شبهات حول العلمانية .

منسى موريس
2020 / 7 / 21

عندما يغيب التفكير الحيادى ويحل محله التفكير الدوجماطيقي ويُصاب الضمير الإنسانى بداء الإنتقائية ويتبنى المرء الحامل لهذه الأمراض رؤية مُعينة فيبدأ بتشويه كل رؤية أخرى تتعارض مع رؤيتة الخاصة ، وتشويه الحقائق وتحريف المفاهيم للأسف يأتي بنتائج إيجابية مؤقتة بالنسبة لهؤلاء المُصابين بتلوث الضمير وأُحادية الفكر والمكاسب تتمثل في التأييد الشعبى والسيطرة على عقول البُسطاء من الناس ، خاصةً نحن شعوب أغلبنا لايبحث ولا يُفتش فبالتالى ذهنية السواد الأعظم لا تعمل وفق مبادئ المنطق والعقلانية بل على العكس تماماً يكون المكون الرئيسي لها عبارة عن مغالطات منطقية أهما " تسميم البئر و الإحتكام إلى السُلطة " فمعيار الحقيقية لايكون بمدى معقوليتها لكن يتم قبولها لأن الشخص ذائع الصيت والشهرة هو الذى أقرها خاصةً لو كان هذا الشخص رجل دين وهذا الشخص المشهور لو طعن فى منظومة فكرية ما وقام بتشويهها فإنه بذلك يعمل على تسميم البئر أي يجعل الناس لايبحثون بحيادية عن حقيقة هذه المنظومة و " العلمانية " هي واحدة من أهم النظم التي تم شويهها في الشرق الأوسط عن عمد وقصد وإرادة وتم الربط بينها وبين الإنحلال الأخلاقى والإلحاد والشذوذ وشرب الخمور وهنا تظهر مغالطة تسميم البئر واضحة وضوح الشمس لأن كل هذه الإتهامات الباطلة لاعلاقة لها بالعلمانية لا من قريب ولامن بعيد ولاحتى تنم عن الجهل بحقيقة العلمانية بقدر تكشف عن محاولة تقبيح وإفساد وتبشيع لحقيقة العلمانية .
لكن ماهى العلمانية ؟ وكيف أثرت بالإيجاب على الإنسان والحضارة ؟
"العلمانية Secularism" أول من صك هذا المُصطلح هو "جورج هوليك1851 " وهى لم تنتج من فراغ ولم تأتى دفعة واحدة بل هي جاءت نتيجة تطور الفكر الإنسانى عبر قرون طويلة ونظر لها كبار الفلاسفة والمُفكرين في الحضارة الغربية ، وتعريف العلمانية بإختصار يقول " الدكتور مراد وهبة " « التفكير في النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق»(1) وبإعتبار السُلطة الدينية تحتكم إلى كل ما هو مطلق والدولة تحتكم إلى كل ماهو نسبى متغير فحقيقة العلمانية ليست فصل الدين عن الإنسان ولكن فصل السُلطة الدينية عن سُلطة الدولة ويقول " سبينوزا " « ينتج الضرر للدين وللدولة إذا ما أعطى رجال الدين سُلطة سياسية في الدولة ولا ينشأ الإستقرار إلا بفصل السلطتين والحد من سلطة رجال الدين حتى يتفرغوا لأمور الدين»(2) ونجد هذا المفهوم ظاهر وبقوة عند " السيد المسيح " حيث كان يرفض الخلط بين الدينى والسياسى لأن المُطلق هو علاقة خاصة وتجربة شخصية بين الإنسان والله ومكانها الصحيح الروح والقلب ولايمكن فرضها على أنظمة الحكم ويقول " المسيح " كما جاء في (إنجيل مرقس 12: 17) فأجاب يسوع وقال لهم: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله») فالخلط بين النسبى الزمانى والمُطلق المفارق يعمل على تعطيل الزمان ومن ثم يقف الإنسان عند نقطة معينة من الزمان فيحدث الجمود والثبات ويصبح التطور محض خرافة ، ويُعتبر " جون لوك " هو أحد أهم كبار المُنظرين للفكر العلمانى ودافع عن الحرية الإنسانية والذى أسس مفاهيمة عن الحرية والسياسة على مبادئ إنجيلية فكتب يقول « إن التسامح بين أولئك الذين يعتقدون عقائد مختلفة في أمور الدين يتسق تماماً مع العهد الجديد الذى أتى به السيد المسيح ، كما يتمشى مع مقتضيات العقل الإنسانى الحق »(3) ولاننسى " كانط " الذى كان يُعرف التنوير على أنه « خروج الإنسان من قصوره الذى يرجع الذنب فيه إليه , وهذا القصور هو عدم القدرة على استخدام العقل إلا بتوجيه من إنسان آخر»(4) وكذلك الكثير من الفلاسفة والمُفكرين الذين دافعوا عن الحريات أمثال " فولتير ، ديدروا ، مارتن لوثر ، توماس جيفرسون ... والكثير )
ومن خلال هذه التعريفات يمكننا أن نستنبط التأثير الإيجابى للعلمانية على الإنسان والحضارة .
أولاً . الحرية : العلمانية تضع الحرية كحق طبيعي للإنسان ولايمكن إغتصاب هذا الحق تحت أي مسمى فالحرية الإنسانية شيء مقدس وطبعاً الحرية ليست السلبية لكن حرية الضمير والحرية الفكرية والدينية فمن حق أي إنسان التفكير في أي شيء وإعتناق أي شيء ونقد أي شيء فالحرية الإنسانية وفق المنظومة العلمانية هي أساس للذات البشرية ، ولاتُجبر العلمانية الإنسان على أخلاقيات سلبية مُعينة كشرب الخمر أو الزنى والشذوذ كما يروج أصحاب الفكر السقيم.
ثانياً . التسامح : حسب الرؤية العلمانية للفكر ينبغي أن يكون التسامح هو الأساس فليس من حقك أن تعتدى على الآخر لأنه يتبنى وجهات نظر تختلف عنك فإعتنق ماشئت لكن لايُمكن بأى حال من الأحوال أن تفرض رأيك على الآخرين بل واجب عليك أن تتسامح معهم وإذا أردت نشر فكرك فينبغى أن يكون الحجة والبرهان والحب هم الوسائل الشرعية لعملية النشر فالتسامح هو واجب وضرورة لابد أن يتحلى بها كل أفراد المجتمع مهما إختلفت أفكارهم .
ثالثاً .العقل : وبما أن العلمانية جاءت نتيجة تطور الفكر الإنسانى التنويرى فإنها تؤصل للعقل والعقلانية ورفض كل ماهو خرافى لاينتمى للعالم الواقعى فإستخدام وإعمال العقل هو جزء أصيل من المنظومة العلمانية .
رابعاً . العلم : كما هو اضح من تعريفات العلمانية التي ذكرتها أنفاً أنها التفكير في النسبى أي في الوجود المزمن بالزمان فبالتالى يكون فهمنا للعالم الطبيعى المادى لايعتمد على أي نظريات خرافية بل علمية تجريبية فإذا كان الفصل بين الدينى والسياسى أمر هام في الفكر العلمانى فالتمييز بين عالم الأبد والعالم الموجود الأن هو أمر مطلوب أيضاً بمعنى آخر لايمكن إقحام أي فكر ميتافيزيقى أو دينى في العلم الإمبريقي فالعلم له مجاله الخاص به أي الوجود المادى المحسوس والدين يتعامل مع كل ما هو متعالى ومُفارق للطبيعة ، فهذا التمييز لا يضر بالعلم أو بالدين بل على العكس يضع كل منهما في المكان الصحيح .
خامساً . الدولة : في المنظومة العلمانية الدولة كيان لامنتمى لإيدلوجية دينية بل هي تنتمى للإنسان بغض النظر عن إعتقاده الديني فهى محايده تجاه الأديان هي فقط تركز على الإنسان وحقوقه وحرياته وهذا شيء هام وضرورى لأن هذا الحياد والإنتماء للإنسان فقط لاينتج أي نوع من أنواع التعصب .
سادساً . الدين : العلمانية ليست ضد الدين وليست مع الإلحاد وكما قلت هي لاتنتمى لإيدلوجية لكنها تنتمى للفرد فهى بذلك تترك للإنسان الحرية الكاملة في إختيار معتقده الدينى ولا تُشجع معتقد على آخر لانها تهتم بالحقوق والحريات لكن تمنع أن يفرض أي شخص معتقده على الآخرين بالقوة فحريتك تقف عن غيرك .
في النهاية يُمكن القول أن كل الشُبهات التي تطرح حول العلمانية هي أصلاً بعيدة كل البُعد عنها وهى مجرد إتهامات باطلة لا سند ولا دليل عليها وكل من يقف ضد العلمانية هو بشكل مباشر سيكون ضد " الحرية ، العقلانية ، العلم " لأن كل هذه المفاهيم هي نتاج العلمانية ونتاج الفلاسفة والمُفكرين الذين ضحوا بوقتهم وبحياتهم في سبيل نشر التنوير والعقلانية وإلى كل من يشوه مفهوم العلمانية ماذا قدمتم للبشرية ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر .
1- مراد وهبة : مُلاك الحقيقة المُطلقة ص (29) مكتبة الأسرة 1999
2- باروخ سبينوزا : رسالة في اللاهوت والسياسة ص(97) دار التنوير للنشر بيروت الطبعة الأولى 2005
3- جون لوك : رسالة في التسامح ص (23) المجلس الأعلى للثقافة مكتبة الإسكندرية الطبعة 1997
4-مصطفى ماهر : صفحات خالدة من الأدب الألمانى ص 97مكتبة الأسرة 2010