طور جديد من الهجوم على شغيلة التعليم العمومي [النظام الداخلي النموذجي، التعليم عن بعد، التقشف]، بقلم، شادية الشريف

المناضل-ة
2020 / 7 / 13

بعد أن استغلت الدولة ظرفية الحجر الصحي لتنزيل جزء من هجماتها على شغيلة الوظيفة العمومية وعلى رأسها شغيلة التعليم العمومي [تجميد الترقيات والتوظيفات الجديدة، أجرأة "التعليم عن بعد"]، انتقلت إلى طور نوعي من هذا الهجوم تؤطره مذكرات وزارية لتنزيل مضامين "القانون الإطار رقم 51- 17".
يدل هذا الهجوم على أن ثقافة "الإجماع الوطني" و"السلم الاجتماعي" الذي أعلنته قيادات النقابات [وضمنها قيادات النقابات التعليمية]، ومنطق القبول المبدئي بهجمات الدولة مع جرد الاعتراضات الشكلية [اشتراط قبول التعليم عن بعد بتوفير الوسائل، رفض الاقتطاع لصالح صندوق كوفيد- 19 بمبرر إجباريته ولا قانونيته]، وإبداء حسن النية تجاه الدولة... كل هذا لا يؤدي إلا إلى تسريع الهجمات.
أدى "السلم الاجتماعي" وتعليق النضال بمبرر الاصطفاف وراء الدولة لمواجهة الوباء، إلى جعل ميزان القوى مائلا زيادةً لصالح الدولة وأضعف الصف الشعبي، ما يجعلها أكثر جرأة في تنزيل هجماتها.
أ. النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات التربية والتعليم
أصدرت الوزارة مذكرة رقم 20- 0346 بتاريخ 5 يونيو 2020، في شأن مشروع النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات التربية والتعليم العمومي، المتضمن لميثاق التلميذ (ة).
1- تنزيل فعلي للنظام الأساسي لمهن التربية والتكوين
ويعتبر مشروع هذا النظام الداخلي وسيلة لفرض مزيد من الأعباء على هيئة التدريس، في إطار خطة التقشف التي تتخلى عن توظيف ما يكفي من أطر مقابل تكثيف استغلال المتوفر منها. فبعد مذكرة "الأستاذ الرئيس" يأتي مشروع النظام الداخلي النموذجي ليثقل كاهل هيئة التدريس بمهام مثل الحراسة في أوقات الاستراحة، وهي مهام موكولة للهيئة الإدارية، التي شهدت تقليصا كبيرا في توظيف العدد الكافي لأداء المهام الإدارية.
أضاف المشروع مهاما أخرى لهيئة تدريس مثقلة أصلا بساعات عمل طويلة [ضمنها ساعات تحولت من تضامنية إلى رسمية] ومهام التحضير والجذاذات والتصحيح، وكلها مهام تُنفذ خارج ساعات العمل الرسمية. سبق لـ"لنظام الاساسي لأطر الاكاديميات" أن نص على تحميل عبئ هذه الأنشطة للمفروض عليهن- هم التقاعد عبء هذه الأنشطة، ويأتي مشروع النظام الداخلي ليفرض نفس الأعباء على الشغيلة المرسمة: إنها المماثلة والمطابقة في شروط الاستغلال.
ألقى مشروع النظام الداخلي عبء الإشراف على "أنشطة الحياة المدرسية" على كاهل هيئة التدريس، وهي مهام تحتاج إلى توظيف أطر مختصة. لكن الدولة كانت قد أوقفت توظيف أطر الدعم التربوي والاداري (الملحقون- ات التربويون- ات وملحقو- ات الاقتصاد والإدارة) منذ حوالي عشر سنوات، وعدم توظيف إي اطار للدعم الاجتماعي رغم تنصيص النظام الأساسي عليه. وهذا تطبيق حرفي لسياسة التقشف: بدل التوظيف ضاعف استغلال المتوفر من الموظفين- ات.
يدخل مشروع النظام الداخلي النموذجي إذن في أجرأة قبلية لمشروع "النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين" الذي أثار استياءً واسعا في صفوف شغيلة التعليم، أي فرض للأمر الواقع قبل تحويله إلى أمر قائم قانونيا.
2- تفكيك المدرسة العمومية وضرب المجانية
سيخدم النظام الداخلي استراتيجية تحويل المؤسسة المدرسية إلى "مؤسسة ذات استقلالية ذاتية" تشتغل بنفس منطق المقاولة الذي أقره القانون الإطار تحت اسم "مشروع المؤسسة"، حيث يقول النظام الداخلي: "تعتمد المؤسسة التعليمية في تدبيرها على مقاربة تشاركية، وتعمل على تنفيذ وتفعيل مشروع المؤسسة باعتباره أساس تنميتها وتدبيرها الناجع".
إنه وسيلة فعالة في يد الدولة لرفع يدها عن تمويل التعليم العمومي بجعل "الجميع" مسؤولا على إنجاح "مشروع المؤسسة" وتحميل مسؤولية الفشل لهذا الجميع في سياق تفاقم الاختيارات التقشفية للدولة. يقول مشروع النظام النموذجي عن نفسه: "اللبنة الأولى لإرساء حكامة المؤسسة التعليمية والارتقاء بخدماتها". وبالتالي فإن فشل المؤسسة في "إرساء الحكامة والارتقاء بالخدمات" يتحملها "الجميع" [الأطر الإدارية والتربوية، التلاميذ- ات، جمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ- ات].
ستزرع الدولة بهذا النظام النموذجي علاقات التنافسية القائمة بين المقاولات في التعليم العمومي، فتتنافس المدارس على جلب التمويلات من أجل "إرساء الحكامة والارتقاء بالخدمات"، ومن لم يقدم عروضا تنافسية يتحمل مسؤولية فشله.
كما يقر مشروع النظام الداخلي خطة الدولة التي أقرتها منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين القاضية بـ"تنويع مصادر التمويل" أي إشراك "الجميع" في تمويل التعليم العمومي بالصيغة التي أقرها دستور 2011 الذي يحصر دول الدولة في "تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في... الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة"، بدل الالتزام بتمويل كامل من الميزانية الممولة من ضرائب الشعب. وضمن وسائل تنويع مصار التمويل هذه "رسوم التسجيل"، لهذا يتحدث مشروع النظام الداخلي عن "إيصال الأداء" "أداء واجبات إعادة التسجيل".
وفي نفس الوقت يُقر مشروع النظام الداخلي آليات سبق لها أن ضربت تعميم المنحة وباقي الخدمات الموجهة للتلاميذ [الإيواء والإطعام المدرسية]، ومن هذه الآليات حصرها في "ذوي الاستحقاق، حيث يقول المشروع: "تقدم المؤسسة التعليمية... خدمات الإيواء، والإطعام المدرسي، والمنح الدراسية، وتوفر الأدوات المدرسية والنقل المدرسي والدعم المالي المشروط، كل ذلك في احترام تام لمبادئ الاستحقاق الاجتماعي والشفافية وتكافؤ الفرص".
سيجعل النظام الداخلي النموذجي من آليات ضرب مجانية التعليم العمومي، آليات نالت موافقة "الجميع" [التلاميذ- ات وأمهاتهم- هن وآبائهم- هن، الأطر التربوية والإدارية] بعد الإطلاع عليه في مجالس التدبير.
إن خلفية هذه الهجمات ليس ما يدعيه مشروع النظام الداخلي من مفاهيم مفخمة مثل "مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء"، بل خدمة السياسة التقشفية التي تبنتها الدولة منذ عقودها، وكرستها بمبرر الأزمة الاقتصادية التي فجرها كوفيد- 19.
رغم ادعاء "المقاربة التشاركية" إلا أن آلية فرض النظام الداخلي النموذجي، يجري بنفس آليات الاستبداد، فمجالس التدبير حسب مشروع هذا النظام سيُعرض عليها "لإبداء الرأي"، قبل عرضه على مسطرة المصادقة في المجالس الإدارية للأكاديميات. فمجالس التدبير لا صلاحيات فعلية لها، وأقصى ما يمكنها هو التصديق على ما يأتيها من فوق، وفي أحسن الاحوال اعطاء مقترحات يكون مصيرها سلة المهملات. إنها شبيهة الى درجة كبيرة ببرلمان الاستبداد، مهمتها اعطاء شرعية شكلية لقرارات معادية للكادحين. تخدم استقلالية المؤسسة المدرسية أهدافا شديدة المركزة (التقشف، تفكيك الوظيفة العمومية، الخوصصة...).
تقع مهمة تنظيم الحياة المدرسية وصياغة القوانين الداخلية على المعنيين المباشرين بها: أطر إدارية وتربوية وتلاميذ- ات وأسرهم- هن، يصوغون ما يرونه صالحا لتعليم مجاني جيد ولظروف عمل إنسانية. لذا علينا رفض مشروع نظام داخلي وضعته الدولة لتنزيل مخططاتها التقشفية والاستغلالية، وكل حديث عن "المقاربة التشاركية" من طرف قيادات النقابات سيُعَدُّ مطالبة بإشراك النقابات في هذا الهجوم النوعي على حقوق الشغيلة والتلاميذ- ات.
بـ. "مأسسة التعليم عن بعد"
أقرت الدولة "التعليم عن بعد" آليةً رئيسية للتعليم في "القانون الإطار 51- 17"، وفي فترة تعليق الدراسة بسبب الطوارئ الصحية اعتمدت صيغا تجريبية بمبرر ضمان "الاستمرارية البيداغوجية".
كما تحدث مشروع النظام الداخلي النموذجي في باب واجبات الأستاذ (ة) عن "الالتزام بإعداد وتقديم دروس وحصص في إطار التعليم عن بعد".
أثار "التعليم عن بعد" رفضا شكليا يشترط توفير التكوين والوسائل لممارسته، وهو وجه آخر للقبول المبدئي بهذا الشكل من التعليم، بعيدا عن رفضه بسبب ما يمثله من تسطيح للمعرفة وتسليع التعليم وإفراط استغلال الشغيلة.
وبعد المرحلة التجريبية انتقلت الدولة إلى المرحلة الثانية أي "مأسسة التعليم عن بعد". في هذا الإطار أصدرت الوزارة مذكرة رقم 20- 0485 بتاريخ 10 يوليوز 2020، في شأن التعليم عن بعد، تفرض استئناف إنتاج الموارد السمعية البصرية والرقمية ابتداء من 13 يوليوز 2020 حتى نهايته، على أن تستأنف العملية ابتداء من الأسبوع الأخير من شهر غشت 2020... إنه تعدِّ على عطلة شغيلة التعليم، يضاف إلى تراجعات أخرى ضمنها تأجيل توقيع الخروج حتى 27 يوليوز.
وبدل الدعوة للنضال من أجل فرض توقيع محضر الخروج في وقته المعتاد ورفض الأعباء الجديدة على الشغيلة، انزلقت قيادات بعض نقابات التعليم إلى الدعوة للتوقيع الالكتروني، وهو باب لفرض ما تسميه الدولة "رقمنة تدبير الموارد البشرية"، وسينعدم مبرر رفض ملء دفتر النصوص اليكترونيا وغيره من إجراءات هدفها فرض رقابة صارمة على الشغيلة لغايات مالية وليست بيداغوجية [ربط الترقية بالمردودية]... وحين تستجيب الوزارة لمطلب التوقيع الالكتروني سيكون حال لسانها: "أجبرتموني على ما أريد".
سبق وتحدثنا في مقالات ومقاطع صوتية [أوديوهات] وبصرية [فيديوهات] على أن "التعليم عن بعد" آلية رئيسية لمزيد من إضفاء الطابع السلعي على التعليم وفرط استغلال الشغيلة [ربط الترقية بالمردودية والأجر بالعمل، تمطيط وقت العمل] إضافة إلى تسطيح المعرفة والفوضى البيداغوجية لهذه الآلية. وها أن الدولة بعد غياب رد فعل جماعي من الشغيلة والتلاميذ- ات وأسرهم- هن تخطو خطوة نوعية بتنفيذ ما ورد في القانون الإطار من جعل التعليم عن بعد آلية إجبارية إلى جانب التعليم الحضوري.
ج. المزيد من التقشف
أصدر رئيس حكومة الواجهة منشور رقم 9/ 2020 بتاريخ 01 يوليوز 2020، يتضمن تحيينا للمقترحات المتعلقة بالبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات 2021- 2023، وهو منشور يعمق التوجه التقشفي لمنشور رقم 02/ 2020 بتاريخ 11 مارس 2020 الذي جمد الترقيات والتوظيفات الجديدة.
يتعذر المنشور الحكومي بـ"التداعيات الاقتصادية لأزمة كوفيد- 19 وانعكاساتها على المالية العمومية" لفرض "التقيد الصارم بتوجهات التدبير الأمثل للنفقات العمومية"، أي تشديد سياسة التقشف التي تنال دائما من حقوق الشغيلة، وهو ما أقره مشروع القانون المالي التعديلي لسنة 2020 الذي جمد الترقيات والتوظيفات الجديدة باستثناء قطاع "الأمن الداخلي والعسكري"، أما قطاعي الصحة والتعليم فإن سرطان التعاقد قد قطع أشوطا كبيرة في القضاء على الطابع العمومي للتوظيف.
نفس المالية العمومية التي يدعي رئيس حكومة الواجهة أنها تعاني من انعكاسات الأزمة الاقتصادية والصحية، يقر مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020، استعمالا مكثفا لهذه المالية العمومية لإنقاذ المقاولات ومواكبة إقلاعها الاقتصادي دون نسيان خدمة الدين العمومي الداخلي والخارجي.
إما النضال أو الانحدار إلى درك العبودية
لقد رأينا نتيجة الالتزام بـ"الإجماع الوطني" و"السلم الاجتماعي" وإبداء حسن النية تجاه الدولة واستجداء الحوار معها: المزيد من الهجمات التي تجعل وضع الشغيلة أكثر هشاشة وبالتالي أقل قدرة على النضال. إن الوضع صعب جدا، خصوصا مع شبه استسلام لقيادات أدوات نضال شغيلة التعليم [نقابات وتنسيقيات]، وضعٌ علينا أخذه بالاعتبار والاعتراف به، بدل التبجح الفارغ بالقدرة على هزيمة مخططات دولة استطاعت زرع أيديولوجيتها في وعي الشغيلة.
يفرض المستوى الكارثي لأدوات نضال الشغيلة وتضعضعها التنظيمي وتقلص قاعدتها الجماهيرية، التمسك بخط النضال الوحدوي على أرضية أولوية مصالح وحقوق الشغيلة وليس المطالبة بـ"حوار اجتماعي للوقوف على الوضعية الحالية والبحث عن الإجراءات والتدابير لمواكبة إنعاش الاقتصاد الوطني ودعم المقاولة"، كما ورد في بلاغ المكتب التنفيذي لكدش حول جلسة الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف 10 يوليو 2020. فإما الالتزام بمصالح الشغيلة وإما الانحياز لمصالح أرباب العمل، وليس هناك موقع بين المنزلتين مهما غلفناه بعبارة " ضرورة الحفاظ على مناصب الشغل" الواردة في بلاغ مكتب كدش التنفيذي.
يستفيد أرباب العمل من وحدة الصف الطبقي الذي تشكل المَلَكِيَّةُ رأس حربتهم، وليست عبارات "تحت القيادة السامية والرشيدة لجلالة الملك" محض عبارة بروتوكولية يكررها الوزراء والأمناء العامون للأحزاب والبيروقراطيات النقابية، بل تعبيرا عن قوة الطبقة البرجوازية وميل ميزان القوى الاجتماعي لصالحها. في حين يعاني الصف العمالي والشعبي من تشتت القوى وتبديدها في معارك معزولة مُطالبة بالفتات.
إما الوحدة من أجل معارك طبقية على أرضية معادية لمصالح أرباب العمل، وإما الانحدار إلى كارثة اجتماعية ستقضي على النزر اليسير المتبقي من مكاسب العقود السابقة.