الثالوث المسيحي والعقل الإنسانى

منسى موريس
2020 / 7 / 16

ماهو " الثالوث المسيحي " ؟و هل يتناقض مع العقل ؟ هل يتضمن هذا التصور عن الله أية إشارات لتعدد الآلهة ؟ هل المنطق والرياضيات يتعارضان مع الثالوث؟وهل هو عقيدة دخيلة على المسيحية؟ وماهى الإشكالات التى يتخذها البعض ضد هذا التصور عن الألوهة ؟
لقد كانت عقيدة الثالوث على مدار تاريخ الفكر المسيحي تُمثل إشكالية ليست فقط بالنسبة لغير المؤمنين بالمسيحية لكن بالنسبة لبعض المسيحيون أيضاً وهذه الإشكالية ساعدت في فتح أبواب النقد للمسيحية ذاتها بإعتبار أن التصور المسيحيى عن الله غير مفهوم أو متناقض حسب مايرى الشخص الناقد ، وأصبح الكثير من المؤمنين بالمسيحية يؤمنون " بالثالوث " إيماناً قلبياً لا يعتمد على البرهان والدليل العقلي وللأسف هذا النوع من الإيمان الذى لايحتكم إلى الدليل لن يُجدى نفعاً مع العقول التي تبحث وتُفتش عن الحقيقية وقد يُجلب لصاحبه أيضاً أنواع كثيرة من الشكوك والحيرة والتخبط لأن العقل لايُمكن أن ينفصل بالكلية عن الذات الإنسانية .
أولاً : الثالوث ليس إختراعاً : هناك من يعتقد أن الثالوث هو إختراع لم يكن له أصل في الوحى لكن جاء في وقت متأخر ووضع من قبل آباء الكنيسة ويأخذون " مُصطلح الثالوث " كدليل على أن هذا التصور عن الإله مجرد إستحداث لشىء لم يكن له وجود في النص كون الكتاب المقدس نفسه لايرد فيه هذا المُصطلح ، ومن يطالع الكتاب المقدس سواء في العهد القديم أو الجديد يجد أن الله حسب التصور اليهودى المسيحيى كياناً واحداً ولكن هذه الوحدة ليست مفردة بل جامعة فنجد " الآب والأب والروح القدس " وهؤلاء الثلاثة نجد لهم أدوراً وبينهم حوارات وعلاقات تفاعلية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر مثلاً نجد في(سفر إشعياء 48: 16) تقدموا إلي. اسمعوا هذا: لم أتكلم من البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك» والآن السيد الرب أرسلني وروحه.) وهنا نرى أن الأبن موجود منذ الأزل أي منذ وجود الآب وكذلك روح الله ، وفى العهد الجديد نجد في (إنجيل لوقا 3: 22) ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة. وكان صوت من السماء قائلا: «أنت ابني الحبيب، بك سررت».) وهنا تجلى واضح لا لبس فيه أن وحدانية الله ليست مفردة بل جامعة لثلاثة " أقانيم " فالثالوث ليس إختراعاً أو شيء فُرض على النصوص ولكن النصوص هي التي فرضت هذا التصور على العقل ووجود هذا المُصطلح في وقت متأخر ليس إلا لصياغة وشرح ماورد في النص عن التصور الإلهي فلولا وجود هذا التصور في الوحى ماكان لمُصطلح مثل هذا أن يظهر، فوجود الشىء لا يتقيد بصياغته أو بتسميته فمن من الممكن أن يوجد الشىء ثم بعد ذلك نصك مُصطلجات لشرحه ولوصفه ، فالنظريات العلمية التي تصك مُصطلحات لشرح أمور كونية معينة هذا لا يدل على أن هذه الأمور الكونية مُستحدثة بل وجود النظريات والمُصطلحات الهدف منها بناء تصور دقيق مُحكم لشرح ماهو موجود.
ثانياً ماهو " الثالوث": أول من صك هذا المُصطلح " Trinitas" كان العلامة " ترتليان " في كتابه "الرد على براكسيس " و (كُتب حوالي 213) كان غرضه من هذا الرد هو توضيح وحده الجوهر الإلهى مع تمايز الأقانيم لأن " براكسيس
« ألغى التمييز بين الأقانيم وأعتقد أن الآب والأبن هما إسمان لوظيفتين مختلفتين لله الواحد »(1) والأقنوم " هيبوستاسيس" يُعنى ما يقوم عليه الجوهر و حسب الفكر اللاهوتى هو " شخص " ولكن ليس شخص بالمعنى الذى نستعمله اليوم فعندما نقول ثلاثة أقانيم لانقصد ثلاثة أشخاص لهم جواهر وكيانات مختلفة ومتمايزة لكن ثلاثة أشخاص لهم نفس الجوهر والطبيعة الإلهية الواحدة فلا تمايز وإختلاف في الطبيعة الإلهية لأن الثلاثة واحد في الجوهر والتمايز لا يقع إلا في الأدوار بين الأقانيم " الأشخاص " فالإبن مولود أزلاً كذلك الروح القدس منبثقة أزلاً والفرق بين الولادة والإنبثاق ليس فرقاً في جوهرهما الإلهى أو طبيعتهما الأزلية ولكن في صدور كل منهما من الجوهر .
ثالثاُ. هل الثالوث تعدد آلهة : هذا الإعتراض مبنى على فرضية أن (1+1+1= 3) ولكن نحن المسيحين لانجمع بين جوهر الطبيعة الإلهية ف (1 × 1 × 1 =1) فالثالوث يكون تعدد آلهة في حالة واحدة إذا قلنا بتعدد جواهر الألوهية ولكن نحن نقول " بجوهر إلهى واحد وكيان وحيد لامتناهى" والذين يؤمنون بتعدد الآلهة يؤمنون بتعدد الكيانات والجواهر والإرادة ويفصلون ويميزون بين كل إله والآخر .
رابعاً المنطق والثالوث : من الإشكالات التي يوردها البعض على " الثالوث " القول بأن الثالوث يتناقض مع المنطق كون الإله لايمكن أن يكون واحداً حسب هذا التصور الثالوثى ، لكن نكون متناقضين حقاً في حالة قولنا بعدة كائنات إلهية وفى نفس الوقت نقول إله واحد ولو فعلاً نحن نؤمن بثلاثة آلهة مالذى يمنعنا ويجعلنا لانصرح بهذه الحقيقة؟ ، لكن الإله المسيحيى " كائن واحد ثلاثى الأشخاص " والتمايز ليس في الأصل والكيان لكن في الفرع أي في كل أقنوم وهذا التمايز في الدور يصنع الكمالية المُطلقة ويقول " القديس غريغريوس النيسي " «إن الآب لايمكن إدراكه بدون الأبن ولا الأبن بدون الروح القدس »(2)
ومن الإنتقادات المنطقية الفلسفية التي صاغها " الفيلسوف الكندى " إفترض أن الإختلافات بين الأقانيم تدل على تركبيها« وكل ما هو مُركب فإنما يكون مركباً لعلة و لايُمكن أن يكون معلولاً علة قديمة »(3) و عقلاً لايُمكن أن يكون الثالوث قديماً أزلياً لأنه يتضمن تراكيب حسب الكندى ، وقد فند الفيلسوف والمنطيق " يحي بن عدي " هذا الدليل لأن الكندى إفترض أن الأقانيم جاءت نتيجة تراكيب ويقول يحيى بن عدي«الجوهر يتصف بكل واحد من هذه الصفات قديمة ودون أن تكون حاصلة فيه أي الجوهر بعد أن لم تكن» (4)
خامساً . إشكال التعقيد : يُطرح من قبل الكثيرين ومضمون هذا الإشكال أن هذا التصور عن الله مُبهم ومُعقد وليس بالبسيط والسهل ويتخذون منه دليل على بطلان هذا التصور عن الله ، ومن الناحية العقلية هذا الإشكال لايستقيم لانه لا يوجد إقتران بين ما هو صحيح وبين ما هو بسيط لأن من الممكن أن يكون الشىء المُعقد صحيح أيضاً والكثير من النظريات العلمية قد تكون مُعقدة وغير مفهومة بالنسبة للسواد الأعظم من الناس لكنها في نفس ذات الوقت صحيحة ، ويجب أن لا ننسى أننا نتحدث عن الإله الغير محدود واللامتناهي .
سادساً. العقل والثالوث : هل من الممكن عقلاً وجود " كائن واحد ثلاثى الأشخاص"؟ يقول " سى أس لويس " « تعلمون أنكم في الفضاء (أو الفراغ) تستطيعون أن تتحركوا في ثلاثة اتجاهات: إلى اليسار أو اليمين، إلى الوراء أو الأمام، إلى فوق أو إلى تحت. وكل اتجاه فهو إما واحدُ من هذا الثلاثة، وإما منزلة وسط بينها. وتُدعى هذه الاتجاهات “الأبعاد الثلاثة”. فلاحظ ما يلي الآن. إذا كنت تستخدم بُعداً واحداً فقط، يمكنك أن ترسم فقط خطاً مستقيماً. وإذا كنت تستخدم بُعدين، يمكنك أن ترسم شكلاً مُسطّحاً، كالمربع مثلاً. والمربع يتكون من أربعة خطوط مستقيمة. ولنخط الآن خطوة أخرى إلى الأمام. إذا كان لديك ثلاثة أبعاد، ففي وسعك عندئذ أن تبني ما ندعوه شكلاً مجسّماً، كالمكعب مثلاً: شيئاً يُشبه النرد (زهر الطاولة) أو مكعب السُكر. ومعلوم أن المكعب يتكون من ستة مربعات هل فهمت المقصود؟ إن عالماً ذا بعد واحد من شأنه أن يكون خطاً مستقيماً. وفي عالم ذي بُعدين، ما تزال تحصل على خطوط مستقيمة، ولكن بضعة خطوط تكون شكلاً ما. أما في عالم ثلاثي الأبعاد، فإنك ما تزال تحصل على أشكال، ولكن بضعة أشكال تكوّن مجسّماً واحداً. وبكلمة أخرى: إذا تقدمت إلى مستويات أكثر واقعية وأكثر تعقيداً، فأنت لا تتخلى عن الأشياء التي وجدتها على المستويات الأبسط، بل ما تزال تلك لديك إنما متشكلة بطرق جديد بطرق ما كنت لتتصورها لو لم تعرف سوى المستويات الأبسط»(5) فالعقل لايقطع بإستحالة وجود كائن ثلاثى الأشخاص لأن هذا ممكن في عالم الأبعاد وكون عدم وجود كائن ثلاثى الأشخاص في هذا العالم لايبرهن على عدم مصادقية التصور فلايوجد كائن نراه في هذا العالم كلى الوجود لكن هذا لاينفى أن الوجود الإلهى عقلاً هو بالضرورة كلى الوجود فعقلياً لا يوجد ما يمنع أن يكون الإله واحد ثلاثى الأقانيم.
سابعاً . التطبيق البراجماتى للتصورات عن الله : دعونا نتقدم خطوة عملية إلى الأمام ونحكم على التصورات النظرية عن الله من الناحية التطبيقية ماهو الضرر الذى يقع على الإنسان نتيجه إيمانه بأن الله واحد في ثالوث ؟ خاصة أن البشر يتعاملون مع صفات الإله أكثر من طبيعة تكوينه ؟ وإذا كانت صفات الإله الشخصية هي الأهم لأنها هي التي ستنعكس على الوجود البشرى وتغير حياته سواء للأفضل أو للأسوأ و هذا هو الضرورى ، فالإنسان في حياتة الروحية والتعبدية يتعامل مع الله كصفات وليس كطبيعة وهذا الصفات هي التي تُشكل الإنسان من الداحل وتكون هي المرجعية الأخلاقية بالنسبة له والمنظور الوجودى الذى من خلاله يرى الإنسان العالم والوجود وهذا ، فالتصور المسيحي عن الله و العالم مبنى على الحب والحب هو علة الوجود وهذه القيمة التي تنبع من اللاهوت المسيحي ليست قيمة ضارة بل على العكس هي المُحركة والأساس للحياة وللوجود ، ومن هذه الناحية التطبيقية فلا يمكن أن نستشكل على هذا التصور مادام لا يُخالف العقل أو يبث في الإنسان أي قيمة من الممكن أن تؤثر على وجوده بالسلب بل على العكس يبث كل قيم الحب وهذا يُغير حياة الإنسان إلى الأفضل فينتقل من الشر إلى الحير ومن الكراهية إلى الحب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر
1- تاريخ الفكر المسيحيي عند آباء الكنيسة ص(238) وضعه " الأب حنا الفاخورى والأب جوزيف العبسى والمطران لويس بسترس" منشورات المكتبة البوليسة طبعة أولى (2001)
2- الوحدة والتمايز في الثالوث القدوس ص(70) سعيد حكيم يعقوب ، مطبعة جة سى سنتر.
3- فلسفة المتكلمين : هارى .أ. ولفسون : المجلد الأول ص (447) طبعة ثانية المركز القومى للترجمة 2009
4- نفس الملاجع نفس الصفحة .
5-المسيحية المجردة : سى أس لويس ص (238، 239) دار أوفير للنشر.