رسائل سياسية من خلال حوار رئاسي

رابح لونيسي
2020 / 7 / 18

أثار الحوار الذي أجراه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون مع يومية لوبينيون الفرنسية (عدد 13جويلية2020) عدة نقاشات وإستفسارات، ومنها الإيحاء بأن عهدته هي عهدة إنتقالية، وهو ما يعني أن الجزائر مقبلة على إحداث تغييرات سلسلة وتدريجية وبخطوات مدروسة في آليات عمل نظامها السياسي، وهذا ما ينتظر تجسيده ميدانيا في سنوات محدودة لأنه حتمية تتطلبه التطورات الإجتماعية للمجتمع الجزائري، وأن الإبقاء على آليات العمل القديمة ستكون إنعكاساتها كارثية على مستقبل الجزائر، كما أثار عدة نقاشات قوله بأن الجزائر تعرضت لإستعمارات عدة، فذكر فقط الروماني والإسباني والتركي في إطار الخلافة ثم الفرنسي، فأضاف بأن الجزائر لن تسمع بتكرار ذلك مرة أخرى.
وفقد أثير نقاش خاصة حول إعتباره التواجد العثماني في الجزائر إستعمارا أو بصفة أدق إحتلالا دون أن يذكر أي من المصطلحين، وهو ما أغضب بعض التيارات الإسلامية التي تعتبره خلافة إسلامية في الجزائر، وأعتبرت ذلك إرضاء منه لفرنسا، لكن يبدو أن هذه التيارات قد أخطأت في قراءتها، ولم تع أن ذلك ليس جديدا في خطاب النظام الجزائري بحكم إختلاف المنطلقات والمرجعيات بين الإسلاميين من جهة والوطنيين سواء كانوا في النظام أو خارجه وضده من جهة أخرى، فالنظام في الجزائر يعتبر ذلك إحتلالا دون أن يصرح بذلك في البداية، فمن غير الممكن أن يفتخر بالأمير عبدالقادر الذي يعد أبرز رمز وطني في الجزائر، والذي كان يعتبرالأتراك إحتلالا وقاومهم أبوه بعدة أشكال، كما رفض أي تعاون مع أحمد باي معتبرا أياه إستمرارية للحكم العثماني، ثم يجد هذا النظام مبررات له، صحيح في بدايات إسترجاع الإستقلال لايصرح بذلك، لأن الجزائر لازلت في إطار صراع حول التاريخ مع الأيديولوجية الإستعمارية، وكان الوطنيون لايصرحون بذلك حول الأتراك كي لايعطوا مبررا وشرعية لفرنسا الإستعمارية، وكي تعتبرها أنها غزت دولة ذات سيادة، وهو ما يتطلب إستعادتها، لكن لم ينس هؤلاء الوطنيون أن الأتراك قد سلموا الجزائر لفرنسا مقابل أخذ ما نهبوه من الشعب الجزائري من ثروات، فلم يكن إلا البعض يصرح علانية أن التواجد العثماني في الجزائر إحتلالا أثناء الفترة الإستعمارية مثل محمد الشريف الساحلي، لأن الظروف الإستعمارية الفرنسية تفرض ذلك، فلندرك ان التاريخ كان يوظف آنذاك في إطار صراع مع الإستعمار الفرنسي الذي كان بدوره يقوم بنفس الشيء لنشر الأيديولوجية الإستعمارية، لكن تجاوزت الجزائر ذلك اليوم بعد عقود من إسترجاع إستقلالها وإعتراف فرنسي لايشوبه أي شك بالأمة الجزائرية وحقها في دولتها وسيادتها على كل آراضيها، ولهذا فهي تعتبر اليوم التواجد العثماني إحتلالا، خاصة في ظرف أنتشرت فيه طروحات الخلافة لدى بعض الإسلاميين، بل دعوات غير مباشرة لمبايعة أردوغان، فلنعلم أن الخطاب التاريخي المروج، وليس التاريخ يخضع في بعض الأحيان للظروف السياسية السائدة، ويتم توظيفه لأهداف سياسية وإستراتيجية، كما