إلى حين...

حسين محمود التلاوي
2020 / 7 / 20

1. الوصول
لم "ق" ير أن هناك مشكلة في أن يعبر النهر إلى الضفة الأخرى؛ فالنهر ضيق، والمسافة بين الضفتين بسيطة، كما أن لديه القارب الملائم الذي يساعده على عبور النهر بسهولة، وكذلك ليس هناك ما يشغله في تلك الليلة. ليست هناك مشكلة إذن في عبور النهر.
لكنه كان يعلم في داخله أن عبور النهر لم يكن هو المشكلة، ولا يمكن أن يكون مشكلة في أية لحظة؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن فيما يكمن بالضفة الأخرى. ما الذي يمكن أن يكون هناك؟! ما الذي يمكن أن تخفيه تلك الأدغال المتشابكة التي تبدو كشبح يجثم فوق الأرض على مسافة غير بعيدة من النهر؟!
اصطدم القارب صدمة خفيفة بحافة ضفة النهر التي عبر إليها قبل أن يتوقف لتتوقف معه الأفكار في رأس "ق"، ثم تأخذ اتجاهًا آخر يتلخص في إيجاد مكان آمن يحمي فيه القارب. صعد إلى ضفة النهر، وراح ينظر حوله بحثًا عن مكان آمن على الضفة أو داخل النهر بالقرب منها، لكنه لم يجد سوى شجرة ضخمة سقطت داخل النهر ليغمرها الماء حتى نصفها، فيما بقي نصفها الآخر فوق الأرض، وقد برزت منه سيقان وأفرع قوية؛ فلم يفكر مرتين قبل أن يجذب القارب إلى الشاطئ ليربطه في واحد من السيقان القوية التي برزت من نصف جذع الشجرة الراقد فوق الضفة.
بعد أن أتم ربط القارب، وقف قليلًا أمامه ليتأمله، لكنه لم يكن يتأمل القارب في واقع الأمر، بل كان يتأمل الموقف الذي يعيشه والذي هو مقبل عليه. وبعد قليل من النظر الخاوي إلى القارب وجذع الشجرة، التقط نفسًا عميقًا، وتوجه مباشرةً نحو الدغل القريب.
سار قليلًا، وبمجرد أن أصبح على مقربة من الأدغال، بدأ يسمع المعزوفة التقليدية من أصوات حفيف الأشجار، والعواء البعيد، وأصوات بعض الطيور الليلية أو تلك النهارية التي تأخرت عن موعد العودة. توقف، وقد سرى بباله لوهلة أن يعود، لكنه تحسس جيبه، وكأنه يستمد الطاقة والقدرة من محتوياته. وبعد قليل من التوقف أخذ نفسًا عميقًا آخر قبل أن يواصل السير، وإن بدأ يشعر بارتجافة في قدميه هذه المرة. لكنه واصل المسير.
******

2. الدخول
سار لمسافة عشر دقائق تقريبًا فيما يشبه الظلام الكامل؛ فالقمر كان غائبًا في تلك الليلة، ولعل هذا كان السبب في اختيار تلك الليلة، كما أن الأشجار الكثيفة المتشابكة فوق رأسه حجت حتى أضواء النجوم؛ ومن ثم لم يتبق له سوى انعكاس الأضواء القادم من الضفة الأخرى لينير له الطريق. تذكر أنه حاول أن يقنعها بأن يحمل معه أي مصدر ضوء، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا... لا مصدر إضاءة، وأخبرته بصوتها المتكسر الواهن: "الضوء هناك يعني الموت يا بني... الضوء يعني الموت".
لم يحاول أن يجادلها فقد قبل المهمة لأجلها فقط، وتعهد بألا يسأل عن أي شيء، إلا عندما ينال الإذن بذلك؛ ومن ثم أطاعها في كل ما قالت حتى في طلبها منه ارتداء ثياب شتوية ثقيلة على الرغم من أن فصل الصيف يحرق الموجودات بشمس يوليو، لكنه أيضًا لم يجادل.
أفاق من أفكاره على صوت فرع شجرة تكسر تحت قدميه بصوت مسموع؛ فتوقف، وكأنه يطلب رد فعل الغابة على ذلك التصرف غير المقصود، لكنه لما لم يجد شيئًا، تابع السير، وقد بدأ في التركيز في طريقه، وهو يحاول أن يتذكر المعالم التي طلبت منه الانتباه إليها أثناء السير... البحيرة الصغيرة... يذكر أنه مر بها... والشجرة الضخمة التي تحوي ثلاث ممرات في جذعها هائل الاستدارة... يذكر أنه مر بها، بل يذكر كذلك أنه دخل من الممر الأوسط.
ماذا تبقى إذن؟! يفترض أن المتبقي هو صخرة الليث؛ تلك الصخرة التي تتخذ شكل أسد يزأر، والسماء الساطعة؛ وهي المفترض أنها منطقة تخلو من الأشجار تمامًا فتبدو السماء براقة بالنجوم المحتشدة فيها. لا يذكر أنه مر بأي من هاتين العلامتين.
راح يتلفت حوله بحثًا عن أي منهما، لكنه أثناء تلفته تعثر في شيء فسقط أرضا بقوة، وشعر بأشياء حادة صغيرة تخترق بشرة كفه؛ فكاد يطلق صرخة ألم هائلة، لكنه كتم ألمه في اللحظة الأخيرة؛ فدمعت عيناه من فرط الألم، وراح يلتقط أنفاسه بسرعة هائلة، وهو يحاذر من أن يصدر أي صوت، إلى أن شعر أنه أصبح أفضل؛ فنهض من مكانه، وراح ينفض ثيابه بطريقة لا شعورية، وهو يمسح كفيه بسرواله الجينز السميك، ثم وضع يده في جيبه ليتأكد من أن الورقة لا تزال في مكانها.
وقف ينظر حوله، وهو لا يزال يلهث، ويتساءل في نفسه هل سوف تسمح له سنوات عمره الخمسون بتحمل سقطة أخرى مماثلة قبل أن يبدأ في التحرك مجددًا؛ وهو يتلفت حوله حينًا، وينظر أسفل قدميه حينًا آخر في تصرف بدا له بعد مرور الوقت بلا طائل؛ لأنه لا يكاد يرى شيئًا أمامه أو أسفل قدميه. وبعد دقائق من المسير ف خط مستقيم، رأى صخرة الليث؛ فتسلقها بسهولة؛ لأنها كانت سهلة التسلق. وعندما بدأ ينزل إلى الجانب الآخر منها، لمح المعلم الأخير في طريقه؛ وهو الأرض المنبسطة الخالية من كل الأشجار؛ فنظر فوق رأسه ليجد السماء ساطعة براقة بضوء النجوم المحتشدة.
ولما رأى الأرض أمامه عند بعد تتحرك وسمع صوت حركتها بهدير يكاد يصم الآذان، ليرتفع جزء منها أمامه كاشفًا عن سلالم تمتد من الجزء المرتفع لتغوص في الفجوة التي انكشفت عنها، أدرك أنه وصل.
******

3. الرسالة
نزل... لم يكن أمامه أي تصرف يمكن أن يفعله سوى أن ينزل السلالم التي لم تكن لديه أدنى فكره عن المكان الذي تقوده إليه. لكنه نزل، ولدهشته وجد المكان مضاءً بمصابيح صغيرة أنيقة بيضاء، وكان نظيفًا. لم يدر لماذا حسب أنه سوف يجد المكان مظلمًا أو على أقل تقدير معتم الإضاءة متربًا.
واصل النزول، وأخذ ينزل، وينزل، وطالت فترة نزوله حتى أصابه الإرهاق، وبدأ يحسب أن الأمر ليس سوى مزحة سخيفة. لكنه عاد فتذكر أنه لا تمزح. لم يدر لماذا خطر بباله سؤال: ألا تزال حية؟! ولكنه تذكر أنه لم يتركها سوى هذا الصباح فقط؛ ومن ثم لا يوجد ما يبرر أن تكون قد ماتت، إلا أنها قررت أن تتوقف عن الحياة بعد أن أدت ما قالت إنه مهمتها... إيصال الرسالة.
وأخيرًا وصل إلى آخر درجة من السلم، ورأى أمامه ممر يمتد إلى ما لا نهاية، وكذلك مضاء بالمصابيح الصغيرة نفسها. سار في الممر الذي لم يكن بجدرانه أية أبواب، ولاحظ — بعد قليل من السير — أنه ينحني عدة مرات؛ فلا يستطيع الواقف في أوله أن يرى نهايته أبدا.
ومثلما كان الحال مع السلم، راح يسير دون توقف إلى أن وجد نفسه فجأة في نهاية الممر، وأمامه باب خشبي بسيط يبدو غير متين ولا مغلق، لكن لم يكن به مقبض. طرق على الباب، لكن أحدًا لم يفتح الباب؛ فجرب أن يدفعه برفق، فافنتح الباب معه. وما إن وقف على عتبته حتى رأى خلف الباب حجرة صغيرة مضاءة بمصباح مماثل لمصابيح الخارج بيضاء الجدران، بها فراش واحد، ونافذة تطل على ما بدا في ظلال الليل أنه حديقة، وباب آخر لكنه يبدو أكثر متانة وإحكامًا من الباب الخارجي. فكر في نفسه أنه ربما يفتح على الحديقة التي تظهر من النافذة.
وقبل أن يحاول التأكد من تلك الفرضية، سمع صوتًا من خلفه يرحب به، ويقول: "مرحبًا بك... آمل أنك جئت بالرسالة".
انتفض في هلع عندما سمع ذلك الصوت، على الرغم من أنه كان هادئ النبرات ثابتًا لا يحوي بأية مشاعر سلبية، والتفت سريعًا ليجد أمامه شابًا يبتسم في هدوء مرحب.
تمالك "ق" نفسه بسرعة، وهو يلمح تلك الابتسامة على شفتي الشاب الذي قال في أسف بدا ظاهرًا في ملامحه رغم الابتسامة: "أعتذر إن كنت قد أفزعتك، لكنني صدقني تنحنت كثيرًا قبل أن أتكلم، لكنك كنت مشغولًا بتأمل الحجرة".
هز "ق" رأسه في تفهم، ثم فتح فمه وكأنه سوف يتكلم قبل أن يغلقه، وقد اعترت ملامحه حيرة هائلة لم تلبث أن تفجرت في شكل سؤال اندفع منه كالقنبلة: "ما كل هذا؟!".
ابتسم الشاب، وقال: "حسنًا، أنا مدين لك بتوضيح كل شيء، تفضل اجلس"، وأشار إلى الفراش؛ فجلس "ق" على طرفه، ورأى الشاب يتجه إلى جزء من الحجرة لم تقع عليه عينا "ق" ليخرج مما بدا أنه ثلاجة علبة عصير صغيرة من نوع معروف، وقدمها إلى "ق"، وقال له، وهو يجلس بجانبه: "يمكنك أن تتخفف من ثيابك الآن، وتشرب العصير؛ فالجو حار".
نضى "ق" معطفه الثقيل عنه، وفتح علبة العصير ليتناول رشفة قبل أن ينظر إلى الشاب في تساؤل؛ فقال له الشاب: "حسنًا، هل يمكنني أن أرى الرسالة".
مد "ق" يده في جيبه ليخرج الرسالة، وقدمها إلى الشاب، الذي فتحها، وقرأها، ثم ابتسم، وطواها ووضعها في جيبه، وسأله في مرح: "ألم تقرأها؟".
هز "ق" رأسه نافيًا، وقال: "لقد كانت تعليماتها أنني لا أقرؤها، وقد احترمت كل التعليمات التي أبلغتني إياها".
هز الشاب رأسه، وقال: "من الواضح أنك اتبعت التعليمات تمامًا، وإلا لم تكن لتصل إلى هنا".
هز "ق" رأسه بلا مغزى معين في الواقع، وعاد يرفع عينين متسائلتين إلى الشاب؛ فقال له الأخير: "تريد أن تعرف ما الأمر؟!".
هز "ق" رأسه فيما يشبه نفاد الصبر، فأجاب الشاب في بساطة مبتسمًا: "الأمر كله أنك توفيت!".
******

4. القبول
شعر "ق" أن صاعقة قد ضربته؛ فانتفض في مكانه دون أن يقوى على النهوض، وشعر بجفاف في حلقه لم يستطع معه أن يتكلم؛ فقال الشاب في البساطة والابتسامة نفسيهما: "لا تخف... كل الخلائق يموتون يومًا ما".
هنا استجمع "ق" كل قواه ليجد أنها لم تسعفه إلا لكي يقول في صوت مبحوح: "ماذا تقول؟!".
قال الشاب في أسلوبه البسيط: "كل ما في الأمر أنك توفيت... لكن لا تصدقني، أليس كذلك؟!"، ثم نهض من مكانه، وراح يتجول في أرجاء الحجرة الصغيرة، ويقول: "حسنًا... أجبني... هل تشعر بالحر؟!".
كان السؤال صادمًا لـ"ق"؛ فهو بالفعل لم يكن يشعر بالحر، لكن الشاب لم ينتظر الإجابة؛ فملامح "ق" حملت الإجابة جلية؛ فعاد يسأله ثانية: "هل تشعر بالعطش؟!".
مرة أخرى لم يستطع "ق" أن يحر جوابًا، لكن عينيه فجأة التمعتا، وقال في صوت قوي، وكأنه اكتشف مصدر طاقة الحياة: "لكنني... لكنني شعرت بألم السقطة".
أجابه الشاب مبتسمًا: "لم تكن قد وصلت إلى هنا... كنت لا تزال في مرحلة الانتقال".
هنا صاح "ق" قائلًا في سخط: "أريد أن أفهم... ليست لدي طاقة لأنهض من مكاني، وأوسعك ضربًا لتجيبني".
ابتسم الشاب قائلًا: "ولو كانت لديك الطاقة، ما كنت لتستطيع أن تفعل"، ثم مد يده إلى "ق"، وقال له: "حاول أن تمسك بيدي".
مد "ق" يده بحذر ليمسك يد الشاب، لكنه كلما كان يحاول أن يمسكها، كان يشعر أنه أمسك الهواء؛ فابتسم الشاب، وقال: "حسنًا إذن... لنترك مسألة القوة جانبًا، ولتسمح لي أن أخبرك بالحقيقة".
وجلس بجوار "ق" الذي كان ينظر إليه بعينين مذهولتين مليئتين بالرجاء، وقال في صوت رقيق: "لقد متَّ. متَّ، وانتقلتَ إلى العالم الآخر... أنت فقط في مرحلة انتقالية... ليست مرحلة انتقال، وإنما انتقالية... تنتقل فيها من عالم إلى آخر... آخذك فيها إلى أن تستقر، وتهدأ، وتستطيع أن تنتقل إلى العالم الآخر... كل ما عليك هو القبول... أن تقبل بما أنت فيه".
وصمت الشاب قليلًا قبل أن يواصل شرحه المسألة: "هذه السيدة التي قابلتها أنت هي الحياة... وتلك الرسالة هي الرسالة التي يتعين عليك أن تؤديها في الحياة، أنت لا تدري شيئًا عن رسالتك في الحياة، ولكنك تتصرف وفق ما يمليه عليك ضميرك... أنت لم تفتح الرسالة؛ لأنها طلبت منك ذلك، وقبلت أنت الأمر، واحترمت رغبتها، بل إنك خاطرت بحياتك لسبب لا تدري عنه شيئًا... ولكن في النهاية، الأمر كله يرجع إليك... يرجع إليك في احترام رغبتها من عدمه... يرجع إليك في التعامل مع ما يلقيه القدر في طريقك. لقد خضت الرحلة... ووصلت إلى هنا... أستطيع أن أقول أنا إنك نجحت في رحلتك... لكن للأسف الأمر لا يرجع إليَّ وحدي؛ فهناك الكثيرون ممن لهم الحق في الحكم على رحلتك".
قال له "ق" في صوت واهن: "ولكن... من هم؟! أنا لم أقابل سواك في طريقي منذ أن تركت السيدة العجوز... أقصد... الد... الد....".
تلعثم لسانه قليلًا، وهو يحاول أن يقول "الدنيا" دون أن تطاوعه نفسه على نطقها؛ فقال الشاب مبتسما: "منذ أن تركت الدنيا"، ثم تابع في لهجة جادة: "لقد قابلت الشجر والحجر، واستمعت إلى أصوات الحيوانات... لقد كنت تقابل أناسًا في حياتك، وتسمع عن آخرين لا تراهم، وكنت في بعض الأحيان تحكم عليهم من دون أن تراهم بمجرد أن تسمع عنهم... مثلما تحكم على الكائن أنه عصفور من صوته... أليس من المحتمل أن يكون إنسانًا يطلق صافرة تشبه صوت العصفور؟!".
لم يحر "ق" جوابًا، لكنه ظل ينظر إلى الشاب في ذهول، وهو ينهض، ويتجه نحو الباب المؤدي إلى ممر الوصول، ويفتحه عازمًا الرحيل، وقبل أن يغلق الباب خلفه نظر إلى "ق"، وقال له في أسلوبه البسيط، وإن اكتسى بشيء من الحزم هذه المرة: "بمجرد أن أغلق هذا الباب، سوف ينفتح الباب الآخر، ويدخل منه من يقودك إلى رحلتك نحو مستقرك".
نهض "ق" من مكانه سريعًا، وحاول أن يلحلق بالشاب قبل أن يغلق الباب، لكن الشاب كان سريع الحركة؛ فأغلق الباب؛ فانهار "ق" جالسًا أمامه يبكي.

5. الانتظار
ولكن بعد لحظات بدأ يسمع صوت حركة خلف الباب الآخر الذي حسبه يؤدي إلى الحديقة؛ فأخذ يرهف السمع مترقبًا، إلا أن المصباح انطفأ فجأة، فنهض من مكانه، وهو يحاول أن يفتح الباب المؤدي إلى الممر بلا طائل؛ فالتصق به، وهو يحاول اختراق حجب الظلام.
وبينما كان يقف في ترقب، شعر بيد تمسك معصمه... كانت يدًا بشرية... وللوهلة الأولى لم يبد أي رد فعل من فرط الذعر، لكنه بعد أن أدرك حقيقة ما يحدث، أطلق صرخة ذعر قوية طويلة وراح يتبعها بواحدة تلو الأخرى إلى أن شعر بيد أخرى تمسك به من كتفه، وتهزه في رفق؛ فأمسك بتلك اليد في عنف، وهو لا يزال يصرخ قبل أن يغمض عينيه، ثم يفتحهما ليجد نفسه راقدًا فوق فراشه، ويد ابنته الوسطى تمسك بكتفه، وهي تواصل هزها الرفيق له، على الرغم من الذعر والألم اللذين كانا باديين على وجهها جراء الخوف على والدها والألم من قوة قبضته.
لكنه لم استوعب ما يجري، اعتدل جالسًا على الفراش، وقد أخذ يلهث، والعرق يقطر من جبهته على عينيه فيزيد الأمور سوءً؛ وسمع ابنته تقول له في هلع: "ماذا هناك يا أبي؟! ماذا جرى؟! أكان كابوسًا مخيفًا لهذه الدرجة؟!".
حاول أن يشرح لها، لكنه لم يستطع؛ فأشار لها بيديه بما يعني أنه يريد أن يشرب؛ فأسرعت إلى المنضدة التي كانت تتوسط الحجرة لتلتقط من فوقها دورقًا مليئًا بالماء، وتصب منه قليلًا في كوب زجاجي قدمته مسرعة إلى والدها الذي شرب كل الماء جرعة واحدة؛ فالت له: "على مهلك يا أبي! على مهلك".
ازداد تصبب العرق على وجهه بعد أن شرب الماء، وكأنه أسقط محتويات الكوب على وجهه لا في جوفه، وسألها بصوت مبحوح: "أين أمك؟! أين أختاك؟!".
اكتسى وجهها بالألم، وقالت: "أبي...".
هز رأسه في مرارة، وقال معتذرًا: "آسف يا بنيتي... لقد كانت لحظة صعبة... لحظة مريرة لا يمكن أن أنساها على الإطلاق... لحظة أن دخلوا عليَّ الباب ليأخذوني..."، وهز رأسه في عدم تصديق، وهو يتابع: "وقتها لم أصدق أنني مت، وأنهم جاءوا ليصحبوني إلى آخرتي... حاولت مقاومتهم... لكن دون جدوى"، وهز رأسه ثانيةً، وهو يطئطئ بعينيه نحو الفراش، ويضيف: "دون جدوى".
فقالت له ابنته: "أبي... لا تحاول الفرار من الأمر... لقد متنا... قتلتنا تلك الشاحنة المسرعة على الطريق... ولن نستطيع العودة مرة أخرى إلى عالم الحياة".
رفع إليها عينين مرهقتين مليئتين بالألم والتعب، وسألها: "ألن يأتي ذلك الرجل الذي قالوا إنه من...؟!"، وبتر عبارته؛ لأنه لم يدر ما يقول.
فأجابته، وقد فهمت ما يسأل عنه: "سوف يأتي غدًا يا أبي... إن التعويذة التي سوف يحضرها قوية، وسوف تبطل اللعنة التي ألقتنا في هذا العالم الوسيط، وسوف...".
قاطعها قائلًا في لهجة جامدة أوحت لها على الرغم من ذلك بإحسابه الرهيب باليأس: "وسوف تنقلنا لنواجه مصيرنا، أليس كذلك؟!".
أغمضت عينيها في ألم، وقالت: "نعم يا أبي... ثم نواجه مصيرنا. وكل ما علينا هو الانتظار".
فرنا ببصره إلى باب الحجرة التي كانت هي الحجرة نفسها التي رآها في الحلم، وقال: "نعم... كل ما علينا هو الانتظار... الانتظار فقط".
******
تمت
******

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار