العاصفة والكلاب .

عبد الغني سهاد
2020 / 7 / 14

العاصفة والكلاب..
الرعد والبرق يترادفان على السحب الكئيبة في السماء القريبة والارض كانت ترتجف..تحت اقدام طيف..ملفوف في ثياب بالية كانه فزاعة تحركها قوة الريح..كان يحذق في الاعالي يتمنى ان يحلق في البعيد..وهو يعبر الجسر الطويل..الجسر يكاد لا ينتهي..وصوت الرعد والبرق يزيدان من وحشة المكان..يعرف نفسه جيدا..عارف بجنونه وبروكبه الاخطار..عارف انه سيصل الى غايته عند الانتهاء من عبور الجسر..عارف انه شديد الاختلاف عن هلوسات ذلك الرجل المسعور ..الذي روع الاسواق والكنائس..بحثا عن ما سماه الاهه..لقد كان الطيف ذي الاسمال المفزعة لايحمل شيئا..من السعار سوى افكاره وامال في الوصول الى نهاية الجسر..ولم يكن يحمل فانوسا او مشعلا..كانت ظنونه حول الاخلاق الفاضلة هي كل راسماله ..ولم تكن له صفات..و القماش المتهدل على راسه يخفي كل ملامح وجهه...وهو لا يشبه الناس..كان لا يتكلم..يسير صامتا..لا يلتفت الى وراءه ..ويركل هنا وهناك الحصى و حجارة ..ويطأ اعشاب يابسة تعترضه في طريقه ..ويحدث قلبه ان هذا الطريق يتمدد ويطول اكثر مما كان عليه في السابق من الايام..وفي عنان السماء يسمع صخب البرق والرعد كانهما يتخاصمان في اعلى القمم المجاورة..وينتظربصبر بداية هبوب قطرات اولى من الغيث..الا ان الغيث لا يزال لم يتخد قراره في الهطول...والارض عطشى تحت اقدام الطيف...!وكان يسير بثبات قل نظيره..بين بني البشر..خطوة ..وراء خطوة وهو يحدث قلبه..كارها ذكر كلمة البشر.اذا كان الامل والايمان والجلد كلها ملازمة للحياة ..فكيف ان غالبية البشر يفتقدونها..والحب ...بدله الاوغاد بالكراهية..والكذب ..لا يحب البشر سوى عبوديتهم وتبعيتهم..هذا ما اصبح يميز هذا الانسان..كان الطيف صغيرا ولم يكن يعرف هذا الاختراع البشري.. الذي يسمونه بالكذب..هل هي بداية حقبة يكف فيها البشر عن ان يكونوا بشرا..وانهم بدون وعي منهم تحولوا الى الات..علب..صناديق اسرار رذيئة..لاتفكر ....
لا تفكر ولا تشعر...في هذا الحد من تخاطر الطيف مع قلبه..البارد ..تحت الرعد والبرق قصف الريح..تقاطع حواره مع اصوات قادمة من بعيد..تشبه نباح الكلاب..كانها مشعورة..كانت تعبر الجسر...فس خط معاكس..عاد ليفكر مع نفسه..وقال لها ...لشت باللحم المناسب..لهذه الانياب..وكان لابد له من ان يستعيد بعض شجاعته..كجميع الاشباح القوية..وليس كبني البشر...لربما تكدر لهذا المشهد بعض الشيء..لانه مشهد غريب..بدل له زاوية النظر الى الامور المتحركة على الجسر...وغير اتجاه نظراته الى الارض عوض السماء..وتوقف عن الرجاء في ان يمتلك لحظة اجنحة يصعد بها الاعالي ..ويشهد مطلع الحرب بين الارض والسماء..!..كل الحروب تقتصر ساحتها على الارض..بينما السماء تستمتع بالفرجة والضحك..وكرر مع نفسه لست تلك اللحمة التي ستدفع الجوع عن معدة هذه الكلاب المسعورة..ازدادت حدة الاصوات على الجسر وهي تقترب..وظلت خطواته تابثة..يسير الى الامام..وصمته قاتل يجمل وحدته على الطريق...كان الصقيع يتوهج في عيون القطيع..وقلبة بارد جامد لا يدق..هل كان مستهزءا ..من المشهد..وهو يسمع حفيف حوافر القطيع ندوس على العشب..والتربة...العواء مع الغيض كاظمين..وكان لابد له من الاقدام الى نهاية الجسر...تحول النباح الى عواء.وتحول العواء الى همس وكلام يشبه كلام البشر عند الاعداد لمؤامرة..ووضع الخطط للهجوم..وكان يسمع لهذا الضجيج..واثقا من نفسه..كانها اصوات رائقة تزيد رونقا لسمفونية البرق والرعد ..وحينها انهالت على الطيف..حباة مطر ساخنة وغليظة انتشرت على زوايا الجسر..وفاحت روائح التربة العذرية..واظطر الى التوقف..وفتح دراعيه للمطر القادم بقوة..بل جمد في مكانه كانه صنم عظيم ..في ساحة المدينة ..غير مبال بضجيج القطيع..الذي يقترب منه..!
تحولت الامطار الى عاصفة هوجاء .. والاشياء تتلوى بين تيارات الريح فبعثرت ما خو موجود فوق الجسر وتحته ..وفي الضواخي القريبة ..كل الاسئلة التي كان يعرضها على فلبه لم تكن لتجد لها اجوبة فظلت معلقة مابين السماء والارض..وهو في منتصف الجسر ..مابين المدينة والريف ..كان يطمح لايجاد اجوبة لها ..لكنها ظلت معلقة في الاعالي...كنظراته الحزينة..ومن حين لاخر كان يبلل بالعرق الحار ساعديه..استعدادا لنشوب اي معركة ..وظلت قطرات العرق المالحة تتسرب بمهل الى داخل عقله..وهو يعيد صياغتها الى افكار جديدة...وكان موقف السكون القصير الذي يتخلل تلك العاصفة يمنحة وقتا لدراسة الموقف الحرج..وتحديد مكامن الاخطار فيه ..!..كانت الرياح..كانها تعرفه..تحيط به كناعورة لتحطم كل شيء يتقترب منه ...وقبل الدخول في عمق العاصفة ..لابد من التعرف على اسرار المكان ..فهووحده عارف باحواله المتهيجة ..والمتحولة ..هناك جسر يعبر من مدينة البقرات الضاحكة..الى قرى مجاورة بعيدة عن لغط الحضارة والتقنية بعيدة عن الصراعات اليومية لاجل ديمومة الحياة..والنهر الفرارق بين عالمين كبير ..وحولته من الماء تسع البدو والحضر..تكفي لكل سكان المدينة والقرى..وغيرهن من السكان الا ان الفقر يكاد يطحن الاغلبية بسبب سوء توزيع الزرع والغلات ونهب بعضهم ..وتفشي السرقة في البقرات ليل نهار..الجميع كان يتكالب على اللحظة لسرقة البقرة ..لم يكن الناس لهم من المحتوى في دواخلهم كي يتقوا شرور انفسهم.. ...ولا يسع الطيف الا ان يصمت ويظل ساكنا عندما يكون يمتلك احساس واضح بفعل اقل شيء ..يعبر للجسر..ليست قضيتة رفض العيش مع البقرات ..احساس بان الروح التي كسبها بالصدق بدات تتبخر ..وتضيع منه ..كل السعادة كانت تاتيه من امتلاكه لجراءة طرح السؤال فقط..وهاهو يزاول السير مع قدره..لكن احساسه بالضجر والملل بقيا يلازمانه ..في كل مكان وطاته قدميه..المعرشتين..يضع سؤال الحياة والمعرفة. يناضل من اجل البقاء على افضل عيش..لا تفارقه قوة الضحك..والمرح في قمة حزنه والمه..وينفجر فجاءة سائلا نفسه من اين تسربت الكلاب المجنحة الى بؤرة العاصفة ؟ و من دواخله كان يقاوم احساس بالخوف من مجموع الموقف الذي يتحكم في رؤيته من كل الزوايا..كلاب مجنحة تطير فرحا تهمس لبعضها بكلام غامض كالقصائد الهوميروسية الا انها مليئة بالشجاعة والاقدام كلاب من نمط واحد لها نفس خصال البشر..اه كم كان الطيف يكره البشر..الكلب كلب بجثته كلب وبجناحيه كلب ..لكنه رمق ايضا ان رؤوسها ادمية الشكل ..كانت لها عيون واسعة تنظر بها الى سواعده المنتصبة الى الافق..تنظر في اتجاه شيء لا يراه.الطيف.وكانت منقبضة ..في حالة دهول شبه مطلق..حالتها تلك المرتبكة انستها الانقضاض عليه..لم تكن في حالة سعار..وليست لها نوايا الهجوم عليه..كانت مندمجة مع المشهد..كانت ترى وتسمع اصوات من بعيد تعج بها عنان السماء. من عمق العاصفة.وكانت قادمة من الريف..المجاور..لمدينة البقرات..مابين ضفتي النهر..مدينة خيرها كله في البقرات..وقرى تحوم فوقها الكلاب المجنحة بعضها كان مرقط..بلونين عاديين ابيض..واسود..وتحت الجسرلاتزال ..تنطلق انغام سمفونية شرشرة مياه النهر العظيم..هائجة قوية وجارفة تدمر كل شيء...لو احدر الطيف وجهه الى الاسفل..لاستقبلته اسراب الاطفال المدعورة وهي محملة على جدوع الاشجار المقتلعة تراقصها مياه النهر بحنو وشفقة .. يتحرك بها الى مصبه حيث يلتقي بالبحر...فكر حينها الطيف هل هي طيور الجنة المهاجرة..؟..لم يكن يتمنى ان تطول العاصفة لاجل خير هؤلاء ..لكنه كان يود لو تخلصه العاصفة من القضاء على هذه الكلاب الادمية المجنحة فوق المشهد كله..وهو يستمر في قطع الجسر الى نهايته..ماذا سيجد في هذه النهايات..المجهولة..!..قرية..طاغية..عشائر مسالمة..ام حروب دامية..واهات وانين ..كان كل شيء وارد في احتمالات نهايات.الجسر.الا موضوع السلم وذلك الشيء الذي كان يسميه وهوطيف صغير بالحق في السعادة...!..كانت تلك الكائنات الفضولية اي الكلاب تمنحه اذانها الصاغية ..وهو لا يقول شيئا..بالاحرى كانت تمنح السماء اذانها الصاغية..ونظراتها المطيعة..الهادئة...!!..والعاصفة القوية لم تكن تخيف احدا من المتواجدين فوق الجسر...!كانت الكلاب..تكلف نفسها بنباح تلون الصدق وهي كاذبة..تريد ان تحصل على نصيبها من نهش البقرات..كل شيء عندها مزيف..على غير حقيقته..باسنان مسروقة من البشر كانت تستعد للعض..والنهش..وهي الجبانة العقورة..كل شيء مزيف حتى احشاؤها...بوجوهها البشرية لابد ان تكون لها احشاء..وامعاء..ومعدات بشرية..لاتعرف الشبع...ومصير القرى المجاورة المرتقب سيكون عسيرا في تلك اللحظات القادمة من حدوث العاصفة .واناشيد السمفونية الطويلة التي يرددها اطفال الجنة وهو يسبحون فوق جدوع الاشجار التي اقتلعتها مياه النهر الى مكان مجهول تعلو الماء والسماء ..وفي لحظات عديدة كانت تختلط بالعويل..ومشوشة بالخصومات ..والعراك. عند كل منعطف للنهر.على مكان بعيد من مايحمله النهر من اعطاب..وبقايا تثير التقزز وتثير الخوف في النفوس وتخربها...!هذه العلامة على اخطار اللحظة كانت تسقط في وعي الطيف..ويفكر انه عليه الاسراع في التخلص منها بمواصلة السير على الجسر..الى نهايته...الى نهايته..!..
العاصفة تزيد من قوة فيضان النهر..وفي الاجواء تنتشر روائح الطين والتربة المبللة بقطرات الامطار الساخنة والغليظة..والكلاب المجنحة تريد ان تفرض قيمها على الجسر..والطيف يلازم مكانه..كالصنم..لا يتململ..!كانه ينتظر نهاية تلك العاصفة..الا انها كانتل لا تهدأ..الا .لتعود من جديد..وبقوة اكثر.كانت تتكون للطيف افكار.مجرد افكار مشوشة..لا تجقق اقل فعل سلبية..كالفقاقيع..تنتفخ في الاعلى لتزيد من حدة حجمها..ثم تتفرقع..ولاشيء بعدها..لا طائل من ورائها..فظيع ان تكون وحيدا وسط قطيع..واي قطيع...كلاب مجنحة. كلاب برؤوس ادمية في عمق عاصفة...!!..
كان الطيف كانه حالما يرى الاطفال تغادر جدوع الشجر وتتوقف العاصفة.وهو.يغادر الى اسفل الجسر الى جحيم اوحال البقايا البشرية والكلاب تحلق عاليا الى السماء المضطربة..والملبدة بالغيوم السوداء..على انغام سمفونية التراب والغبار..كانت تهز ارضية الجسر ولا تفزع احدا من الاموات..تنبح متوعدة بالعودة من جديد...
ع.س

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير