آيا صوفيا وطمس التاريخ الإنسانى .

منسى موريس
2020 / 7 / 12

الحس الإنسانى المشترك والضمير البشرى السليم يرفضان التعدى على حرية الآخرين وطمس هويتهم لكن الوضع يختلف تماماً مع السياسة التركية العثمانية التي تتفاخر وتتباهى بالغزو والإحتلال ومحو كل هوية مخالفة لإيدولوجية العثمانيين و تحويل "كنيسة آيا صوفيا " إلى مسجد هو خير دليل على تطرف ذهنية الفكر العثمانى ، لأن قوة الدول وتقدمها تتمثل في محافظتها ودفاعها عن قيمة الحرية خاصة الحرية الدينية لا بقمعها وبتقييدها وإغتيالها ، وكل هذه الممارسات التي لا تنم إلا عن ضعف فهى في حقيقتها تعويض لمجد زائف وفقدان للمجد الحاضر والآتى .
أُفتتحت كنيسة " آيا صوفيا " في عام 537 على يد الأمبراطور " جستنيان" وسار جستنيان بمفرده إلى المنبر ورفع يديه إلى السماء ونادى قائلاً « المجد لله الذى رآنى خليقاً بأن أتم هذا العمل الجليل أي سليمان ، لقد إنتصرت عليك »(1) وقد بناها مهندسان مسيحيان و « تم صرف 320,000 رطل من الذهب لبنائها»(2) فكان هذا البناء عظيم من ناحية بنائة وتصميمه فهو أيقونة فنية بيزنطية رائعة بكل المقاييس .
والأسئلة التي يجب أن يطرحها العقلاء ماذا أنتجت لنا الدولة العثمانية؟ ماهو التأثير الحضارى والعالمى للفكر العثمانى ؟ ماذا إستفادت البشرية من هذه الإيدلوجية ؟ هل أنتجت لنا " علوم ، فلسفة ، فنون ، فكر " بالطبع لا بل نجد أن التاريخ العثمانى في مجمله يدور حول التوسعات والحروب والدماء ويقول " خليل إينالجيك" « حين تأسست الدولة العثمانية ، كانت هذه مجرد إمارة صغيرة داخل حدود العالم الإسلامي تعتمد على فكرة الغزو ضد الكفار المسيحيين» (3) وطبعاً مثل هذه الأفكار لايُمكن أن تنتج لنا إلا روح الكراهية والفتن والحروب والتعصب .
وعندما فُتحت القسطنطينية على يد " محمد الفاتح " بعد أن حاصرها لمدة 54 يوماُ وقصفها بأقوى المدافع وجال الجنود في المدينة وقاموا بعمليات السلب والنهب دخل مباشرة إلى كنيسة " آيا صوفيا " وصلى فيها وحولها إلى مسجد وإتخذ القسطنطينية عاصمة له وقال « من الآن ستكون إستنبول عاصمتى »(4) وفى الحقيقة ليست آيا صوفيا هي الكنيسة الوحيدة التي تحولت إلى مسجد في عهده ويقول " محمد فريد " « أعطى المسيحيين نصف الكنائس و جعل النصف الآخر جوامع للمسلمين»(5) وهذا يُفند كل الآراء التي تقول أنه أشترى هذه الكنيسة فلا يوجد دليل تاريخيى يؤكد صحة هذه الآراء فكيف يبيع هؤلاء كنيستهم وهى كانت بالنسبة لهم « ذروة المجد التي أحرزها فن العمارة البيزنطى»(6) وهل هم كانوا بحاجة إلى الأموال حتى يبيعوها ؟ وهم صرفوا عليها كل هذه المبالغ الضخمة؟ بالطبع لا فكل هذه الروايات مجرد تبرير و تخفيف لهذا الوضع المأساوى التى مرت به هذه التحفة الفنية التراثية ، وللأسف الكثيرون يبررون إعلان " إردوغان " لهذا الفعل الذى يتنافى مع أبسط القيم والحقوق الإنسانية لكن هؤلاء دائماً موازينهم مختلة ولا يكيلون بنفس المكيال فعندما يتم الإعتداء عليهم يعتبرون أن هذا غزو وتدمير ولكن حينما يعتدون هم على الآخر ويأخذون ممتلكاتة بالقوة يسمون هذا فتح وإنجاز ، ولكن يجب أن نعلم جميعاً أن الإنجاز الوحيدة هو المحافظة على حرية الآخر وهويتة فالإنسان ذو الفطرة السوية السليمة لايفرح بطمس تاريخ الآخرين وإغتصاب ممتلكانهم سواء كانوا " مسلمين ، مسيحيين ، يهود ، أو أي معبد دينى آخر" فالحرية هي أقدس مقدسات الذات الإنسانية وليس من حق مخلوق أياً ماكان دينه أو إيمانه أن يغتصبها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر
1 - ول ديورانت : قصة الحضارة المجلد 12 ص 263
2 - نفس المرجع ص (262)
3 - خليل إينالجيك : تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار ص (9) دار المدار الإسلامي طبعة أولى 2002
4- نفس المرجع ص (43)
5 - محمد فريد : تاريخ الدولة العلية العثمانية ص( 165) دار النفائس الطبعة الأولى بيروت 1981
6- ستيفين رنسيمان : الحضارة البيزنطية ص(318) الهيئة العامة المصرية للكتاب الطبعة الثانية 1997