السياسة الجنائية تجاه جريمة التسول

سالم روضان الموسوي
2020 / 7 / 21

تظهر في وسائل الأعلام بين الحين والآخر أخبار عن حملات تقوم بها الأجهزة الأمنية المختصة بإلقاء القبض على المتسولين في الشوارع والساحات العامة، ومع كل هذه الحملات إلا إنها لم تحد من شيوع هذه الظاهر، وهي من الظواهر الاجتماعية التي تعاني منها اغلب المجتمعات ولها أسباب اقتصادية اجتماعية مثلما لها أثار أمنية واجتماعية واقتصادية وغيرها، وقد اهتم المختصون في علم الاجتماع وعلم النفس بهذه الظاهرة، لكن عند متابعة سياسة الدولة العراقية تجاه هذه الظاهرة وكيف تعاملت معها نجد أن المشرع العراقي قد حاول أن يبعد عن الحكومة مسؤوليتها عن تفشي هذه الظاهرة من خلال تعديل النصوص القانونية التي كانت تحمل الدولة المسؤولية في إيجاد موارد مالية للمتسول تسد رمقه ، وعند متابعة المواد العقابية التي تتعامل مع هذه الجريمة نجد ان المادة (390) من قانون العقوبات العراقي كانت تشترط (ان يكون له مورد مشروع يتعيش منه أو كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد) حتى يكون المتسول مرتكباً لجريمة التسول ، وهذا الشرط يفيد بان من لا يملك راتب من الدولة او لا يملك عمل يستطيع أن يحصل على مورد معاشي يكفيه فانه لا يكون مرتكب لجريمة التسول ، وفلسفة هذا النص تقابل الحديث النبوي الشريف (مَن سأل الناس في غير فاقةٍ نَزَلَتْ به أو عيالٍ لا يطيقهم جاء يومَ القيامة بوجهٍ ليس عليه لحَم) بمعنى أن لا يكون الإنسان في حاجة أو عوز لان ذلك يمنع عنه الحد ولا يعتبر مرتكب لفعل مخالف للشريعة لان من مسؤولية بيت المال في الإسلام انفاق الأموال على الفقراء والمساكين واليتامى حيث يجب على الدولة المُسلمة كما جمعت أموال الزكاة من الأغنياء أن تردّها على الفقراء. وهذا ما كان عليه نص المادة (390) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل وعلى وفق النص الآتي (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر واحد كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وكان له مورد مشروع يتعيش منه او كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد وجد متسولا في الطريق العام او في المحلات العامة او دخل دون اذن منزلا او محلا ملحقا به لغرض التسول. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر إذا تصنع المتسول الإصابة بجرح او عاهة او استعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الخداع لكسب إحسان الجمهور او كشف عن جرح او عاهة او ألح في الاستجداء.) لكن تم تعديل هذا النص بموجب القانون رقم 16 لسنة 1999 قانون تعديل قانون العقوبات العراقي حيث تم حذف هذا الشرط المتعلق بالمتسول (ان يكون له مورد مشروع يتعيش منه أو كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد) وأصبح نص المادة (390) عقوبات والنافذة حاليا على وفق الاتي (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد على ثلاثة أشهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وجد متسولا في الطريق العام او في المحلات العامة أو دخل دون اذن منزلا او محلا ملحقا به لغرض التسول . وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة إذا تصنع المتسول الإصابة بجروح او عاهة أو استعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الخداع لكسب إحسان الجمهور او كشف عن جرح او عاهة أو ألح في الاستجداء.) وهذا التعديل غير من المركز القانون للمتسول لأنه أصبح مرتكب جريمة التسول بمجرد الاستجداء دون معرفة أسباب قيامه بالفعل أو التحقق من توفره على مورد مالي يكفيه لسد رمقه، وارى أن هذه السياسة الجنائية التي اتبعها المشرع العراقي فيها تهرب من تحمل مسؤولية الدولة تجاه رعاياها بتوفير الأمن الغذائي والاجتماعي لهم وحمايتهم من الفاقة والعوز، ومازال الحال قائم لغاية الآن، وارى ان ذلك النص القانوني أصبح يتعارض من النصوص الدستورية الواردة في دستور العراق لعام 2005 والمتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة في المواد (30) من الدستور التي اعتبرت من واجبات الدولة رعاية المواطن العراقي وعلى وفق النص الآتي (أولاً : - تكفل الدولة للفرد وللأسرة - وبخاصة الطفل والمرأة - الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة كريمة، تؤمّن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم . ثانيا : - تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة او المرض او العجز عن العمل او التشرّد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون).
ومن خلال ما تقدم فان المشرع العراقي ومنذ عام 1999 ولغاية الآن قد لإبعاد المسؤولية عن الدولة وحملها على كاهل المواطن العادي مع إنها تملك كل الموارد المالية التي ينعم بها العراق لذلك أرى أن نعيد النظر بهذه السياسة الجنائية والعودة إلى النص القديم الذي لا يعتبر المتسول مرتكب لجريمة التسول إلا إذا كانت له موارد مالية بعد ان توفرها له الدولة وفي هذا حماية للمواطن من الفقر والفاقة وكذلك منع تحويلهم إلى مدانين ومجرمين مرتكبي الجرائم ، فضلا عن كونه واجب من واجباتها وليس لها المنة او الفضل في ذلك.
القاضي/ سالم روضان الموسوي