(حوارات 2) إدغار موران: لا بد من عهد جديد يقطع مع النيوليبرالية* -ترجمة عبد المجيد السخيري

عبد المجيد السخيري
2020 / 7 / 18

يسير إدغار موران في هذا الحوار على نفس النهج الذي دأب عليه منذ سنوات بعيدة وهو يتناول الأزمات الكبرى لعصرنا، غير أنه يبدو هذه المرة أكثر تشديدا على مسؤولية العولمة فيما آلت إليه أحوال الانسانية من انحطاط وتدهور، بقدر ما هي مسؤولة عن تدمير البيئة وإشعال فتيل الحروب، غير أنه يقف في منتصف الطريق ولا يصل إلى حد إدانة النظام الرأسمالي في حد ذاته، المسؤول الأول والأخير عن كل الشرور التي تواجهها اليوم الانسانية على مستوى الكوكب. وتلك واحدة من بين نقاط ضعف الفكر المركب الذي يبشر به الفيلسوف منذ سنوات بعيدة.

نص الحوار:

-ما هو الدرس الرئيس الذي بوسعنا أن نستخلصه من جائحة فيروس كورونا إلى غاية هذه المرحلة؟

-إدغار موران: تكشف لنا هذه الأزمة أن العولمة هي حالة من التبعية المتبادلة من دون تضامن. فحركة العولمة أنتجت من دون شك توحيدا تقنو-اقتصاديا للكوكب، غير أنها لم تسهم في تقدم التفاهم بين الشعوب. ومنذ بداية العولمة، في سنوات التسعينيات، سادت الحروب والأزمات المالية. وقد خلقت المخاطر الكوكبية- البيئة، الأسلحة النووية، الاقتصاد غير المنظم- المصير المشترك بالنسبة للبشر، غير أن هؤلاء لم يعوا تلك المخاطر. واليوم ينير الفيروس على نحو مباشر ومأساوي ذلك المصير المشترك. فهل سنعي الأمر في نهاية المطاف؟ إننا نشهد، بسبب غياب التضامن الدولي والمؤسسات المشتركة الموكول لها اتخاذ التدابير ذات الصلة بالجائحة، انغلاقا أنانيا للأمم على نفسها.

-تحدّث الرّئيس ماكرون في خطابه عن خطر “الاِنطِواء القومي"....

-إ. م: لأول مرة، نحن إزاء خطاب حقيقي للرئيس. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالاقتصاد وبالمقاولات إنما أيضا بمصير جميع الفرنسيين، بالمرضى ومقدمي العلاجات، وبالعمال الذين حاصرتهم البطالة الجزئية. ويمثل تلميحه لنموذج التنمية الذي ينبغي تغييره نقطة البداية. بيد أن ترياق الانطواء القومي ليس هو الانطواء الأوروبي طالما أن أوروبا عاجزة عن تحقيق الوحدة حول هذا الأمر، بل هو تشييد أشكال التضامن الدولي، وهو ما بدأه الأطباء والباحثون من جميع القارات.

-ما هي بنظركم التغييرات التي ينبغي القيام بها؟

-إ. م: يخبرنا لنا فيروس كرورنا بإلحاح أن الانسانية جمعاء يجب أن تجدد البحث عن طريق جديد تتخلى بموجبه عن المذهب النيوليبرالي من أجل اتفاق جديد New Deal سياسي اجتماعي، وإيكولوجي. وسيحافظ الطريق الجديد ويعزز الخدمات العمومية مثل المستشفيات، التي تعرضت منذ سنوات في أوروبا إلى تقليصات طائشة. وسيصحح الطريق الجديد أثار العولمة بإقامة مناطق غير معولمة من شأنها حماية مناطق استقلال ذاتي أساسية...

-ما هي هذه "المناطق الأساسية للاستقلال الذاتي"؟

-إ. م: لا بد أولا وقبل كل شيء من اكتفاء ذاتي غذائي. ففي حقبة الاحتلال الألماني، كانت لدينا زراعة فرنسية متنوعة سمحت بتغذية السكان دون بلوغ المجاعة بالرغم من عمليات الافتراس الألماني. واليوم علينا أن نجدد ذلك التنوع. وتأتي بعدها الاستقلالية الذاتية الصحية. فكثير من الأدوية، في أيامنا، يتم تصنيعها في الهند أو في الصين ويتهددنا خطر الخصاص منها. وعليه ينبغي أن نعيد توطين كل ما حيوي بالنسبة لأي أمة.

-هل تفاقم العولمة الأزمة الصحية في صورة أزمة عامة؟

-إ. م: هذا ما قد حصل بالفعل. فعندما يقرر بوتين أن يبقي على الانتاج الروسي للبترول في مستواه، يؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار في السعودية والولايات المتحدة بحيث من الوارد أن تتعرض تكساس لمصاعب جليلة وربما أدت إلى خسارة ترامب للرئاسيات. ويطال الذعر أيضا الماليين، وهو ما يتسبب في انهيار أسواق الأسهم. ونحن لا نتحكم في هذه التفاعلات المتسلسلة. فالأزمة الناشئة عن فيروس كورونا تعمق الأزمة العامة للبشرية التي تمكنت منها قوى لا تخضع لأي رقابة.

-إذا ما قارناها بالأنفلونزا الاسبانية 1918-1919، التي كانت موضوع تكتم حقيقي من قبل السلطات من خلال قانون الصمت، نجد بالأحرى أن الحكام تحلوا بالشفافية... أليس ذلك من الأثر الإيجابي للعولمة؟

-إ. م: في زمن الأنفلونزا الاسبانية، لم ترد الحكومات أن يكون السكان، وبالخصوص المقاتلين منهم، على وعي بالوباء. ولعل هذا التعتيم مستحيل اليوم، حتى أن النظام الصيني لم يفلح في حجب المعلومة بمعاقبة البطل الذي أطلق الإنذار... وقد سمحت لنا شبكات التواصل الاجتماعي من أن نكون على اطلاع بتقدم الجائحة في كل بلد. إلا أن ذلك لم يطلق تعاونا على مستوى أعلى. انطلق فقط تعاون دولي عفوي بين الباحثين والأطباء. ومنظمة الصحة العالمية مثلها مثل الأمم المتحدة غير قادرة على توفير وسائل المقاومة للبلدان الأكثر حرمانا منها.

-"لقد عدنا إلى زمن الحرب": توظف هذه الجملة غالبا لوصف الوضع بإيطاليا وفرنسا. وقد عرفتم هذه الفترة. فما الذي يوحيه به لك هذا التشبيه؟

-إ. م: في ظل الاحتلال، كانت هناك ظواهر الحجز والحجر الصحي، وكانت ثمة أحياء معزولة... لكن الاختلاف الكبير مع اليوم، أن تدابير الحجر الصحي كانت مفروضة من قبل العدو، بينما هي الآن تفرض على العدو، أي الفيروس. فخلال بضعة أشهر من الاحتلال الألماني، بدأت تظهر التقييدات على الامدادات. نحن لم نصل إلى هذا، بالرغم من وجود بوادر الهلع. لكن إذا استمرت هذه الأزمة، مع تراجع تقليص تقل البضائع على المستوى الدولي، فيمكننا نوقع العودة إلى توزيع الحصص التموينية. وهنا يتوقف التشابه. فنحن لسنا بصدد النوع نفسه من الحرب.

-لأول مرة منذ 1940، تم إغلاق المدارس والجامعات ...

-إ. م: نعم، إنما في ذلك العهد، كان الإغلاق جد مؤقت. ففي شهر يونيو/ حزيران وقعت هزيمة فرنسا، بالتزامن مع بداية العطلة، وفي أكتوبر / تشرين الأول أعيد فتح المدارس.

-ماذا يمكننا أن ننتظر من الحجر الصحي؟ الخوف؟ انعدام الثقة بين الإفراد؟ أو ، على العكس، تطوير علاقات جديدة مع الآخرين؟

-إ.م: نحن في مجتمع حيث تدهورت البنيات التقليدية للتضامن. وأحد أكبر المشاكل يتمثل في استعادة صور التضامن بين الجيران، بين العمال، وبين المواطنين... ومع الإكراهات التي تجثم علينا، ستتقوى أشكال التضامن بين الآباء والأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة، وبين الجيران... وإمكانياتنا على الاستهلاك سيتم ضربها ويجب أن نستفيد من هذا الوضع لإعادة التفكير في النزعة الاستهلاكية، وبعبارة أخرى الإدمان، "الاستهلاك المخدر"، وتسممنا من جراء منتجات بلا فائدة حقيقية، ومن ثم نتخلص من الكم لصالح الكيف.

-ومن المحتمل أيضا أن تتغير علافتنا بالزمن...

-إ.م: أجل. فبفضل الحجر الصحي، وبفضل هذا الزمن الذي نوفره لأنفسنا، الذي لم يعد مفروما، ومحسوبا بدقة، هذا الزمن الذي يفلت من قبضة الميترو-الشغل-النوم، نستطيع أن نستعيد ذواتنا، ونرى ما هي احتياجاتنا الأساسية، ونعني: الحب، الصداقة، الحنان، التضامن، شعر الحياة... لعل الحجر الصحي يعيننا على الشروع في إزالة السموم من نمط حياتنا، وأن نفهم أن الحياة الجيدة، هي أن نجعل "أنا" تزدهر، إنما دائما ضمن "نحن" المتنوعة.

- أخيرا، هل يمكن أن تكون هذه الأزمة بشكل مفارق شافية؟

-إ.م: لقد تأثرت للغاية وأنا أرى النساء الإيطاليات وهن يرددن، من شرفاتهن، نشيد الأخوة « Fratelli d’Italia » ("إخوة إيطاليا"). يجب علينا أن نستعيد تضامنا وطنيا، ليس منغلقا وأنانيا، بل منفتحا على مصيرنا المشترك "على الأرض"... فقبل ظهور الفيروس كانت للكائنات الحية من جميع القارات نفس المشاكل: تدهور المحيط الحيوي، انتشار الأسلحة النووية، والاقتصاد غير المنظم الذي يزيد من عدم المساواة... هذا المصير المشترك قائم، لكن بما أن النفوس قلقة، فهي بدلا من الوعي بهذا المصير، نجدها تلجأ إلى التحصن بالأنانية الوطنية أو الدينية. بالطبع، لا بد من تضامن وطني، وأساسي، لكن إذا لم نفهم أن ثمة حاجة لوعي مشترك بالمصير الانساني، وإذا لم نتقدم في التضامن، وإذا لم نغير على مستوى الفكر السياسي، فإن الأزمة الانسانية ستزداد حدة. رسالة الفيروس واضحة. والويل إذا كنا لا نريد الإصغاء إليها.

*العنوان من اقتراح المترجم

-النص الاصلي:
Edgar Morin : « Le confinement peut nous aider à commencer une détoxification de notre mode de vie » , Par David Le Bailly et Sylvain Courage, Publié le 18 mars 2020 .
الرابط
https://www.nouvelobs.com/coronavirus-de-wuhan/20200318.OBS26214/edgar-morin-le-confinement-peut-nous-aider-a-commencer-une-detoxification-de-notre-mode-de-vie.html

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت