ثورة 14 تموز ... ماضٍ ام مستقبل ؟!

عارف معروف
2020 / 7 / 13

مضى على مقتل ثورة 14 تموز اكثر من نصف قرن ، ومَنْ ولِدَ يوم 14 تموز 1958 هو الان شيخ يقترب حثيثا من سنيه الستين ، يربتُ على رؤوسِ احفاده ويتطلعُ الى ماوراء الافق بعين تداري دمعة ، دون ان تسعفه ذاكرته بشيء من وقائع تلك الايام او مجريات ما تبعها من سنوات قلائل ... اما قائد الثورة ، عبد الكريم قاسم ، او الزعيم ، كما رسخ في ذاكرة العراقيين او قلوب محبيه ، فلم يحظ من هذه الدنيا حتى بقبرمعروف !
لقد انتهت الثورة كواقع حيّ منذ وقت مبكر جدا . امّا كرؤية وبرنامج ومثال ، اقتصادي او اجتماعي او سياسي فقد طواها الردى شيئا فشيئا ولم تعد توجد الاّ في جدل على الصفحات وفي المواقع الالكترونية يتجدد كلما عادت الى الذاكرة صبيحة ذلك اليوم التموزي البعيد !
لم يحظ عبد الكريم قاسم ، كما هو معلوم ، بذرية ، ولم يخلفه حزب او حركة سياسية تتبنى متبنياته وتدعو الى اسمه ومنهجه ، وخلال عقود طويلة ، كنا ننام ونصحو ، على اذاعات ومقالات وكتب وندوات ومناهج دراسية وهي تجّرحُ بالرجل وتعيد التمثيل بجثمانه يوميا . بصوت منفرد ، ولحن دائم : كان دكتاتورا ، وطاغية ، وسفاحا . كانت به جِنة ٌ ، وخيط من خبال ... بل انه كان دعّيا سطى على الثورة ... الخ الخ ومثل من يعرف قبل غيره ، واكثر من غيره ، زيف مقاله وكذب ادعاءاته ، عاد قتلته ومشوهي صورته الى الاقرار بما لا بد منه بعد زمن طويل ، وبعد ان حسبوا ان العظام اضحت رميما وانهم تمكنوا من ذاكرة العراقيين : نعم ....الرجل كان وطنيا وحريصا ونزيها ولكن !
والان ....فاذا كانت ثورة تموز قد امست ذكرى باهته من ماض بعيد ، واذا كان عبد الكريم قاسم قد اضحى صورة مشوشة حتى في اذهان من عرفوه ممن غيّب الكثير منهم الموت ويعصف بذاكرة الباقين منهم الضعف والزهايمر فما هو مسوغ كل هذه الكتابات المضادة والاستعادات الكارهة والشتائم والافتراءات ؟! لماذا تُصور الثورة على انها كانت مفتاح باب الجحيم على العراق ؟ وان مامن معاناة او مثلبة او قسوّة او دماء الا ّوخرجت من غار الاقاعي ذاك : ثورة 14 تموز المشؤومة كما يسميها البعض، ولماذا يُشتم عبد الكريم قاسم بشتائم " جديدة " تعكس وعيا ضحلا مستجدا " على طريقة كوفيد 19 المستجد، لانه وعي فايروسي ممرض بحق " :
كان عبد الكريم غادرا غدر بالملك ، وخؤونا خان امانة نوري السعيد ، وسفاحا اغرق العائلة المقدسة بالدم !
لمن تتوجه هذه الدعاية القائمة على قدم وساق والى ماذا تهدف حقا ومالذي تحرص اشدّ الحرص على شيطنته وابعاد شبحه ؟ .... عبد الكريم قاسم ؟! ...لقد اصبح الرجل في ذمة الله منذ زمن بعيد والموتى لا يخيفون احدا ...
ثورة 14 تموز ؟! قلنا انها انتهت كواقع حيّ منذ وقت مبكر جدا وطوى الردى برنامجها ورؤاها منذ زمن بعيد ايضا ، فما الذي يخافه اولئك الذين يستعيدون ذكراهما اليوم بزخم من الانفعالات السلبية والكراهية المستنفرة ؟!
الاشجار الميّته لا تُرمى بحجر ، كما يقول المثل المعروف ، والموتى لا يخيفون احدا ..
ولابد ان هذا الهجوم المنظم ، والذي لم يستثن مؤخرا حتى ثورة العشرين لا يصدر عن فراغ ولا ينطوي على عبث ، فثورة العشرين كانت الثورة العراقية الكبرى ضد الوجود المحتل وهي التي اسست للوطن العراقي دولته ....وثورة تموز 1958 هي الثورة العراقية الاصيلة التي استعادت هذا الوطن من براثن التبعية والتخلف والتسلط والفساد ....وثمة احتلال وتبعية وتفكك وتسلط وفساد !
وفي ذاكرة العراقيين وفي معاناتهم اليومية لا بد ان يقرن غياب السيادة والاستقلالية ، اليوم ، بزمن السيادة والاستقلالية الحقيقية ، زمن 14 تموز !
ولا بد لاندحار الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية من ان يوميء الى زمن الوطنية المجيدة ، زمن 14 تموز !
وشيوع الفساد وندرة النزاهة في " رجال " اليوم ، تستدعي الى الوعي ، بالضرورة ، نزاهة اولئك الرجال ... رجال 14 تموز !
وتدمير الصناعة الوطنية يذكر ببرنامج تصنيع البلاد .. برنامج 14 تموز !
واندحار الزراعة اليوم .....
و.....
و....
و......
اذن فثورة 14 تموز، مثل رجالها وخصالهم ، مثل انجازاتها وبرامجها ورؤاها ، قد تكون فنارا في افق المستقبل وليس بصيصا منطفئا من الماضي !
وهذا ما يفسر كل شيء... تقريبا !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي