي الحكاية نفسها... طب تعرفي؟!".
فنظرت إليه في تساؤل، فقال:
"أنا بأكتب قصص!".
فقالت وهي تميل برأسها لليمين كعادتها: "والله؟!".
فقال:
"آه... تصدقي بقى؟! وإن شاء الله حاكتب قصة تكسر الدنيا... وتعرفي حاسميها إيه؟!".
فقالت في فضول حقيقي: "إيه؟!".
فقال في حب وهو يرتكن بمرفقه على المنضدة، ويمسح بكفه على شعره:
"بما إنك الحكاية... يبقى نسميها منى!".
نظرت إليه بما يكشف عن مشاعر لم تحاول تخبئتها، وقالت له في همس: "إنت رائع!".
فقال لها: "إنتي الأروع... فاكرة؟!".
فابتسمت في حنين، وقالت: "فاكرة!".
وهنا قال لها: "تعرفي؟! ولم ينتظر منها ردًا؛ حيث أسرع يقول: "كنت متخيل إن الأمور ممكن تطول شوية أكتر من كده".
نظرت إلى الفراغ في كبرياء، وقالت: "ما عنديش وقت أضيعه! وحرام أضيع لك وقتك"، ثم قالت موضحة: "إنت عايز تتجوزني... إنت إنسان مناسب... فيه تفاهم عالي بيننا... أقول لأ ليه؟!".
فقال لها: "عندك حق... دايمًا منطقية مع نفسك ومع الآخرين".
وفجأة، قام من مكانه، فسألته: "رايح فين؟!"
لم يجبها، وإنما قال لها مطمئنًا: "مفيش حاجة بس استني هنا!".
وتوجه إلى النادل، وطلب منه أن يجمع الطعام لأنهما سوف يأخذانه معًا، وأعطاه الحساب.
كانت "منى" ترقب كل ذلك وهي لا تفهم ما يجري، إلى أن أخذ حقيبة بلاستيكية بها الطعام، ثم أمسك بكفها الدقيق، وقال لها:
"تعالي!".
فنهضت وهي تسأله: "على فين؟! إحنا ما كملناش أكل!".
فقال: "على فوق... نطلع نشوف الدنيا كلها مع بعض! خلاص بقى... كفاية كلام!".
وفي الأعلى، قال لها وهما يتأملان المشهد: "أطلب منك طلب؟!".
فقالت في صدق: "اؤمرني!".
فنظر في عينيها السوداوين، وقال: "ما تسيبينيش!".
فقالت له في إخلاص: "أسيبك؟! ده كفاية إنك إنت اللي فضلت معايا!".
فنظر إليها وهمس لها قائلا: "بأحبك!".
خفضت عينيها في خجل، ثم استجمعت نفسها وقالت:
"وأنا كمان".
فتألقت عيناه في حنان، لكنها أضافت: "بأحبني!".
فانفجرا ضاحكين، وأحاط كتفيها بذراعه، وراحا يتجولان وهو يقول: "بصي يا ستي... دي وسط البلد... ولو بصيتي ناحية الشمال شوية تلاقي هنا الهرم... شخصيًّا مش بأحب محافظة الجيزة مش عارف ليه... بس الهرم كويس... تيجي ننقله القاهرة؟!".
ضحكت في رقة، فعاد يقول: "سماح بتحب الهرم جدًا.... أنا عايزها تبقى مهندسة إن شاء الله، وإنتي عايزة بناتك يبقو إيه؟!".
فتوقفت، وضمت شفتيها في تفكير، ووضعت سبابتها اليمنى فوقهما للحظات، ثم قالت: "آه... إن شاء الله عايزة مروة تبقى مدرسة إنجليزي، ومريم تبقى دكتورة"، ونظرت له وقالت مبتسمة: "مش عارفة ليه؟!".
فضحكا، واستأنفا سيرهما في المكان، وهو يقول: "ممكن ندخل البنات كلهم مدرسة واحدة... مفيش مشكلة في كده إن شاء الله... عشان يعرفوا بعض...".
وقادتهما أقدامهما إلى باب الخروج، فضغط "إسلام" على مفتاح استدعاء المصعد، لكن المصعد تأخر، فقال لها: "تيجي ننزل على رجلينا؟!".
فنظرت له في دهشة، وهي تهتف: "يا مجنون!".
لكنه جذبها من يدها، فلانت في يده وراحا ينزلا السلم، وهو يكمل حديثه: "مجنون مجنون... المهم معاكي...!".
فابتسمت في حنان، بينما تابع هو، وهما ينزلان: "وبعد اليوم الدراسي كل كائن يروح بيته، وفي الأجازات يتقابلو إن شاء الله".
وكان بالإمكان سماع صوتها من الأعلى وهي تسأله: "وسماح عندها كام سنة دلوقت؟!".
وكان كذلك بالإمكان سماع صوته، وهو يرد قائلًا: "أربع سنين ونص".
وراح صوتاهما يتباعدان، وهي تقول: "ياااه... يعني أد مريم!".
"والله؟! جميل جدًا... طيب ومروة؟!".
"مروة يا سيدي عندها سبع سنين".
"حلو أوي!"
"آه... يعني الأعمار متقاربة".
"إن شاء الله ربنا يرزقنا بأخت رابعة ليهم... أنا بأحب خلفة البنات أوي ههههههههههه".
"على فكرة... أنا مكسوفة أوي".
"وأنا بأحبك أوي".
.....
.....
******
النهاية!!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار