حركة النهضة في تونس لا تسقط إلا بسقوط الانتقال الديمقراطي

بشير الحامدي
2020 / 7 / 12

ـ 1 ـ
قوة حركة النهضة جاءت من أنها ظهرت القوة السياسية الأكثر قدرة على حماية مصالح الطبقة البرجوازية التونسية وحراسة نظامها بعد 17 ديسمبر.
في 2011 فسح المجال أمام المشروع السياسي لحركة النهضة للهيمنة على دواليب الدولة والمجتمع والتقطت النهضة مشروع الانتقال الديمقراطي وصار مشروعها ولم تعد ذلك الحزب البرجوازي الصغير العقائدي كما كانت في ثمانينات وتسعينات القرن المنقضي لقد تحولت لحزب برجوازية الخدمات والعقارات والمصارف المرتبطة الأول في تونس وهو ما مكنها من أن تلعب الدور الأول في حراسة مصالح القوى الأجنبية في تونس فرنسا أمريكا ألمانيا تركيا إسرائيل... إلخ
قوة حركة النهضة هذه قابلها عجز تام من الطبقات الشعبية التي أطاحت ببن علي على فرض التغيير المنشود وهو ما فتح المجال واسعا لعملية انقلاب كبرى بدأت منذ هيئة ين عاشور وهي مستمرة إلى اليوم.
وطيلة هذه الفترة وخصوصا في السنوات الثلاثة الأولى من الانقلاب انتقل جزء كبير من الطبقة البرجوازية التونسية التي استندت بعد 1956 على بورقيبة ومن بعده على الديكتاتور بن إلى دعم حركة النهضة راميا وراء ظهره بكل أوهام الحداثيين يمينهم ويسارهم الذين جعلوا من الصراع الثقافوي ومن ثنائية الرجعية والتقدمية أساس الصراع مع النهضة.
ـ 2 ـ
حزب عبير موسى استوعب الدرس اليميني جيدا حيث لم يعد الصراع ضد حركة النهضة بالنسبة إليه مؤسسا على البعد الثقافوي ومن أجل الوفاق على غرار ما دفع إليه نداء تونس في سنة 2014 وما تلاها لما كان طرفا قويا في معادلة الوفاق مع النهضة. عبير موسى صراعها مع النهضة اتخذ بعدا جديدا يهدف إلى استعادة ذلك الجزء من البرجوازية التونسية الذي التحق بحزب النهضة وصار دعامتها الاقتصادية والسياسية. الصراع السياسي السافر بين الحزبين مظهره صراع أحزاب وخلفيته محاولة لدفع التناقضات بين فئات البرجوازية التونسية إلى أقصاها للإنهاء مع حالة الاستقطاب الثنائي وتعدد مراكز النفوذ التي سادت طيلة السنوات التسع الأخيرة من الانتقال الديمقراطي وصهر كل الوكلاء في مشروع واحد وما تأكيد عبير موسى على روابط حركة النهضة بحركة الإخوان المسلمين وبحركات الإسلام السياسي الإرهابية واعتبارها الممثلة المحلية لهذا المشروع إلا دفع في هذا الاتجاه وتحذير للفئات البرجوازية التي ارتبطت بحركة النهضة بعد 2010 وجرها إلى قطع روابطها مع هذا الحزب.
ـ 3 ـ
من أين جاءت عبير موسى بكل هذه القوة السياسية حتى تحولت في زمن قصير إلى القوة الثانية في البلاد؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عنه لتتوضّح أمامنا الرؤية.
قوة عبير موسى متأتية من الأزمة السياسية التي انتهى إليها الانتقال الديمقراطي وانتهت إليها قواه السياسية التي تداولت على الحكم في العشر سنوات الماضية. لقد ظل الانتقال الديمقراطي يخرج من أزمة ليدخل أزمة أعمق واستمرت كل قواه السياسية بما في ذلك اليسار اللبرالي على التمسك به كمسار لتحقيق (العدالة والتنمية والديمقراطية). عبير موسى استثمرت جيدا في هذا المعطى ولما ندرك أن خطابا جذريا يسمي الأشياء بأسمائها يمكن أن يجد آذانا صاغية ويمكن أن يمثل حالة للقطع مع الأوضاع السائدة وفي ظل غياب قوى مستقلة سياسيا وتنظيميا عن الفوق السياسي الفاسد قادرة على تحويله لمشروع مقاومة ندرك من أين جاءت قوة عبير موسى ولماذا تحولت إلى قاطرة للمعارضة الرسمية التي تربط كل أزمة وفشل الانتقال الديمقراطي بحركة النهضة وتجاهر بعداءها لها وإقصائها بكل الطرق من المشهد السياسي.
ـ 4 ـ
حزب النهضة خلال التسع سنوات الماضية أضعف جميع خصومه من اللبرليين الحداثيين ولكن نجاحه في إضعاف خصوصمه لم يحوله لحزب مهيمن فهو البوم في وضع مواجهة لم يكن ينتظرها مع حزب عبير موسى وكذلك على علاقة متوترة وغير مستقرة مع رئاسة الجمهورية وفي مواجهة مؤجلة مع رئيس الحكومة إضافة إلى أن جزءا من القوى اللبرالية المتذررة ستتجه لحزب عبير موسى التي لا تخفي سعيها لقيادة جبهة واسعة معادية للنهضة . إنها كلها أوضاع تجعلنا نعتقد أن حزب حركة النهضة في طريقه للتحول لحجمه الحقيقي قوة سياسية لا تختلف كثيرا عن حركة الشعب أو التيار الديمقراطي أو حزب نبيل القروي.
ـ 5 ـ
جهة واحدة فقط لم يتمكن حزب النهضة من إضعافها طيلة العشر سنوات الأخيرة هي تلك الأغلبية التي ثارت ضد بن علي ووقع الانقلاب على مسارها والتي أصبحت أوضاعها على كل المستويات تلامس أعلى درجات الفاقة تلك الأغلبية التي مازالت وحدها مؤهلة لقلب كل معادلات مسار الانتقال الديمقراطي وحسابات أحزاب النظام وعلى رأسها حزب النهضة وحزب عبير موسى .
حركة النهضة لا تسقط إلا بسقوط الانتقال الديمقراطي

12 جويلية 2020