الفكر المادي في الحضارة الفرعونية... هل أخطأ ماركس التقدير؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 7 / 18

عندما أراد "كارل ماركس" أن يعود إلى جذور الفكر المادي في الثقافة الإنسانية، عاد إلى الحضارة الإغريقية، واستلهم المبادئ المادية من أفكار الفلاسفة الإغريق؛ ومن بينهم "هيراقليطس" على سبيل المثال. لكن... ألا يوجد احتمال أن يكون "ماركس" قد قصَّر في مجهوداته، ولم يمض في البحث إلى مسافات أعماق في التريخ الإنساني قد تخرج به عن حدود قارته الأوروبية لتصل به إلى شواطئ مصر الفرعونية؟!
ربما من المفيد أن نلقي الضوء بشكل مركز وسريع على ما يمكن تسميته بالجانب المادي من الحضارة الفرعونية؛ فربما اكتشفنا أن "ماركس" كان من الممكن أن يضيف المزيد من الأسس الفكرية إلى نظريته بشأن الشيوعية.

الحضارة المثالية وصدمة الثورة
من المعروف أن الحضارة المصرية القديمة كانت حضارة مثالية؛ فهي تقوم على الإيمان بوجود آلهة، وكذلك بالحياة بعد الموت، إلى جانب وجود "ماعت" التي تشير إلى المنظومة الأخلاقية والفضيلة لدى الفراعنة. إذن هي حضارة مثالية بامتياز يعيش فيها المرء وفق أخلاقيات إنسانية راقية يرتبط فيها بالآلهة. ما الذي أتى بالمادية إذن إلى تلك الحضارة التي تعد معقل المثالية في الفكر الإنساني، إن جاز التعبير؟!
السبب هو فكرة طرحها الكاتب الصحفي المصري الراحل "محمد العزب موسى" في كتابه "أول ثورة على الإقطاع" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013 ضمن سلسلة الإنسانيات في مشروع مكتبة الأسرة. وكان طرح تلك الفكرة في إطار حديث المؤلف عن الثورات التي قامت على الإقطاع في مصر القديمة، وأطاحت بالكثير من الأسس التي قامت عليها الحضارة المصرية القديمة المثالية في مجملها، ويرى أن هناك جذورًا للفكر المادي في الحضارة الفرعونية، ويلتمس لـ"ماركس" العذر في أنه لم يصل إلى تلك الجذور؛ لأن النظرة إلى الحضارة الفرعونية في زمن "ماركس" لم تكن قد تبلورت إلى الحد الذي يمكن معه التعرف على تفاصيل تلك الحضارة وفلسفاتها ومذاهبها الفكرية.
يرى المؤلف أن سبب نشوء الفكر المادي في الذهنية الفرعونية كان بسبب ثورة اشتعلت ضد الحكام الإقطاعيين في الأسرة الحادية عشرة من الدولة الفرعونية الوسيطة. وبعيدًا عن الدخول في تعقيدات مراحل الحضارة الفرعونية، نقول إن الدولة المصرية القديمة انتهت بالأسرة السادسة عام 2263 قبل الميلاد، ودخلت بعده البلاد في عصر يسمى عصر الاضمحلال الأول استمر إلى نشأة الأسرة الحادية عشرة عام 2052 قبل الميلاد مع الوضع في الاعتبار إمكانية وجود فوارق في التقديرات التاريخية بين مرجع وآخر.
يختلف العلماء في توقيت الثورة؛ فهل كان بعد انهيار الأسرة السادسة مباشرةً؟ أم كان في الأسرة العاشرة قبل نشأة الأسرة الحادية عشرة التي شكلت الدولة الوسطى القوية؟ ربما ليس من المجدي في موضوعنا الدخول في التفاصيل التاريخية خاصة أن تلك الفترة بين من الحضارة الفرعونية كانت عسيرة وصعبة ولا تتوافر بشأنها الكثير من المعلومات.

الجانب المادي من الحضارة الفرعونية... هل هو موجود؟!
الثابت إذن أن الثورة قد حدثت في تلك الفترة، وأنها كانت بسبب تردي الأوضاع المعيشية، واختلال العدالة وانهيار المنظومة الأخلاقية؛ وهو ما أثر بالتأكيد على العلاقات الاجتماعية التي راحت تنهار هي الأخرى؛ مما أدى إلى العديد من المراثي للأخلاق والإنسان. وأدت تلك الموجة من الانهيار الشامل نفسيًّا ومعيشيًّا وأخلاقيًّا إلى بدء ظهور حالة من الشك عند البعض في جدوى الحياة، بل كذلك في وجود الحياة الآخرة؛ وهو ما وضح في بردية يطلق عليها المؤرخون "حوار بين إنسان سئم الحياة وبين روحه" يشكك فيها في جدوى الحياة، وفي وجود حياة بعد الموت، لكنه يعود فيخشى على نفسه من الموت، ويرى أن الحل كله يكمن في الاستمتاع بمباهج الحياة.
إذن رأى هذا الإنسان الفرعوني أن الحل يكمن في التعامل مع الحياة من خلال التعامل مع المعطيات المادية التي أمامه؛ فإذا كانت الحياة بهيجة، فليستمتع بها، وإن لم تكن كذلك، فليخلق لنفسه فيها المباهج انطلاقًا مما تمنحه إياه دون النظر إلى غيبيات مشكوك في صحتها؛ فالفيصل في الأمر هو المعطيات المادية التي أمامه.
تزيد تلك الحالة وضوحًا في أنشودة تسمى "أنشودة عازف القيثار" ينعي فيها الحياة، ويشكك في أن هناك حياة آخرة بعد الموت قائلًا إن أحدًا لم يعد منها ليخبرنا بالحقيقة؛ ومن ثم لا حقيقة إلا الحياة المعاشة التي يتعين الاستمتاع بها والتعامل مع معطياتها باعتبارها الوحيدة المضمونة بعيدًا عن أية أمور تبقى محل شك.
في خضم تلك الحالة من الشك والتمسك بالحقائق فقط بدأ تنمو لدى الإنسان الفرعوني دوافع تجعله يطالب بالعدالة الاجتماعية؛ فلا سمو لأحد بسبب مكانة دينية أو أخلاقية؛ فالكل سواء، والكل يستحق أن يعيش؛ لأن الكل بشر يعيش على تلك الأرض، ويتأثر بما فيها، ومن حقه أن يستمتع بما تمنحه من خيرات مثل أي إنسان آخر بدون أي درجة من درجات التفضيل.

ربما يكون ما سبق هو عرض شديد الاختصار للفكرة، لكنه يبقى عرضًا ابتعد عن تعقيدات التاريخ الفرعوني، وكذلك عن ذكر الكثير من التفاصيل التي ربما لا يتسع لها المقام مهما حاول المرء الاختصار أو إطالة الحديث؛ فالحضارة الفرعونية مليئة بالأمور التي تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها وتفحصها بمزيد من التدقيق لاستخلاص مبادئ ربما تخالف ما هو معروف عن تلك الحضارة؛ مثلما فعل مؤلف الكتاب.
الفكر المادي كامن في نفوس البشر، والمعطيات المادية تبقى لدى الكثيرين هي المحك الرئيسي والوسيلة الوحيدة الصالحة للحكم على الأمور. وحتى من بين من يتبنون الفكر الديني المتمسك بالغيبيات يمكن العثور على من يستطيع إيجاد آلية يمزج بها بين التفكير المادي والتفكير الغيبي بما يؤكد أن المعطى المادي هو أحد مكونات العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتخلى عنه مهما كانت مدرسته وقناعاته الفكرية.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار