فيمَ تفكر الجماهير؟ بقلم، ازنزار

المناضل-ة
2020 / 7 / 7

"ضمانا لنجاعة أي سياسة تتطلع إلى تحقيق النصر للاشتراكية وسيطرة العمل على الرأسمال، فإن الأهمية بمكان ألا تكتفي بمعرفة الأثر الموضوعي لتطور القوى الإنتاجية على الحركات والتغيرات الاجتماعية، هذا التطور المستقل عن كل إرادة، بل أن تتبين أيضا- وتعطي الأهمية الكافية لذلك- ما يدور في "الرؤوس" أي البنية العقلية للناس الذين يتأثرون وينفعلون بالعمليات الموضوعية التي ينجزونها، تبعا لاختلاف بلدانهم وأحيائهم وزمرهم المهنية وأعمارهم وجنسهم. إن مفهوم الوعي الطبقي يلعب دورا هاديا وقياديا في الحركة والسياسة الاشتراكيتين، ذلك أن "اكتساب الوعي الطبقي" من قبل فئات السكان الرازحة تحت نير الاضطهاد هو الشرط الأول لكل تحويل ثوري للنظام الاجتماعي القائم، ونعني بذلك بلا لبس وبكل وضوح أن البشر لا بد أن يتغيروا تحت تأثير العمليات الاقتصادية والاجتماعية حتى يكون في مستطاعهم إنجاز عمل كبير كالثورة". ["ما الوعي الطبقي؟ نحو علم نفس سياسي للجماهير"، ويلهلم رايش، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطبيعة بيروت- لبنان، الطبعة الثانية فبراير 1979].
يقول ماركس إن "الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقات السائدة"، وهذه إشارة واضحة إلى الهيمنة الثقافية لأفكار البرجوازية على وعي ولا وعي الطبقة العاملة، بحكم امتلاكها وسائل الفرض والانتشار (الأعلام الجماهيري، المدرسة، المؤسسات الدينية... إلخ).
ينتج عن هذا أن الطبقة العاملة تفكر- بعض الأحيان إن لم يكن في أغلبها- ضمن الأطر الفكرية والأيديولوجية البرجوازية، فتغلف- رغما عنها- تطلعاتها باللغة السائدة أحيانا، وأحيانا تقبل الوضع السائد كقدر لا سبيل لرده. ولكن هذا لا يمنع أن تكون الجماهير تُضَمِّنُ تلك اللغة مصالحها المناقضة تماما، لمصالح البرجوازية السائدة وأقسامها الحاكمة.
يشهد المغرب جولات نضال بين مد وجزر، فتصعد الجماهير تارة مبدية آيات القتالية والكفاح، ثم تكبو في حضيض الاستسلام تارة أخرى قابلة بالأمر الواقع. وفي كل الحالات تعبر الجماهير عن وضعها ومصالحها وآلامها، بلغة بعيدة عن قاموس الطلائع الثورية، ما يجعل هذه الأخيرة معزولة عن هذه الجماهير.
تقف هذه العزلة عائقا أمام استجلاء ما تفكر فيه حقيقةً هذه الجماهير، ويجري إحلالُ تطلعات الطلائع محل ما تريده واقعيا. وهذه القطيعة بين الجماهير والطلائع هي إحدى ركائز استمرار سلطة البرجوازية، حيث تعيش الطبقة العاملة واقعها كما هو معطى سلفا، بينما تنصرف الطلائع الثورية إلى استنفاذ جزء من طاقاتها في تصور ما تريده نيابة عنها. وقد عبر عن المعضلة أحسن تعبير ويلهلم رايش في مؤلفه "ما الوعي الطبقي؟" قائلا: "إن الكفاح المر الذي يخوضه ثوريو العالم قاطبة على عدة جبهات يحملهم على ألا ينظروا إلى حياة البشر إلا من وجهة نظر أيديولوجيتهم الخاصة بهم، أو على ألا يقيموا وزنا إلا لوقائع الحياة الاجتماعية المرتبطة بصورة أو بأخرى بأفكارهم ومعاركهم. لكن القسم الأعظم من سكان المعمورة، الذي يريدون تحريره من نير الاضطهاد الرأسمالي، يجهل كل شيء أو يجهل كل شيء تقريبا عن صراعاتهم وامتحاناتهم وأفكارهم، ويحيا عبوديته بقدر أو بآخر من عدم الإدراك، فيوطد بالتالي هيمنة الرأسمال".
في حالات الركود النضالي والاستكانة الجماهيرية، ليس فقط ما تفكر فيه الطلائع الثورية هو المهم، وإن كان صحيحا، بل أيضا ما تفكر فيه الجماهير وإن كان خاطئا ومشبعا بالأوهام.
الأوهام قوة مادية حين تسيطر على الوعي الجماهيري، وما دامت الجماهير تؤمن بتلك الأوهام (إصلاحية كانت أو محافظة) فإنها لن تنخرط في طريق النضال الثوري والتغيير الجذري للمجتمع، إلا بعد تخلصها من هذه الأوهام.
يظل قسم مهم من الكادحين- ات قابلا للوضع القائم، ما دام لا يتبدى له أمل مضمون لتغييره، فالناس لا تفضل المخاطرة في سبيل قضية غير مضمونٍ انتصارُها. أما القسم الآخر، خصوصا ذو تجربة نضالية أو سياسية سابقة أو المستيقظ حديثا، فيظل متمسكا بأوهام إصلاح في إطار نفس النظام السياسي والاقتصادي القائم.
فقط تجربة قاسية ومريرة ومديدة متظافرة مع عمل عنيد وصبور للطلائع الثورية، ستجعل هذه الأقسام (المتفاوتة الوعي والتجربة) تتخلص من هذه الأوهام والانتقال، تدرجا أحيانا وأحيانا أخرى بشكل عنيف ومفاجئ، إلى مستويات وعي أرقى وأشكال نضال أكثر جذرية.
ورغم ذلك تظل معضلة العلاقة بين الطلائع الثورية والجماهير قائمة بكل ثقلها. تفضل الجماهير قيادات من صلبها وتكون شديدة الريبة تجاه من ينصب نفسه- ها قيادة من الخارج ببرنامج معد سلفا، وتَعتبِر تلك القيادات متطفلة على نضالها وساعية لاستغلالها سياسيا. رأينا هذا أكثر من مرة في حراك الريف وجرادة ونضالات شغيلة التعليم (الدكاكين السياسية، انتهازية النقابات).
يستند هذا على تقييم صحيح وصلت إليه الجماهير ذاتها بتجربتها الخاصة، ويكرسه وضع الحياة الحزبية في ظل استبداد سياسي ومعارضة برجوازية تسعى لاستعمال نضال الكادحين- ات لمناوشة هذا الاستبداد من أجل تسويات سياسية (إصلاحات دستورية، ملكية برلمانية)، وأيضا تقييم صحيح لممارسة البيروقراطيات النقابية التي تضحي بمصالح العمال- ات وتطفئ تعبئات نضالية جبارة لإنقاذ السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي مقابل فتات سرعان ما يستعيده أرباب العمل ودولتهم.
إن الوعي العمالي والشعبي متشظٍّ ولا يمكن تصنيفه في خانة محددة: هناك نفور كبير من العمل النقابي، ولكن في لحظات الأزمة (تسريح، حرمان من الأجر...) تكون النقابة الملجأَ الوحيد أمام هذه الأقسام العمالية، بينما تلجأ أقسام أخرى (خاصة شغيلة الوظيفة العمومية) إلى أشكال تنظيمية أخرى أهمها التنسيقيات الفئوية في قطاع التعليم، وفي القطاع الخاص برزت تجربة الجموع العامة المنقولة مباشرة على الانترنت في إضرابات عمال شركة الكابلاج (دلفي) الضخمة.
كما يجد الوعي العمالي والشعبي نفسه رازحا تحت ثقل أيديولوجيات طبقات معادية، برجوازية وبرجوازية صغيرة، تقدمية كانت أو محافظة أو حتى رجعية. وقد أدى تراجع اليسار الثوري وانهيار شبه كلي للحركة العمالية وفقدان الأفكار الاشتراكية لمصداقيتها، إلى بحث الجماهير عن قنوات أخرى لتصريف استيائها والتعبير عن مطامحها أو حتى لتبرير القبول بالأمر الواقع. وكانت هذه الأيديولوجيات جاهزة سلفا: الأيديولوجية الوطنية الموروثة عن الحركة الوطنية القائمة على الإجماع الوطني بين الملكية و "القوى الحية والشعب"، الأيديولوجية البرجوازية الإصلاحية القائمة على تدرج تعاوني للوصول إلى ديمقراطية تحل الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، أيديولوجية رجعية (دينية، ثقافية...) تعد بالرجوع إلى ماضٍ تليد تنعدم فيه أشكال الاضطهاد الحاضرة.
أكيد أن أقوى هذه الأشكال الأيديولوجية هي أيديولوجية "الإجماع الوطني" التي تجعل الشعب منقادا للملكية، باعتبارها "أب الأمة" وممثلها الأسمى والمستجيب لمطالبها، ما يجعل من الشعب رعية تتقبل عطايا الحاكم كما تتقبل عقابه، بنفس الشكل الذي يتقبل به الأبناء عقاب الآباء. وهذه الأيديولوجية هي نتاج مساومة تاريخية بين الملكية والحركة الوطنية من جهة، وبين الملكية وبيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل من جهة أخرى. جعلت هذه التسوية من المكاسب العمالية محض عطايا من الملكية وليس مكاسب نضال، وهو ما زكى صورة "الحاكم الأب" العطوف على "شعبه العزيز"، وهي صورة مشتركة بين بلدان العالم الثالث التي خرجت من الاستعمال بأنظمة بونبارتية مختلفة الأشكال (ملكية، ديكتاتوريات عسكرية أو حتى مدنية).
كرست الأحزاب البرجوازية (مُشارِكة في حكومة الواجهة أو مدعية المعارضة) هذه الأيديولوجية، لأن الملكية بالنسبة لها صمام أمان في وجه نهوض الطبقة العاملة ومفقري المدن والقرى ضد مبدأ المِلكية الخاصة والاستغلال الطبقي. وتجد هذه الأحزاب في أذرعها النقابية التي تسيطر عليها بيروقراطيات حزبية (وأخرى موالية مباشرة للملكية) وسيلة لإبقاء الوعي العمالي في حضيض الانتماء الوطني إلى سفينة واحدة جنبا إلى جنب أرباب العمل تحت رعاية أب الأمة والحَكَمِ بين الطبقات.
معضلة عمال وعاملات المغرب الرئيسية هو انتفاء الإحساس بالانتماء الطبقي إلى طبقة ذات مصالح متمايزة ومتناقضة مع مصالح الطبقات الأخرى، وقد انعكس هذا أيضا في التيارات المدعية الانتساب إلى الطبقة العاملة. فمعظم اليسار الجذري بالمغرب ليس يسارا عماليا طبقيا، جزء منه ذو منشأ برجوازي وطني انحط يمينيا (فيدرالية اليسار الديمقراطي)، والقسم الآخر ذو المنشأ الماوي دفعته تكتيكات المراحلية والحاجة إلى تحالفات إلى التضحية بالهوية الطبقية العمالية لصالح مساومات مع قوى برجوازية أو بيروقراطية نقابية.
يجعل كل هذا الطبقةَ العاملة منزوعة السلاح في وجه الأيديولوجيات المعادية، وفي الوقت الذي يفترض هجوما شاملا ضد مجمل نظام الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد السياسي، تتبدد طاقة النضال العمالي في مناوشات من أجل فتات لا يتعدى تلطيف أشكال الاستغلال القائمة. ونظرا لغياب قوة سياسية تمركز تلك المناوشات، فإن المكاسب الجزئية تبقي على نفس النظام بدل أن تكون رافعة لمراكمة التجربة السياسية والخبرة النضالية في اتجاه قطيعة فعلية مع النظام الرأسمالي.
تعتبر الأزمات الكبرى كاشفا تاريخيا لما يعتمل في أعماق المجتمع. وقد أظهرت الأزمة الاقتصادية والصحية (كورونا) أن الطبقة العاملة مشبعة بالأيديولوجيات المذكورة أعلاه، خاصة "الإجماع الوطني" وأن "الوطن سفينة واحدة تُقِلُّ كل الطبقات". وفي الوقت الذي تتقدم فيه البرجوازية ودولتها بمنظور متكامل لتحميل الشغيلة كلفة الخروج من الأزمة، نجد أن الطبقة العاملة تناوش من أجل الحصول على تعويضات هزيلة جدا أو رجاء الحفاظ على مناصب الشغل، فيما قياداتها النقابية بالخصوص تستجدي الدولة وأرباب العمل من أجل "إشراك النقابات" في تدبير المرحلة بمنظور حريص على "الاستقرار الاجتماعي" و"الاقتصاد الوطني".
لن يكون انعتاق الطبقة العاملة من مستنقع الأيديولوجيات المعادية نتاج عمل تنويري تقوم به نخبة مثقفة معزولة عن الجماهير. فقط تظافرُ العمل الواعي للطلائع الثورية المرتبطة أشد الارتباط بالطبقة العاملة، مع التجربة النضالية الخاصة بهذه الطبقة هو مفتاح سمو وعيها وتخلصِه من سموم الأيديولوجيات الطبقية المعادية.
ويفترض هذا إلماما حقيقيا بمَ تفكر فيه الجماهير وكيف تفكر فيه. إن الوعي العمالي والشعبي مزيج من تشويهات أيديولوجية وتطلعات وآمال بالانعتاق إضافة إلى ما تختزنه ذاكرتها من تجارب النضالات السابقة. ودور الطلائع الثورية ليس التعالي عن الجماهير وإلقاء الدروس من على المنابر، بل الاستناد إلى كل ما هو تقدمي وذو جوهر طبقي عمالي في تجربتها وإبرازه مع أشد محاربة للجوانب الرجعية والمحافظة في هذا الوعي.
لا نعتقد أن الجماهير تثور بسبب نزعته التقدمية، بل كما أشار تروتسكي في مقدمة كتابه "تاريخ الثورة الروسية" بل بفعل "من طبيعتها المحافظة العميقة. وتبقى الأفكار والعلاقات الاجتماعية متأخرة من الناحية الزمنية عن الظروف الموضوعية الجديدة، حتى تجيء هذه الظروف بصورة مفاجئة وكأنها كارثة من كوارث الطبيعة، وينجم عن ذلك خلال الثورة هزات واضطرابات تصيب الأفكار والأهواء، التي لا تستطيع العقول البوليسية فهمها، فتعتبرها من أعمال "الديماغوجيين"".
إن حس المقارنة يلعب دورا كبيرا، ويوم تعتبر الطبقة العاملة أن وضعها الحالي ليس كما كانت تظنه سابقا، عندها سيصبح غير قابل للتحمل. عندها يبدأ التململ العظيم الذي ينتهي بثورة تعتبرها الطبقة السائدة ودولتها نتاج التحريض والدعاية، وليس النتيجة الطبيعية للاستغلال والتناقضات الطبقية للمجتمع الرأسمالي.