قراءة في ملف المعتقلين السياسيين الصحراويين -المجموعة الطلابية بمراكش المغربية 2016-

إبراهيم محمد عالي لحبيب
2020 / 7 / 13

.

بعيدًا عن إعطاء أحكام مسبقة، وبعيدًا عن خصوصية الشعب الصحراوي وتعاطي القضاء المغربي مع هذه الفئة المستعمرة، دعونا نذكر أن القانون الجنائي المغربي في تعاطيه مع الفعل الجرمي، يستند المشرع المغربي في هذا الصدد على مبدأ أساسي، هو إقليمية النص الجنائي، ومعناه أن هذا القانون يخضع مرتكب الجريمة التي تحدث في إقليم الدولة لقانونها مهما كانت جنسية مرتكب هذه الجريمة، إذًا ليس بالضرورة أن يكون كل من يمثل أمام هذا القضاء مغربي الجنسية.

هذا من جانب، من جانب آخر المشرع المغربي نفسه يقول في المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية المغربي «لا يعتبر ما عدا ذلك من المحاضر أو التقارير إلا مجرد معلومات….» والمقصود بذلك المحاضر المتعلقة بالجنايات؛ إذ لا تعد أن تكون سوى بيانات تستعين بها المحكمة في تكوين إقتناعها، ولا يمكن تبعًا لذلك للقاضي الجنائي الأخد بها وحدها للقول بالإدانة، وموقف محكمة النقض المغربية كان واضحًا هنا لما أشارت في أحد قراراتها «لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفاهيًّا وحضوريًّا أمامها، وحيث يتجلى من القرار المطعون فيه وكذا القرار الابتدائي المؤيد به، أن المحكمة لما أدانت الطاعن من أجل ما نسب إليه، اعتمدت على اعترافه أمام الضابطة القضائية مما يكون معه القرار المطعون فيه والحالة هذه معرضًا للنقض والإبطال».

إلى جانب هذا لا يفوتنا أن ننعطف قليلًا ونحن في صدد مناقشة محاضر الضابطة القضائية، لنذكر بما جاءت به «اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والتي يعتبر المغرب إحدى الدول الموقعة عليها سنة 1986 والمصادقة على هذه الأخيرة سنة 1993».

حيث جاء في ديباجتها، في المادة 15 أكثر تحديدًا ما يلي:

«تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال ».

نطلاقًا من هذه النافدة القانونية، سيكون قضاء الاحتلال محرجًا أمام الملف المطروح أمامه لمجموعة الصف الطلابي سنة 2016 بمراكش المغربية، بداعي عدم وجود أي دليل ملموس يدين هؤلاء الطلبة، باستثناء محاضر موقعة تحت التعذيب.

أمام هذه الورطة والهالة الإعلامية التي رافقت هذا الملف، ومحاولة التأثير في الرأي العام، ماذا سيفعل القضاء المغربي أمام هذا الملف، خصوصًا أن القضية أصبحت خارج نطاق الإقليم وتجاوزته للتدويل، بل طرحت للنقاش في العديد من البرلمانات الأجنبية، بالإضافة إلى حضور العديد من المراقبين الأجانب ومواكبة المحاكم من طرف طلبة، نشطاء حقوقيين، وإعلام وطني وأجنبي كذلك؟

المراحل القانونية التي مر منها الملف:

محاضر الضابطة القضائية قسمت المجموعة إلى قسمين، بين من تابعتهم بالقتل العمد، ومن تابعتهم بالمشاركة في القتل العمد، للإشارة جرى توثيق يوم إعتقالنا في المحاضر، مرادفًا ليوم الاثنين 25 يناير (كانون الثاني) 2016، بالرغم من أننا اعتقلنا يوم الأحد 24 يناير 2016، على قرابة الساعة السادسة مساء، واستمر احتجازنا ليتجاوز المدة القانونية المحددة بـ48 ساعة قابلة للتمديد لـ24 ساعة فقط.

قاضي التحقيق بعد جلستين سيمرر التهم نفسها دون تغيير أي شيء، رغم أن المعتقلين نفوا التهم الموجهة إليهم وطالبوا بإجراء خبرات طبية.

مراحل المحاكمة

أولًا: رفض كل الدفوع الشكلية كان أهمها:

1. الخبرة الطبية للمعتقلين.

2. تسجيلات كاميرات الحي الجامعي بأكادير يومي الجمعة والسبت، التي توثق وجود المعتقل عزيز الواحيدي هناك.

3. الخبرة التقنية لتوقيع المعتقل عبد المولى الحافيظي الذي أكد أنه لم يوقع أي محضر، بل الضابط المغربي هو من وقع المحاضر.

4. استدعاء كل من أستاذ الإنجليزية بكلية الآداب المسمى الحلوي، وكذا العميد المسمى أهموش، وكذا كل من سعاد نائبة العميد والمختص في المعلوميات بالكلية نفسها، للإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة.

5. استدعاء يحيى لزعر للإدلاء بشهادته.

6. رفض استدعاء الشهود الذين زعمت الضابطة القضائية أنهم مثلوا أمامها دون معرفتهم، بالرغم من أنهم ليسوا بطلبة، وعند توجيه سؤال غاية وعلة وجودهم في الجامعة، البعض منهم رد بأنه كان ينوي سحب شهادة الإجازة، وهذا غير ممكن لعدم فتح الشبابيك الخاصة بسحب هذه الشهادات يوم السبت.

7. رفض التأكد من سجل لائحة الحضور لامتحانات شعبة الجغرافيا للمعتقل البر الكنتاوي، بالتزامن مع وقوع الحادثة.

جرى تسجيل في العديد من المرات منع العائلات من الدخول لقاعة المحكمة، في المقابل كان ولوج ما يسمى بممثلي الحق المدني ولجنة مؤازرة أهل الضحية بشكل سلس، أما عن المتضامنين مع الطلبة المعتقلين فيرفض مطلقًا ولوجهم للمحكمة.

ثانيًا: مرافعات المعتقلين:

كل المرافعات كانت سياسية بامتياز، مع تسجيل حالات التوقيف المتكررة من طرف قاضي الاحتلال، وكذا ما يسمى بوكيل الملك.

جل المعتقلين ناقشوا صيرورة استهداف الطلبة الصحراويين كامتداد لسلسة لا تنفصل من استهداف الشعب الصحراوي بدءًا بالاجتياح العسكري في سبعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا.

ثالثًا: مرافعات المحامين:

وضح فيها أغلب المحامين على براءة المعتقلين، وبطلان محاضر الضابطة القضائية.

رابعًا: النطق بالحكم:

بعد أشواط مارطونية، القضاء المغربي سيكيف التهم ويحولها من جنايات إلى جنح والتي بموجب المادة 290 من المسطرة الجنائية التي تنص على «أن المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التتبث من الجنح والمخالفات، يوثق بمضمونها إلى أن يتبث العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات»، وبهذا الصدد ستتحول المحكمة من المفتش عن الحقيقة إلى باحث عن وسيلة للتوريط.

فجاء الحكم جائرًا وصل لـ86 سنة موزعة على هذه المجموعة، بين من حكم عليه بعشر سنوات وآخرين بثلاث سنوات، دون الاستناد لأي دليل ملموس، اللهم محاضر الكل أقر بأنها وقعت تحت التعذيب.

✔️الشق السياسي للملف:

الملف وكل من تابع أطواره سيخلص لمسألتين هامتين:

أولا / كان الهدف منذ البداية توريط جبهة البوليساريو في أعمال العنف والإرهاب وهذا ما سارعت إليه أبواق نظام الاحتلال عبر صرفها الصحي المسمى (2M) حينما خرجت بالتزامن مع إعتقالنا لتعلق *جماعة إرهابية تنتمي لتنظيم البوليساريو ومدربة في كوبا ترتكب جريمة في حق طالب أمازيغي مدافع عن الوحدة الترابية...*

*لكن دعونا نشير إلى نقاط هامة في هذا الصدد التي عبرت عن غباء هذا الجهاز:

_منح الصبغة السياسية لهؤلاء المعتقلين، ولو بطريقة غير مباشرة والتي ستمهد لمحاكمة سياسية بامتياز.

_جل المعتقلين إن لم نقل كافة، لا يتوفرون أصلا على جواز سفر يسمح لهم بالخروج لكوبا مثلا، اللهم إن كنا قد خرجنا بطريقة غير شرعية وهذا يورط النظام أكثر من هؤلاء المعتقلين.

_كذلك وفي نفس السياق قد جاء في معرض لسان وزير التعليم المغربي وقتها وداخل قبة البرلمان المغربي، وكذا في مكالمة أجراها مع أب الضحية على الهواء، حيث قال:

" أن الضحية عمر خالق لا يمتلك صفة طالب ويتساءل عن جدوى تواجده داخل الجامعة، وبفمه يقول أن هذا الملف يراد به مصالح سياسية بعيدة عن الجامعة وتتجاوزها".

إذا فكيف يمكن تفسير هذا التضارب بين تصريحات الوزير المغربي وبين الإعلام الرسمي لنظام الإحتلال المغربي؟

_لا يوجد شيء يتبث بالملموس _كفيديو مثلا_ أن الضحية كان يدافع عن ما يسمى ب> و >، بل العكس فهناك توجه من وسط التنظيم الذي كان ينشط وسطه والمسمى ب“الحركة الثقافية الأمازيغية“ يقول أن الضحية كان ينادي بالتخلي عن وهم ما يسمى “تمازغا“.

ثانيا/ سياسة الكيل بمكيالين:

كان الإنتقام من مجموعة نشطاء داخل الساحة الجامعية أمرا واضحا ، هذه المجموعة التي إستطاعت أن تحد من سنوات طويلة تميزت بالعدمية السياسية وإنذثار المد الطلابي الصحراوي وهو ما جعلهم يدخلون في مواجهة مباشرة مع مصالح نظام الإحتلال.

وفي سياق هذا الهجوم، محاولة خلق صراع وهمي مع حركة لا تخالفه التوجه لجعل الصراع يظهر عرقي للرأي العام وبموجبه تظهر الدولة على أن مهمتها هي الحفاظ على الأمن العام ومعاقبة الجناة وفق ما تمليه القوانين الجنائية وتوجه القضاء، إذ سيسهل ويشرعن إفراغ الجامعة من المد النضالي ولعل موقع مراكش شاهد الأن على ما أقول.

*دعونا أيضا في هذا الصدد نشير لنقط لا تقل أهمية من سابقها:
_إن تواجد الصوت الحر والمنادي بالاستقلال داخل الجامعة المغربية لا يمكن أبدا إبادته، بل جعل من اعتقال هذه المجموعة يوضح المسار الصحيح، و ما عاشته أطوار جلسات محاكمة هؤلاء الطلبة من مساحة لفعل وطني قل نظيره وهبة تضامنية وطنية وأجنبية استثنائية، كان أكبر دليل.

_نتساءل هنا ارتباطا بالنقطة الثانية السالفة إن اعتبرنا جدلا <أن ما وقع هو صراع عرقي> وإن كان فعلا دور جهاز الدولة هو استثباب الأمن العام، وأنها لا تتعامل مع الطلبة الصحراويين بعنصرية يطبعها ماهو سياسي بالأساس....

آما كان من المفروض على هذا الجهاز منذ سنين طوال بناء جامعة مستقلة بالصحراء الغربية، التي ستغني الطلبة الصحراويين عن التنقل إلى الجامعات المغربية؟

لا بالعكس هو يعرف تمام المعرفة أن مشروع جامعة مستقلة بالصحراء الغربية لن تخدم مصالحه ومشروعه الذي يرمي لتهجير الشباب الصحراوي ومحاولة مغربتهم داخل المغرب، أي إفراغهم من هويتهم، التي تعد ركيزة و كينونة هذا الشعب الصحراوي.

✔️الشق الحقوقي:

لعل خير ما نتطرق له في هذا الشق هو القرار الأممي لأعلى هيئة حقوقية في العالم وهي الأمم المتحدة حول هذا الملف، ففي معرض تقرير عرضه فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة في الدورة 86 يحمل رقم 67 / 2019 ، تم التطرق لقضية الطلبة و المعتقلين السياسيين الصحراويين ضمن هذه المجموعة
.
هذا التقرير الذي خلص إلى مجموعة من النقط لعل أهمها:
• اعتقال مجموعة الطلبة الصحراويين كان تعسفيا، لأنه استهدف هويتهم كصحراويين.
• أعضاء المجموعة الطلابية هم من الصحراويين وعلى هذا النحو لهم الحق في تقرير المصير، وفقًا للمبادئ المنصوص عليها في قرارات الجمعية العامة 1514 و 1541 و 2625.
• مجموعة الطلبة تعرضوا للتوقيف و الاعتقال بسبب آرائهم السياسية المتعلقة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ، و لو أن هؤلاء الطلبة لم يكونوا صحراويون ، ولم يبدوا وجهة نظرهم بشأن الأزمة السياسية في الصحراء الغربية لما تم اتخاذ و مباشرة الإجراءات المعنية .
• مجموعة الطلبة، هم مدافعون عن حقوق الإنسان قلقون بشأن حقوق وقمع الطلبة الصحراويين، ضحايا التمييز والمضايقة أثناء الدراسة في الجامعات المغربية، و كانوا بذلك يشكلون طليعة لحماية حقوق هؤلاء الطلبة.
• اعتقال مجموعة الطلبة غير القانوني والمعاملة التي تعرضوا لها أثناء ذلك، بما في ذلك التعذيب والاستجواب على أساس نشاطهم السياسي، مما يشير إلى أن احتجازهم يشكل تمييزًا ينتهك القانون الدولي ، من حيث أنه يتجاهل مبدأ المساواة في الحقوق.
• إستهداف الطلبة الصحراويين والتمييز ضدهم بسبب آرائهم السياسية فيما يتعلق بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ، مما يجعل احتجازهم تعسفيًا بموجب المواد 1 و 2 و 26 و 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية.
• تعذيب مجموعة الطلبة واستجوابهم تم فقط حول نشاطهم وآرائهم بشأن النزاع في الصحراء الغربية .

وفقا لكل هذه الانتهاكات كان رأي الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة ما يلي :

• الحرمان من الحرية للمجموعة الطلابية المتكونة من 14 معتقلا كان تعسفيا ، لأنه يتعارض مع المادتين 7 و 9 و 10 و 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواد 1 و 2 و 7 و 9 و 14 و 19 و 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ويندرج تحت الفئات الأولى والثانية والثالثة والخامسة.
ودعا بموجب هذا، الحكومة المغربية إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتصحيح وضع دون إبطاء هذه المجموعة، وجعلها متوافقة مع المعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

أما في ما يخص الإجراءات التي أوصى بها كانت على الشكل :
الإفراج الفوري عن المعتقلين الذين مازالوا قابعين في السجن.
الحق في الحصول على الجبر على شكل تعويض وفقا للقانون الدولي لكل المعتقلين المفرج عنهم.
حث الحكومة المغربية على ضمان إجراء تحقيق شامل ومستقل في ملابسات الحرمان التعسفي من الحرية هذه المجموعة ككل ، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المسؤولين عن انتهاك حقوقهم.
إحالة القضية من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة، على :
• المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير .
• المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
• طلب الحكومة المغربية إستخدام جميع الوسائل المتاحة لها لنشر هذا الرأي على أوسع نطاق ممكن.
إلى جانب هذا التقرير الأممي والذي كان سببا في تأخير هذه القراءة لهذا الملف، لا ننسى أن أذكر بالتعاطي الذي عرفه هذا الأخير من طرف الإطارات الحقوقية الصحراوية والذي شكل دافعا أساسيا ومحوريا في الترافع عن هذه المجموعة عن طريق البلاغات والتقرير المرفوعة للهيئات الحقوقية الدولية وكذا مواكبة هذه الإطارات لمحاكمات هذه المجموعة الطلابية.
لا ننسى كذلك أن نرفع القبعة لكل الطلبة الصحراويين الذين كانوا عند مستوى التطلع وأكثر فكانوا خير من يقود هذه المعركة التي ستسجل بمداد ذهبي في تاريخ المقاومة الصحراوية، وعبركم أيها الأشاوس نهدي ألاف عبارات الإجلال والإكبار إلى روح الشهيد والرفيق والأخ بضري عبد الرحيم، الزهرة التي أقتطفت باكرا من رحم بستان الطلبة الصحراويين.
وفي الختام أهدي هذا الجهد البسيط إلى الذين ساهموا، في عملية التصدي لكل لمحاولات إغتيال حقنا في الوجود والكينونة والكلمة الحرة.