أشباه المدن

مختار سعد شحاته
2020 / 7 / 22

أشباه المدن وأسئلة مُثارة حولها

مدخل سريع:
يفترض المنطق الإحصائي للسيسيولوجيا الأمريكية أن القرية ذلك المكان أو التجمع الذي لا يزيد سكانه عن 2500 نسمة، وبعيدًا عن ذلك المنطق، فإن هناك مداخل أخرى لفهم كلمة قرية؛ منها المدخل الإداري أو المدخل الإحصائي، أو بتحديد نوع المهن المسيطرة في ذلك التجمع، وهنا فإننا يجب أن نعترف بأن المدينة في معناها تُنَاقض ذلك التعريف تمامًا للقرية مهما كان من كل المداخل، وإن ظل التعريف الأحصائي هو سقف الاختلاف بين المدينة والقرية، حتى أن موسوعة علم الاجتماع تحدد أن الكلمة اللاتينية rurale مأخوذة عن أصلها rus، والذي يقابله المعنى urbs والذي يدل على المدينة، وهذا التقابل بين القرية و المدينة تحكم لزمن طويل في تعريف كل واحدة منهما، فالمدينة لا تعرف إلا بكونها نقيضا للقرية، وهذه الأخيرة ذاتها لا تعرف إلا بكونها مختلفة عن المدينة في النشاطات والتنظيم المجالي والمؤسسي.
إذن؛ فالتجمعات السكنية التي تحمل من صفات القرية وتحمل من صفات المدينة من كافة مداخل التعريف للكلمتين، هو ما يجعلها تدخل في تلك المنطقة التي تقربها من المدينة بشكل عام، وليست مجرد القرية الكبيرة المتضخمة أو المدينة الصغيرة، أي أنها تتجه إلى ما يسمى "أشباه المدن"، والتي تختلف عن التجمعات المدنية التي رصدتها د. منى أباظه في حديثها عن التغيرات في الريف المصري في شمال الدلتا في كتابها "The Contton plantation Rememberd " عن ذلك التغيير الجغرافي والسكاني في القرى في شمال الدلتا.

فما أشباه المدن؟ وما ملامحها؟:
أرى أن أشباه المدن، هي مجموعة القرى التي خرجت من مفهوم القرية الكلاسيكي، وكذلك مفهوم القرى المتكتلة أو القرى المبعثرة، والتي يحدث فيها طفرات سكانية في عدد المواليد والسكان، والمساحات العمرانية الجديدة، فتقترب من حجم المدن، وأحيانًا تزيد عن المدينة الأم التابعة لها، وهي قرى تشهد حركة عمرانية واسعة في شكل مبانيها وطرقها وشوارعها، فتبدأ في الاتساع من كل النواحي في حدودها بشكل دائري، لتتشكل أحياء كاملة جديدة مخططة مثل المدن، لكنها مفتقرة إلى كثير من خدمات البنية التحتية، وتظل معتمدة على المدينة الأم في كثير من خدماتها.
ويبدو أن أشباه المدن لها ملامحها الخاصة الكثيرة، والتي يمكن ان نوجز بعضها فيما يلي:
- يميز هذا النمط الجديد الذي يتشكل ملمح واضح وهام؛ هو أنها "أشباه المدن" كتل سكنية متحولة من الإنتاج إلى الاستهلاك، فهذه القرى في غالبها بعد أن كانت زراعية أو عمالية (كالصيد والزراعة) بدأت في التحول من الممارسة العمالية إلى أعمال أخرى ترتبط بالاستقرار المادي المظنون بالعمل الوظيفي.
- وتتصف "أشباه المدن" بزيادة عدد الشباب فيها، وارتفاع نسب المواليد، وكذلك وجود كثير من الاستثمارات الصغيرة الداخلية، ونشاط ملحوظ لرأس المال الداخلي، واعتمادها في بعض من الأحيان على مصادر الدخل الخارجي المتمثل في الهجرة إلى الخليج، والتي "حولت القرى إلى ضواحي للخليج العرب "، بدلاً من أن تصبح مستقلة بذاتها أو منتمية إلى طبيعة المجتمع المصري وثقافته.
- وتستخدم أشباه المدن لهجة لغوية هجينة؛ تستخدم لهجة القرية ولهجة المدينة، دون أن ترى الفارق بين اللهجتين، أو تستشعر الحرج في ذلك كما كان يحدث في ماضيها كقرية صغيرة، وكذلك في طريقة ملابسها ونمط تفكيرها الذي يخالف أنماط تفكير القرويين.
- ويختلف كذلك نمط ملابس هذه الأشباه اختلافًا تمامًا بالجمع بين الشكل العام لملابس المدينة، مع خلفية واضحة لطبيعة ملابس القرية، وذلك لا يعكس إلا الصراع النفسي الواقع على سكانها، وهي إشكالية ناتجة عن ملمح آخر هو اختلال منظومة القيم الحاكمة في القرية، والتي تبدأ في إنتاج منظومة جديدة تختلف في كثير من قيمها عن أخلاق القرية، وتلك المنظومة ظهرت بعد موجات الهجرة من أصحاب المهن اليومية، بل وهجرة القرية نفسها بشكل شبه دائم، ليحدث فراغ في تركيبة السكان يسده هؤلاء الوافدين الذين جاءوا إلى القرية للاستثمار فيها بعد تغير ملامحها الاقتصادية وظهور مهن أخرى جديدة في القرية لا يعرفها السكان الأصليون، فتختلط قيم هؤلاء بقيم القرية، وتنتج تلك المنظومة الجديدة المشوهة عن أخلاق القرية والمدينة معًا، والتي يظهر في أبسطها تغير شكل العلاقات الاجتماعية والإنسانية من علاقات أولية إلى علاقات ما بين الأولية والثانوية.

صراع المركز والهامش في أشباه المدن:
تنشأ –في زعمي- أشباه المدن كأحد نواتج الصراع الدائم والمستمر بين الهامش والمركز، هذا الصراع الذي يسمح بتناقضات كثيرة في شخوص الموجودين في هذا الهامش، وهذا التناقض ينعكس بدوره على نمط وشكل الحياة عمرانيًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا في "أشباه المدن".
وينعكس هذا الصراع على السكان المحليين داخل أشباه المدن، ويتزايد الصراع بين تلك القوى المختلفة التي تكونت نتيجة لتغير الوضع السيسوثقافي والمادي لهؤلاء، ويمكن أن نلاحظ ذلك الصراع في انقسام الكتل السكنية داخل أشباه المدينة، لكنه في الحقيقة يتحول إلى ما أسماه بندكت "حربهم المطمئنة" والتي على ما يبدو تعكس الكثير من التوترات داخل هذا الصراع بما يُشبه قول "كوامي آبيا" في كتابه "في بيت أبي، الفصل الثامن" حول سباق صراعات الهوية الأفريقية داخل المجتمع الأفريقي، والتي تنتهي في نهايتها في غير صالح الأفراد والمجموعات السكانية داخل تلك البيئة (أشباه المدن)، فتحولها إلى بيئات قاسمة وقاصمة خاصة لهؤلاء الأبناء العائدين إليها من بلاد النفط أو المدينة الكبيرة، والذين عاشوا بمهارة في حياة المدينة بفضل ما اكتسبوه من أموال وخبرات وثقافة، جعلتهم ينظرون إلى المدينة والقرية نظرة جديدة مختلفة، وكذلك جعلت أهل المدينة نفسها ينظرون إلى تلك التجمعات نظرة اجتماعية وثقافية أخرى، تختلف عن نظرة أهل القرية الذين بقوا ولم يغادروها.

أهم آثار تكوّن أشباه المدن:
أرى أنه من الواجب، فهم "أشباه المدن" كبيئة قاسمة قاصمة للحدث الثوري والفكر التحرري والاجتماعي في المجتمع المصري، وذلك بما تطرحه تلك الأشباه من مجموعة أسئلة تعكس أهم آثار ذلك التكوّن، ومنها:
- هل، وكيف تغيرت منظومة القيم والأخلاق في القرية بعد ظهور تلك الأشباه للمدن كما تدل الشواهد الحية على ذلك؟
- لماذا تزامن اختفاء كثير من المهن التقليدية بظهور تلك الأشباه للمدن، بكل ما تحمله من تراث ثقافي وفني واجتماعي، ولماذا لم تنتعش في تلك التجمعات باعتبارها ولو من باب الفلكلور؟
- ما الرابط بين موجات الهجرة، والتلوث، وبين ظهور أشباه المدن؟.
تُحيلنا تلك الأسئلة إلى حقيقة هامة، إذ تتحول أشباه المدن إلى ترمومتر جيد لقياس الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وتكون نتائجها أكثر دقة من المدن التقليدية، بل وتُشير إلى أن "أشباه المدن" ليست ضواحي للمدينة أو امتدادًا للقرية الكبيرة، إنما تختلف اختلافًا تامًا عن المدينة والقرية.

تأثيرات أشباه المدن بعيدة الأثر:
تأثرت إنتاجية القرية المصرية بشكل عام بسبب ظهور تلك الموجة من أشباه المدن، كما تأثرت القرية وعاداتها الناتجة عن متابعة الأحداث والارتباط بها وبالتالي زيادة ساعات السهر وقلت ساعات النوم ، بل جعل كثير من علاقاتها أنانية واستهلاكية، وهو مؤشر للخطر إذ تصبح أشباه المدن خطرًا على إنتاجية الريف وشكله التقليدي.
وتثبت أشباه المدن كظاهرة سيسيوثقافية واجتماعية أن المدن/ المركز تعتمد على الطاقة البشرية للقرى كهامش بسبب موجات الهجرة مختلفة الأسباب، ورغم تلك التغذية للمركز، فإن آثارها الإيجابية لا يستفيد بها هذا الهامش إلا بشكل محدود للغاية، ويكاد أن يختفي في أشباه المدن ذلك الأثر.
يبدو أنه في العشر سنوات الأخيرة قبل ثورة يناير 2011، كان جيلا كاملاً تشكل خارج حدود القرية، للدراسة والعمل، وقرر الخروج من حيزها الجغرافي نحو المدن، أو نحو بوابة الخليج العربي، حيث تم استحلاب القرية نحو الوظائف الحكومية أو التعاقدات الخليجية في بلاد النفط، أملاً في تحقيق طموحات جديدة عجز عنها الوضع الاقتصادي للقرية ، وبعد أن توغل الحزب الديمقراطي وكوادره في عمق الدولة المصرية، وتحكم في كل مفاصل السلطة والرزق. هكذا كانت القرية تخطو نحو قدرها كما كانت تخطو مصر كلها.
يمكن كذلك أن نلاحظ أن أغلب سكان أشباه المدن من المثقفين والذين تلقوا تعليمًا معقولاً؛ يتحدثدثون وأولادهم اللغات الأجنبية ويرتادون في بعض الأحيان تعليمًا خاصًا أو حكوميًّا متميزًا، نتيجة لوفرة من تلك الأموال التي تم توفيرها خلال رحلات الهجرة وقبل العودة للاستقرار في أشباه المدن، وهنا يتشابه هؤلاء مع تلك الأزمة التي أشار إليها "كتاب في بيت أبي" للفيلسوف "كوامي آبيا"، حين أكد أن من أزمات المثقفين في العالم الفقير (الثالث) والأفارقة بشكل ما، هو حركتهم وأعينهم على العالم الأوربي والغربي، دون أن تتجه أعينهم أكثر إلى عالمهم الأفريقي بالحوار والحديث والكتابة، وهو ما يجعل أعين قاطني أشباه المدن تتخلى تمامًا عن النظرة نحو الريف، وتظل على تطلعها نحو المدينة، حتى أن كل خطابها الثقافي والسياسي ينصب في ذلك الاتجاه، ناسين أن تلك التجمعات بالأساس كانت تنتمي في أصولها إلى القرية وليست المدينة.
أخيرًا؛ أظن أن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث حول أشباه المدن، وهو ما حاولت الإشارة إليه في رسالتي للماجستير، لافتًا الانتباه إلى خطورة تلك التجمعات على خريطة أي مجتمع يسمح لها بالتمدد.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان