-كل نضال طبقي هو نضال سياسي-

عبد السلام أديب
2020 / 7 / 11

أكد البيان الشيوعي لكارل ماركس وفردريك انجلز لسنة 1848 في فصله الأول على أن "كل نضال طبقي هو نضال سياسي"، مؤكدا في نفس الفصل على ان إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. فالحاقا بمقالي السابق في الحوار المتمدن، تحت عنوان "المهام العاجلة لحركتنا"، والذي هو قراءة في مقال مبكر للرفيق لينين، يؤكد فيه على ضرورة ربط النضال الاقتصادي للطبقة العاملة بالنضال السياسي داخل الحزب الاشتراكي الديموقراطي، ويبين فيه بوضوح أن اقتصار الطبقة العاملة على النضال الاقتصادي العفوي دون النضال السياسي يسقطها بالضرورة تحت هيمنة الأيديولوجية البرجوازية.

ولم يكن هذا المقال هو الوحيد للرفيق لينين الذي ينتقد فيه النزعة الاقتصادية للفصائل السياسية داخل الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي ومنافسيه، بل ظلت جل كتاباته تعيد التذكير بضرورة تسيس الطبقة العاملة لتحديد سقف مطالبها السياسية في اسقاط الاستبداد القيصري وفي الاشتراكية، وعل مؤلفه "ما العمل؟" واضح بما فيه الكفاية في نبد الاقتصادية داخل الحركة العمالية والعمل على تسييسها وبناء تحالفا أساسيا مع الفلاحين الفقراء، وهو التحالف الذي سينجز الثورتين لسنة 1905 و1917.

تعرض مقالي السابق الى انتقاد عنيف من طرف السيد فؤاد النمري، بالعبارات التالية "

"... ها أنت تؤكد أن الأحزاب التي تدعي الشيوعية اليوم هي ليست شيوعية ... لكن هذا الوعي المستجد لا يسمح لك بأن تدعو البروليتاريا إلى الدخول في المعترك السياسي كما كان قد دعا لينين ... كيف لك أن تدعو البروليتاريا لأن تدخل المعترك السياسي والشيوعيون جميعهم وأنت منهم كما أعتقد يؤمنون أن مشروع لينين المتجسد في الاتحاد السوفياتي لم يكن هو الثورة الشيوعية التي استشرفها ماركس وحجتهم في ذلك هي أنه لو كان هو الثورة التي قال بها ماركس لما انهار ... لئن كان الشيوعي أديب يقول بمثل هذا القول فعن أية سياسة تدعو البروليتاريا لتبنيها ! وإن كنت لا تقول هذا القول فيترتب عليك حالتئذً أن تفسر لماذا انهار مشروع لينين رغم أنه كان هو الثورة الشيوعية حقيقة قبل أن تعرف أية سياسة يمكنك تبنيها ... أنا أدعوك لأن تقرأ مقالي الأخير -لا سياسة منذ الأمس- المعاكس تماماً لدعوتك"

وعند رجوعي الى مقال السيد النمري تحت عنوان "لا سياسة منذ الامس" وجدت استشهادان بلينين في كتاب "حول الضريبة العينية" وبماركس في "البيان الشيوعي" غير صحيحان، ينسب اليهما قولهما أن "البرجوازية الوضيعة ضد الرأسمالية" كما يعيد تأكيد اطروحاته السابقة حول "انهيار النظام الرأسمالي واختفائه منذ أواسط السبعينات" وسيطرة البرجوازية الوضيعة على العالم كما يتحدث عن تخصص الاتحاد السوفياتي في صناعة الأسلحة كسلع غير منتجة، وعن مؤامرة اغتيال ستالين بالسم وعن جاسوسية ريغان، ولكني لم اجد ولا تفسير واحد حول تبرير عنوان مقاله "لا سياسة منذ الأمس" وحول سبب رفضه دخول الطبقة العاملة في المعترك السياسي.

ونظرا للمناوشات العديدة التاريخية مع السيد النمري في مناقشة اطروحاته التي لا أومن بها، فقد فضلت عدم الدخول في أي جدل عقيم معه مرة أخرى، خصوصا وانه يحاصرك بأسئلة طفولية بليدة لا طائل ورائها. وخاصة انه لا يقرأ أو يفهم ما تقدم له من براهين واستشهادات دامغة ويبقى متشبثا بنفس الأسطوانة وتكرار نفس الشيء.

ونظرا لأن النظريات السياسية لكل من ماركس ولينين تم انتاجها من خلال الفعل الميداني والتجارب العملية التي خاضاها طيلة حياتهما، تشكلت النظرية الماركسية اللينينية كمرشد للعمل السياسي للماركسيين اللينينيين. علما ان ما عبر عنه لينين من نظريات سياسية تم استخلاصها في نفس الوقت من تجربة كارل ماركس وفردريك انجلز ومن تجربته الخاصة في بناء الحزب اللينيني من نوع جديد وفي قيادة الطبقة العاملة نحو الثورة المظفرة لسنة 1917. لذلك فان إقرار السيد النمري بأن الخط السياسي اللينيني في تسييس الطبقة العاملة مخالف للخط السياسي لكارل ماركس، ففي ذلك تعسف كبير على الماركسية اللينينية.

هناك العديد من النصوص الماركسية في الأيديولوجية الألمانية وفي البيان الشيوعي وفي العديد من مراسلات ماركس وانجلز وحتى في وثائق تأسيس الرابطة الدولية للعمال سنة 1864، تشهد على الخط السياسي الماركسي في تسييس الطبقة العاملة من اجل خوض الصراع ضد عدوها الطبقي من اجل الاستيلاء على السلطة وفرض ديكتاتورية البروليتاريا كمرحلة انتقالية نحو المجتمع الشيوعي الخالي من الطبقات ومن السياسة والفلسفة والبنيات الفوقية للسيطرة البرجوازية.

سأقتصر في ما يلي على تقديم مراسلة لكارل ماركس وجهها في 23 نونبر 1871 الى فردريك بولته، حيث يؤكد انه لا مناص من وحدة البروليتاريا في حزب الطبقة العاملة ونبد التيارات والطوائف وهو ما كانت تؤكد عليه البرودونية والباكونينية وما سيؤكد عليه جناح تروتسكي والمناشفة وبليخانوف في المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي. وستؤكد سيرورة النضال البولشفي ونجاح ثورة أكتوبر 1917 رجحان الفكر الماركسي اللينيني في التسييس الكامل للطبقة العاملة في اطار السوفييتات منذ سنة 1905. فيما يلي رسالة ماركس الى بولته والتي تكتف العديد من الأفكار السياسية الكامنة:

" تسست الأممية بغية الاستعاضة عن الطوائف الاشتراكية ونصف الاشتراكية بمنظمة حقيقية للطبقة العاملة من اجل النضال. وان النظام الداخلي الأولي والبيان التأسيسي يشيران فورا الى هذا. ومن جهة أخرى، ما كان في وسع الأممية أن تترسخ، لو لم يكن مجرى التاريخ قد حطم الطوائف. إن تطور الطائفة الاشتراكية وتطور الحركة العمالية الحقيقية هما مناقضان دائما أحدهما للآخر. وليس للطائفة مبرر (تاريخي) ألا طالما لم تنضج الطبقة العاملة لأجل التحرك التاريخي المستقل. وما أن تبلغ حد النضج هذا حتى تمسي جميع الطوائف رجعية من حيث جوهر الأمر. وفضلا عن ذلك، تكرر في تاريخ الأممية نفس ما يتكشف دائما في التاريخ. فإن ما شاخ يحاول أن يتجدد ويترسخ في اطار الأشكال المنبثقة حديثا.

ان تاريخ الأممية كان ايضا عبارة عن نضال مستمر خاضه المجلس العام ضد الطوائف وضد محاولات الهواية المبتذلة التي سعت الى التوطد داخل الأممية ذاتها خلافا للحركة الحقيقية للطبقة العاملة. وقد جرى هذا النضال في المؤتمرات، كما جری بمقدار اكبر عن طريق المفاوضات غير العلنية بين المجلس العام ومختلف الفروع.

وبما أن البرودونبين (الموتويلبين) كانوا في باريس في عداد مؤسسي الجمعية، فمن الطبيعي أن يكونوا قد وقفوا هناك في السنوات الأولى على رأس الحركة. وفيما بعد، تشكلت مقابلهم، هناك ايضا، بالطبع، فرق جماعية ووضعية وغيرها من الفرق.

في المانيا - زمرة اللاساليين. وانا نفسي تراسلت في غضون سنتين مع شفيستر الذائع الصيت، وبرهنت له بما لا يقبل الجدل أن المنظمة اللاسالية منظمة طائفية محضة، وانها، بصفتها هذه، معادية لتنظيم الحركة العمالية الحقيقية الذي تسعى الأممية وراءه. ولكن كان له مبرره) لكي لايفهم هذا.
في اواخر 1868، انتسب الروسي باكونين الى الأممية لكي ينشیء في قلبها، تحت قيادته بالذات، اممية ثانية اسمها (حلف الديموقراطية الاشتراكية). وقد ادعی، وهو الذي لا يملك أي معارف نظرية، بان يكون في هذه المنظمة الخاصة ممثل الدعاية العلمية للأممية ويجعل من هذه الدعاية اختصاصا تختص به هذه الأممية الثانية داخل الاممية.

كان برنامجه عباره عن خليط من الافكار المأخوذة بصورة سطحية من هنا وهناك - المساواة بين الطبقات(!)، الغاء حق الوراثة بوصفه انطلاق الحركة الاجتماعية (نفايات سان سيمونية)، الإلحاد المفروض على اعضاء الأممية بوصفه عقيدة، الخ. اما العقيدة الرئيسية على النمط البرودوني) فهي الامتناع عن الاشتراك في الحركة السياسية.

أن حكايات الأطفال هذه قد لقيت قبولا وديا (ولا تزال تلقاه الآن بدرجة معينة) في ايطاليا واسبانيا حيث المقدمات الفعلية للحركة العمالية قلما تطورت حتى الان، وكذلك بين بعض العقائديين الفارغين، المدعين، المغرورين، في سويسرا الرومانية وفي بلجيكا.

ان السيد باكونين كان ولا يزال يرى في مذهبه (وهو هراء يتألف من مقاطع منتزعة من مؤلفات برودون وسان سيمون وغيرهما) قضية من المرتبة الثانية، مجرد وسيلة لأجل تعظيمه بالذات. ولكن اذا كان في الحقل النظري صفرا، فهو في التآمر من اربابه. فقد اضطر المجلس العام طوال سنوات الى النضال ضد هذا التآمر (الذي حظي، لدرجة معينة، بتأييد البرودونيين الفرنسيين ولا سيما في فرنسا الجنوبية). واخيرا سدد بقرارات الاجتماع الموسع - القرارات الأول والثاني - ضربة هيأها من زمان.

وغني عن البيان أن المجلس العام لن يدعم في امريكا ما يناضل ضده في اوروبا. فأن القرارات الأول والثاني والثالث تعطي الآن لجنة نيويورك سلاحا شرعيا لأجل وضع حد لكل تشيع ولكل فرق الهواية المبتذلة، ولأجل طردها عند الاقتضاء ...

... وبديهي أن للحركة السياسية للطبقة العاملة هدفها النهائي، وهو الظفر بالسلطة السياسية في صالحها؛ ولهذا الغرض، لا بد من تنظيم تحضيري للطبقة العاملة يبلغ درجة معينة من التطور، وينبثق ويتنامى من النضال الاقتصادي نفسه.

اما من الجهة الأخرى، فان كل حركة تضاد فيها الطبقة العاملة، بوصفها طبقة، الطبقات السائدة، وتجهد للتغلب عليها بالضغط من الخارج، انما هي حركة سیاسية. فإن السعي، مثلا، بواسطة الاضرابات وخلافها، الى اكراه بعض الرأسماليين في مصنع من المصانع أو حتى في فرع من الفروع الصناعية الى تقصير وقت العمل، أنما هو حركة اقتصادية بحته؛ أما الحركة التي تستهدف الاجبار على اصدار قانون بيوم العمل من ثماني ساعات، الخ، فهي بالعكس حركة سياسية. وهكذا تنشأ في كل مكان، من حركات العمال الاقتصادية المتفرقة، حركة سياسية أي حركة طبقة تسعى وراء تحقيق مصالحها في شكل عام مشترك، أي في شكل يتسم بقوة القانون بالنسبة للمجتمع كله. واذا كانت هذه الحركات تفترض بعض التنظيم التحضيري، فإنها من جهتها، وبالقدر نفسه، وسيلة لتطوير هذا التنظيم.

وحيث لم تحرز الطبقة العاملة بعد ما يكفي من النجاح في تنظيمها لأجل القيام بزحف حاسم على السلطة الجماعية، أي على السلطة السياسية للطبقات السائدة، ينبغي في كل حال إعدادها لهذا الغرض عن طريق التحريض الدائب ضد هذه السلطة واتخاذ موقف عدائي حيال سياسة الطبقات السائدة. وألا بقيت الطبقة العاملة العوبة في أيدي الطبقات السائدة كما أثبتت ذلك ثورة سبتمبر في فرنسا، وكما تثبته، إلى درجة معينة، اللعبة التي يفلح حتى الان السيد غلادستون وشركاه في لعبها في إنجلترا".

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير