الشعر العربي في العراق .... ........ ..... كتاب للدكتور شريف بشير أحمد

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 7 / 14

استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل
بين يدي الآن الكتاب الجديد للاخ والصديق العزيز الدكتور شريف بشير أحمد الاستاذ المساعد في قسم اللغة العربية بكلية الاداب - جامعة الموصل ، وقد وصلتني نسخة من الكتاب ، من المؤلف مشفوعة بعبارات جميلة أعتز بها وافرح وانا ممتن منه جدا وشاكر .
والكتاب يحمل العنوان التالي وهو ( الشعر العربي في العراق في القرن الحادي عشر للهجرة السابع عشر للميلاد دراسة نقدية - اسلوبية ) صدر عن دار غيداء للنشر والتوزيع بعمان - الاردن 2019 .وهو بالاصل اطروحته للدكتوراه والتي نوقشت في كلية الاداب - جامعة الموصل يوم الاحد الموافق 20-3-1994 وكانت باشراف المرحوم الاستاذ الدكتور سالم احمد الحمداني .
وهذا هو الكتاب الثاني للاخ الدكتور شريف بشير احمد ؛ فالكتاب الاول كان بعنوان (الشعر في الموصل في القرن الثاني عشر للهجرة الثامن عشر للميلاد ) صدر عن دار البداية ناشرون وموزعون في عمان ايضا 2019 .
ومعنى هذا ان الاخ الدكتور شريف بشير احمد ، وهو يتابع حركة الشعر العربي في العراق خلال القرنين 17و18 الميلاديين ، فانما هو يتابع مرحلة من الشعر العربي تعد في نظر عدد من المتابعين والنقاد ، مرحلة غامضة ، ومظلمة . لكن الدكتور شريف ركب المركب الصعب ، وخاض غمار هذا البحر الذي لايرتاده الا الباحثون الجادون المخلصون من الذين نذروا انفسهم للعلم ولاشيء غير العلم لذلك أجاد العمل وأتقنه وخيركم من يتقن عمله .
انا فرح وسعيد ان يتصدى باحث عراقي متمكن لهكذا موضوع وهو ملاحقة واقع الشعر العربي في العراق العثماني .فالعراق بولاياته الثلاث الموصل -بغداد والبصرة خضع من العقد الاول من القرن السادس عشر الميلادي للسيطرة العثمانية وظل كذلك حتى انتهاء الحرب العظمى 1918 .
وقد يتساءل البعض وكيف كان في العراق شعر عربي والحكم بأيدي الولاة العثمانيين ؟ . واقول ان الحكم العثماني تميز بالسطحية وعدم التدخل في شؤون الناس في الولايات ، وهذا سر نجاح العثمانيين واستمرار دولتهم من سنة 1299 الى سنة 1922 اي لمدة سبعة قرون . كانوا يتركون الاهالي على حالهم، وفي فترات معينة كانوا يشجعون اللغة العربية ويتغنون بالشعر العربي وترجموه وظهرت دواوين للمتنبي ولابي نؤاس وابو تمام بالتركية ، ولاننسى انهم كانوا يدونون التركية بالحروف العربية ولدينا الاف السجلات الرسمية ومنها سجلات المحاكم الشرعية باللغة العربية .
ما يهمنا هو حركة الشعر العربي في العراق العثماني خلال القرن 17 ، وهو موضوع هذا الكتاب ..هذا الشعر وجدناه له نماذج كثيرة يمثلها شعراء عرب كثيرون قدموا الوانا من الشعر وناقشوا اشكالا من الموضوعات وبيئة العراق شعرية والعراقيون يتحسسون الشعر ويعشقونه ولا ننسى البيئات الشعرية في النجف والبصرة والموصل والحلة .
الاخ الدكتور شريف ينتقد من أساء فهم حركة الشعر العربي في العراق خلال القرن 17 الميلادي ، وقال انهم تعمدوا التهويل والمبالغة في وصف حركة الشعر تلك ودون دراية وتمحيص ودراسة ، وهو قد اخذ على عاتقه توضيح الصورة الحقيقة، وانصاف من قدم شعره ...انا اقول انني تابعت ما كتبه شعراء ذلك الزمان من الموصليين فوجدته يرقى الى مستويات بالغة النضج مع جرأة في الطرح وتعدد في الالوان ودقة في الوصف .كان الشعر العربي في العراق يعبر عن واقع العراق بولاياته الثلاث وهي مراكز حضرية متقدمة .
كان هناك شعر سياسي ، وكان هناك شعر ديني، وكان هناك شعر اجتماعي .كان لشعراء ذلك الزمان ، فضاء جغرافي يتحركون به اوسع من فضاءنا نحن في القرن الحادي والعشرين ، وكانوا أي الشعراء يمتلكون حريتهم ، وعدتهم الشعرية فأبدعوا والمؤلف جاء بالكثير من الرموز والتطبيقات الشعرية التي استطاعت ان تتواصل مع التراث الشعري العربي الابداعي في عهوده السابقة وتماهت مع معانيه ومفاهيمه في التجديد والتوليد والجدة .
ومن الامور التي ركز عليها المؤلف ، أنه اكد بما لايدع مجالا للشك ان القصيدة قصيدة القرن 17 الميلادي 11 الهجري ، كانت تقوم على وحدة البيت ووحدة الموضوع ؛ فالبيت يتصل بغيره بالمعنى العام والتشكيل الكلي .. وكما هو معروف فان قيمة البيت الشعري تكمن في الصلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة وذلك من اجل معرفة طبيعة العلاقة التي تتحكم في مستوى القصيدة .
وقد يكون من المناسب القول مع المؤلف ان لغة شعر القرن 17 الميلادي في العراق كانت واضحة ، ومفهومة ، وفيها من الابداع ، والوعي ، والتجربة الشيء الكثير .
والاهم من كل ذلك ان الاخ الدكتور شريف وضع يده على حقيقة قد نحتاجها نحن المؤرخين عندما نريد أن نعيد النظر في شعر القرن 16 والقرن 17 والقرن 18 والقرن 19 الميلادي هذه الحقيقة تكمن في ان الشاعر العراقي لم يتأثر بالحاكمين، وانتماءاتهم العرقية ، والقومية وانما ظل ملتصقا بانتماءه العروبي ، والسعي لان يسجل تاريخا من الحرص على التراث الادبي العربي والشخصية العربية المتفردة .
تحياتي للاخ الدكتور شريف بشير أحمد ، وتمنياتي له بالبهاء والتميز الدائم وتأكيدي عليه في الاستمرار في خوض غمار هكذا موضوعات تدفعنا الى اعادة كتابة تاريخنا من جديد في ضوء الوثائق الجديدة والنصوص الادبية الابداعية ، وفي ضوء الرؤى والتفسيرات الصحيحة .