البطالة تفترس الطبقة العاملة وتحد من إمكانات النضال؛ من أجل برنامج مطلبي للنضال. بقلم وائل المراكشي

المناضل-ة
2020 / 7 / 16

"هل هناك من يضع سيرتي المهنية (cv) لدى شركات الكابلاج؟"، "أيها الإخوان، أنا حارس أمن خاص، شهور لم اشتغل، هل هناك شركة تقوم بالتوظيف؟"... تدوينات قصيرة، لكنها تُعدُّ بالمئات في الصفحات العمالية على الفايسبوك. تشير التدوينات وَحِدَّةُ الرجاء إلى عمق الأثر النفسي للأزمة الاجتماعية التي أحدثتها الأزمة الصحية (كورونا) والاقتصادية واستغلال أرباب العمل لها للتخلص من أقسام من الشغيلة وتشديد استغلال أقسام أخرى.
يضطر القسمُ المُسَرَّح إلى قبول أي عمل مهما كان، بينما يحني القسم المشتغل رأسه أمام تشديد ظروف الاستغلال (تمطيط ساعات العمل، تخفيض الأجور، غياب وسائل الوقاية والسلامة...) مخافة تسريحه. فالجيش الاحتياطي الكبير لطالبي- ات الشغل يضغط على المعنويات ويحد من إمكانات الاحتجاج بالنسبة للمشتغلين- ات، بينما يزيد حدة التنافسية والفردانية بين طالبي- ات الشغل تحت شعار "لينج بنفسه من استطاع".
يستدعي الأمر مواجهة طبقية صريحة لخطة أرباب العمل ودولتهم تحميلَ كلفة الأزمة الاقتصادية والصحية للشغيلة، ورفع مطالب تحافظ على مناصب الشغل القائمة بينما تخلق أخرى وفي نفس الوقت آليات للتعويض عن البطالة، يتحمل كلفتَها الرأسماليون ودولتهم:
- تقليص جذري لساعات العمل دون تخفيض الأجور.
- توزيع إجمالي ساعات العمل على إجمالي القوة العاملة (سواء كانت مشتغلة أو في حالة بطالة)
- أداء كامل الأجر للأشخاص الذين يضطرون للتوقف عن العمل.
- ترسيم المؤقتين- ات وإلغاء عقود التدريب وأنابيك في القطاع الخاص وإدماج المفروض عليهن-هم التعاقد في أسلاك الوظيفة العمومية.
- إلغاء الساعات التضامنية المفروضة على شغيلة التعليم العمومي (8 ساعات أسبوعية) وتخصيصها لخلق وظائف جديدة.
- خلق صندوق تعويض عن البطالة يُمَوَّلُ من ضرائب تصاعدية على الثروة والمداخيل العليا.
- إلغاء الهدايا الضريبية والتسهيلات الائتمانية المقدمة لأرباب العمل التي أقرها مشرع قانون المالية التعديلي 2020، وتوجيهها نحو الاستثمار العمومي في القطاعات الضرورية (صحة وتعليم وبنية تحتية) لخلق وظائف قارة.
يقوم هذا المنظور المطلبي على الدفاع عن مصالح الشغيلة بغض النظر عن كلفة هذه المصالح على الوضعية المالية للمقاولات، وإن وجدت هذه الأخيرة نفسها في حالة عجز مالي أو ادعت ذلك، نرفع مطلب تشريكها ومصادرتها تحت رقابة عمالية وشعبية بدل استعمال المالية العمومية (الممولة من ضرائبنا) لإنقاذها.
يحتاج هذا المنظور المطلبي إلى نضال طبقي شروطه صعبةٌ حاليا، بسبب الوضع النقابي واستسلام كلي لقيادات النقابات ومرافقتها لهجومات أرباب العمل ودولتهم بدل مواجهتها، ولكن أيضا بفعل هبوط شديد لمعنويات الشغيلة إثر التسريحات وتفاقم البطالة.
تبين الأرقام حجمَ الكارثة الاجتماعية. بلغت نسبة البطالة %10.5 من إجمالي القوى العاملة في الربع الأول من 2020، بدل %9.1 في الفترة المقابلة من 2019. وقدرت المندوبية السامية للتخطيط ارتفاع عدد العاطلين- ات عن العمل بـ 208 آلاف فرد في الربع الأول من 2020 على أساس سنوي. هكذا بلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل نهاية مارس الماضي 1.292 مليون فرد، ارتفاعا من 1.084 مليون في الربع الأول من 2019.
وستؤدي "خطة الإقلاع الاقتصادي" التي فصلها مشروع قانون المالية التعديلي إلى ارتفاع نسب البطالة، خاصة أن التوظيف العمومي قد جرى تجميده بمبرر "الأزمة المالية وضرورة إعادة توجيه النفقات العمومية حسب الأولويات".
كما أن أرباب العمل- رغم نواح وبكاء البيروقراطيات النقابية- لن يلتزموا بـ"الحفاظ على مناصب الشغل" الذي وضعه مشروع قانون المالية التعديلي شرطا للاستفادة من التسهيلات الائتمانية والجبائية. يفكر رب العمل بنفس منطق قائد الحرب: ضُعف العدو فرصةٌ لا يجب تفويتها لاكتساب المزيد وتقوية المواقع. لا تنعكس المعنويات المنحطة التي تؤدي إليها البطالة شفقةً وطيبةً عند أرباب العمل، إنما يعتبرونها فرصة للمزيد من الهجوم (تسريحات، المزيد من المرونة...).
يستعمل أرباب العمل ودولتهم شعارات مثل "ضرورة الحفاظ على مناصب الشغل"، للاستجابة لقابلية الانخداع لدى البيروقراطيات النقابية، التي تفضل الاستجداء على أي مناوشة نضالية قد تعكر صفو "السلم الاجتماعي" و"الاستقرار السياسي" العزيز على قلوبها. وهو ما عبر عنه محمد حيتوم، مستشار برلماني عن الاتحاد المغربي للشغل، في تصريح لموقع القناة الثانية "نراهن على العمليات التي أفرزتها الأزمة ذاتها؛ أولها الدور الاجتماعي الذي قامت به الدولة، في إدارتها للجائحة، والذي أظهرت فيه وجهها الاجتماعي، يجب أن يستمر، لأنه خلق جوّا تضامنيا مجتمعيا كبيرا، وثانيا رفعت منسوب الثقة بين المواطنين والمؤسسات".
إن مواجهة حقيقية للبطالة والتسريحات تستدعي تجميعا فعليا لقوى طبقتنا المشتتة، تجميع تتدخل فيه أدوات نضال الشغيلة الكفاحية والديمقراطية (فروع نقابية، تنسيقيات، تجمعات مناضلين- ات نقابيين- ات كفاحيين- ات...) وقوى اليسار المنتسب للطبقة العاملة والجمعيات الحقوقية. وأولى مهامنا النضالية هي خلق "لجان المسرحين- ات" لجان موحدة تحظى بنصرة غير مشروطة من طرف النقابات العمالية (فتح مقرات، صندوق تضامن مالي، المشاركة الفعالة وليس فقط التضامنية في خطوات النضال...).
كما يطرح النضال ضد البطالة مهمةَ إحياء "الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب" وباقي الأدوات الأخرى (مجموعات المجازين والأطر العليا) وضرورة التدخل في الحركة الطلابية ببرنامج للنضال يدرج النضال الطلابي في أفق ما بعد الجامعة، وهي مهمة مطروحة، بالدرجة الأولى، على قوى اليسار الجذري وتشكل أرضية حقيقية لتنسيقي نضالي فعلي بينها.