يجب علينا الإشارة إلى وجود إختلاف نسبي بين الخطاب التاريخي التركي والجزائري في شأن هذا التواجد، فمثلا الكثير من الأتراك، ومنهم بالأخص داوود أوغلو واضع إستراتيجية تركيا أردوغان يقول صراحة في كتابه "في العمق الإستراتيجي لتركيا" بأن خير الدين بربروس بطل تركي عظيم لأنه تمكن من إلحاق الجزائر بالباب العالي في أسطنبول في1518، وهو إنتصار كبير لتركيا التي أستولت على موقع إستراتيجي هام جدا لها في إطار صراعها مع إسبانيا حول السيطرة على البحر البيض المتوسط، لكن يعتبر الجزائريون ذلك دعما لها ضد خطر إسباني محدق بها، ولو أننا لا ننفي ذلك، لكن لاننفي أيضا أنه هو تلاقي مصالح ظرفية بين الطرفين، لكن استمر هذا التواجد لقرون على حساب الجزائر وإستقلالها وعلى حساب شعبها، فقد كانت المصالح هي المحركة لكل هذه التحركات، فإن كان مجيئها إلى الجزائر هو لدعم الجزائريين ضد خطر خارجي، لكن فلنستذكر أن سيطرتها على عدة بلدان، بل كلها، خاصة مصر والشام في نفس الفترة على يد سليم الثاني الذي سيخلف فيما بعد السلطان سليمان القانوني كان يتم في إطار توسع أمبرطوري عثماني، وتمت بعد حروب دامية قضت على حكام هذه البلدان، ولهذا فكل شعوب المشرق العربي تعتبر العثمانيين إحتلالا وسببا رئيسيا في إدامة تخلفهم، فإن كان علينا أن نشكر الأتراك على مساعدتهم لنا ضد الإسبان، إلا أنه من حقنا أن نطرح سؤالا وجيها هو لما بقوا في الجزائر، ولم يساعدوننا على وقوف الشعب الجزائري على قدميه، بل تم إستبعاده من كل شيء، وحصروا السلطة والنفوذ في يدهم فقط؟، فمن هنا يأتي خطر وجودهم في ليبيا اليوم، فهل سيكررون نفس الأمر هناك ثم في كل المنطقة بعد مساعدتهم حكومة طرابلس ضد حفتر وحلفائه، فلنعلم أن لا وجود لأي مساعدة من أي دولة كانت مهما كانت الروابط فيما بيننا دون ثمن عليها أن تقبضه، بل دائما وراء ذلك مصالح وحسابات إستراتيجية تستغل تلاقي مصالح ظرفية الدولة المساعدة والشعب الذي تساعده، لكن ستتصادم المصالح بينهما فيما بعد، ويمكن جدا أن يصبح إحتلالا بالقوة، فهذا ما وقع بين الأتراك والجزائريين في جزائر القرن16، ويمكن أنه سيقع في ليبيا القرن21.
يرى البعض لما لم يتحدث تبون عن الأمويين، وما يعتبره البعض غزوا للجزائر تحت غطاء ديني، فنحن نقول أنه في بعض الأحيان النظام الجزائري يقوم بأشياء تعبر عن إعتباره غزوا، ولو أن التواجد الأموي في الجزائر لم يستمر طويلا، فالنظام الجزائري منطلقاته وطنية على عكس الإسلاميين الذين منطلقاتهم دينية، فالنظام ومعه الوطنيين سواء بداخله أو خارجه يعتبرون كل مدافع عن الأرض والوطن هو وطني مهما كان دينه، وأن كل محاولة غزو للجزائر هو محاولة إحتلال حتى ولو كان هؤلاء مسلمين، هذا على عكس بعض الإسلاميين، ولا أقول كلهم الذين سيرحبون بأي محتل يرفع لواء الدين وإحياء الخلافة الإسلامية، فلا أحد يمكنه أن ينفي أن النظام في الجزائر منذ1962 وما قبل الإستقلال يرى في الكاهنة التي حاربت الأمويين بطلة ومقاومة وطنية دافعت عن أرضها، فحتى الرئيس بن بلة القريب من القومية العربية يذكرها بإفتخار إلى جانب لالا فاطمة نسومر وحسيبة بن بوعلي وغيرهم من بطلات الجزائر في خطابه أمام النساء يوم 08مارس1963، كما أن الرئيس بومدين هو الذي أطلق إسم الكاهنة على ساحة كبيرة في وهران بدلا للإسم الفرنسي جان دارك، كما وضع لها النظام تمثالا في خنشلة، ودائما ما يفتخر بالكاهنة بصفتها رمزا من ضمن رموز نسائية جزائرية، وتذكر دائما إلى جانب لالا فاطمة نسومر وحسيبة بن بوعلي وغيرها، وتذكر زهور ونيسي عدة مرات كيف كان الرئيس بومدين وأيضا الرئيس الشاذلي بن جديد يشبهونها بالكاهنة، وهو ما يعني في الأخير إعتراف ضمني أن الأمويين غزاة، لكن دون المساس بالإسلام الذي يعتز به الجزائريون، ويعد مكون أساسي من مكونات الأمة الجزائرية إلى جانب كل من العربية والأمازيغية، لكن ما يخفى، ويجب ان يقال لأبنائنا في المدارس التي سيطر عليها الإسلاميين، وحولوها إلى قلعة لهم لتكوين مناضلين وأنصار لهم هو أن الكثير من أجداد الجزائريين كانوا قد أعتنقوا الإسلام قبل مجيء الأمويين بعقود، وذلك بعد ما ذهب وفد منهم إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يسألونه عن هذا الدين الجديد، فعادوا لنشره في صفوف الأمازيغ، وهو الأمر الذي تذكره أغلب مصادر التاريخ الإسلامي، فلا نعلم من يرفض قول هذه الحقيقة التاريخية لأبنائنا وما الفائدة من ذلك؟، بل بالعكس قول هذه الحقيقة سيدعم الوحدة الوطنية أكثر، وسيتم الفصل والتمييز بين الإسلام كدين للإنسانية والأمويين والعثمانيين وغيرهم ممن يستغلون الإسلام لمصالحهم ولتوسعاتهم الأمبرطورية، وهو ما سيكشف في الأخير مدى تعرض الإسلام للإستغلال لخدمة مصالح وتوسعات وإستراتيجيات ونفوذ كما يفعل أردوغان اليوم لخدمة تركيا ومصالحها ومشروعها وإستراتيجيتها لإستعادة نفوذها على كل آراضي الأمبرطورية العثمانية السابقة.

ان إعتبار البعض قول تبون عن الأتراك أنه إرضاء لفرنسا هي محاولة تغليط للرأي العام، فالنظام في الجزائر ليس غبي كي لايقرأ بعض التحولات والمخططات التي تديرها تركيا في المنطقة، ومنها مثلا تغير مواقف إسلاميي النهضة في تونس منذ وصول الأتراك ب15ألف مرتزق إلى ليبيا، فالنهضة تناور اليوم لخلق أزمات في تونس تسمح لها بخلق ظروف لأخذ السلطة كاملة وإقامة نظاما مواليا لتركيا بدعم هذه الأخيرة، كما أن هناك محاولة تركية لجر مصر إلى حرب في ليبيا تسمح بإضعاف النظام المصري وتقوية الإخوان المسلمين فيها بعد ما يصبح الجيش المصري في كماشة بين الأتراك وحلفائهم في ليبيا من جهة الغرب ومن خلفه شرقا جماعات إرهابية مدعومة من الإخوان المسلمين إن لم تكن من تشكيلها كما تعودوا على ذلك عبر تاريخهم الدموي كما أظهروه في سوريا مؤخرا، ومن الممكن جدا أن تكون الجزائر جزء من المخطط التركي، وكل هذا تحت رعاية أمريكية منذ أن خططت هذه الأخيرة لجعل تركيا مركزا للعالم الإسلامي والسيطرة عليه بواسطتها بشكل ناعم وغير مباشر (أنظر مقالتنا " ماوراء الصعود التركي؟" في الحوار المتمدن عدد6590 بتاريخ11/06/2020).
كما انه ليس صحيحا أيضا ما يروجه البعض أن النظام الجزائري اتخذ بذلك موقفا مؤيدا لفرنسا في ليبيا، وكأن محكوم على الجزائر ان تختار طرف من الأطراف المتصارعة، فلنشر أن هذا تفكير المتشرقنين في الجزائر، فمثلا مادام هم موالون لدول مشرقية، فيعتقدون انه من الطبيعي أن كل من ضدهم هو موال لفرنسا، أي لايوجد في تصوراتهم موقف وطني حريص على مصالح الجزائر فقط وضد أي ولاء لأي قوة أجنبية سواء كانت مشرقية أو غربية. فالجزائر موقفها واضح في ليبيا وهو الوقوف نفس المسافة بين كل الأطراف الليبية ودفعها إلى إيجاد حل سلمي بواسطة حوار وطني فيما بينها دون أي إقصاء مع إبعاد كل القوى الأجنبية وتأثيراتها في ليبيا، نعتقد أن الامر الوحيد الثابت في الجزائر منذ 1962 هو بقائها وفية لمبدأ الحياد الايجابي الذي أقرته الثورة التحريرية، والمتفق تماما مع مبدأ عدم الانحياز، ومعناه عدم الوقوف مع أي طرف في أي صراعات دولية أو داخل دول والعمل من أجل حل عادل للأزمات الدولية سلميا، فمثلا أثناء الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينيات كانت الجزائر هو البلد الوحيد ضمن أعضاء جامعة الدول العربية التي وقفت على الحياد، وسعت إلى حل سلمي للحرب الإيرانية-العراقية، فأستشهد بسبب ذلك وزيرها للخارجية محمد الصديق بن يحيى وثلة من خيرة دبلوماسيي الجزائر الذين أسقط صدام حسين طائرتهم عمدا خوفا من إيجادهم حل للأزمة، وهو يعتقد أن الإنتصار على إيران كان في متناول يده، ونجد للجزائر نفس الموقف بعد غزو العراق للكويت في1990، فدفعت ثمنا غاليا، فالجزائر هي هي الدولة الوحيدة التي ليس لها أتباع في منظمة التحرير الفلسطينية أو أثناء الحرب الأهلية في لبنان، ولهذا فهو نفس موقفها اليوم في ليبيا، فعلاقاتها جيدة مع كل الأطراف، وتقف على الحياد فيما بينها من أجل لعب دور إيجابي لحلحلة الأزمة الليبية، ومبدأها معروف برفض أي تدخل عسكري، ولهذا فهي ضد كل الدول المتدخلة في هذا البلد سواء كانت تركيا أو فرنسا أو غيرها، وقد كان تبون صريحا في ذلك في عدة تصريحات له، فإن حافظت على علاقات جيدة مع هذه الدولة أو تلك، فلكي تلعب دورا في حل الازمة الليبية، فلهذا لا تقطع الخيط مع أي بلد من هذه الدول، فالجزائر تريد سلاما في ليبيا بأي ثمن، لأن الحرب هناك ستوثر على أمنها الاستراتيجي، وهي تعرف جيدا أنها حرب بالوكالة بين قوى إقليمية وكبري من أجل خدمة مصالحها على حساب ليبيا ودول المنطقة، ومنها الجزائر، ولهذا تريد حلا ليبيا خالصا بجمع كل الليبيين على طاولة الحوار دون أي تدخل خارجي أو اقصاء لأي طرف كان.
فما يثير الضحك، ويثبت مرة أخرى عدم صلاحية البعض للإختيار، ومنهم الكثير من الجامعيين، بل أساتذة فيها، لأن لو أعطيت لهم حرية الإختيار لأضروا بمصلحة الجزائر، لأنهم سيختارون على أساس الجهوية والدفاع عن العربية أو الدين دون أي إعتبار لهم للكفاءات ومعرفة الرهانات السياسية الوطنية والدولية الكبرى، وقد أتضح ذلك بوضوح عندما قال تبون بأن فرنسا قد أختارت المؤرخ بنجامين ستورا لملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، وأن الجزائر ستختار شخصية مناسبة لها في ظرف72 ساعة، فتهاطلت الترشيحات لمن الكفيل لذلك في مواقع التواصل الإجتماعي، فأستبعدت شخصيات أكاديمية كبيرة جدا وتم ترشيح أناس لايقدرون حتى على قراءة كتب المؤرخ ستورا لأنهم لايعرفون إلا العربية، وما يؤسف له عندما يأتي ذلك من جامعيين همهم هو الدين واللغة العربية والجهة لاغير، وكل ذلك على حساب الجزائر ومصالحها، وهو ما يدل على مدى الضعف الذي حل بالجامعة ودرجة إنتشار الأفكار المتخلفة فيها نتيجة سيطرة تيار أيديولوجي على قطاع التعليم، ويجرنا إلى الوراء، فأثبت لنا النظام بذلكن ولانستبعد ان يكون ذلك الكلام متعمد كي يرسل رسالة أخرى بأنه لو ترك الإختيار الحر للجزائري، فلن يختار الأكفاء، بل سيكرر لنا مرة أخرى تسعينيات القرن20، وان هذا لايخص عامة الناس، بل حتى جامعيين كثر، فهل أراد تبون بذلك توجيه رسالة للمطالبين بمجلس تأسيسي وترك حرية الإختيار كاملة للشعب في مجتمع يختار على أساس عصبيات دينية ولسانية وجهوية، وليس على أساس الكفاءة، ويقوم بذلك ختى من يعتبرون أنهم زبدة المجتمع وفي مجالات أكاديمية بحتة؟، فقد تبين أن تيارات أيديولوجية لا تقيم الأكاديمي على أساس إنتاجه العلمي وكفاءته، بل على أسس عصبيات مختلفة، فهل من المعقول ان يصبح عند هؤلاء أكاديمي كبير معترف به دوليا كمحمد حربي عديم الكفاءة بالنسبة لهؤلاء إلا لأنه ليس من تيارهم الأيديولوجي.
نعتقد أن ما يجب أن يثير نقاشا أوسع في حوار تبون هو قوله بأن الجزائر لن تسمح بتكرار الظاهرة الإستعمارية على آراضيها وتضييع سيادتها وإستقلالها مرة أخرى، لكن يبقى هذا الهدف دون الإجابة عن كيف يتحقق ذلك، خاصة أنه يتطلب دولة وطنية قوية جدا في كل المجالات، كما لم يشر إلى ظاهرة تكرار الإحتلال بعد فترة من طردها المحتل السابق، فهي ظاهرة تحتاج إلى دراسات علمية وأكاديمية مستفيضة لفهم ذلك وتجنبه مستقبلا.
فعادة ما يتكرر سؤال ماذا حققت الجزائر بعد 58 سنة من إسترجاع إستقلالها، وكثيرا ماكانت الإجابة بعدم الإقتناع مما أنجز وتحقق، لكن لم نسأل أنفسنا لماذا؟، وعادة ما نحمل النظام المسؤولية الكاملة، ونهمل عوامل أخرى، لكن في حقيقة الأمر علينا أيضا أن ننظر إلى ذاتنا بنظرة نقدية وأكاديمية، كي نصحح الأوضاع، ونضع قطيعة مع الكثير من العيوب والمعوقات الكامنة في ذاتنا.
فقد كانت الأمة الجزائرية دائما حريصة على إستقلالها عبر تاريخها الطويل، فهي تقاوم كل الغزاة وتطردهم، وذلك منذ الغزو الروماني في القديم الذي عرف مقاومة عنيفة لامثيل لها، وهي تشبه تقريبا نفس المقاومة التي عرفتها ضد فرنسا، وحتى عندما أعتنق الأمازيغ أجداد الجزائريين الإسلام تقريبا مئة بالمئة -وهي الظاهرة الوحيدة في تاريخ الشعوب الإسلامية-، فإنهم رفضوا أن يكونوا تابعين للخلافة الأموية في دمشق آنذاك ثم الخلافة العباسية في بغداد، بل أسسوا أول دولة مسلمة جزائرية مستقلة عن دولة الخلافة سميت ب"الدولة الرستمية"، فكلما تعرض الجزائريين لغزو يتوحدون ويقاومون، فيطردون المستعمر الدخيل، لكن من عيوب الأمة الجزائرية عبر هذا التاريخ وسلبياتها هو أنه بمجرد ما يطردون الغازي الدخيل يعودون مرة أخرى إلى صراعاتهم الداخلية بفعل التقاتل حول السلطة والقبلية والجهوية، كما يقل بذل المجهود في العمل من أجل البناء، ولهذا يمكن أن يوصفوا بأنهم محاربين وحريصين على إستقلالهم، لكنهم لا يعملون من أجل الحفاظ عليه بتقوية الأمة ودولتها، ولهذا لم يحققوا الكثير في ظرف 58سنة مقارنة بالتضحيات الكبرى للشعب، ونتعجب كيف أن الجزائري يضحي بدمه من أجل إسترجاع إستقلاله، ثم يصبح عاجزا عن التضحية بعرقه لبناء الجزائر، فبقيت الجزائر بعد 58سنة تابعة إقتصاديا لا أقول للغرب، بل للنفط، لأنها أبقت هذه الثروة ريعا تتحكم في أسعاره الإقتصاد الغربي، وأصبحت تحت رحمته بدل التفكير في إستثمار أموال النفط لخلق إقتصاد منتج، وعلى رأسها الإستثمار في البحث العلمي والصناعة والزراعة، فتخلق ثروة مستقلة عن النفط أي صناعة وزراعة وطنية، وبتعبير آخر الإنتقال من إقتصاد ريعي مدمر وتابع إلى إقتصاد منتج ومستقل .
أما ثقافيا فيجب أن نشير أيضا إلى عيوب وسلبيات الأمة الجزائرية عبر التاريخ وهي خدمة ثقافة الآخرين بدل خدمة ثقافتها، فبدل أن تنمي ثقافتها الوطنية المعبرة عن هويتها الأمازيغية العربية المسلمة، نجد التبعية الثقافية للخارج، فجزء من الجزائريين يمدون عيونهم إلى الضفة الشمالية للمتوسط أي أوروبا وجزء آخر يمدها إلى المشرق العربي، فيعمل كلاهما على تدمير الثقافة الجزائرية وطمسها، فأحدهما يعمل على تغريب المجتمع الجزائري والآخر يشرقنه نسبة إلى المشرق العربي، ويحتقر كلاهما الهوية الثقافية الجزائرية الحقيقية والواقعية، وليست المستوردة، وما يؤسف له هو أن كلاهما يدخلان في صراعات ثقافية قاتلة، وتصل في بعض الأحيان إلى العنف دون أي إعتبار لثقافتها الحقيقية، وهي ظاهرة تتكرر عبر تاريخنا الطويل أي منذ القدم إلى حد اليوم .
ولهذا يجب على الأكاديميين والمثقفين الخوض والبحث من أجل فهم أسباب هذه الظواهر السلبية في الأمة الجزائرية وإقامة قطيعة معها، لأنها تبدو لنا بأنها من إحدى العوامل التي تعرقل وعرقلت مسيرة الأمة الجزائرية عبر تاريخها الطويل.
فعلى كل الأكاديميين والمثقفين ومراكز البحث أن تفكر في أساليب القطيعة مع هذه السلبيات والمعوقات، وكيف يتم تحويل الإنسان الجزائري إلى الكد والعمل والإنضباط؟، وكيف تلغي عقدته تجاه الغرب والمشرق، ويتحول إلى إنسان متجذر في ثقافته ومتفتح على الأخرين؟ وكيف تقضي على نزعته القبلية والجهوية، وتغرس فيه روح الإنتماء إلى الأمة والمواطنة وقبول الآخر وعدم التعصب إلى درجة الكراهية؟، وبتعبير آخر كيف تضع قطيعة نهائية وإلى الأبد مع هذه المعوقات والسلبيات الأنتروبولوجية التي كانت تتكرر في الماضي، وتتكرر بعد إسترجاع الإستقلال عام1962، وهو ما يجب معالجته وإيجاد الحلول لذلك، فأكيد أن البعض سيطرحون علينا بعد نهايتهم من قراءة المقال: لما لم تساهم أنت في طرح حلول وأكتفيت بالنقد فقط؟، فأرد على هؤلاء أنهم لم يقرأوا لي، فقد ألفنا عدة كتب تاريخية وفكرية وسياسية نناقش فيها هذه المسألة، بل طرحنا بناء على دراسات علمية وأكاديمية مشروعا كاملا لجزائر الغد على الصعيد السياسي والمؤسساتي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وحتى الأمني والدبلومسي، لكن شعوب منطقتنا في عمومها لا تقرأ، ولاتهتم بالأفكار الجادة، فهي تتفاعل أكثر مع ما أسميهم ب"مثقفي وسياسويي العصبيات" بكل أشكالها القبلية والجهوية والدينية والطائفية واللسانية وغيرها، والذين دمروا، وسيدمرون الجزائر ودول المنطقة (عد في ذلك إلى مقالتنا: "مثقفو وسياسويو العصبيات" في الحوار المتمدن عدد5267 بتاريخ27/08/2016). .